تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

أميركا تجني 350 مليار دولار منه في 2015.. وبكين تطمح إلى تجاوز «التريليون» في 2016

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه
TT

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

تتذبذب اقتصادات العالم جيئة وذهابا بسبب التباطؤ الذي طالها منذ سنوات، إلا أن «عالم الإنترنت» بأسواقه الافتراضية وحده كان كافيا لمعادلة الكفة نسبيا ومقاومة تراجع معدلات النمو الاقتصادي. فقد أصبح الإنترنت عنصرا حاسما في التقدم الاقتصادي لكثير من البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، في ما اعتبره محللون بمثابة «تنافس الند للند» خلال السنوات الخمس الماضية.
«عبر سور الصين العظيم نحو العالم أجمع»؛ كانت هذه أول رسالة بريد إلكتروني ترسل من الصين في عام 1987.. وبعد 25 عاما أصبحت هذه الرسالة حقيقة واقعة، حيث حققت صناعة الإنترنت في الصين تقدما ملحوظا على مدى السنوات الماضية، وسجلت الصين أكبر قاعدة مستخدمين للإنترنت حول العالم بما يبلغ 538 مليون مستخدم في عام 2012، ولا يوجد حد واضح لتوقعات هذا النمو المتزايد في استخدام الإنترنت داخل الصين. وكنتيجة لنمو هذه الصناعة اشتقت لفظة لغوية جديدة في أغلب اللغات لوصف شريحة جديدة من المتسوقين الذين لا يستطيعون مقاومة الفضاء الإلكتروني للإنترنت، وهي «مدمنو التسوق الإلكتروني».
ومع توسع استخدام الهواتف الذكية واستمرار تزايد استخدام الإنترنت، تكونت شريحة جديدة أيضا من الشركات التي تلبي حاجة السوق، فانتهزت الفرص لاتباع استراتيجيات نسخ وتقليد نماذج أعمال الشركات القائمة بالفعل. وبالتزامن حققت الشركات الصينية المسجلة حديثا معدلات نمو قوية بسبب تراجع الشركات الأجنبية التي كانت تواجه مشكلات مع الخصائص المحددة للغة الصينية في بادئ الأمر، ولأن الحكومة الصينية اتخذت تدابير منع الشركات الأجنبية خوفا من فقد السيطرة على الشبكة العنكبوتية والانتشار العشوائي للمعلومات، فقد أدت هذه الظروف مقترنة إلى اقتراب هذه التركيبة من الكمال لتطوير عمالقة الإنترنت في الصين.
ووفقا لتقرير مركز «آي بي آي إس» الدولي فإن الشركات الصينية اعتمدت في نجاحها على تكاليف رأس مال منخفضة وصغيرة الحجم، على عكس الشركات الدولية الكبيرة التي تحتاج مجموعات واسعة من الخدمات وتطوير للمنتجات، فأصبح الابتكار والاكتفاء بأقل قيم مالية من أهم أبعاد المنافسة.
وعلى الرغم من الأزمات المالية العالمية، نمت سوق الإنترنت بقوة.. وما زالت معظم المنتجات تباع على الإنترنت بأسعار أقل من سعرها المعروض في المحال، وهو ما يعود بحسب خبراء الاقتصاد إلى توفير عدد كبير من العوامل على فضاء الإنترنت؛ مثل أجور العمالة وإيجارات المحلات وخلافهما، ونتيجة لذلك تحولت الشركات إلى ضخ مزيد من السلع بأسعار معقولة على الإنترنت لتلبية العديد من مطالب المستخدمين.
وقد تمكنت الصين بنهاية العام الماضي من تصدر لائحة أكبر المسوقين على الإنترنت عبر الحدود، فيما جاءت الولايات المتحدة الأميركية («البلد المستورد من الصين» كما يطلق عليها بعض المحللين) في المركز الثاني، تليها المملكة المتحدة، ثم اليابان التي تتبادل المراكز مع هونغ كونغ في بعض الأحيان. ويرى مركز بوسطن للاستشارات أن التسوق الإلكتروني سيسهم بأكثر من 4.2 تريليون دولار في الناتج المحلي لدول مجموعة العشرين بحلول عام 2016.
وبين عشية وضحاها أصبحت الصين في المرتبة الأولى من حيث التسوق أيضا، حيث ارتفع عدد المتسوقين الصينيين عبر الإنترنت إلى 361 مليون متسوق في الربع الأول من العام الحالي، وهو ما يمثل 55.7 في المائة من إجمالي نسبة المتسوقين حول العالم، وقدر إجمالي إيرادات التجارة الإلكترونية الصينية في الفترة نفسها بنحو 439 مليون دولار، وفقا لتقرير الشبكة الحكومية لمعلومات الصين الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وأوضح التقرير أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة لتصبح أكبر سوق تجزئة في العالم على الإنترنت، كواحد من الإنجازات الاقتصادية الأساسية للتنمية في الصين خلال الخطة الخماسية رقم 12 (والخاصة بالأعوام 2011 - 2015).. و«تفوقت الصين في مبيعات الإنترنت على الولايات المتحدة في عام 2014.. أما في 2015، فقد تفوقت بضعفي مبيعات الإنترنت مقارنة بالعام الماضي»، وذلك وفقا لتقرير مكتب الإحصاء الوطني الصيني الصادر في أكتوبر الماضي.
