أسبوع فرنسي حافل في الحرب على «داعش».. «وتحرير الرقة» والموصل الخطوة التالية

بارزاني مستعد لمشاركة البيشمركة * هولاند في واشنطن ثم موسكو.. وحاملة الطائرات «شارل ديغول» جاهزة للبدء في عمليات القصف الجوي

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول ترسو في شرق المتوسط قبالة السواحل السورية للمشاركة في الحرب على داعش (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول ترسو في شرق المتوسط قبالة السواحل السورية للمشاركة في الحرب على داعش (أ.ف.ب)
TT

أسبوع فرنسي حافل في الحرب على «داعش».. «وتحرير الرقة» والموصل الخطوة التالية

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول ترسو في شرق المتوسط قبالة السواحل السورية للمشاركة في الحرب على داعش (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول ترسو في شرق المتوسط قبالة السواحل السورية للمشاركة في الحرب على داعش (أ.ف.ب)

أسبوع حاسم ينتظر الدبلوماسية الفرنسية في مساعيها لحشد تأييد دولي للحرب على الإرهاب، خصوصا الدفع باتجاه إقامة تحالف دولي «وحيد» لقتال «داعش» يحل محل التحالفين الموجودين حاليا: الأول، وهو الأقدم، تقوده الولايات المتحدة الأميركية ويضم نحو ستين دولة بينها فرنسا. والثاني انطلق مع بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وهو بقيادة روسيا ويضم إيران والعراق وقوات النظام السوري.
ويترافق ذلك مع وصول حاملة الطائرات «شارل ديغول» ومجموعتها المرافقة إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط، مقابل الشواطئ السورية التي أرسلت إليها بأمر من الرئيس فرنسوا هولاند بعد مجزرة ليل الجمعة - السبت 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. وأعلن وزير الدفاع جان إيف لودريان أمس أن الحاملة التي تنقل 26 طائرة قاذفة مقاتلة منها 18 طائرة من طراز «رافال» وثماني طائرات من طراز «سوبر أتندار»، ستكون جاهزة للبدء بالعمليات الجوية ضد مواقع «داعش» ابتداء من اليوم الاثنين بحيث توفر لباريس قوة نارية لا يستهان بها وذلك في مهمة أولية من أربعة أشهر. كما أعلن الوزير الفرنسي أن المرحلة المقبلة ستكون لتحرير الرقة، بمهاجمة «داعش» في عقر داره بمساعدة من قوات أرضية، يرجح أن تكون من أكراد العراق.
يذكر أن العمليات الجوية التي كانت تقوم بها الطائرات الفرنسية فوق العراق ثم فوق سوريا كانت تنطلق من قاعدة الظفرة في الإمارات العربية المتحدة ومن إحدى القواعد الجوية في الأردن، ومجموع هذه الطائرات «من طراز (رافال) و(ميراج)» لم يكن يتجاوز الـ12 طائرة.
يبدأ أسبوع هولاند باستقبال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون صباح اليوم. واستبق كاميرون مجيئه إلى باريس بأن أمر بانضمام فرقاطة بريطانية إلى القطع البحرية الفرنسية في شرقي المتوسط في بادرة دعم لفرنسا ومشاركة في مجهودها الحربي. وقالت مصادر دبلوماسية فرنسية أول من أمس إن باريس تأمل في أن ينجح كاميرون في اجتياز امتحان مجلس العموم البريطاني والمشاركة في العمليات الجوية ضد «داعش» في سوريا. وتعيد هذه المصادر إلى الأذهان أن مجلس العموم «خذل» كاميرون في عام 2013 عندما منعه من المشاركة في ضربات ضد قوات النظام بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطتين الشرقية والغربية. والرهان الفرنسي اليوم على التصويت بالإجماع على قرار مجلس الأمن الدولي رقم «2249» الذي «يطلب» من كل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية «اتخاذ كل التدابير الضرورية.. من أجل تدارك ووضع حد للأعمال الإرهابية «التي يقوم بها (داعش) و(النصرة). وبحسب باريس، فإن القرار الدولي من شأنه تشجيع لندن «والعواصم الأخرى» على الانخراط في الجهد الدولي المطلوب لـ«تدمير» تنظيم داعش وفق ما قاله الرئيس الفرنسي أمام النواب والشيوخ المجتمعين في قصر فرساي ووفق ما أكده وزير الدفاع في حديثه الصحافي أمس.
من جانبه، أعلن وزير الخارجية لوران فابيوس أن «من المهم أن تنخرط كل الدول عمليا في هذه الحرب (على الإرهاب) أكان ذلك من خلال العمل العسكري أو البحث عن حلول سياسية أو تجفيف مصادر تمويله». وتشكو باريس من أن شركاءها الأوروبيين لا يمدون لها يد المساعدة كفاية في حربها على الإرهاب إن كان في سوريا والعراق أو في أفريقيا. ورغم اجتماع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي الاثنين الماضي في بروكسل والإعراب عن الدعم «الجماعي» لباريس، فإن ذلك لم يترجم حتى الآن بتدابير وإجراءات عملية. وتريد باريس عمليا مساعدة لوجستية (طائرات نقل، تزودها بالوقود جوا..» وأسلحة وذخيرة وتبادلا أقوى للمعلومات الاستخباراتية فضلا عن قوات للحلول محل القوات الفرنسية خصوصا في مالي. ولذا، فإن «البادرة» البريطانية مرحب بها كثيرا في فرنسا.
