الكركم.. «الجميل كضوء القمر»

«الزعفران» و«الهرد».. وفي كل بلد تسمية

الكركم.. «الجميل كضوء القمر»
TT

الكركم.. «الجميل كضوء القمر»

الكركم.. «الجميل كضوء القمر»

يعد الكركم Turmeric من أهم البهارات في العالم؛ إذ لا يستخدم فقط مثل بقية التوابل في أطباق الكاري المختلفة في القارة الآسيوية، بل في الصباغة وعلاج كثير من الأمراض.
ويطلق على الكركم الجميل كثير من الأسماء، لولع عديد من البلدان والناس به وباستخداماته، أقلها «بهار الحياة». كما يطلق عليه اسم الزعفران الهندي، بسبب لونه الأصفر البرتقالي الداكن، ويسميه الإيرانيون «الهرد»، وأحيانا يسميه الناس «الكركب»، وأحيانا أخرى «بقلة الخطاطيف»، وأحيانا كثيرة «عروق الصباغين» و«الزرنب الجدوار» و«عقيد الهند»، وكان داود الأنطاكي قد ذكر في كتاب «تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب» أن «الورس يُطلق عندنا على الكركم، وقيل هو أصله، وهو نبت يُزرع فيخرج عروقا كالقطن وحمله كالسمسم، وتبقى شجرته عشرين سنة». وقد استخدم الترمذي اسم الورس في جامع أحاديثه أيضا.. «إذ كانت النساء أيام الرسول صلى الله عليه وسلم تستخدمه لعلاج الكلف». بأي حال، فإن التسمية تعتمد على البلد والمنطقة التي تستخدمه من باكستان والهند إلى إيران والجزيرة العربية وإندونيسيا وتايلاند والصين، وغيرها من البلدان التي تستخدمه بكثرة.
والكركم الذي جاء من جنوب غربي الهند هو من أنواع الجذامير والنباتات العشبية المعمرة ومن الفصيلة الزنجيلية، ولذا يشبه كثيرا الزنجبيل الأصفر العادي في شكله المعوج.
ويحتاج نبات الكركم عادة إلى درجات حرارة عالية وكثير من الماء للنمو، ولذا يأتي طعم جذوره حارا ومرا وأشبه بالخردل. وعندما لا تستخدم الجذور طازجة (بقشوره أو من دونها) يتم سلقها قبل تجفيفها وطحنها للتحول إلى بودرة تباع في الأسواق.
ورغم أن زراعته تنتشر في جامايكا وهايتي وتايوان وباكستان والهند وإندونيسيا والصين، فإن الكركم جاء من جنوب غرب الهند وإندونيسيا، حيث كان يستخدم هناك منذ أكثر من 5 آلاف سنة، كما تشير المعلومات المتوفرة. وقد كان يلعب دورا كبيرا في تراث كثير من شعوب آسيا، وهو من أهم النباتات التي تستخدم في الهند للعلاج الطبيعي، وأصبحت له مكانة مقدسة في الطب الهندي «الأيورفيدي» (علم الحياة) (الأيور: حياة - فيدا أو فيدي: علم أو معرفة)، لأنه ينقي جميع أعضاء الجسم منذ عام 500 قبل الميلاد.. وقد نقله التجار العرب إلى أوروبا مثل كثير من المواد والتوابل في القرن الثالث عشر، وقد انتشر استخدامه في العالم الحديث، خصوصا أوروبا وبريطانيا، بسبب شهرة فوائده الصحية والعلاجية؛ إذ يعد مصدرا أساسيا لفيتامين «بي6»، والألياف والمعادن (الصوديوم والنحاس والحديد والكالسيوم والمغنسيوم والبوتاسيوم والفسفور والزنك وغيره) والسكر والحمض الأميني، ولهذا أيضا يأتي الكركم دائما على رأس لوائح المواد والتوابل العالمية الأكثر فائدة صحيا.
وكان علماء الآثار قد عثروا على آثار الكركم في إحدى الجرار القديمة التي يعود تاريخها إلى 2500 قبل الميلاد قرب نيودلهي في الهند.
ويقال إن ماركو بولو أشار إلى الكركم على أنه الزعفران الهندي الذي كان يستخدم لصباغة الملابس عام 1280، ويقول مايكل كاسلمان إنه على الرغم من وعي الإغريق القدامى بأهمية الكركم، فإنه لم يحظ باهتمام الأوروبيين والأميركيين، كما حصل مع الزنجبيل من ناحيتي الفوائد الطبية والمطبخية، ولذا انحصر استخدامه في أوروبا لفترة طويلة لغايات الصباغة.