ويأتي ذلك في وقت قدر فيه إجمالي مبيعات الولايات المتحدة من الإنترنت عبر الحدود بنحو 300 مليار دولار بنهاية 2014، بحسب مجلة «ستايستا» الأميركية.
وتعليقا على تقدم الصين، قال خبير الأمن السيبراني (شبكات الإنترنت) في معهد الصين الاستراتيجي للتنمية والابتكار، تشين آن، في تصريحات صحافية سابقة: «إن اتجاه الصين لتصبح رائدة العالم في التجارة الإلكترونية يأتي بفضل سياستها المواكبة للابتكار والتطوير والمؤسسات القادرة على المنافسة».
وبحسب المعلومات المتاحة، تمتلك الصين أكثر من 5 آلاف منصة للتجارة الإلكترونية عبر الحدود، وأكثر من 200 ألف شركة. وتعد التجارة الإلكترونية القوة الأكثر نشاطا من تجارة الواردات والصادرات الصينية، فقد بلغ إجمالي تجارة الاستيراد والتصدير الصينية 26.43 تريليون يوان (نحو 1.6 تريليون دولار) في 2014، فيما بلغ إجمالي مبيعات التجارة الإلكترونية في الفترة نفسها 3.75 تريليون يوان (590 مليار دولار)، دولار بما يشكل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وفقا لتقرير وزارة التجارة الصينية الصادر في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وبحسب وسيم أرساني، الرئيس التنفيذي لشركة «لينك»، لـ«الشرق الأوسط»، فإن الصين نقلت التجارة الإلكترونية لمرحلة جديدة لكي تصبح صناعة متكاملة من خلال رحلتها التي استغرقت ما لا يقل عن 15 عاما.
وتمتلك الصين ما يقرب من 328 شركة كبيرة تمتلك منصات إلكترونية عالمية، برأسمال سوقي بلغ 785 تريليون يوان، وهو ما يمثل 25.6 في المائة من إجمالي القيمة السوقية للجمهورية الصينية.
وتصدرت أربع من تلك الشركات قائمة أكبر شركات للتسوق الإلكتروني عالميا، فيما توقع تقرير الاستهلاك عبر الحدود السنوي الصادر العام الماضي عن وكالة أنباء «شينخوا» أن «التجارة الصينية عبر الحدود ستتضاعف في السنوات الثلاث المقبلة».
ويرى مراقبون أن زيادة عدد منصات التسوق الإلكتروني على الإنترنت في الصين قد أعطت دفعة قوية للاقتصاد الصيني، فقد نما الاقتصاد الصيني بنسبة 6.9 في المائة في النصف الأول من العام الحالي، مخالفا بذلك توقعات آخرين باستمرار تباطؤ الاقتصاد الصيني.
ويؤكد أحمد قابيل، رئيس مجلس إدارة شركة «أو إم إس للاستشارات ونظم المعلومات»، لـ«الشرق الأوسط»، أن «التسوق الإلكتروني أعطى دفعة قوية للاقتصاد الصيني خاصة مع تزايد الإقبال على طرق الدفع الإلكتروني، وزيادة الثقة في أنظمة الحماية الإلكترونية».
بينما يرى غو هيو، كبير محللي الاستثمار بشركة «تريدي أميرتريد»، في تصريحات صحافية سابقة، أن تباطؤ النمو في قطاع التجزئة حول العالم يعكس تزايد الإقبال بوتيرة سريعة على قطاع التجزئة على الإنترنت، مضيفا أن «هذا يعكس نضج سوق الإنترنت مقارنة بغيرها من الصناعات داخل الصين».
وعلى الرغم من تراجع معدلات نمو الواردات والصادرات؛ فإن الحكومة الصينية أخذت في تدبير سياسات تعزيز الأعمال التجارية عبر الإنترنت، بنشر معدلات الأرباح التجارية للشركات التي تحقق ما يقرب من 80 في المائة من إجمالي تداولات البيع خلال الإنترنت عبر الحدود.
«وبعد عدة سنوات من الصعود والهبوط؛ تعبر الصين الحدود بسلسلة من منصات التجارة الإلكترونية الآخذة في التحسن، وهيكل تجاري مستقر يأتي إلى حيز التطور السريع، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 120 في المائة من حجم التسوق الإلكتروني عبر الحدود»، كما أوضح تقرير وكالة الأنباء الصينية «شينخوا».
ويفترض مركز بوسطن للاستشارات مقاربة اقتصاد الإنترنت عبر الحدود بمثابة اقتصاد دولة، مستنتجا أن ذلك سيشير إلى أنه الدولة الخامسة عالميا خلف اقتصادات الولايات المتحدة والصين والهند واليابان؛ ليضع اقتصاد دولة صناعية كبرى بحجم ألمانيا خلفه في الترتيب.
وتقدم شركات تجارة التجزئة الإلكترونية «المترامية الأطراف» داخل الجمهورية الصينية منصات التجارة كواجهات المحلات على مواقع منتشرة عالميا لتقديم خدماتها ومنتجاتها للمستهلكين، فيما شبه بموقع «إي باي» أو «أمازون». ومن أشهر المنصات الصينية موقعا «تاوباو» و«تمال»، ويعد الموقعان السابق ذكرهما من أكبر المجموعات الإلكترونية ذات الشبكات المنتشرة لتشمل العالم أجمع، إضافة إلى خدمات الدعم اللوجيستية، وخدمة العملاء، ودعم تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى بعض المواقع التي تقدم خدمات التجزئة «المقلدة» بتكلفة أقل من تكلفتها الحقيقية.
