تونس بعد رابع عملية إرهابية نوعية.. التوافق السياسي أو الفوضى

المتفجرات والأسلحة ليبية والمنفذون «مراهقون تونسيون»

شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)
شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

تونس بعد رابع عملية إرهابية نوعية.. التوافق السياسي أو الفوضى

شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)
شرطي يعاين آثار الانفجار الذي تعرضت له الحافلة خلال الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة التونسية يوم الأربعاء (أ.ب)

يتواصل في تونس تطبيق إجراءات حالة الطوارئ وحظر التجول في العاصمة ليلا مع تعطيل عدد من القوانين من بينها تلك التي تنظم الحق في التظاهر وتنظيم الإضرابات.
وشددت قوات الأمن والجيش التونسي تنفيذ قرار غلق كل المنافذ الحدودية مع ليبيا مع مطالبة جميع الليبيين والأجانب المقيمين في تونس بصفة غير قانونية بتسوية وضعياتهم حتى لا يقع ترحيلهم تنفيذا لـ14 قرارا استثنائيا أصدرها مجلس الأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ردا على العملية الإرهابية «التي استهدفت عشرات من قوات الأمن الرئاسي على بعد 200 متر من المقر المركزي لوزارة الداخلية في الشارع الرئيسي للعاصمة تونس».
وقد كشف رئيس الحكومة الحبيب الصيد ووزير الداخلية ناجم الغرسلي أن «المتفجرات التي استخدمت في الهجوم على حافلة الأمن الرئاسي ليبية كانت تستخدم في المؤسسات العسكرية الليبية في عهد القذافي». لكن السؤال الكبير في تونس اليوم: ماذا بعد هذه العملية الإرهابية «النوعية» الرابعة من نوعها في نحو نصف عام؟ هل سينتصر الخيار السياسي أم تدفع البلاد نحو منعرج أمني عسكري؟
قيادات الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني أجمعت على إدانة الجريمة الإرهابية الجديدة واعتبرت أن «تربة تونس لا تسمح بانتصار الإرهابيين وإن نجحت بعض المجموعات في شن هجمات محدودة» على غرار ما ورد على لسان بوجمعة الرميلي المدير التنفيذي للحزب الحاكم ونور الدين البحيري الوزير السابق للعدل والقيادي في حزب النهضة ومحسن حسن البرلماني والقيادي في حزب المؤتمر الوطني.
لكن كثيرا من السياسيين والخبراء الأمنيين - مثل أمير اللواء المتقاعد والمدير العام السابق للأمن العسكري محمد المؤدب - أعربوا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عن توقعات بـ«أن تشهد تونس عمليات إرهابية جديدة بحكم تداخل الأوضاع الأمنية والسياسية في تونس بالمستجدات في محيطها الإقليمي وخاصة في جارتيها ليبيا والجزائر».
في نفس الوقت أعرب الخبير الأمني محمد ناصر المهداوي عن تخوفاته من «انفجار أزمات أمنية في تونس بسبب نقص الاعتماد على الخبراء الأمنيين الحقيقيين مقابل فتح مزيد من الفرص للسياسيين والجامعيين الذين يفتقرون للخبرة والكفاءة في الملفات الأمنية والعسكرية».
في المقابل حذر الجامعي والمسؤول السابق في الحكومة محمد بن نصر من «الارتجال» الذي برز مجددا عند التعامل مع ملف الإرهاب. وحذر محمد بن نصر من كون «التصدي للإرهاب في تونس لا يكون ممكنا إلا بالكشف عن المخططين والمنفذين لجرائم الاغتيال السياسي وكل الجرائم التي تبعت ذلك».
وطالب بن نصر بـ«فتح ملفات جرائم المافيا السياسية والأمنية التي تفاجئننا كل مرة بعملية أبشع من التي سبقتها في محاولة لاستبلاه الشعب وتزوير الحقائق».
لكن رئيس نقابة الأمن الرئاسي هشام الغربي ورفاقه بدوا «مستائين جدا» من الهجوم الإرهابي الذي استهدف عشرات من زملائهم لأسباب كثيرة لأنه شمل لأول مرة «قوات النخبة التابعة لرئاسة الجمهورية في شارع مدني وسط العاصمة» في محاولة من التنظيمات الإرهابية الإيحاء بكونها قادرة على ضرب كل الأهداف في الجبال والمدن بما في ذلك مؤسسة رئاسة الجمهورية.
