ديانا أبو جابر: أحاول الوصول إلى التوازن الثقافي بين تراثي وأميركا

الروائية الأميركية من أصل عربي تقول إنها اختارت حياة «بدوية»

ديانا أبو جابر
ديانا أبو جابر
TT

ديانا أبو جابر: أحاول الوصول إلى التوازن الثقافي بين تراثي وأميركا

ديانا أبو جابر
ديانا أبو جابر

د. ديانا أبو جابر (55 عاما) واحدة من أشهر الروائيين والروائيات الأميركيين العرب. وتركز في رواياتها على تجربتها الشخصية: والدها مهاجر فلسطيني من الأردن. ووالدتها أميركية من أصل ألماني.
تخصصت في اللغة الإنجليزية، وتحل شهادة ماجستير في الكتابة الإبداعية (جامعة وندسور)، ودكتوراه في الكتابة الإبداعية (جامعة بنغهامبتون). ومنذ خمسة وعشرين عاما، تدرس اللغة الإنجليزية في جامعة أوريغون.
من رواياتها: «جاز عربي» و«الهلال»، و«الأصل»، و«طيور الجنة». وتصدر لها قريبا رواية بعنوان «حياة من دون وصفة طبخ». هنا لقاء معها:
> كيف تصفين حياتك بين الشرق والغرب؟
- ولدت في الولايات المتحدة. وعندما كان عمري ست سنوات، قضيت سنتين في الأردن. في ذلك الوقت، قرر والدي، غسان أبو جابر، أن أميركا ليست وطنه، وأنه لا بد أن يعود إلى وطنه الحقيقي، ومع عائلته الأميركية: والدتي، وأختي، وأنا. لكن، قبل أن نقول له إن الأردن ليس مكان استقرارنا، قال هو ذلك. وقرر أن يعود مع عائلته. في كل الأحوال، كانت تلك الفترة في الأردن فرصة مفيدة للتعرف على الحياة في الشرق. وحاولت أن أوازن بين الحياتين، وأن أقنع نفسي بحل وسط. لكن، في نهاية المطاف، قررت أن أعيش في الغرب الذي ولدت فيه، وأن أنتمي إليه.
> قبل شهرين، تحدثت في تلفزيون «سي إن إن» عن المجزرة التي وقعت في كلية أومبغوا (ولاية أوريغون)، في نفس الولاية التي تعيشين فيها، حيث قتل شاب تسعة طلاب. وكتبت رأيا عنوانه: «أميركا ترهب نفسها»، الذي أثار جدلاً، وانتقدك بعض الناس. ماذا تقولين عن ذلك؟
- قلت، وأقول الآن، نحن نعيش في الولايات المتحدة حياة قلق، وتوتر، ويأس. كيف لا وقد صارت أخبار المذابح في الجامعات والمدارس عادية مثل أخبار حوادث السيارات؟ رأيي العام هو أنه يوجد في ولاية أوريغون، مثلما في بقية الولايات، صراع بين الفردية والتقدمية، بين الحرية المطلوبة، والحرية الفردية المتطرفة التي تصر على أن كل شخص يجب أن يفعل ما يريد، مثل أن يشتري بندقية أو مسدسا، ويشتري أحيانا 13 بندقية (كما فعل الذي ارتكب مذبحة ولاية أوريغون).
نتحدث كثيرا عن الإرهاب والإرهابيين. وها نحن نرهب أنفسنا بأنفسنا. لم يأت الذين يرتكبون هذه المذابح في الجامعات والمدارس من دول أجنبية. عندما أقول للأميركيين إنني أنوي زيارة الأردن، وطن والدي، يستغربون، ويسألون: «ألا تخافين من العنف في الأردن؟» وعندما أزور الأردن، يسألونني الأردنيون: «ألا تخافين من العنف في أميركا؟».
الآن، مع أخبار مذبحة أميركية بعد مذبحة أميركية، أسأل نفسي: «هل الأردنيون على حق؟».
> هل الأردنيون على حق؟
- سؤال معقول. لكني، لا أعرف الإجابة عنه. تحتاج الإجابة إلى شخص أكثر ذكاء مني.
> عندما نشرت رواية «أرابيان جاز» (جاز عربي)، كتبت: «أحاول الوصول إلى التوازن الثقافي بين تراثي وأميركا». الآن، بعد مرور أكثر من 20 عاما، هل وصلت إلى هذا التوازن؟ ما أهمية الجزء العربي في أعماقك؟ هل نجحت في الموازنة بين الغرب والشرق في أعماقك؟