وعلى النقيض من ذلك، يعتمد النموذج السائد في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان على تقديم خدمات التسوق الإلكتروني لنفس الماركات التجارية المعروضة للمستهلكين وربما «بنفس التكلفة»، أو منصات التجارة الإلكترونية الكبيرة مثل «أمازون».
ويوضح أرساني، لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك أسواقا للمنتجات الأصلية والمنتجات البديلة، ولا يجب التقليل من شأن تلك الأسواق، فهي تخدم قطاعا كبيرا من العملاء.
أما في خدمات الألعاب الإلكترونية فقد اتخذت الصين الاتجاه لاستخدام الألعاب المجانية لاستقطاب المستخدمين، في حين تستخدم الولايات المتحدة سياسة «اللعب الصرف» Pure Play (الألعاب المدفوعة الأجر). وتعد الصين أكبر مسوق للألعاب عبر الإنترنت بقاعدة تعدت 368 مليون مستخدم، بقطاع بلغت أرباحه 13.5 مليار دولار العام الماضي، وقد بلغت نسبة اللاعبين الذكور 73 في المائة أما الإناث فكانت 27 في المائة. وبتحليل أنماط التشغيل في ما يقرب من 266 شركة من منصات التجارة الإلكترونية، فقد وجد أن الشركات تحقق 40 في المائة كدخل صاف، والنسبة المتبقية المقدرة بـ60 في المائة تُطبق عليها سياسات الضرائب والإهلاك.
ووفقا لتقرير «KPMG» الصادر منذ أيام قليلة، فإن متوسط الإنفاق لاستهلاك السلع المكملة في الصين بلغ نحو 2300 يوان خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة قدرها 28 في المائة مقارنة بالفترة نفسها عام 2014، وأرجع التقرير العوامل الرئيسية لتسوق المستهلكين على الإنترنت إلى الأسعار والخصومات.
وباع تجار التجزئة سلعا على الإنترنت في الصين وحدها بلغت قيمتها ما يقرب من 1645.9 مليار يوان (265.33 مليار دولار) خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة قدرها 39.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وقد شمل هذا التقرير البضائع المادية، والسلع الافتراضية والبرمجيات والكتب.
بينما زادت مبيعات السلع المادية بنسبة 38.6 في المائة لتصل إلى 1375.9 مليار يوان (221.82 مليار دولار)، كما نمت مبيعات المنتجات الافتراضية بنسبة 41.9 في المائة لتصل إلى 270 مليار يوان (43.53 مليار دولار). كما ارتفعت مبيعات المواد الغذائية والملابس والمنتجات المنزلية، بنسب 45.9 في المائة، و30.1 في المائة، و41.8 في المائة على التوالي، في الفترة نفسها سابقة الذكر.
كما ارتفعت مبيعات التجزئة للمنتجات المادية بنسبة 10.6 في المائة، لتصل إلى 141.57 مليار يوان (2282.51 مليار دولار) في الفترة نفسها، وارتفعت مبيعات التجزئة على الإنترنت في الصين بنسبة 50 في المائة، لتصل إلى ما يقرب من 450 مليار دولار في عام 2014. وإذا تم الحفاظ على نسبة النمو نفسها، والتي بلغت 39 في المائة، خلال السنة الحالية، فسيصل الإجمالي إلى 625 مليار دولار. على النقيض، بلغت تجارة التجزئة على الإنترنت في الولايات المتحدة 304.9 مليار دولار في عام 2014، وارتفعت بنسبة 14.5 في الربع الأول خلال العام الحالي. وتوقعت الولايات المتحدة زيادة في مبيعات التجزئة خلال 2015 بنسبة 15 في المائة لتبلغ بنهاية العام 350 مليار دولار.
من ناحية أخرى، بلغ نمو المبيعات الإلكترونية بالتجزئة في النصف الأول من العام الحالي عالميا 39 في المائة، وهو أعلى من معدل النمو في الولايات المتحدة أو أي اقتصاد كبير آخر، وقد تراجع من نسبة 50 في المائة مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي. وتتوقع وزارة التجارة الصينية أن يصل حجم التجارة الإلكترونية الصينية عبر الحدود إلى نحو 6.5 تريليون يوان (1.02 تريليون دولار) في عام 2016، بزيادة قدرها 30 في المائة مقارنة بالعام الحالي، وزيادة 20 في المائة في نسبة إجمالي تجارة الاستيراد والتصدير الصينية.
وقد أصدرت وزارة التجارة الصينية تقريرا بأسماء أفضل 10 شركات للتجارة الإلكترونية في الربع الأول من 2015. وقالت وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» في تقريرها الصادر منذ أيام، إن 40 في المائة من المنتجات المبيعة على الإنترنت «مزيفة»، بينما يتوقع الرئيس التنفيذي لشركة «لينك»، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المنصات التي تقوم ببيع تلك المنتجات «لن تستمر طويلا»، نظرا لتقييم العملاء ودرجة رضائهم عن المنتج.
* وحدة أبحاث «الشرق الأوسط»



صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض
صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض
TT

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض
صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار وتكثيف الإصلاحات.

وبلغ صافي التدفقات نحو 48.4 مليار ريال خلال الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، ليسجل أعلى مستوى فصلي منذ عام 2023، وفق بيانات منشورة على موقع الهيئة العامة للإحصاء يوم الثلاثاء. كما ارتفعت التدفقات بنسبة 82 في المائة على أساس فصلي، وهي الأعلى منذ الربع الأول من 2025.

إصلاحات داعمة

وتستهدف المملكة استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 100 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، مدعومة بحزمة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية لتعزيز جاذبية السوق. وتشمل هذه الإجراءات رفع القيود على ملكية الأجانب في السوق المالية، إلى جانب إقرار نظام جديد لتملك غير السعوديين للعقار.

وأسهم هذا الزخم في تحسن ملحوظ في تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال العام الماضي، إذ بلغت التدفقات الإجمالية نحو 133.2 مليار ريال، مقتربة من المستهدف الحكومي البالغ 140 مليار ريال، فيما سجل صافي التدفقات نحو 109 مليارات ريال.

في هذا السياق، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأرقام المسجلة تعكس تحولاً نوعياً في هيكل الاقتصاد السعودي، حيث لم تعد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مرتبطة بعوامل دورية، بل أصبحت مدفوعة بإصلاحات هيكلية عميقة عززت جاذبية السوق واستقراره».

