النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»

رئيس البرلمان العراقي.. الأوفر حظا لرئاسة الجمهورية في حال آل هذا المنصب إلى العرب السنة

النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»
TT

النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»

النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»

السياسة في العراق ليست فن الممكن. إنها أقرب ما تكون إلى المغامرة التي إما تطيح بصاحبها إلى الأبد طبقا للمثل العراقي الدارج «الطايح رايح».. أو ترفعه إلى مستوى أبعد مما يتخيل.
العراق الذي شهد على مدى أقل قليلا من قرن منذ نشوء الدولة الحديثة على يد الملك المؤسس فيصل الأول، عام 1921. شهد ثلاثة أنماط من العهود. العراق الملكي (1921 ـ 1958) ونجمه بلا منازع نوري السعيد، حتى أن الذاكرة الشعبية العراقية اختزلت ذلك العهد بكل ما فيه من تقلبات وزعامات بـ«عهد نوري السعيد». والعراق الجمهوري الأول (1958 ـ 2003) ونجمه بلا منازع صدام حسين بكل ما له وما عليه. والعهد الجمهوري الثاني (2003 ـ وحتى اليوم) ولا ملامح واضحة لنجم يتفوق على الآخرين أو يختزله رمزا أو مكانة أو إنجازا. لكن ثمة مفارقة لافتة في هذا العهد وهي أنه أنجب نوعين من الزعامات السياسية، النوع الأول هو من يمكن وصف أفراده بأنهم جاءوا على ظهور الدبابات الأميركية التي وإن أتقن البعض ركوبها عند أول دخولها العراق إلا أنه سرعان ما ترجل عنها مرغما لهذا السبب أو ذاك ويمكن أن يكون في مقدمة هؤلاء الدكتور أحمد الجلبي الذي إذا أردنا اختزال عهد المعارضة به فيمكن تسميته بأنه عهد الجلبي. بينما هناك من لم يكن له تاريخ معلن في الأقل في زمن المعارضة وإن كان قد جاء بالتزامن مع الدبابات الأميركية ويمكن أن يكون في مقدمة هؤلاء رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي. ومنهم من كان يهوى ركوب الخيول العربية الأصيلة مربيا وتاجرا وفارسا، على عهد النظام السابق حيث لم يقترب منه النظام ولم يقترب هو من النظام ما عدا ما صدر من قوانين تتعلق بالإقطاعيين وملاك الأراضي، ونقصد بذلك رئيس البرلمان الحالي أسامة النجيفي.
النجيفي الذي ينتمي إلى عائلة موصلية شهيرة لم يجد صعوبة في دخول المعترك السياسي العراقي بعد عام 2003. صحيح أن المصادفة أو العشائرية أو الطائفية قادت الكثيرين إلى دخول هذا المعترك بل إن إرثه العائلي ومواصفاته الشخصية جعلته بعد دورتين برلمانيتين وحقيبة وزارية (تسلم حقيبة الصناعة في الحكومة العراقية الانتقالية عام 2003) أحد أكثر الأرقام صعوبة في المشهد السياسي الراهن في العراق.
النجيفي أصبح رئيسا للبرلمان العراقي عام 2010 بعد أن حصد أعلى أصوات ناخبي محافظة نينوى والآن يبدو أحد أكثر المرشحين الأوفر حظا لمنصب رئيس الجمهورية في حال آل هذا المنصب ذو الرمزية العالية برغم قلة صلاحياته إلى العرب السنة.
يعد النجيفي واحدا من أبرز قيادات القائمة العراقية التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي والتي تضم بالإضافة إليه قياديين بارزين مثل الدكتور صالح المطلك زعيم جبهة الحوار الوطني وطارق الهاشمي الذي اتهم بعمليات إرهابية وحكم عليه بالإعدام غيابيا، وهو ما جعله الآن خارج ميدان التأثير في صناعة القرار في هذه القائمة التي وإن تشظت خلال انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة وتحولت إلى مجموعة من الكتل والكيانات إلا إنها لا تزال قائمة وإن كانت أقرب إلى الاتحاد الكونفدرالي حيث تتمتع الكتل والكيانات داخلها باستقلال تام تقريبا. النجيفي أسس كتلة «متحدون» التي حازت مراتب متقدمة إلى حد ما في الانتخابات المحلية الأخيرة حتى أن الكثيرين يعتبرونها الوريث الشرعي للعراقية خصوصا بعد تراجع كتلة الوفاق الوطني بزعامة علاوي والحوار الوطني بزعامة المطلك مع أن الأخير أقر بأن سبب خسارته لأصوات الناخبين في المناطق الغربية يعود إلى طبيعة مواقفه السياسية التي بدت في مراحل معينة أكثر انسجاما مع توجهات الحكومة.
ومع ذلك فإن مواقف النجيفي السياسية تثير الجدل، فقد تصالح مع المالكي لكنه ما زال ندا قويا له. وزار إيران وحضر جنازة والدة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي يعده مراقبون القائد الفعلي للعراق، ويعتبره تيارات القائمة العراقية رمزا للشر. والآن هو أقوى شخصية في القائمة بعد إقصاء طارق الهاشمي وهبوط أسهم المطلك والعيساوي وربما يكون رئيس الجمهورية المقبل.