- عندما تولد وسط ثقافات متعددة، مثلا عندما تكون طفل مهاجرين، يستغرق بحثك عن التوازن رحلة طويلة، رحلة العمر كله. كتبت رواية «جاز عربي» منذ أكثر من عشرين عاما. في ذلك الوقت، كنت في العشرينات من عمري. وكنت أقرب إلى مرحلة الطفولة وإلى تأثيرات والدي أكثر من الآن. وكانت علاقتي مع تراثي العربي في نطاق حب التمرد. كنت أحاول معرفة من أنا، بعيدا عن أنني بنت والدي. الآن، وأنا قد كبرت في السن، أحس بحرية أكثر لاحتضان ثقافتي، وللنظر إليها من دون انفعالات عاطفية، وبفخر، وبحب، وبانتماء.
> كتبت في ذلك الوقت، أيضا: «لم أحس بأني غريبة في الأردن كما أحسست في هذا البلد (أميركا)». هل تظلين «لا منتمية»؟
- يوجد شيء واحد لطيف في كبر السن، وهو الإحساس بأن جميع الناس ينظرون إلى أنفسهم وكأنهم خارجيون، أو غريبون. لا تنس أن أغلبية الأميركيين وصلت إلى هنا من دول أخرى. أعتقد أن وضع المراقب الخارجي يرتبط بما يرى هو. لهذا، يحتاج إلى أن يخطو خطوة إلى الوراء، ليرى الأمور أكثر وضوحا.. ليرى الصورة الكبيرة. لهذا، بالنسبة للكاتب، ربما يريد أن يفرض على نفسه الابتعاد من الواقع ليرى الصورة الكبيرة، وليراها أكثر وضوحا. انظر إلى إرنست همنغواي، وجيمس بالدوين، وجيرترود شتاين، وجيمس جويس. يبدو أنهم كلهم اختاروا «منفى» كشرط لممارسة أعمالهم الفنية.
أنا، أيضا، اخترت حياة بدوية. تنقلت بين المدن، وبين وظائف التدريس. كان والدي يسميني «بنت بطوطة». لهذا، أحس أني غير «خارجية». ولا بد أن سبب هذا هو أنني اخترت أن أكون «خارجية».
> في رواية «كريسانت» (الهلال)، تحدثت عن العرب في الولايات المتحدة. كان ذلك قبل أكثر من 10 أعوام. كيف ترينهم الآن في ظل هذه «الحرب ضد الإرهاب» المستمرة؟ (في ظل مكتب التحقيقات الفيدرالي، وأمن المطارات، والتنميط، وغير ذلك)؟
- الحمد لله، حدثت تغييرات كثيرة على مدى العشر سنوات الأخيرة. بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، بدا إعلان ما تسمى «الحرب ضد الإرهاب» وكأنه حرب على كل العرب، بما في ذلك العرب الأميركيون، وحتى على أي شخص من أصل شرق أوسطي. بالنسبة لي، كان وقتا غريبا أن أكون كاتبة. وذلك لأن دور المطبوعات والصحف كانت تطلب مني كتابة آراء من منظور عربي أميركي. لكن، عندما لا تعكس كتاباتي النمط المسبق عندهم، لا ينشرونها أحيانا.
لهذا، أحسست بنوع من «الكوكتيل الغريب»، مزيج من القلق، والفضول، والغضب، والمصالحة. طبعا، تسبب هذا الوضع في استهداف جميع الأميركيين (عرب وغير عرب)، وذلك لأنه أثر على بعض المبادئ الأميركية الأساسية، مثل حرية التعبير، والفصل بين الكنيسة والدولة.
> في عام 2005، كتبت في صحيفة «واشنطن بوست» عن «الحرب ضد الإرهاب»، وعن المضايقات التي تعرضت لها في المطارات بسبب خلفيتك العربية. هل ما زلت تتعرضين لهذا المضايقات؟
- منذ بداية عهد الرئيس باراك أوباما، ظهر تغيير كبير في مواقف الحكومة ووسائل الإعلام نحو هذا الموضوع. وصار السفر إلى دول أجنبية بالنسبة لأشخاص مثلي أكثر عقلانية (وأقل خوفا وهلعا). بالتأكيد، قبل خمسة عشر عاما، كان الوضع في أماكن عامة، مثل المطارات، غريبا. كانت هناك أماكن ممنوعة، وكانت هناك تحذيرات عن «مستويات التهديد»، وجو عام من عدم الثقة والشك. الآن، تحسنت الأمور كثيرا.
> ما الدور الذي لعبه، ويلعبه، الدين في حياتك؟ كيف أثر اختلاف ديني والديك عليك؟