وأضاف أن «اقتراب التدفقات من المستهدفات الحكومية يعكس مستوى عالياً من الثقة لدى المستثمرين الدوليين، ويدعم فرضية أن المملكة تسير بخطى متسارعة نحو ترسيخ مكانتها بوصفها مركزاً استثمارياً إقليمياً»، مشيراً إلى أن «المناطق الاقتصادية الخاصة والحوافز التنظيمية الجديدة ستلعبان دوراً محورياً في تسريع الوصول إلى مستهدف 2030».

منهجية جديدة

وتعد التدفقات المسجلة في 2025 أول قراءة سنوية تُحتسب وفق آلية جديدة أعلنتها وزارة الاستثمار في سبتمبر (أيلول) 2025، بما يتماشى مع منهجية صندوق النقد الدولي، وهو ما انعكس على مراجعة بيانات 2024، التي أظهرت تسجيل تدفقات بقيمة 119 مليار ريال، بزيادة تقارب 37 في المائة على التقديرات السابقة، مقتربة من المستوى القياسي المسجل في 2021 عند نحو 122 مليار ريال.

ويأتي هذا الأداء في وقت تمضي فيه المملكة نحو مرحلة جديدة من استراتيجية الاستثمار، عقب بلوغ معدل الاستثمار نحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، إلى جانب تضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر 4 مرات منذ إطلاق «رؤية 2030».

مناطق اقتصادية

وكان مجلس الوزراء قد أقر اللوائح التنظيمية للمناطق الاقتصادية الخاصة، على أن يبدأ تطبيقها في أبريل (نيسان) 2026، في خطوة تستهدف دعم تدفقات الاستثمار الأجنبي وتعزيز البيئة الاستثمارية، وتشمل حوافز ضريبية نوعية وأطراً مرنة لـ«التوطين»، وفق ما ذكره وزير الاستثمار السابق خالد الفالح.

تغييرات مؤسسية

ويشهد القطاع تغيرات مؤسسية، مع تعيين فهد بن عبد الجليل آل سيف وزيراً للاستثمار، خلفاً للفالح الذي عُيّن وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء.

ويأتي آل سيف من صندوق الاستثمارات العامة، حيث شغل مناصب قيادية في مجالات التمويل الاستثماري العالمي واستراتيجية الاستثمار والدراسات الاقتصادية. وكان الفالح قد تولى قيادة وزارة الاستثمار منذ إنشائها في 2020، واستمر في منصبه حتى فبراير (شباط) 2026، وشهدت فترة قيادته تحقيق عدد من مستهدفات الاستثمار ضمن «رؤية 2030» قبل موعدها.


صدمة الحرب وتكاليف الطاقة تضعان طفرة الذكاء الاصطناعي أمام «عقبة» النمو

مركز بيانات الذكاء الاصطناعي لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في نيو كارلايل بالولايات المتحدة (رويترز)
مركز بيانات الذكاء الاصطناعي لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في نيو كارلايل بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

صدمة الحرب وتكاليف الطاقة تضعان طفرة الذكاء الاصطناعي أمام «عقبة» النمو

مركز بيانات الذكاء الاصطناعي لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في نيو كارلايل بالولايات المتحدة (رويترز)
مركز بيانات الذكاء الاصطناعي لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في نيو كارلايل بالولايات المتحدة (رويترز)

قالت رئيسة قسم الأبحاث في «ستاندرد آند بورز غلوبال فيزيبل ألفا»، ميليسا أوتو، إن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي التي دعمت ارتفاعات قياسية في أسواق الأسهم، تواجه عقبة كبيرة مع تداعيات أزمة الشرق الأوسط التي تُلقي بظلالها على آفاق النمو وتكاليف الطاقة.

وقبل اندلاع الحرب الإيرانية كانت شركات التكنولوجيا العملاقة، مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» و«ألفابت» و«ميتا»، تخطط لإنفاق نحو 635 مليار دولار على مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية وبنى تحتية أخرى للذكاء الاصطناعي في عام 2026، وفقاً لتقديرات «ستاندرد آند بورز غلوبال».

ويُعد هذا الرقم ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بـ383 مليار دولار في العام السابق، و80 مليار دولار فقط في 2019. وعلى الرغم من أن شركات التكنولوجيا لم تعلن بعد عن أي تخفيضات في استثماراتها الرأسمالية، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يضطرها إلى مراجعة الإنفاق خلال الربعَيْن الأول والثاني، مما قد يؤدي إلى «تصحيح كبير في جميع أسواق الأسهم»، حسب ميليسا أوتو.