* مواصفات زعيم

النجيفي يحمل إرثا عائليا يجمع بين السياسة والتجارة. جده محمد النجيفي النائب في البرلمان في العهد الملكي، وكان والده أيضا عضو برلمان في دورات متعاقبة. وبينما شكلت عائلة النجيفي قطيعة مع السياسة بعد العهد الملكي بانصراف أسامة وشقيقه أثيل (النجيفي) محافظ نينوى الحالي إلى العمل التجاري لا سيما تجارة الخيول العربية. فبعد التغيير عام 2003 دخل أسامة المعترك السياسي وكانت بداية صعود نجمه خصومته التقليدية مع الأكراد بشأن عروبة الموصل.
وبينما بدا النجيفي في المرحلة الأولى من عهده بالسياسة حين كان أحد قياديي القائمة العراقية منذ عهد جبهة التوافق، خصما عنيدا للأكراد حتى انتخابات عام 2010 والتي تبلورت بعدها مؤشرات كثيرة لتولي النجيفي منصب رئاسة البرلمان العراقي برغم معارضة التحالف الكردستاني في أول الأمر إلا أن وضوح النجيفي وصراحته لا تجعله خصما لا يؤتمن جانبه.. بل هو رجل سياسة يمكن التعامل معه برغم اختلاف القناعات.
يقول عنه الناطق الرسمي باسم كتلة «متحدون» ظافر العاني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «أهم ما يميز أبو سيف (أسامة النجيفي) هو الصدق والمباشرة.. فهو واضح في كل شيء وصريح حتى في حال الخصومة، أو التحالف فإنه يعلن خصومته علنا ويعلن تحالفه على رؤوس الأشهاد»، مشيرا إلى أن «صفات مثل هذه أو قسما منها قد لا تكون منسجمة مع الوضع السياسي الراهن في العراق الذي يحتوي على الكثير من المؤامرات والصفقات فضلا عن أن المخفي فيه أكثر مما هو على الطاولة». لكن الأمر عند النجيفي يختلف حيث إنه «يعتبر أننا من دون المصداقية لا نساوي شيئا». وأضاف العاني أن «النجيفي يرى أن المخاتلة لا تنجح دائما وأنها يمكن في مراحل معينة تفقدك احترام الآخرين علما أن الصدق قد يجعله يخسر هنا وهناك لكنه ليس من أصحاب المواقف المتباينة». وبشأن طبيعة العمل داخل الكتلة التي يتزعمها النجيفي وهي «متحدون» يقول العاني «إننا في (متحدون) لدينا منهج في العمل لكننا مع ذلك لا ننكر أن أسامة يتخذ أحيانا قرارات ليس بالتشاور معنا كما أنه لا يقتنع بسهولة وقد تكون له وجهة نظر مختلفة مع وجهة نظرك وبخلاصة إنه رجل صعب المراس جاد وحازم وأمين لمبادئه جدا». وردا على سؤال بشأن مدى انعكاس أرستقراطية النجيفي التي تراه ينظر للآخرين أحيانا من برج عال مثلما يرى بعض السياسيين العراقيين فإن العاني يرى الأمر مختلفا حيث يقول: «إن أرستقراطية أسامة في السلوك لا في التعامل فهو لم يستوردها أو يدعيها بل هي خصلة متوارثة كونه سليل أسرة ثرية وبالتالي فإنه حذر جدا على صعيد التعامل في كل شيء لأنه حريص جدا على المحافظة على إرثه العائلي»، معتبرا أن «هناك سياسيين ليس لديهم ما يخسرونه وبالتالي يمكنهم أن يغامروا في كل شيء طالما سنحت لهم الفرصة بينما النجيفي يحسب حساب الماضي والمستقبل وليس الحاضر فقط».
ويرى العاني أن «النجيفي أعطى وجها مشرقا للعراق في العلاقات العربية والدولية حيث إن مواقفه الواضحة من الأزمة السورية منذ البداية لم تمنعه من الوقوف ضد مبدأ الضربة الأميركية على سوريا وتبنى المبادرة العراقية في زيارتيه إلى تركيا وإيران علما بأن عشيرته (بني خالد) تحمل قسمهم السوري الكثير من ممارسات النظام هناك».