ويقال إن الكركم انتقل إلى الصين في عام 700م، وبعد مائة عام من ذلك انتقل إلى شرق إفريقيا وغربها عام 1200 وجامايكا في القرن الثامن عشر.
وقد جاء ذكره فقط في كتاب «تسهيل فن الطبخ» للكاتبة هنا غلاس عام 1747، عندما تحدثت عن إحدى وصفات المخلل الهندي بالكركم، وظل الأمر على هذه الحال حتى بدأ الألمان بدراسته والبحث فيه في بداية العشرينات من القرن الماضي، وقد تمكنوا من إنتاج زيته والتعرف على بعض خواصه الطبية والعلاجية.
وقد صدر خلال الخمسة والعشرين سنة الماضية أكثر من 3 آلاف كتاب عن فوائد ومحاسن الكركم الطبية.
وتضيف الموسوعة أن الكركم كان يعد ميمونا ومقدسا في الهند، ولطالما استخدمه الهندوس في احتفالاتهم الدينية والأعراس منذ قديم الزمان. وقد لعب الكركم دورا مهما في الروحانية الهندوسية؛ إذ كان الكهنة الهندوس يصبغون الجلابيب به، كما كان لونه الأصفر البرتقالي مرتبطا بالشمس في الأساطير التاميلية الدينية القديمة. ولا يزال الكركم من النباتات التسع المقدسة عند التاميل، إلى جانب الموز وأوراق القلقاس والشعير والتفاح والخشب والرمان والأرز.
كما يستخدم جذمور الكركم في جنوب الهند حتى الآن لطرد الشر وإبعاد الأرواح الشريرة.
ويقول فريدريك ريتزل، في كتابه «تاريخ البشرية» عام 1896، إن الناس في مايكرونيزيا كانوا يستخدمون مسحوق الكركم لتجميل الجسم والملابس والأواني خلال الاحتفالات والطقوس الدينية.
ولا يزال كثير من البنغال يصبغون جسد العريس والعروس بالكركم الأصفر قبل أيام من العرس، ولا يزال الكركم يقدم إلى «آلهة الشمس» سوريان خلال احتفالات بونغال التاميلية كعربون شكر.
أنواع الكركم كثيرة، ويصل تعدادها إلى سبعين نوعا، وأهمها هو كركم «لونغا» Curcuma longa كثير الاستعمال، الذي يطلق عليه اسم «الزعفران الهندي» Indian saffron وموطنه الأصلي سريلانكا، وكركم مدراس Madras الذي يستخدم كثيرا في بريطانيا وأميركا، وهو من أنواع الكركم التي تزرع في مناطق التاميل في الهند، و«الليبي» Alleppey المكثف الطعم والداكن اللون، و«الفينغر» Finger الذي يأتي من ولاية كارالا الهندية، ويفضله كثير من الطباخين لطعمه اللذيذ. وهناك كثير من الأنواع الأخرى المرتبطة بنوع كركم لونغا، وهي أنواع برية وغنية بالزيوت تهتم بها الصين مثل أنواع «زيدواريا» Zedoaria و«مانغا» Manga، و«خانثوروهيزا» Xanthorrhiza، التي تزرع في ماليزيا، و«أروماتيكا» Aromatica، و«كاسيا» Caesia اللذين يزرعان في بنغلاديش وشمال الهند.
وتشير الموسوعة الحرة إلى أن أصل اسم كركم الإنجليزي «تومريك» urmeric Curcuma longa غير واضح، وعلى الأرجح أنه جاء من الإنجليزية القديمة من «تاماريت» tarmaret، وهذه تعود إلى اللاتينية «تيرا ماريتا» terra merita التي تعني «الأرض المستحقة»، أو «الأرض الجديرة بالتقدير»، وذلك في إشارة إلى لون الكركم الترابي. ويطلق عليه الفرنسيون اسم «تيري ماريت» terre merite الذي يعني «الجذر الأصفر».
إن اسم جنس نبتة التومريك هو الزعفران Crocus، الذي تدرج من الاسم اليوناني القديم κρόκος – krokos الذي يتدرج بدوره من اللغات الآرامية والعربية بشكل خاص «كركم» kurkum\ Curcuma وهو الاسم العربي الذي يطلق على الزعفران.
