يعاني أكثر من 150 ألف مواطن من سكان مدينتي الفلوجة والرمادي، المدينتين الكبريين بين المدن الأربعين في محافظة الأنبار التي يسيطر تنظيم داعش على 35 منها، حصارا خانقا، وسط انعدام تام للخدمات ونقص حاد في المواد الغذائية والطبية، خصوصا بعد اشتداد المعارك وتضييق الخناق من قبل القوات الأمنية العراقية على التنظيم المتطرف فيهما.
ويستخدم «داعش» المدنيين في المدينتين دروعا بشرية، ويمنع مغادرتهم، بل حذر مسلحوه الأهالي من مغبة محاولة الهرب، مهددا المخالفين بالإعدام، بينما تواصل القوات العراقية، التي تتقدم تدريجيا من المحاور الأربعة لمدينة الرمادي وبذات الوقت تفرض حصارا خانقا على مدينة الفلوجة، إبلاغ المدنيين عبر منشورات ترميها الطائرات الحربية بضرورة الخروج من المدينتين.
«الشرق الأوسط» تنقل روايات أهالي المدينتين المحاصرتين في ظل أجواء العمليات العسكرية والقتال المستمر ما بين القوات الحكومية ومسلحي تنظيم داعش، إضافة إلى القصف الجوي والمدفعي على أطراف المدينتين وداخلهما.
وتقول أم يوسف (57 عاما) من سكان منطقة الثيلة وسط مدينة الرمادي: «لم يعد أمامنا غير التضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن ينقذنا من المأساة التي نعيشها في ظل إجرام التنظيم الإرهابي الذي يمنعنا من الخروج من المدينة لكي نعيش بسلام.. أصوات القصف والنيران وعمليات القتل والإعدام التي نراها ونسمع بها بشكل يومي باتت تقض مضاجعنا وتجعلنا في رعب مستمر». وتضيف: «أسرتي تضم 12 فردا ولم نتمكن من الخروج، لأن المسلحين انتشروا في منطقتنا، ولا سبيل لنا اليوم في التواصل مع أهلنا خارج المدينة ونقل مناشداتنا ومعاناتنا سوى أن نجازف بالصعود إلى أسطح المنازل ليلا وبشكل يومي من أجل التقاط إشارة للهاتف الجوال. معظم العائلات لم يعد لديها المال لشراء الطعام. كنا قبل أشهر نصنع الخبز في بيوتنا، فمعظم العائلات عادت إلى صناعة الخبز في البيوت، نطحن القمح بوسائل بدائية ونخبزه في التنور الذي نصنعه بأيدينا من الطين، لكن سعر كيس الطحين الواحد ارتفع إلى ما يعادل مائتي دولار أميركي، واليوم لا وجود أصلا له بسبب الحصار».
نار ودمار وانعدام شبه تام لحركة المدنيين وللحياة بشكل عام، إنها «مدينة الموت»، هكذا وصف محاصرون في الرمادي الأوضاع فيها.
ويقول أبو سيف (60 عاما) صاحب أسواق تجارية في منطقة حي الجمعية وسط الرمادي، إن «تنظيم داعش بدأ بفرض إتاوات على المحال التجارية، وقام بمصادرة بعض المواد والمحال تحت ذريعة ديمومة المعركة، وبات واضحا الإرباك بين صفوف المسلحين، خصوصا بعد تضييق الخناق من قبل القوات العراقية على المدينة من جهاتها الأربع، وعدم وصول إمدادات غذائية وعسكرية للمسلحين، بينما شهدت المدينة في الآونة الأخيرة فرار كثير من العائلات من قبضة (داعش)، بعد انسحاب عناصر التنظيم من داخل الأحياء السكنية وتوجههم إلى مناطق الصراع، الأمر الذي أتاح للبعض فرصة ذهبية للإفلات من قبضة التنظيم الإرهابي والتوجه صوب القطعات العسكرية للجيش العراقي ومقاتلي العشائر».
وأضاف أبو سيف: «السكان المحاصرون يعانون من نقص حاد في المواد الغذائية والطبية، فلم يعد باستطاعتنا جلب المواد الغذائية وبيعها في الأسواق بعد غلق الطريق الوحيد الذي كانت تصلنا البضائع عبره عن طريق مختصين بهذا الشأن يدفعون أموالا لتنظيم داعش، من أجل إدخال المواد إلى المدينة، الأمر الذي ساهم في زيادة الأسعار عشرات الأضعاف».
واعتاد أهالي الرمادي مشاهدة جثث لمدنيين وعسكريين تم إعدامهم من قبل مسلحي التنظيم علق بعضها على الأعمدة أو تم ربطها على أسيجة الساحات والطرق العامة في المدينة. ويروي أبو حارث بعض مشاهداته قائلا: «لم أستطع مغادرة المدينة مع عائلتي لعدة أسباب؛ فوالدي العاجز يعيش معي، وزوجتي لا تستطيع الركض أو القفز لكونها حاملا، ولديّ 4 أطفال، والهرب من منطقتنا يتطلب العبور من النهر عن طريق الزورق، وهذا يتطلب جهدا كبيرا، لذا قررت البقاء في بيتي ومواجهة المصير الذي كتبه الله لنا. أنا أعمل في محل لبيع الخضراوات، وحاليا أواجه المخاطر بشكل يومي، بدءا من الخروج من البيت حتى العودة إليه، والمسؤولية التي أتحملها لا تكمن في سد رمق أهل بيتي فقط، لكن هناك كثيرا من الأهالي الذين لم يغادروا بيوتهم هم بحاجة إلى البقال والخباز والمضمد الصحي، وهذا ما يعينني على الاستمرار».
كما يعاني سكان مدينة الرمادي من غياب الوقود ويتحدثون عن معاناة المرضى، بسبب شح الدواء أو انعدامه مع هجرة الطواقم الطبية المستشفيات والمراكز الصحية التي أصبحت خالية تماما من موظفيها، ويصف بعض المختصين الوضع في المدينة بالكارثي، فالطرق مغلقة والجسور مدمرة مع انقطاع تام في التيار الكهربائي، بسبب تضرر شبكات الكهرباء ومحطات التوليد، والأحياء السكنية يتم استهدافها بشكل يومي نتيجة العمليات العسكرية.
ويقول عضو مجلس محافظة الأنبار، حكمت عيادة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تنظيم داعش وبعد أن أدرك أن مصيره مهدد في مدينتي الفلوجة والرمادي بعد التقدم الكبير للقوات الأمنية، بدأ هو الآخر بتضييق الخناق على المدنيين المحاصرين في المدينتين، من أجل استخدامهم دروعا بشرية أو المقايضة بهم ربما عند الحاجة». وأضاف عيادة: «نحن في مجلس الأنبار وحكومتها المحلية قمنا بنصب مخيمات في مناطق الخالدية وعامرية الفلوجة ومدينة الحبانية السياحية، من أجل استيعاب ورعاية العائلات التي تمكنت من الخروج من المدينتين المنكوبتين، واستقبلنا أكثر من 500 عائلة حتى الآن، وتم تقديم الرعاية الطبية والمعونات الغذائية لهم على الفور، وننتظر قدوم أهلنا القابعين تحت أسر التنظيم المجرم، وطلبنا من القوات الأمنية فتح منافذ آمنة لخروج الأهالي من الفلوجة والرمادي».
ويقول أبو عبد العظيم (48 عاما) وهو معلم في إحدى المدارس الابتدائية في مدينة الفلوجة: «انتقلت مع عائلتي إلى داخل المدينة هاربين من القصف العشوائي من قبل المدفعية والقصف بالبراميل المتفجرة التي دمرت أحياء سكنية بالكامل في أطراف الفلوجة قبل نحو عام. والآن ليست الحال بالأفضل، فالقصف اليومي مستمر، ومعاناتنا تزداد بعد انعدام الخدمات بالكامل. التيار الكهربائي انقطع عن مدينة الفلوجة بأكملها منذ دخول المسلحين، مع انعدام تام لمياه الشرب وتعطيل معظم دوائر الدولة الخدمية. أما الأسعار فلم يشهد تاريخ مدينة الفلوجة ارتفاعا فيها كالذي تشهده الآن».
وأضاف أبو عبد العظيم: «التعليم متوقف بشكل كامل، وهناك مدرستان فقط في وسط المدينة تستقبلان الطلاب، ولا يتعدى فيهما الدوام ساعتين. علما أن الحكومة والمتمثلة في وزارة التربية العراقية قد ألغت الدوام في المناطق التي يسيطر عليها مسلحو تنظيم داعش، ولن تعترف بالامتحانات فيها». وتابع: «الحال لا تطاق هنا. نعاني من نقص شديد في المواد الغذائية والطبية، ومعظم الأهالي مصيرهم مجهول».
ميدانيا، كشف رئيس مجلس قضاء الخالدية التابع لمدينة الرمادي، علي داود، عن تحرير مناطق جديدة من سيطرة تنظيم داعش. وقال داود إن «القوات المشتركة من الجيش والشرطة ومقاتلي العشائر تمكنوا من إحراز تقدم ميداني جديد استطاعوا من خلاله تحرير أحياء القادسية الأولى والقادسية الثانية داخل مدينة الرمادي». وأضاف داود: «مسلحو التنظيم الإرهابي تكبدوا خسائر مادية وبشرية كبرى بعد مقتل وإصابة العشرات منهم خلال مواجهات دارت في تلك الأحياء الواقعة ضمن مركز المدينة».
بين تسلط «داعش» وعمليات القوات العراقية.. معاناة سكان الرمادي والفلوجة تتفاقم
سكان محاصرون لـ {الشرق الأوسط} : لا خيار لنا سوى البقاء
رتل عسكري عراقي يتقدم في شرق الرمادي (إ.ب.أ)
بين تسلط «داعش» وعمليات القوات العراقية.. معاناة سكان الرمادي والفلوجة تتفاقم
رتل عسكري عراقي يتقدم في شرق الرمادي (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