* من المعاهدة إلى قاسم سليماني

في رحلته الأولى إلى الولايات المتحدة على أثر انتخابه رئيسا للبرلمان العراقي أواخر عام 2010 رفض بروتوكولا خضع له قبله الرئيس جلال طالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي وهو وضع إكليل من الزهور على قبر الجندي الأميركي الذي بقي من وجهة نظر النجيفي محتلا لا محررا للعراق. لكنه عندما زار إيران مؤخرا لم يتردد في حضور مجلس عزاء والدة الجنرال قاسم سليماني أحد أكثر زعماء إيران عداء من قبل قادة القائمة العراقية والكثير من القادة السنة. محمد الخالدي مقرر البرلمان العراقي القيادي في كتلة متحدون التي يتزعمها النجيفي وقريبه يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «مواقف النجيفي حيال أي قضية من القضايا لا تخضع للمزاج بل هي مواقف ثابتة وهو ما ينعكس في مواقفه الدولية سواء في زيارته إلى أميركا أو إيران أو إلى أي بلد آخر لأنه يمثل العراق وأن أي حالة أو موقف يتعامل معه من هذه الزاوية». ويضيف الخالدي أن «النجيفي نجح منذ دخوله البرلمان في الدورة الأولى بعد أن حقق نتائج كبيرة في الموصل ومما يحسب له أنه كان أحد خمسة نواب من بين نواب البرلمان العراقي ممن رفضوا الاتفاقية مع الولايات المتحدة». وبشأن رؤيته للنجيفي كرئيس للبرلمان يقول الخالدي إنه «نجح في إدارة جلسات البرلمان فهو مواظب على العمل والدوام وجاد جدا وقادر على إدارة دفة الأمور في أحلك المواقف والظروف برغم كل الملابسات التي حصلت وتحصل داخل البرلمان لكنه قادر دائما على تحقيق إنجاز في أي عمل يوكل له حتى إنه برز كقائد عراقي وعالمي يحسب له حساب عند الدول والحكومات».

* عين على الرئاسة الأولى

لم يبق في طموح أسامة النجيفي ما لم يتحقق سوى منصب رئيس الجمهورية. ومع أن الرئاسة الأولى في العراق رمزية إلى حد كبير كون نظام الحكم في العراق برلمانيا وليس رئاسيا فإن هذا المنصب وطبقا لمبدأ المحاصصة أو التوافق الوطني لا يزال ويمكن أن يبقى لفترة قادمة موضع نزاع بين العرب (السنة) تحديدا والأكراد بعد أن بات أمر رئاسة الوزراء محسوما للشيعة (العرب). وحيث إن طارق الهاشمي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية وواحدا من أقوى المرشحين لمنصب الرئيس لولا اتهامه بالإرهاب فإنه لم يعد من بين القادة السنة الكبار الآن ممن تنطبق عليهم شروط الترشيح لهذا المنصب مستقبلا سوى أسامة النجيفي وصالح المطلك.
النائب عن ائتلاف دولة القانون علي الشلاه الذي يعد أحد أبرز خصوم النجيفي داخل البرلمان يقول عنه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «لدى النجيفي طموح كبير جدا لكنه للأسف لا يستطيع أن يتبنى موقفا وسطا بل هو بنى شعبيته أول الأمر على عداء مع الأكراد ثم الآن ومن خلال الانتخابات الأخيرة فقد الكثير من شعبيته وهو ما جعله الآن يسعى لتغيير خطابه ليكون أكثر اعتدالا بسبب أن هناك مزايدين في الوسط السني»، مشيرا إلى أن «الحاجة تقوم على زعيم سني وسطي مقبول يمكن أن يتعامل مع سياسي شيعي ويمكن لهذه الثنائية أن تنجح بين المالكي والنجيفي في حال لا تحدث تقلبات في المواقف من قبله». الشلاه يعترف أن «من إيجابيات النجيفي أنه حاسم في مواقفه وحازم لكنه يحرج نفسه أحيانا فيضطر إلى رمي الكرة في ملعب الآخرين وبالتالي فإنه أمام مهمة صعبة في كيفية الحفاظ على نفس وزنه في الانتخابات القادمة وهو في نفس المشكلة التي يعانيها المطلك (صالح) أمام جمهوره». الشلاه يرى أن «أمرا واحدا بقي للنجيفي وهو أن يعمل على تشريع المزيد من القوانين خلال ما تبقى من الدورة البرلمانية الحالية حتى تحسب إنجازات له من الناحية المهنية».
من زاوية أخرى أكثر قربا يقول المستشار في البرلمان حسين فوزي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «النجيفي شخصية عفيفة ونزيه فالرجل شبع من طفولته وشبع قبله أهله وهو من الأدب والدماثة يحترم الضعيف أكثر من القوي». ويرى فوزي أن «النجيفي يمتلك من المواصفات ما يؤهله أن يكون رجل دولة بارزا ومشروع رئيس جمهورية حين يتحالف الشيعة والسنة لبناء الدولة الديمقراطية الاتحادية»، معتبرا أن «فرصة النجيفي في رئاسة الجمهورية ليس في الدورة المقبلة التي تبدو محسومة للأكراد ثانية إلا أن الدورة ما بعد القادمة سوف تكون مرحلة مختلفة». وينتهي فوزي إلى خلاصة أن «النجيفي يدير جلسات البرلمان بشكل ينسجم مع المعايير المهنية والديمقراطية لكنه ولكون لكل شخص نواقصه فإن تصريحاته أحيانا لا تنسجم مع طبيعة مهامه».



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.