يبدو أن المحطة الفاصلة للرئيس هولاند في هذا الأسبوع الدبلوماسي العسكري ستكون يوم الخميس في موسكو بمناسبة لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد أن يكون قد التقى غدا الثلاثاء الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن. وبين الموعدين، سيستقبل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في باريس. ويعول هولاند على هذه اللقاءات من أجل بلورة تحالف دولي موحد ضد «داعش»، فيما باريس وموسكو اجتازتا خطوات كثيرة للتقارب السياسي والعسكري خصوصا بعد أن «عدلت باريس موقفها عقب الهجمات الإرهابية بأن أعلنت أن (عدوها) تنظيم داعش؛ مما فسر على أن أولويتها في سوريا دحر التنظيم المتطرف، مما يعني أن مصير رأس النظام في سوريا لم يعد من بين الأولويات». لكن مصادر دبلوماسية في باريس قالت لـ«الشرق الأوسط» إن مسعى باريس «سيكون صعب التحقيق» لسببين رئيسيين: الأول، أن الولايات المتحدة وكثيرا من دول التحالف الذي تقوده ليسوا مستعدين للعمل مع القوات الجوية الروسية. والثاني، أن الخلافات السياسية «عميقة للغاية» خصوصا في ما يتعلق بمصير الأسد. لكن هذه العوائق لن تمنع باريس من بذل الجهود من أجل درء ما وصفه مجلس الأمن في قراره الأخير بأنه «تهديد عالمي لا مثيل له للسلام والأمن الدوليين». وبحسب بيان أصدره قصر الإليزيه، رأى هولاند أن القرار المذكور «سيساهم في توحيد الجهود الدولية من أجل القضاء على (داعش)».
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي أمس لتؤكد على هذا التوجه؛ إذ إن أوباما، بعد أن كان يتحدث عن «احتواء (داعش) وإضعافه» أخذ يتحدث عن «تدميره».
يرى وزير الدفاع الفرنسي أن الحرب ضد داعش «مزدوجة»: حرب الظل والحرب القائمة في الميدان. وفي رأيه، يتعين محاربة «داعش» بوجهيه: الأول بوصفه دولة منظمة قائمة على أراض في العراق وسوريا، والثاني بوصفه حركة إرهابية «هدفها ضرب العالم الغربي». وأضاف لودريان أنه يتوجب «مطاردة الإرهابيين، أولئك الذين يحاولون ضرب الديمقراطية.. كما يجب في الوقت نفسه توجيه الضربات في الصميم في ساحة المعركة، في المشرق، للقضاء على التنظيم». وفي تصوره، يتعين ضرب مواقع القرار السياسي لـ«داعش»، أي الموصل وأيضا مدينة الرقة، حيث توجد مراكز التدريب والمقاتلون الأجانب، أي المقاتلين المخصصين للتحرك في الخارج.
وخلال الأيام الماضية، ركزت باريس ضرباتها على المدينة السورية وعلى ما تعتقد أنه مراكز القيادة والتخطيط للعمليات الإرهابية في فرنسا وأوروبا. كذلك دعا الوزير الفرنسي إلى استهداف مصادر تمويل «داعش» وأولها النفط وحقوله. وفي إشارة إلى التوجهات الجديدة للخطط العسكرية الأميركية، نوه الوزير الفرنسي ببدء الطيران الأميركي استهداف الحقول النفطية التي يستغلها «داعش» في سوريا والعراق، وهو ما بدأت تقوم به أيضا الطائرات الروسية فوق سوريا.
وفي سياق المخاوف من تجدد الاعتداءات الإرهابية في فرنسا، خفف وزير الدفاع من التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة مانويل فالس التي تناول خلالها التهديدات الإرهابية بما فيها استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. وبرأي لودريان، فإن ذلك يندرج بين «المخاطر» التي يمكن أن تحصل. لكنه سارع إلى طمأنة الرأي العام بتأكيد أن كل «التدابير الاحترازية قد تم اتخاذها» لتلافي حصول اعتداءات كهذه.
على صعيد آخر، اعتبر لودريان أن عدم توصل الأطراف الليبية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية سيكون بمثابة «انتصار لـ(داعش)» الذي سيستمر في بسط سيطرته على أراض ليبية. ورأى الوزير الفرنسي أن «الوضع يتطلب تحركا عاجلا.. (داعش) يسيطر على أراض انطلاقا من سرت ويعمل على النزول نحو حقول النفط»، مضيفا أنه يتعين على الليبيين أن «يدركوا أن الاستمرار بهذا المنطق (ويعني المواجهة والانقسام) سيكون انتحاريا في حين أن لديهم السبل عبر توحيد قواهم للقضاء على (داعش) وطرده».
من جهته، أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في حديث صحافي أمس أنه مستعد لإرسال قوات البيشمركة إلى مدينة الرقة في سوريا لتحريرها من تنظيم داعش الإرهابي، «إذا أنشئ تحالف دولي من كل القوى الدولية التي تقاتل (داعش)».
وقال المستشار الإعلامي في مكتب رئيس الإقليم، كفاح محمود لـ«الشرق الأوسط»: «الرئيس مسعود بارزاني تحدث عن استعداد الإقليم لإرسال قوات البيشمركة لتحرير الرقة في حال إذا توفرت الفرصة لتحالف دولي كبير وواسع يجمع كل الأطراف التي تقاتل (داعش)، وإذا احتاج هذا التحالف لقوات البيشمركة أو طُلِبَ من البيشمركة أن تشارك معهم، كقوة أثبتت جدارتها في مقاتلة (داعش) منذ أكثر من عام ونصف، وحققت انتصارات كبيرة وكانت محط إعجاب المجتمع الدولي بشكل عام، فإنها وبعد موافقة برلمان الإقليم بالتأكيد ستكون جزءا من التحالف الدولي لمقاتلة (داعش)، وستشارك في تحرير مدينة الرقة».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.