حفل موسيقي كلاسيكي بمعان كثيرة، ورسائل كثيرة، أحياه مساء أول من أمس المايسترو ذو الصيت العالمي فارتان ملكونيان، في «كازينو لبنان»، بصحبة «أوركسترا بيروت السيمفونية». وبدعوة من «مهرجانات بعلبك الدولية» و«اللجنة المركزية في لبنان لإحياء الذكرى المئوية لإبادة الأرمن» عاد المايسترو الأرمني الذي ولد في لبنان وبقي فيه حتى سن الثانية والعشرين، ليعيش تجربة فريدة في غرابتها، قبل أن يغادر إلى بريطانيا. عاد الرجل إذن ليحيي حفلاً تحت عنوان «موسيقى تنقذ الحياة» مهدى بكليته إلى السيدة الدنماركية ماريا جاكوبسون، التي ربته يتيمًا في مدينة جبيل وشحنت روحه بحب الموسيقى يوم لم يكن له أب ولا أم. «حفل اليوم ما هو إلا للاحتفال بانتصارنا على البؤس وإدانة صارخة لمحاولات الإبادة الجماعية من خلال الإبداع الفنّي»، قالت سيتا هاديسيان رئيسة اللجنة المركزية في لبنان لإحياء الذكرى المئوية لإبادة الأرمن في تقديمها للحفل معتبرة أن فارتان ملكونيان مثل يُحتذى به في ذهن الكثير ممّن عانوا الأمرين بأنّ الأمل بالمستقبل كبير.
أطل المايسترو الذي قضى ردحًا من حياته في ملجأ وسنوات طوال بعدها مشردًا في الشوارع ليبدأ حفله ويروي قصته، بعد كلمة من رئيسة مهرجانات بعلبك نايلة دوفريج، قالت فيها إنه حفل للأمل والامتنان والمثال، خصوصًا عندما نشاهد في أيامنا هذه كيف أن الهمجيّة تُنافس الثقافة.. كلّ فرد منّا بإمكانه المساعدة، وكلّ حسب طريقته، على أن يكون دعاة الإنسانية ومحبّو الغير منتصرين على الظلاميّة». فيما ذكّر عبد السلام سيد أحمد الممثّل الإقليمي لمفوّضية الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن «أكثر من 100 مليون طفل يعيشون في الشوارع اليوم، وعلينا أن نساعدهم».
الاحتفال بالذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، دعم أطفال الشوارع الذين لا معين لهم، تحية إلى السيدة الدنماركية التي كانت أمّا لعشرات الأيتام وبينهم فارتان عام 1950، في دار «ثي بيردس نيست» في مدينة جبيل، قبل أن يفرقهم الزمن، كل هذه الرسائل مجتمعة جعلت فارتان يقف على المسرح، في بدء حفله ليروي قصته التي لا تصدق، ويشرح قبل كل مقطوعة، لمن يهديها وما الذي جعله يختارها دون غيرها، وما يعنيه له وجوده على مبعدة كيلومترات قليلة من الميتم الذي ضمه صغيرًا هو وإخوته.
لم يعرف فارتان الصغير ابن الثلاثة أعوام أمّا ولا أبًا لم يكن له سوى ماريا أو ماما جاكوبسون، التي ضمته وإخوته إلى الميتم الذي كانت تشرف عليه، وجعلته يشارك في الكورال الخاص به. شرح كيف كانت تحنو عليه، تضمه إلى صدرها، تملأه حنانًا وحبًا، وكيف أن عزفها الموسيقي يوم الأحد في الكنيسة حيث كانت تصحب الأطفال فتح له أبواب الدنيا. من وحي هذه الذكريات عزف الجزء الأول من مقطوعة Masquerade لآرام خاتشاتوريان. ومن وحي تلك الجلسات تحت الشجر في الجبال حيث كانت تروي ماريا القصص لأطفالها عزف الجزء الأول من السيمفونية السادسة لبيتهوفن ليلحقها بموسيقى الأغنية المعروفة لأخوين رحباني «نسم علينا الهوا» على طريقته الخاصة.
لم يتوقف هذا المؤلف الموسيقي والمايسترو الكبير الذي وصل لقيادة فرق عالمية مهمة، عن قص حكايته حيث اضطر وهو في الثامنة أن يغادر الميتم هو وإخوته، وفرقتهم السبل وشتتتهم الظروف، وذهب هو إلى بيروت ليبيع في الشوارع، ما يتيسر له، بينما أضاع أثر باقي إخوته لسنوات. لم يرد المايسترو، الذي لم يتعلم القراءة والكتابة، بسبب حياة التشرد التي عاشها، أن يحكي الحزين من قصته، بل قال إنه سيكتفي بما يبعث الأمل ويحث على التفاؤل.
وأشار بيديه إلى القاعة معلمًا الحضور، أن إخوته الذين أضاع أثرهم ذات يوم، ها هم يحضرون حفله اليوم، ويجلسون في القاعة أمامه. وفي الجزء الثاني من الحفل، عزفت الأوركسترا مقطوعات من تأليف فارتان ملكونيان بعنوان Drake Passage، a symphonic poem مهداة إلى ماريا جاكوبسون وستتمّ إعادة عزفها من جديد وتسجيلها عام 2016 في لندن.
من الميتم إلى شوارع بيروت ومنها إلى مغنٍ صغير في لندن، تسلق فارتان سلم المجد، ليقود «أوركسترا لندن الفيلهارمونية» أمام ملكة بريطانيا منذ سنوات، ويدخل العالم الأرستقراطي الإنجليزي من أوسع أبوابه. وروى خلال حفله أن أحد الصحافيين الإنجليز سأله: «كيف استطعت أن تصل من الشوارع إلى هذه المكانة المرموقة في إنجلترا؟ فأجابه: «إن كان لديك متسع من 40 سنة لأروي لك قصتي الطويلة، فلنبدأ؟».
11:53 دقيقه
فارتان ملكونيان.. من بائع متجول في بيروت إلى قائد لـ«أوركسترا لندن الفيلهارمونية»
https://aawsat.com/home/article/502551/%D9%81%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%84%D9%83%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D8%A6%D8%B9-%D9%85%D8%AA%D8%AC%D9%88%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D9%84%D9%80%C2%AB%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7-%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%B1%D9%85%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9%C2%BB
فارتان ملكونيان.. من بائع متجول في بيروت إلى قائد لـ«أوركسترا لندن الفيلهارمونية»
إهداء حفل مهرجانات بعلبك الدولية «موسيقى تنقذ الحياة» إلى «ماما» ماريا جاكوبسون
المايسترو فارتان ملكونيان يقود «أوركسترا بيروت السمفونية» في «كازينو لبنان» (تصوير: رافي بربريان)
فارتان ملكونيان.. من بائع متجول في بيروت إلى قائد لـ«أوركسترا لندن الفيلهارمونية»
المايسترو فارتان ملكونيان يقود «أوركسترا بيروت السمفونية» في «كازينو لبنان» (تصوير: رافي بربريان)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