ولأن للكركم مكانة خاصة في تعاليم الطب التقليدي في شبه القارة الهندية «الأيورفيدا» فله أكثر من مائة اسم سنسكريتي في الأدب الأيورفيدي، وفي هذه الأسماء يمكن فهم أهميته الطبية والاجتماعية الشعبية والدينية وغيرها من الدلالات التراثية. ومن هذه الأسماء: «جيانتي» jayanti الذي يعني «المنتصر على الأمراض»، و«ماتريمانيكا» matrimanika الذي يعني «الجميل كضوء القمر»، و«بهادرا» bhadra الذي يعني «المحظوظ»، و«كاشبا» kashpa الذي يعني «قاتل الدود»، و«نيشا» nisha أي «الليل»، و«بافيترا» pavitra أي «المقدس»، و«يوفاتي» yuvati أي «البنت الصغيرة»، و«فايراجي» vairagi أي «الذي يبقى حرا من الرغبات»، وغيرها كثير من الأسماء الجميلة والمعبرة.
لسنا هنا بصدد الفوائد الطبية الهائلة للكركم التي تُحصى ولا تُعد، والتي تحتاج إلى مقالة مطولة أخرى، لكننا نحاول التعرف إلى تاريخ الكركم وعلاقة الناس به واستخداماته المطبخية.
ويشير كثير من المصادر إلى أن الكركم جزء لا يتجزأ من كثير من الوصفات والأطباق في جنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط. وكثيرا ما يستخدم في الأطباق اللذيذة المملحة والطيبة وبعض أطباق الحلوى، كحلوى «الصفوف» الذي ينتج من طحين السميد والصنوبر واللوز والكركم. ويستخدم الهنود أوراقه لهذه الغاية، أي لتحضير وصنع الحلوى، ومن هذه الأنواع، نوع باتولي Patoli، أو ما يعرف بكعكة ورق الكركم التي تعرف كثيرا في المناطق الساحلية لغرب الهند. وعادة ما يصنع البتولي من جوز الهند المبروش والأرز ومعجون التمر (الجاغري) قبل أن يوضع في ورق الكركم ويترك على نار هادئة للتبخير. ولا يقتصر استخدام الأوراق الطازجة على الحلوى، بل تستخدم في كثير من الولايات الهندية لطبخ وتحضير كثير من الأطباق.
وخارج جنوب شرقي آسيا عادة ما يستخدم الكركم لصناعة وإنتاج البوظة، في منتجات الألبان والأجبان والكعك وعصير البرتقال والبسكويت والبوشار وشتى أنواع الصلصة والجلاتين، وجزء لا يتجزأ من مسحوق الكاري المعروف والمشروبات المعلبة وغيرهما.
وبالإضافة إلى استخدام الأوراق والمسحوق، يستخدم الكركم طازجا مثل الزنجبيل في عمليات الطبخ والتخليل. ويلجأ الناس في إيران إلى استخدامه في أطباق اليخنة المعروفة بـ«الخروش» عبر قلي البصل بالزيت والكركم.
وفي تايلاند يستخدم الكركم لإنتاج أطباق الكاري المحلية وشتى أنواع الحساء. ويستخدم الإندونيسيون أوراقه ومسحوقه لإنتاج الكاري. وكذلك الأمر في فيتنام، إلا أن الفيتناميين يضيفونه إلى الأطعمة المقلبة بسرعة التي يطلق عليها اسم «ستير فراي».
في حين يستخدمه أهل نيبال في كثير من الأطباق النباتية وأطباق اللحوم، يستخدمه الناس في جنوب أفريقيا فقط لصباغة الأرز وتحويله من أرز أبيض إلى أرز أصفر، وهذا شيء عادي وتقليدي في كثير من الدول.
* من وصفات الكركم المعروفة فطورًا للصباح «متبل اللفت»
المقادير:
- بيضتان.
- كوب من اللفت أو الكرنب المقشر والمقطع.
- ملعقة طعام من الزبد.
- ملعقة شاي من مسحوق الثوم.
- ملعقة ونصف من مسحوق الكركم.
- بعض بهار الفلفل الأسود المطحون والملح.
طريقة التحضير: يتم عادة قلي اللفت في الزبد قبل إضافة البيض المخفوق إلى الخليط. وبعد ذلك يضاف إلى الخليط مسحوقا الثوم والكركم، والملح والفلفل الأسود المطحون.



سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.


كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)
يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)
TT

كيف تحوَّلت عربة «آيس كريم» صغيرة إلى وجهة لزوار الإسكندرية

يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)
يشتهر المحل بطرازه الكلاسيكي البسيط (الشرق الأوسط)

يكفي أن تقول إنك متجه إلى الإسكندرية، حتى تجد اسم «جيلاتي عزة» يتردد في معظم ترشيحات الطعام والمحال بالمدينة. لا يهم إن كنت تزورها للمرة الأولى أو العاشرة، فالتوقف عند الواجهة المطلة على البحر المتوسط يبدو بالنسبة لكثيرين جزءاً لا يتجزأ من زيارة المدينة، واستحضار ذكريات الماضي، تماماً كما هو الحال مع أشهر معالمها، كقلعة قايتباي أو كوبري ستانلي.

يفاجأ كثير من زوار الإسكندرية الجدد بأن «جيلاتي عزة» ليس له فرع واحد، بل عدة فروع تنتشر على امتداد المدينة، باتت بمثابة وجهة للمصطافين، يتشابه معظمها في الطراز الكلاسيكي القديم، واللافتة الزرقاء التي تحمل الاسم، وقائمة المثلجات التي حافظت على وصفاتها التقليدية عبر العقود في مواجهة «الحداثة».

جيلاتي بنكهتي الفراولة والشوكولاته (الشرق الأوسط)

ويروي محمد إبراهيم الذي يعمل في أحد الفروع لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أن تصبح (عزة) سلسلة محلات، كانت في الأصل عربة صغيرة لبيع الجيلاتي في عشرينيات القرن الماضي، وحملت اسم الابنة الكبرى لصاحبها الذي بدأ الوصفة التقليدية للجيلاتي. ومع مرور السنوات، ذاع صيتها واتسعت شهرتها، وتزايدت الفروع، لكن الوصفة الأساسية بقيت كما هي».

إلى جانب المثلجات التقليدية، أضافت السنوات أصنافاً جديدة إلى قائمة «عزة»، من «البيستاشيو» إلى «الكريب» و«الوافل»، لكن سرعان ما يحسم كثيرون حيرتهم بالسؤال عن «الجيلاتي» بنكهته الأصلية، التي ارتبط بها اسم «عزة» قبل أن تتغير أذواق الزبائن وتفرض موضات الطعام الحديثة حضورها على القائمة.

جيلاتي بنكهات متنوعة (الشرق الأوسط)

يخيّرك العامل بين أكثر من حجم للعبوة، بينما يتسع أصغرها لـ«بولة» واحدة من الجيلاتي، بنحو ثلاثين جنيهاً (الدولار يساوي 50.50 جنيه). وعلى خلاف الواجهات الزجاجية المعتادة في محال المثلجات، لا يظهر «الجيلاتي» للزبائن من الوهلة الأولى، إذ يرفع العامل غطاءً معدنياً يغطي الثلاجة، فتتكشف صفوف متجاورة من الألوان، بلا حواجز تفصل بينها.