ولاحظت بدرة قعلول رئيسة مركز الدراسات الأمنية والعسكرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى كون الهجوم على قوات الأمن الرئاسي هو رابع عملية «نوعية» و«خطيرة جدا» في ظرف 8 أشهر فقط.. بالتزامن مع مجموعة كبيرة من الهجمات الإرهابية التي عمقت التخوفات من الخطر الإرهابي على تونس بعد سقوط عشرات القتلى والجرحى خلال الهجومين على المتحف الوطني بباردو ومقر مجلس النواب في موفى مارس (آذار) ثم على فنادق منتجع سوسة السياحي في موفى يونيو (حزيران).. وصولا إلى ذبح راعي الغنم الشاب مبروك السلطاني في جبل «مغيلة» - 300 كلم جنوبي العاصمة تونس - بعد ترويج شريط فيديو يفسر الجريمة باعترافاته قبل قطع رأسه بكونه «يتعاون مع الأمنيين والعسكريين بمقابل مالي».
وتوقعت بدرة قعلول مع عدد من الخبراء الأمنيين التونسيين والليبيين مثل عبد اللطيف الحناشي وجمال علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن تكون الهجمات «النوعية» التي يشنها «الجيل الثالث والرابع من تنظيم القاعدة» وفروعه في «المغرب الإسلامي» جزءا من تحركات استعراضية لمحاولة «فرض نفسها كمعطى إقليمي ودولي منافس» لـ«داعش» ولقيادات «القاعدة» القدامى في أفغانستان وباكستان.. بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وتلامذتهم.
وتوقع الخبير في الإعلام والاتصال والعلاقات الدولية رضا الكزدغلي أن «تشهد تونس ضربات أمنية جديدة إذا لم ينجح مسار التسوية السياسية في ليبيا وإذا لم تنجح قيادات الحزب الحاكم في تونس - حزب النداء - في تجاوز تناقضاتها ومخاطر انقسامها.. لأن انهيار الأغلبية البرلمانية الحالية قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة واستفحال مخاطر الفوضى والمنعرجات الأمنية والعسكرية مجهولة العواقب.. وقد يكون من بينها دفع تونس نحو خيارات تشبه المنعرج الذي سجل في مصر وليبيا في صائفتي 2013».
وانتقد ممثلو منظمات حقوقية وإعلامية تونسية - مثل الإعلامي المعارضي محمد بنور - طريقة تعامل غالبية المسؤولين السياسيين والإعلاميين و«أشباه الخبراء الأمنيين» و«ممثلي النخبة» في وسائل الإعلام بعد جريمة حافلة الأمن الرئاسي بالقرب من شارع بورقيبة. واعتبر بنور أن ذلك «لا ينبئ بحصول تطور إيجابي جدي في التعامل مع ملفات العنف والإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والأجندات السياسية للقوى المعادية للديمقراطية والإصلاح الحقيقي في تونس ودول المنطقة».
ورجح الصحبي الجويني رئيس نقابات الأمنيين التونسيين أن «تتسبب أخطاء السياسيين والمسؤولين الحكوميين والإعلاميين في أن تشهد تونس مجددا عمليات إرهابية جديدة يسقط فيها مزيد من الأبرياء المدنيين والعسكريين والأمنيين.. هدفها زعزعة استقرار النظام مثلما ورد على لسان رئيس الحكومة الحبيب الصيد».
وقد اعتبر الجامعي والخبير في الدراسات السياسية والقانونية نوفل سعيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن من بين ما يثير الانتباه أن غالبية وسائل الإعلام. والقنوات الإذاعية والتلفزية تابعت بعد جريمة محمد الخامس - شارع بورقيبة تعليقات تبدو أقرب إلى «السطحية» والترويج لمفاهيم «بدائية» للإرهاب ولاستراتيجيات مكافحته.. مثل ضرورة سن قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب.. وكأن الانتحاري سيستفسر «الخبراء» عن عقوبته بعد موته في هجوم إرهابي يتسببه في مقتل عدد من المدنيين والعسكريين الأبرياء؟؟
وبعد أن تبين أن منفذي سلسلة الهجمات الإرهابية الجديدة
في تونس «شبان ومراهقون كانوا مدمنين على الكحول والمخدرات قبل أن تستوعبهم الجماعات المتشددة دينيا» فإن السؤال الكبير بالنسبة لعالم الاجتماع والوزير السابق للثقافة المهدي مبروك: متى تبدأ الأطراف السياسية والإعلامية والأمنية تقديم قراءات علمية معمقة وهادئة للأسباب الحقيقية لبروز ظاهرتي الإرهاب والتهريب ثم تعاظم تأثيرهما في الأوساط الشبابية خاصة بين أبناء الولايات الحدودية مع ليبيا والجزائر والجهات المهمشة في الجنوب وفي المناطق الغربية والأحياء الشعبية «وأحزمة الفقر» حول العاصمة وبعض المدن الكبرى؟