وأضافت ميليسا أوتو، في مقابلة مع «رويترز» في طوكيو يوم الاثنين: «أعتقد أنه إذا تم خفض أرقام الإنفاق الرأسمالي، وإذا لم تنعكس أسعار الطاقة في الأرباح، فقد يشكّل ذلك عاملاً محفزاً».

وقد دفعت الحماسة حول الذكاء الاصطناعي مؤشرات الأسهم العالمية لتتجاوز مستويات 2025، مع توقعات كبيرة باستمرار هذا الاتجاه، إلا أن الزخم بدأ يتراجع منذ اندلاع النزاع.

وفي الوقت نفسه، أصبحت تكاليف الطاقة تشكل تحدياً أساسياً. فمراكز البيانات تتطلب كميات هائلة من الكهرباء، مما يجعل الذكاء الاصطناعي حساساً لأسعار الطاقة وقدرة البنية التحتية.

وخلال مؤتمر «سيراويك» للطاقة في هيوستن خلال الأسبوع الماضي، حذّر مسؤولون تنفيذيون في قطاع النفط من أن مخاطر الإمداد لم تنعكس بالكامل في الأسعار، مما أثار مخاوف بشأن ارتفاعات مستقبلية وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي، حسبما ذكرت ميليسا أوتو.

وأضافت: «نشهد اليوم تساؤلات جوهرية حول النمو العالمي، لأنه إذا ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 30 في المائة، فسوف يضر ذلك بالمستهلكين والشركات على حد سواء».


خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
TT

خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

بينما ينشغل العالم بمراقبة تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، تنفجر أزمة صامتة في إمدادات «الغاز غير المرئي» الذي تعتمد عليه أحدث التقنيات البشرية... الهيليوم، الغاز الذي يعرفه الجمهور لقدرته على رفع بالونات الحفلات، هو في الواقع عنصر لا غنى عنه لصناعات استراتيجية تبدأ من أشباه الموصلات وإبقاء أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) قيد العمل وصولاً إلى صواريخ الفضاء ومكونات الطائرات المسيّرة العسكرية. فمن دون الهيليوم، تتوقف عجلة العصر الرقمي عن الدوران.

يعتمد قطاع الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على قطر في توفير الهيليوم الصناعي. فالهيليوم يُعدّ منتجاً ثانوياً لاستخراج الغاز الطبيعي المسال. وبما أن قطر من كبار مُصدّري الغاز الطبيعي المسال، فإنها تُعدّ المركز الرئيسي للهيليوم في العالم. ومع توقف الإمدادات القطرية، التي تمثّل وحدها نحو ثلث الإنتاج العالمي، بدأت ملامح اضطراب حاد تظهر في الأسواق. وعلى الرغم من أن مُصنعي الرقائق والمعدات الدفاعية لا يشعرون بالأثر الفوري نظراً إلى اعتمادهم على مخزونات مسبقة، فإن الموردين بدأوا بالفعل إخطار عملائهم بتخفيضات محتملة في الكميات وفرض رسوم إضافية، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

ويحذّر مدير الشؤون التجارية في شركة «بولسار»، كليف كين، من أننا أمام «حدث البجعة السوداء» الذي لطالما تخوف منه الجميع، مشيراً إلى أن الأزمة ستتحول إلى سباق محموم حول «من سيتمكن من الحصول على جزيئاته ومن سيفشل»، وفق «وول ستريت جورنال».

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» في مدينة رأس لفان الصناعية (رويترز)

مفارقة الندرة

تكمن خطورة الهيليوم في طبيعته الفيزيائية واللوجيستية؛ فهو ثاني أكثر العناصر شيوعاً في الكون بعد الهيدروجين، لكنه نادر جداً على كوكب الأرض، حيث يوجد بتركيزات ضئيلة داخل جيوب الغاز الطبيعي نتيجة لتحلل إشعاعي استغرق ملايين السنين.

وتقوم شركات الطاقة بفصله عن الميثان والنيتروجين، ثم شحنه سائلاً فائق التبريد، وهي عملية تقنية معقدة لا يمكن «تشغيلها» أو تعويض نقصها بضغطة زر. وبما أن إنتاج الهيليوم «مرتهن» تقنياً بإنتاج الغاز الطبيعي المسال، فإن أي تعثر في صادرات الغاز القطرية يعني توقفاً فورياً لإنتاج الهيليوم، وهو ما لا يمكن سد فجوته من مصادر أخرى بسرعة، نظراً إلى أن بناء منشآت الفصل يحتاج إلى سنوات من العمل المعقّد.