يشير إلى النكهات واحدة تلو الأخرى: «شوكولاته، فراولة، مانجو، برتقال، ليمون، مستكة، فانيليا»، قبل أن يقترح، لمن لا يستطيع الحسم، اختيار «ميكس» يجمع نكهتين في كوب واحد.

وما إن يقع اختيار الزائر على النكهة التي يريدها للجيلاتي، حتى يسأله العامل: «في بسكوتة ولا كوب؟». وبينما يفضل البعض الكوب الورقي، يختار آخرون البسكويت التقليدي الذي ما زال يُقدّم بشكله القديم، بلونه الذهبي الفاتح وقوامه الهش، من دون أن تكسوه طبقات الشوكولاته أو الفستق أو غيرها من الإضافات التي أصبحت سمة لمحال المثلجات الحديثة، وكأن البسكوتة هي الأخرى تقاوم إغراءات التجديد.

الفرع الرئيسي في منطقة بحري بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

ويبدو تناول كوب من الجيلاتي على إحدى الطاولات البلاستيكية المتراصة أمام فرع «عزة» في منطقة «بحري» جزءاً أصيلاً من تجربة الطعام نفسها؛ فالمكان يطل على البحر والمراكب الراسية، بما يجعل حرارة الصيف أكثر احتمالاً. ويختلف جيلاتي «عزة» عن الآيس كريم التقليدي بقوامه الأكثر تماسكاً، فلا يغلب عليه الطابع الكريمي، بل يحتفظ بقوام يمنحه قدراً من «المطّ» مع كل ملعقة، علاوة على نكهات الفاكهة المركزة.

ويعزو علي جاد، أحد العاملين بفرع بحري، هذا القوام المميز إلى الوصفة التقليدية التي حافظ عليها جيلاتي «عزة» عبر عقود، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد الوصفة التقليدية على إضافة نسب من المستكة والسحلب إلى جانب مكونات أخرى خاصة بالمحل، وهي التي تمنح الجيلاتي قوامه المتماسك ونكهته المميزة».

من أشهر عناوين الآيس كريم في الإسكندرية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «رغم إضافة أصناف جديدة إلى قائمة المنتجات، فإن الجيلاتي الذي اشتهر به (عزة) لا يزال يُحضَّر بالطريقة نفسها التي اعتاد عليها زبائنه منذ سنوات طويلة».

لم تقتصر شهرة الوصفة التقليدية على أبناء الإسكندرية أو زوارها، بل امتدت إلى شخصيات عامة ومسؤولين ورؤساء حرصوا على إدراج المحل ضمن محطاتهم في المدينة من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قام بزيارته في مايو (أيار) الماضي، ضمن جولة في منطقة «بحري»، وهو ما منح المحل حضوراً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي.

ولم يتوقف الأمر عند خبر الزيارة، بل انتشرت لاحقاً صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر ماكرون وهو يحمل كوباً من «جيلاتي عزة».

جيلاتي بأحجام مختلفة (الشرق الأوسط)

ولا تقتصر تجربة «عزة» على الجيلاتي وحده، فمن بين الأصناف التي تملأ اللوحة المعلقة على الجدار تحضر أم علي، والمهلبية، والقشطوطة، والكسكسي الحلو، إلى جانب الآيس فريسكا، والكريب، والوافل الذي يقدم بإضافات متنوعة، من الشوكولاته والكراميل إلى اللوتس والفستق. وتبدو بعض هذه الأصناف مضافة إلى قائمة «عزة» خلال السنوات الأخيرة، بينما لا تزال الحلويات التقليدية تحتفظ بمكانها في الواجهة، وكأن «المنيو» نفسه يوازن بين ذائقة الإسكندرية القديمة وأذواق الجيل الجديد.

ويحظى الأرز باللبن بحضور خاص في القائمة، إذ لا يقتصر على صورته التقليدية، بل يتيح للزبائن إضافة الجيلاتي، أو القشطة، أو المكسرات، أو العسل، في مزج يجمع بين الحلوى الشرقية والمثلجات، ليصبح واحداً من أكثر الأصناف طلباً داخل المحل.