- نشأت في بيئة متعددة الأديان. كانت جدتي لأمي كاثوليكية، وكانت والدتي لا تؤمن بدين، واعتنق والدي اعتنق، رغم أنه نشأ في عائلة مسيحية أرثوذكسية.
أعتقد أن أغلبية الديانات الرئيسية في العالم تحتوي على مبادئ التسامح والتعايش. لكن، يبدو أن قسمًا من أتباع هذه الديانات لا ينفذون ذلك. توجد في كتبنا المقدسة العظيمة وثائق رائعة عن أفضل ما في الفكر الإنساني والخبرات الإنسانية. لكن، تقيدنا طبيعة التقصير البشري.
كنا محظوظين لأن والدينا لم يحاولا أبدا فرض أي أجندة دينية علينا. كان والدي يقول إنه لا يهتم بأي دين نعتنق، ما دمنا نعتنق إيمانا بشيء أكبر من أنفسنا. أعتقد أن هذا القول فيه حكمة عظيمة.
> في روايتك القادمة: «الحياة من دون وصفة طبخ»، وفي آخر رواياتك «طيور الجنة»، يوجد كثير من الحديث عن الطعام. هل هذا «هروب» من مواضيع أكثر جدية، مثل العلاقات بين الأميركيين والشرق أوسطيين؟
- لا أعتقد أن هناك أي شيء أكثر جدية وأكثر أهمية في وجودنا من الطعام، بعد الماء والهواء. يغذينا الطعام، وينشط أجسادنا وعقولنا وأرواحنا، ويساهم في تاريخنا وثقافتنا. لا تحتاج أنت إلى أن يكون لك مظهر معين، أو أن تعتقد في شيء معين، لتقدر على الاستمتاع بوجبة من ثقافة مختلفة. تربيت وسط ناس كان هاجسهم الأول هو إعداد الطعام، والاستمتاع بأكله، وبالذين يشاركونهم في أكله. الآن، وقد كبرت في العمر، صرت أدرس كيف أن الطريقة التي نأكل بها تؤثر على كل جانب من جوانب حياتنا: فكريا وعاطفيا، واجتماعيا، وعائليا، وشخصيا.
نعم، توجد آراء تقلل من أهمية الطبخ. وربما من أسباب ذلك هو أنه يخص عمل المرأة أساسا، ويخص الطاقة الجسدية. لكن، لا يمكن الفصل بين الجسد والعقل والروح، مثل سيمفونية عملاقة، أو لوحة رائعة، يرفع الطبخ الجيد مستوى حياتنا، ويعطينا الأمل، ويزيد إحساسنا بأهمية التواصل مع الآخرين.
> كان د. إدوارد سعيد، الأستاذ الجامعي الأميركي، والقومي العربي، يصف نفسه بأنه «غريب» (وكان ذلك من أسباب كتابته في وصيته بأن يدفن في لبنان). وقال بعض الناس إن سبب إحساسه بالغضب هو قوة مشاعره القومية العربية. ما رأيك فيه؟ وهل تأثرت بأفكاره؟
- عندي احترام هائل لأعمال سعيد ولكتاباته. أعتقد أنه قدم للأكاديميين واحدا من أوضح وأبلغ الآراء لفهم التقسيمات الاصطناعية عن «الشرق» و«الغرب»، وهي التقسيمات التي وضعت الأساس لكثير من الأخطاء الاستعمارية والبؤس الإنساني.
أعتقد أن موضوع «الغضب» عنده موضوع معقد. وسبب ذلك هو أن المهاجر من الدول العربية، في كثير من الأحوال، يشعر بخيبة أمل، أو بغضب، بسبب الشوفينية الأميركية والتعصب الأميركي. لكن، يحدث هذا ربما لكل مهاجر. يظل ترك الوطن الأم يعني تقسيم نفسك، مهما كان وطنك الأم، ومهما كان وطنك الجديد. يظل وطنك الأصلي هو، إلى الأبد، وطنك الأم، مستودع الطفولة والتاريخ الشخصي. لهذا، يصبح الوطن الجديد وطنا فوق الوطن الأول، وأكثر قربا لك مباشرة. بصورة أو أخرى، لا بد أن تصاب بخيبة أمل في وطنك الجديد. مثله مثل والد غير والدك الحقيقي.
بالإضافة إلى ذلك، ستجد أن رأيك في وطنك الأول تغير بسبب تجاربك في الوطن الجديد. وهكذا، لا أنت مع القديم تماما، ولا مع الجديد تماما. وأنا لاحظت ذلك في تجربة والدي، التي أراها مثل تجربة إدوارد سعيد. رجلان تقسما بين أوطان، وولاءات، ومنازل، وعائلات.



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».