أدت صدمة المعروض إلى تحول جذري في سلوك السوق؛ فالمشترون الذين يعتمدون عادة على عقود طويلة الأجل، وجدوا أنفسهم يهرعون نحو السوق الفورية لتأمين شحنات شحيحة؛ ما أشعل «حرب مزايدة» تسببت في تضاعف الأسعار بأكثر من 100 في المائة.

زوار معرض «سيميكون الصين» التجاري لتكنولوجيا أشباه الموصلات (رويترز)

وتُعدّ كوريا الجنوبية، عملاق صناعة الرقائق، المتضرر الأكبر لاعتمادها الكثيف على الغاز القطري، حيث بدأت سيول بالفعل التواصل مع المنتجين في الولايات المتحدة لتأمين كميات إضافية. وفي خطوة تعكس عمق الأزمة، أعلنت شركة «إيرغاز» الأميركية العملاقة حالة «القوة القاهرة»، مبلّغة عملاءها أنها لن تفي إلا بـ50 في المائة من احتياجاتهم، مع فرض رسوم إضافية تصل إلى 13.5 دولار لكل 100 قدم مكعبة فوق السعر المتعاقد عليه.

رئة الذكاء الاصطناعي... والبدائل المستحيلة

في قلب «وادي السيليكون»، يلعب الهيليوم دور «المبرد الاستراتيجي» في تقنية الليزر (EUV) المستخدمة لحفر الدوائر المجهرية في رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل «إنفيديا بلاكويل». فمن دون هذا التبريد، تتدمر الويفرات السيليكونية فوراً.

ويقول مدير الأبحاث في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»، رالف غوبلر، إن «صدمة الهيليوم تسلط الضوء على هشاشة بناء الذكاء الاصطناعي، واعتماده المفرط على نقاط جيوسياسية مكشوفة». وفي ظل النقص الحالي، اضطر عمالقة مثل «SK Hynix» و«تي إس إم سي» للمفاضلة بين المنتجات، وتوجيه الكميات المتاحة لرقائق الذكاء الاصطناعي ذات الهامش الربحي العالي على حساب الإلكترونيات الاستهلاكية، مما يُنذر بقفزة في أسعار الهواتف والحواسيب عالمياً.

كابلات تملأ مركز بيانات بُني لتشغيل البرامج وإجراء اختبارات أخرى على رقائق الشبكات في كاليفورنيا (رويترز)

الطب والفضاء في دائرة الخطر

لا يقتصر الضرر على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد ليشمل القطاع الطبي أيضاً، حيث يحتاج كل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي إلى آلاف اللترات من الهيليوم السائل للتبريد، وقد أدى النقص المستمر إلى ارتفاع تكلفة الفحوصات الطبية عالمياً، مما يهدد كفاءة التشخيص في المستشفيات الكبرى.

وعلى صعيد استكشاف الفضاء، تستخدم مركبات إطلاق الصواريخ الهيليوم لضغط خزانات الوقود. وحالياً، تخضع جداول إطلاق الصواريخ لعام 2026 لعدد من شركات الفضاء الخاصة للمراجعة، مما قد يؤخر مهام استراتيجية وبعثات دولية كانت مبرمجة مسبقاً.

سباق ضد «التبخر»

إلى جانب التحديات الجيوسياسية، يواجه الهيليوم «عدواً زمنياً»؛ فالحاويات الكريوجينية المتطورة (تكلفة الواحدة مليون دولار) تملك فترة صلاحية تتراوح بين 35 و48 يوماً فقط قبل أن يبدأ الغاز بالتبخر (Boil-off) والضياع في الفضاء نتيجة ارتفاع الضغط. وحالياً، توجد مئات الحاويات عالقة في مياه المنطقة، مما يعني ضياع كميات هائلة من هذا المورد غير المتجدد.

ختاماً، تثبت أزمة الهيليوم الحالية حقيقة قاسية: المستقبل الرقمي الذي نراه في «السحابة» يعتمد في جوهره على استقرار ممرات مائية مادية هشة. وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتوقف منشآت «رأس لفان» القطرية التي قد يستغرق إصلاح أضرارها 5 سنوات، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تضطر إلى دخول مرحلة «سبات قسري» ما لم ينجح العالم في ابتكار طرق إبداعية لتدوير هذا الغاز النادر أو إيجاد بدائل استراتيجية لتأمين سلاسل التوريد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended