تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

أميركا تجني 350 مليار دولار منه في 2015.. وبكين تطمح إلى تجاوز «التريليون» في 2016

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه
TT

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

تسارع نمو «اقتصاد الإنترنت».. والصين تحتكر أكثر من نصفه

تتذبذب اقتصادات العالم جيئة وذهابا بسبب التباطؤ الذي طالها منذ سنوات، إلا أن «عالم الإنترنت» بأسواقه الافتراضية وحده كان كافيا لمعادلة الكفة نسبيا ومقاومة تراجع معدلات النمو الاقتصادي. فقد أصبح الإنترنت عنصرا حاسما في التقدم الاقتصادي لكثير من البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، في ما اعتبره محللون بمثابة «تنافس الند للند» خلال السنوات الخمس الماضية.
«عبر سور الصين العظيم نحو العالم أجمع»؛ كانت هذه أول رسالة بريد إلكتروني ترسل من الصين في عام 1987.. وبعد 25 عاما أصبحت هذه الرسالة حقيقة واقعة، حيث حققت صناعة الإنترنت في الصين تقدما ملحوظا على مدى السنوات الماضية، وسجلت الصين أكبر قاعدة مستخدمين للإنترنت حول العالم بما يبلغ 538 مليون مستخدم في عام 2012، ولا يوجد حد واضح لتوقعات هذا النمو المتزايد في استخدام الإنترنت داخل الصين. وكنتيجة لنمو هذه الصناعة اشتقت لفظة لغوية جديدة في أغلب اللغات لوصف شريحة جديدة من المتسوقين الذين لا يستطيعون مقاومة الفضاء الإلكتروني للإنترنت، وهي «مدمنو التسوق الإلكتروني».
ومع توسع استخدام الهواتف الذكية واستمرار تزايد استخدام الإنترنت، تكونت شريحة جديدة أيضا من الشركات التي تلبي حاجة السوق، فانتهزت الفرص لاتباع استراتيجيات نسخ وتقليد نماذج أعمال الشركات القائمة بالفعل. وبالتزامن حققت الشركات الصينية المسجلة حديثا معدلات نمو قوية بسبب تراجع الشركات الأجنبية التي كانت تواجه مشكلات مع الخصائص المحددة للغة الصينية في بادئ الأمر، ولأن الحكومة الصينية اتخذت تدابير منع الشركات الأجنبية خوفا من فقد السيطرة على الشبكة العنكبوتية والانتشار العشوائي للمعلومات، فقد أدت هذه الظروف مقترنة إلى اقتراب هذه التركيبة من الكمال لتطوير عمالقة الإنترنت في الصين.
ووفقا لتقرير مركز «آي بي آي إس» الدولي فإن الشركات الصينية اعتمدت في نجاحها على تكاليف رأس مال منخفضة وصغيرة الحجم، على عكس الشركات الدولية الكبيرة التي تحتاج مجموعات واسعة من الخدمات وتطوير للمنتجات، فأصبح الابتكار والاكتفاء بأقل قيم مالية من أهم أبعاد المنافسة.
وعلى الرغم من الأزمات المالية العالمية، نمت سوق الإنترنت بقوة.. وما زالت معظم المنتجات تباع على الإنترنت بأسعار أقل من سعرها المعروض في المحال، وهو ما يعود بحسب خبراء الاقتصاد إلى توفير عدد كبير من العوامل على فضاء الإنترنت؛ مثل أجور العمالة وإيجارات المحلات وخلافهما، ونتيجة لذلك تحولت الشركات إلى ضخ مزيد من السلع بأسعار معقولة على الإنترنت لتلبية العديد من مطالب المستخدمين.
وقد تمكنت الصين بنهاية العام الماضي من تصدر لائحة أكبر المسوقين على الإنترنت عبر الحدود، فيما جاءت الولايات المتحدة الأميركية («البلد المستورد من الصين» كما يطلق عليها بعض المحللين) في المركز الثاني، تليها المملكة المتحدة، ثم اليابان التي تتبادل المراكز مع هونغ كونغ في بعض الأحيان. ويرى مركز بوسطن للاستشارات أن التسوق الإلكتروني سيسهم بأكثر من 4.2 تريليون دولار في الناتج المحلي لدول مجموعة العشرين بحلول عام 2016.
وبين عشية وضحاها أصبحت الصين في المرتبة الأولى من حيث التسوق أيضا، حيث ارتفع عدد المتسوقين الصينيين عبر الإنترنت إلى 361 مليون متسوق في الربع الأول من العام الحالي، وهو ما يمثل 55.7 في المائة من إجمالي نسبة المتسوقين حول العالم، وقدر إجمالي إيرادات التجارة الإلكترونية الصينية في الفترة نفسها بنحو 439 مليون دولار، وفقا لتقرير الشبكة الحكومية لمعلومات الصين الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وأوضح التقرير أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة لتصبح أكبر سوق تجزئة في العالم على الإنترنت، كواحد من الإنجازات الاقتصادية الأساسية للتنمية في الصين خلال الخطة الخماسية رقم 12 (والخاصة بالأعوام 2011 - 2015).. و«تفوقت الصين في مبيعات الإنترنت على الولايات المتحدة في عام 2014.. أما في 2015، فقد تفوقت بضعفي مبيعات الإنترنت مقارنة بالعام الماضي»، وذلك وفقا لتقرير مكتب الإحصاء الوطني الصيني الصادر في أكتوبر الماضي.
ويأتي ذلك في وقت قدر فيه إجمالي مبيعات الولايات المتحدة من الإنترنت عبر الحدود بنحو 300 مليار دولار بنهاية 2014، بحسب مجلة «ستايستا» الأميركية.
وتعليقا على تقدم الصين، قال خبير الأمن السيبراني (شبكات الإنترنت) في معهد الصين الاستراتيجي للتنمية والابتكار، تشين آن، في تصريحات صحافية سابقة: «إن اتجاه الصين لتصبح رائدة العالم في التجارة الإلكترونية يأتي بفضل سياستها المواكبة للابتكار والتطوير والمؤسسات القادرة على المنافسة».
وبحسب المعلومات المتاحة، تمتلك الصين أكثر من 5 آلاف منصة للتجارة الإلكترونية عبر الحدود، وأكثر من 200 ألف شركة. وتعد التجارة الإلكترونية القوة الأكثر نشاطا من تجارة الواردات والصادرات الصينية، فقد بلغ إجمالي تجارة الاستيراد والتصدير الصينية 26.43 تريليون يوان (نحو 1.6 تريليون دولار) في 2014، فيما بلغ إجمالي مبيعات التجارة الإلكترونية في الفترة نفسها 3.75 تريليون يوان (590 مليار دولار)، دولار بما يشكل 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وفقا لتقرير وزارة التجارة الصينية الصادر في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وبحسب وسيم أرساني، الرئيس التنفيذي لشركة «لينك»، لـ«الشرق الأوسط»، فإن الصين نقلت التجارة الإلكترونية لمرحلة جديدة لكي تصبح صناعة متكاملة من خلال رحلتها التي استغرقت ما لا يقل عن 15 عاما.
وتمتلك الصين ما يقرب من 328 شركة كبيرة تمتلك منصات إلكترونية عالمية، برأسمال سوقي بلغ 785 تريليون يوان، وهو ما يمثل 25.6 في المائة من إجمالي القيمة السوقية للجمهورية الصينية.
وتصدرت أربع من تلك الشركات قائمة أكبر شركات للتسوق الإلكتروني عالميا، فيما توقع تقرير الاستهلاك عبر الحدود السنوي الصادر العام الماضي عن وكالة أنباء «شينخوا» أن «التجارة الصينية عبر الحدود ستتضاعف في السنوات الثلاث المقبلة».
ويرى مراقبون أن زيادة عدد منصات التسوق الإلكتروني على الإنترنت في الصين قد أعطت دفعة قوية للاقتصاد الصيني، فقد نما الاقتصاد الصيني بنسبة 6.9 في المائة في النصف الأول من العام الحالي، مخالفا بذلك توقعات آخرين باستمرار تباطؤ الاقتصاد الصيني.
ويؤكد أحمد قابيل، رئيس مجلس إدارة شركة «أو إم إس للاستشارات ونظم المعلومات»، لـ«الشرق الأوسط»، أن «التسوق الإلكتروني أعطى دفعة قوية للاقتصاد الصيني خاصة مع تزايد الإقبال على طرق الدفع الإلكتروني، وزيادة الثقة في أنظمة الحماية الإلكترونية».
بينما يرى غو هيو، كبير محللي الاستثمار بشركة «تريدي أميرتريد»، في تصريحات صحافية سابقة، أن تباطؤ النمو في قطاع التجزئة حول العالم يعكس تزايد الإقبال بوتيرة سريعة على قطاع التجزئة على الإنترنت، مضيفا أن «هذا يعكس نضج سوق الإنترنت مقارنة بغيرها من الصناعات داخل الصين».
وعلى الرغم من تراجع معدلات نمو الواردات والصادرات؛ فإن الحكومة الصينية أخذت في تدبير سياسات تعزيز الأعمال التجارية عبر الإنترنت، بنشر معدلات الأرباح التجارية للشركات التي تحقق ما يقرب من 80 في المائة من إجمالي تداولات البيع خلال الإنترنت عبر الحدود.
«وبعد عدة سنوات من الصعود والهبوط؛ تعبر الصين الحدود بسلسلة من منصات التجارة الإلكترونية الآخذة في التحسن، وهيكل تجاري مستقر يأتي إلى حيز التطور السريع، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 120 في المائة من حجم التسوق الإلكتروني عبر الحدود»، كما أوضح تقرير وكالة الأنباء الصينية «شينخوا».
ويفترض مركز بوسطن للاستشارات مقاربة اقتصاد الإنترنت عبر الحدود بمثابة اقتصاد دولة، مستنتجا أن ذلك سيشير إلى أنه الدولة الخامسة عالميا خلف اقتصادات الولايات المتحدة والصين والهند واليابان؛ ليضع اقتصاد دولة صناعية كبرى بحجم ألمانيا خلفه في الترتيب.
وتقدم شركات تجارة التجزئة الإلكترونية «المترامية الأطراف» داخل الجمهورية الصينية منصات التجارة كواجهات المحلات على مواقع منتشرة عالميا لتقديم خدماتها ومنتجاتها للمستهلكين، فيما شبه بموقع «إي باي» أو «أمازون». ومن أشهر المنصات الصينية موقعا «تاوباو» و«تمال»، ويعد الموقعان السابق ذكرهما من أكبر المجموعات الإلكترونية ذات الشبكات المنتشرة لتشمل العالم أجمع، إضافة إلى خدمات الدعم اللوجيستية، وخدمة العملاء، ودعم تكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى بعض المواقع التي تقدم خدمات التجزئة «المقلدة» بتكلفة أقل من تكلفتها الحقيقية.
وعلى النقيض من ذلك، يعتمد النموذج السائد في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان على تقديم خدمات التسوق الإلكتروني لنفس الماركات التجارية المعروضة للمستهلكين وربما «بنفس التكلفة»، أو منصات التجارة الإلكترونية الكبيرة مثل «أمازون».
ويوضح أرساني، لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك أسواقا للمنتجات الأصلية والمنتجات البديلة، ولا يجب التقليل من شأن تلك الأسواق، فهي تخدم قطاعا كبيرا من العملاء.
أما في خدمات الألعاب الإلكترونية فقد اتخذت الصين الاتجاه لاستخدام الألعاب المجانية لاستقطاب المستخدمين، في حين تستخدم الولايات المتحدة سياسة «اللعب الصرف» Pure Play (الألعاب المدفوعة الأجر). وتعد الصين أكبر مسوق للألعاب عبر الإنترنت بقاعدة تعدت 368 مليون مستخدم، بقطاع بلغت أرباحه 13.5 مليار دولار العام الماضي، وقد بلغت نسبة اللاعبين الذكور 73 في المائة أما الإناث فكانت 27 في المائة. وبتحليل أنماط التشغيل في ما يقرب من 266 شركة من منصات التجارة الإلكترونية، فقد وجد أن الشركات تحقق 40 في المائة كدخل صاف، والنسبة المتبقية المقدرة بـ60 في المائة تُطبق عليها سياسات الضرائب والإهلاك.
ووفقا لتقرير «KPMG» الصادر منذ أيام قليلة، فإن متوسط الإنفاق لاستهلاك السلع المكملة في الصين بلغ نحو 2300 يوان خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة قدرها 28 في المائة مقارنة بالفترة نفسها عام 2014، وأرجع التقرير العوامل الرئيسية لتسوق المستهلكين على الإنترنت إلى الأسعار والخصومات.
وباع تجار التجزئة سلعا على الإنترنت في الصين وحدها بلغت قيمتها ما يقرب من 1645.9 مليار يوان (265.33 مليار دولار) خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة قدرها 39.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وقد شمل هذا التقرير البضائع المادية، والسلع الافتراضية والبرمجيات والكتب.
بينما زادت مبيعات السلع المادية بنسبة 38.6 في المائة لتصل إلى 1375.9 مليار يوان (221.82 مليار دولار)، كما نمت مبيعات المنتجات الافتراضية بنسبة 41.9 في المائة لتصل إلى 270 مليار يوان (43.53 مليار دولار). كما ارتفعت مبيعات المواد الغذائية والملابس والمنتجات المنزلية، بنسب 45.9 في المائة، و30.1 في المائة، و41.8 في المائة على التوالي، في الفترة نفسها سابقة الذكر.
كما ارتفعت مبيعات التجزئة للمنتجات المادية بنسبة 10.6 في المائة، لتصل إلى 141.57 مليار يوان (2282.51 مليار دولار) في الفترة نفسها، وارتفعت مبيعات التجزئة على الإنترنت في الصين بنسبة 50 في المائة، لتصل إلى ما يقرب من 450 مليار دولار في عام 2014. وإذا تم الحفاظ على نسبة النمو نفسها، والتي بلغت 39 في المائة، خلال السنة الحالية، فسيصل الإجمالي إلى 625 مليار دولار. على النقيض، بلغت تجارة التجزئة على الإنترنت في الولايات المتحدة 304.9 مليار دولار في عام 2014، وارتفعت بنسبة 14.5 في الربع الأول خلال العام الحالي. وتوقعت الولايات المتحدة زيادة في مبيعات التجزئة خلال 2015 بنسبة 15 في المائة لتبلغ بنهاية العام 350 مليار دولار.
من ناحية أخرى، بلغ نمو المبيعات الإلكترونية بالتجزئة في النصف الأول من العام الحالي عالميا 39 في المائة، وهو أعلى من معدل النمو في الولايات المتحدة أو أي اقتصاد كبير آخر، وقد تراجع من نسبة 50 في المائة مقارنة بالفترة نفسها العام الماضي. وتتوقع وزارة التجارة الصينية أن يصل حجم التجارة الإلكترونية الصينية عبر الحدود إلى نحو 6.5 تريليون يوان (1.02 تريليون دولار) في عام 2016، بزيادة قدرها 30 في المائة مقارنة بالعام الحالي، وزيادة 20 في المائة في نسبة إجمالي تجارة الاستيراد والتصدير الصينية.
وقد أصدرت وزارة التجارة الصينية تقريرا بأسماء أفضل 10 شركات للتجارة الإلكترونية في الربع الأول من 2015. وقالت وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» في تقريرها الصادر منذ أيام، إن 40 في المائة من المنتجات المبيعة على الإنترنت «مزيفة»، بينما يتوقع الرئيس التنفيذي لشركة «لينك»، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المنصات التي تقوم ببيع تلك المنتجات «لن تستمر طويلا»، نظرا لتقييم العملاء ودرجة رضائهم عن المنتج.
* وحدة أبحاث «الشرق الأوسط»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.