والمفارقة أن فرع «عزة» الشهير في منطقة «بحري» يجاوره اليوم عددٌ من محال الحلويات التي ذاع صيتها في القاهرة، وتعتمد على وصفات متخمة بالكريمة والصلصات السميكة والبسكويت المطحون والإضافات المتنوعة. ورغم ذلك، لا تبدو الطوابير أمامه أقل ازدحاماً، وربما لأن زبائنه لا يأتون بحثاً عن «الصيحات»، بل عن الجيلاتي الذي احتفظ بمذاقه التقليدي طوال ما يقرب من قرن، بتوقيع «عزة».


«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)
TT

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور. فمن خلال طرق التجارة والهجرات والرحلات والحروب، انتقلت التوابل والحبوب وطرق الطهي بين البلدان، لتصل أطباق من ثقافة إلى أخرى وتكتسب مع مرور الزمن نكهات جديدة وهوية مختلفة.

ولعلّ ما نأكله اليوم هو نتيجة قرون طويلة من هذا التبادل الثقافي، فمكونات كانت غريبة عن بعض الشعوب أصبحت جزءاً أساسياً من مطابخها، وأطباق انتقلت من موطنها الأصلي تطورت لتأخذ طابعاً محلياً جديداً. وبين المطابخ: العربي، والهندي، والمتوسطي، والآسيوي، والأوروبي، تكشف رحلة الطعام كيف استطاعت الموائد أن تجمع الشعوب، وتحول الاختلاف الثقافي إلى تجربة مشتركة تتذوقها الأجيال جيلاً بعد جيل.

والدليل على ذلك هو طبق «تاكو آل باستور» الذي يعتبر من أشهر الأطباق المكسيكية، واللافت في قصته صلته بالمطبخ اللبناني، والهجرة والتبادل الثقافي.

القصة بدأت مع موجات الهجرة القادمة من بلاد الشام إلى المكسيك في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ومع انهيار الدولة العثمانية، غادر كثير من أبناء المنطقة، وبينهم لبنانيون وسوريون، موطنهم بحثاً عن حياة جديدة في الأميركتين. واستقر عدد كبير منهم في المكسيك، ولا سيما في مدينة بويبلا، حاملين معهم عاداتهم ولغتهم ومأكولاتهم.

كان من أهم ما انتقل مع هؤلاء المهاجرين أسلوب طهي اللحم على سيخ عمودي دوّار، وهو الأسلوب الذي يشبه الطريقة المستخدمة في الشاورما والدونر في المشرق.

في المكسيك، بدأ هذا الأسلوب يأخذ شكلاً جديداً. فبدلاً من لحم الخروف المستخدم في النسخ الشامية التقليدية، استُخدم في البداية لحم الخنزير، وبدأ اللحم يُتبّل بخليط مكسيكي من الفلفل الحار والتوابل والخل، ثم يُرص في طبقات على سيخ عمودي يعرف باسم «ترومبو».

"ترومبو" المستوحى من الشاورما الشامية (غيتي)

وهنا بدأت عملية التحول: لم تعد الوصفة شاورما كما كانت في بلاد الشام، ولم تكن في الوقت نفسه طبقاً مكسيكياً تقليدياً بالمعنى القديم؛ بل أصبحت شيئاً جديداً نشأ من لقاء ثقافتين.

تُشير روايات تاريخية وغذائية إلى أن البدايات المهمة لهذا الطبق كانت في ولاية بويبلا، حيث استقر مهاجرون من بلاد الشام وبدأوا في تقديم نسخ مكسيكية من اللحم المشوي على السيخ.

ومن هذه البيئة ظهر ما يعرف باسم تاكو أرابيس، الذي يُعد مرحلة مهمة في الطريق نحو «تاكو آل باستور». ومع مرور الوقت، استُبدلت الخبزة أو الخبز المسطح وحل محله التورتيلا المكسيكية.

ثم انتقلت الفكرة إلى مكسيكو سيتي، حيث تطورت أكثر، وأصبح اللحم يُتبّل بالأدوبو المكسيكي، ويُقدّم داخل تورتيلا الذرة الصغيرة. أما الأناناس الذي أصبح اليوم علامة مميزة للطبق، فيوضع عادة فوق السيخ، ويقطع الطاهي منه قطعة صغيرة فوق التاكو إلى جانب اللحم، مع البصل والكزبرة والليمون.

لماذا يسمى «آل باستور»؟

تعني عبارة Al Pastor بالإسبانية «على طريقة الراعي». وهناك تفسيرات مرتبطة بالمرحلة المبكرة التي كان فيها لحم الخروف أو الضأن جزءاً من هذا التقليد، ولا توجد رواية تاريخية واحدة تحسم كل تفاصيل نشأة الطبق، قد يختلف البعض حول السنة التي ظهر فيها التاكو آل باستور في المكسيك، ولكن ما لا يختلف عليه اثنان، هي الصلة بين تقنيات الشواء التي جاء بها مهاجرو بلاد الشام وبين تطور هذا الطبق في المكسيك.

وتشير بعض الروايات إلى أن أبناء المهاجرين اللبنانيين كانوا من الذين ساهموا في إعطاء الطبق هويته المكسيكية خلال منتصف القرن العشرين، وأنه انتشر على نطاق واسع في الستينيات.

ربما تكمن روعة «تاكو آل باستور» في أنه لا ينتمي بالكامل إلى طرف واحد.

تقنية الشواء على السيخ العمودي (الشاورما) تحمل إرثاً شرق أوسطي، بينما التتبيلة والتورتيلا والأناناس والكزبرة والبصل والليمون تنتمي إلى عالم المطبخ المكسيكي.وهكذا تحولت وصفة حملها مهاجرون لبنانيون وسوريون معهم عبر المحيط إلى طبق أصبح اليوم أحد رموز المطبخ المكسيكي، وخصوصاً ثقافة الطعام الشعبي في العاصمة.

أين تأكل أفضل «تاكو آل باستور»؟

في وسط مكسيكو سيتي يمكنك تناوله في «تاكو إل هيكيت» وهو محل يعود إلى عام 1959 ويُعد من المؤسسات التاريخية المرتبطة بالـ«تاكو آل باستور».

أما من يريد تجربة أكثر ارتباطاً بفكرة «الترومبو» والطريقة الشعبية الحديثة، فيمكنه زيارة «إل فيلسيتو»، وهو من الأسماء التي تحظى بشهرة كبيرة بين محبي التاكو في العاصمة.

وهناك أيضاً «إل تيزونسيتو كريادوريس دل تاكو آل باستور» في كونديسا، وهو مطعم ينسب إلى نفسه ابتكار النسخة الحديثة من «تاكو آل باستور» عام 1966، وهي دعوى تاريخية محل نقاش، لكنها جعلت المكان جزءاً من قصة الطبق.

وإذا كان الزائر يريد تجربة مختلفة، فإن «تاكيريا أورينوكو» في روما تقدم نسخة معروفة من التاكو، وإن كانت أكثر حداثة وأقل ارتباطاً بالطابع الشعبي القديم.

أما في لبنان فيمكن تناوله في كل من «لوكاس تاكيريا» الواقع في العاصمة بيروت وهو مطعم متخصص بالتاكو. وإل كاميون وكاتريناس بيروت.

أما في مدينة جبيل فمن الممكن تذوق التاكو التقليدي في مطعم إل مولينو والذي يعود تاريخ افتتاحه لعام 1992.

وهناك أيضاً مطعم في الجميزة يحمل اسم «إل باستور» ومتخصص هو أيضاً في تقديم الطبق.

والمفارقة الجميلة أن اللبناني يستطيع اليوم أن يأكل في بيروت طبقاً مكسيكياً تطورت فكرته جزئياً من تقنية الشاورما التي حملها مهاجرون من بلاد الشام إلى المكسيك. أي أن الطبق، بعد رحلة استمرت أكثر من قرن، عاد إلى المنطقة التي خرج منها أحد جذوره.