في الأثناء كشف وزير الداخلية نماجم الغرسلي والوزير المستشار لرئيس الحكومة كمال الجندوبي أن من بين أولويات الحكومة مستقبلا «تجفيف المنابع المالية والفكرية للمجموعات الإرهابية».
وفي هذا الصدد برزت دعوات إلى «تضييق الخناق» على عدد كبير من الجمعيات والأحزاب وفرض سلطة الدولة على الجوامع «الخارجة عن القانون».
إلا أن كثيرا من بين من قاموا بدراسات معمقة لتطورات شبكات المجموعات المسلحة والعصابات المتشددة في تونس والمنطقة العربية - مثل الوزير السابق أسامة رمضاني - يشككون في نجاعة «ردود الفعل الفلكلورية» و«القرارات الاستعراضية» مثل التلويح بحظر مجموعة من الجمعيات والأحزاب. ويسجل الجامعي علية العلاني أن «المسلحين الجهاديين» و«الإرهابيين الجدد» ليسوا بالضرورة من بين رواد الجوامع ولم يعودوا من بين من يطلقون اللحى ويجبرون النساء على ارتداء النقاب والحجاب.. بل لقد تبين أن بينهم من كان يحتسي الخمر ويتناول المخدرات ويرقص ليلا في ملاهي الفنادق السياحية.
لكن السؤال الكبير بالنسبة للتونسيين والتونسيات هو: ما هي الخطوات العملية العاجلة المطلوبة اليوم لمكافحة الإرهاب والمجموعات المسلحة أو الحد من الخطر؟
ألا ينبغي دعم خيار التوافق السياسي مجددا وتقوية الحكومة والبرلمان «حتى لا ينهار البيت على كل من فيه من ليبراليين ويساريين وإسلاميين»؟
الوزير السابق والقيادي في حركة النهضة عبد اللطيف المكي حذر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من مخاطر «دفع البلاد نحو المجهول».
في المقابل دعت الأمينة العامة للحزب الجمهوري إلى «خطة إنقاذ سياسي شامل تجنب البلاد مخاطر المنعرجات العسكرية والأمنية التي تطيح بالتجربة الديمقراطية». وطالب الزعيم التاريخي للمعارضة التونسية أحمد نجيب الشابي الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى إصلاحات سياسية وأمنية اقتصادية فورية تهدف إلى «القضاء على الأسباب العميقة للجريمة والعنف والفوضى والتطرف ومن بينها الفقر والتهميش والأمية والبطالة والإحساس بالضيم والظلم».
لكن أولوية الأولويات قد تكون حسب الجامعي ورئيس رابطة التعدد الثقافي احميدة النيفر والناشط الحقوقي محمد القوماني قد تبدأ بإجراء دراسات مقارنة للتجارب الناجحة في مكافحة التطرف والعنف والجريمة المنظمة والإرهاب مثل تجارب المغرب والجزائر والأردن.. أي التجارب التي اهتمت بالأبعاد الفكرية والدينية والسياسية عند رسم مخططات محاربة «التكفيريين» والإرهابيين.
ولئن تميزت منطقة المغرب العربي تاريخيا بعلماء وكتاب مسلمين متسنيرين مثل ابن خلدون وابن رشد والشاطبي وسالم بوحاجب والثعالبي والطاهر والفاضل بن عاشور والطاهر حداد.. فإنه من العبث إهدار الطاقات في التسلح والمعارك الأمنية في بلد يفتقر إلى سياسات ثقافية وعلمية ودينية عقلانية رغم ثراء مكتبته العربية الإسلامية المستنيرة، حسب أستاذ الحضارة والفكر العربي والإسلامي في الجامعة التونسية زهير بن يوسف.. الذي أكد على كون «الفكر لا يحارب إلا بالفكر» واعتبر أن «قتل عشرات الإرهابيين لن يعني أبدا القضاء على فكرهم الذي انتشر في كل مكان.. لأن الصحوة الإيمانية التي لا تقترن بالوعي والعقلانية تفرز التطرف المتعدد الألوان».
وإذا لم تنظم حملات شاملة وسريعة لنشر الفكر الإسلامي المستنير فقد تكون تونس وكامل المنطقة ضحية لأعمال إرهابية جديدة تخسر فيها المزيد من الأبرياء المدنيين والعسكريين والأمنيين.
لكن كل تلك الحملات لن تنجح إلا على وقع إدخال إصلاحات جوهرية على أداء مؤسسات الدولة وهياكلها.. وإذا قرر صناع القرار الاقتصادي والسياسي أن يستبعدوا نهائيا سيناريو جر البلاد إلى الفوضى فعليهم العودة إلى خيار التوافق السياسي الذي يعتبر نقطة القوة الرئيسية في «الاستثناء التونسي» منذ سنوات.



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.