النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»

رئيس البرلمان العراقي.. الأوفر حظا لرئاسة الجمهورية في حال آل هذا المنصب إلى العرب السنة

النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»
TT

النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»

النجيفي.. فارس الخيول العربية الذي امتطى «جواد السياسة»

السياسة في العراق ليست فن الممكن. إنها أقرب ما تكون إلى المغامرة التي إما تطيح بصاحبها إلى الأبد طبقا للمثل العراقي الدارج «الطايح رايح».. أو ترفعه إلى مستوى أبعد مما يتخيل.
العراق الذي شهد على مدى أقل قليلا من قرن منذ نشوء الدولة الحديثة على يد الملك المؤسس فيصل الأول، عام 1921. شهد ثلاثة أنماط من العهود. العراق الملكي (1921 ـ 1958) ونجمه بلا منازع نوري السعيد، حتى أن الذاكرة الشعبية العراقية اختزلت ذلك العهد بكل ما فيه من تقلبات وزعامات بـ«عهد نوري السعيد». والعراق الجمهوري الأول (1958 ـ 2003) ونجمه بلا منازع صدام حسين بكل ما له وما عليه. والعهد الجمهوري الثاني (2003 ـ وحتى اليوم) ولا ملامح واضحة لنجم يتفوق على الآخرين أو يختزله رمزا أو مكانة أو إنجازا. لكن ثمة مفارقة لافتة في هذا العهد وهي أنه أنجب نوعين من الزعامات السياسية، النوع الأول هو من يمكن وصف أفراده بأنهم جاءوا على ظهور الدبابات الأميركية التي وإن أتقن البعض ركوبها عند أول دخولها العراق إلا أنه سرعان ما ترجل عنها مرغما لهذا السبب أو ذاك ويمكن أن يكون في مقدمة هؤلاء الدكتور أحمد الجلبي الذي إذا أردنا اختزال عهد المعارضة به فيمكن تسميته بأنه عهد الجلبي. بينما هناك من لم يكن له تاريخ معلن في الأقل في زمن المعارضة وإن كان قد جاء بالتزامن مع الدبابات الأميركية ويمكن أن يكون في مقدمة هؤلاء رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي. ومنهم من كان يهوى ركوب الخيول العربية الأصيلة مربيا وتاجرا وفارسا، على عهد النظام السابق حيث لم يقترب منه النظام ولم يقترب هو من النظام ما عدا ما صدر من قوانين تتعلق بالإقطاعيين وملاك الأراضي، ونقصد بذلك رئيس البرلمان الحالي أسامة النجيفي.
النجيفي الذي ينتمي إلى عائلة موصلية شهيرة لم يجد صعوبة في دخول المعترك السياسي العراقي بعد عام 2003. صحيح أن المصادفة أو العشائرية أو الطائفية قادت الكثيرين إلى دخول هذا المعترك بل إن إرثه العائلي ومواصفاته الشخصية جعلته بعد دورتين برلمانيتين وحقيبة وزارية (تسلم حقيبة الصناعة في الحكومة العراقية الانتقالية عام 2003) أحد أكثر الأرقام صعوبة في المشهد السياسي الراهن في العراق.
النجيفي أصبح رئيسا للبرلمان العراقي عام 2010 بعد أن حصد أعلى أصوات ناخبي محافظة نينوى والآن يبدو أحد أكثر المرشحين الأوفر حظا لمنصب رئيس الجمهورية في حال آل هذا المنصب ذو الرمزية العالية برغم قلة صلاحياته إلى العرب السنة.
يعد النجيفي واحدا من أبرز قيادات القائمة العراقية التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي والتي تضم بالإضافة إليه قياديين بارزين مثل الدكتور صالح المطلك زعيم جبهة الحوار الوطني وطارق الهاشمي الذي اتهم بعمليات إرهابية وحكم عليه بالإعدام غيابيا، وهو ما جعله الآن خارج ميدان التأثير في صناعة القرار في هذه القائمة التي وإن تشظت خلال انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة وتحولت إلى مجموعة من الكتل والكيانات إلا إنها لا تزال قائمة وإن كانت أقرب إلى الاتحاد الكونفدرالي حيث تتمتع الكتل والكيانات داخلها باستقلال تام تقريبا. النجيفي أسس كتلة «متحدون» التي حازت مراتب متقدمة إلى حد ما في الانتخابات المحلية الأخيرة حتى أن الكثيرين يعتبرونها الوريث الشرعي للعراقية خصوصا بعد تراجع كتلة الوفاق الوطني بزعامة علاوي والحوار الوطني بزعامة المطلك مع أن الأخير أقر بأن سبب خسارته لأصوات الناخبين في المناطق الغربية يعود إلى طبيعة مواقفه السياسية التي بدت في مراحل معينة أكثر انسجاما مع توجهات الحكومة.
ومع ذلك فإن مواقف النجيفي السياسية تثير الجدل، فقد تصالح مع المالكي لكنه ما زال ندا قويا له. وزار إيران وحضر جنازة والدة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي يعده مراقبون القائد الفعلي للعراق، ويعتبره تيارات القائمة العراقية رمزا للشر. والآن هو أقوى شخصية في القائمة بعد إقصاء طارق الهاشمي وهبوط أسهم المطلك والعيساوي وربما يكون رئيس الجمهورية المقبل.

* مواصفات زعيم

النجيفي يحمل إرثا عائليا يجمع بين السياسة والتجارة. جده محمد النجيفي النائب في البرلمان في العهد الملكي، وكان والده أيضا عضو برلمان في دورات متعاقبة. وبينما شكلت عائلة النجيفي قطيعة مع السياسة بعد العهد الملكي بانصراف أسامة وشقيقه أثيل (النجيفي) محافظ نينوى الحالي إلى العمل التجاري لا سيما تجارة الخيول العربية. فبعد التغيير عام 2003 دخل أسامة المعترك السياسي وكانت بداية صعود نجمه خصومته التقليدية مع الأكراد بشأن عروبة الموصل.
وبينما بدا النجيفي في المرحلة الأولى من عهده بالسياسة حين كان أحد قياديي القائمة العراقية منذ عهد جبهة التوافق، خصما عنيدا للأكراد حتى انتخابات عام 2010 والتي تبلورت بعدها مؤشرات كثيرة لتولي النجيفي منصب رئاسة البرلمان العراقي برغم معارضة التحالف الكردستاني في أول الأمر إلا أن وضوح النجيفي وصراحته لا تجعله خصما لا يؤتمن جانبه.. بل هو رجل سياسة يمكن التعامل معه برغم اختلاف القناعات.
يقول عنه الناطق الرسمي باسم كتلة «متحدون» ظافر العاني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «أهم ما يميز أبو سيف (أسامة النجيفي) هو الصدق والمباشرة.. فهو واضح في كل شيء وصريح حتى في حال الخصومة، أو التحالف فإنه يعلن خصومته علنا ويعلن تحالفه على رؤوس الأشهاد»، مشيرا إلى أن «صفات مثل هذه أو قسما منها قد لا تكون منسجمة مع الوضع السياسي الراهن في العراق الذي يحتوي على الكثير من المؤامرات والصفقات فضلا عن أن المخفي فيه أكثر مما هو على الطاولة». لكن الأمر عند النجيفي يختلف حيث إنه «يعتبر أننا من دون المصداقية لا نساوي شيئا». وأضاف العاني أن «النجيفي يرى أن المخاتلة لا تنجح دائما وأنها يمكن في مراحل معينة تفقدك احترام الآخرين علما أن الصدق قد يجعله يخسر هنا وهناك لكنه ليس من أصحاب المواقف المتباينة». وبشأن طبيعة العمل داخل الكتلة التي يتزعمها النجيفي وهي «متحدون» يقول العاني «إننا في (متحدون) لدينا منهج في العمل لكننا مع ذلك لا ننكر أن أسامة يتخذ أحيانا قرارات ليس بالتشاور معنا كما أنه لا يقتنع بسهولة وقد تكون له وجهة نظر مختلفة مع وجهة نظرك وبخلاصة إنه رجل صعب المراس جاد وحازم وأمين لمبادئه جدا». وردا على سؤال بشأن مدى انعكاس أرستقراطية النجيفي التي تراه ينظر للآخرين أحيانا من برج عال مثلما يرى بعض السياسيين العراقيين فإن العاني يرى الأمر مختلفا حيث يقول: «إن أرستقراطية أسامة في السلوك لا في التعامل فهو لم يستوردها أو يدعيها بل هي خصلة متوارثة كونه سليل أسرة ثرية وبالتالي فإنه حذر جدا على صعيد التعامل في كل شيء لأنه حريص جدا على المحافظة على إرثه العائلي»، معتبرا أن «هناك سياسيين ليس لديهم ما يخسرونه وبالتالي يمكنهم أن يغامروا في كل شيء طالما سنحت لهم الفرصة بينما النجيفي يحسب حساب الماضي والمستقبل وليس الحاضر فقط».
ويرى العاني أن «النجيفي أعطى وجها مشرقا للعراق في العلاقات العربية والدولية حيث إن مواقفه الواضحة من الأزمة السورية منذ البداية لم تمنعه من الوقوف ضد مبدأ الضربة الأميركية على سوريا وتبنى المبادرة العراقية في زيارتيه إلى تركيا وإيران علما بأن عشيرته (بني خالد) تحمل قسمهم السوري الكثير من ممارسات النظام هناك».

* من المعاهدة إلى قاسم سليماني

في رحلته الأولى إلى الولايات المتحدة على أثر انتخابه رئيسا للبرلمان العراقي أواخر عام 2010 رفض بروتوكولا خضع له قبله الرئيس جلال طالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي وهو وضع إكليل من الزهور على قبر الجندي الأميركي الذي بقي من وجهة نظر النجيفي محتلا لا محررا للعراق. لكنه عندما زار إيران مؤخرا لم يتردد في حضور مجلس عزاء والدة الجنرال قاسم سليماني أحد أكثر زعماء إيران عداء من قبل قادة القائمة العراقية والكثير من القادة السنة. محمد الخالدي مقرر البرلمان العراقي القيادي في كتلة متحدون التي يتزعمها النجيفي وقريبه يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «مواقف النجيفي حيال أي قضية من القضايا لا تخضع للمزاج بل هي مواقف ثابتة وهو ما ينعكس في مواقفه الدولية سواء في زيارته إلى أميركا أو إيران أو إلى أي بلد آخر لأنه يمثل العراق وأن أي حالة أو موقف يتعامل معه من هذه الزاوية». ويضيف الخالدي أن «النجيفي نجح منذ دخوله البرلمان في الدورة الأولى بعد أن حقق نتائج كبيرة في الموصل ومما يحسب له أنه كان أحد خمسة نواب من بين نواب البرلمان العراقي ممن رفضوا الاتفاقية مع الولايات المتحدة». وبشأن رؤيته للنجيفي كرئيس للبرلمان يقول الخالدي إنه «نجح في إدارة جلسات البرلمان فهو مواظب على العمل والدوام وجاد جدا وقادر على إدارة دفة الأمور في أحلك المواقف والظروف برغم كل الملابسات التي حصلت وتحصل داخل البرلمان لكنه قادر دائما على تحقيق إنجاز في أي عمل يوكل له حتى إنه برز كقائد عراقي وعالمي يحسب له حساب عند الدول والحكومات».

* عين على الرئاسة الأولى

لم يبق في طموح أسامة النجيفي ما لم يتحقق سوى منصب رئيس الجمهورية. ومع أن الرئاسة الأولى في العراق رمزية إلى حد كبير كون نظام الحكم في العراق برلمانيا وليس رئاسيا فإن هذا المنصب وطبقا لمبدأ المحاصصة أو التوافق الوطني لا يزال ويمكن أن يبقى لفترة قادمة موضع نزاع بين العرب (السنة) تحديدا والأكراد بعد أن بات أمر رئاسة الوزراء محسوما للشيعة (العرب). وحيث إن طارق الهاشمي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية وواحدا من أقوى المرشحين لمنصب الرئيس لولا اتهامه بالإرهاب فإنه لم يعد من بين القادة السنة الكبار الآن ممن تنطبق عليهم شروط الترشيح لهذا المنصب مستقبلا سوى أسامة النجيفي وصالح المطلك.
النائب عن ائتلاف دولة القانون علي الشلاه الذي يعد أحد أبرز خصوم النجيفي داخل البرلمان يقول عنه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «لدى النجيفي طموح كبير جدا لكنه للأسف لا يستطيع أن يتبنى موقفا وسطا بل هو بنى شعبيته أول الأمر على عداء مع الأكراد ثم الآن ومن خلال الانتخابات الأخيرة فقد الكثير من شعبيته وهو ما جعله الآن يسعى لتغيير خطابه ليكون أكثر اعتدالا بسبب أن هناك مزايدين في الوسط السني»، مشيرا إلى أن «الحاجة تقوم على زعيم سني وسطي مقبول يمكن أن يتعامل مع سياسي شيعي ويمكن لهذه الثنائية أن تنجح بين المالكي والنجيفي في حال لا تحدث تقلبات في المواقف من قبله». الشلاه يعترف أن «من إيجابيات النجيفي أنه حاسم في مواقفه وحازم لكنه يحرج نفسه أحيانا فيضطر إلى رمي الكرة في ملعب الآخرين وبالتالي فإنه أمام مهمة صعبة في كيفية الحفاظ على نفس وزنه في الانتخابات القادمة وهو في نفس المشكلة التي يعانيها المطلك (صالح) أمام جمهوره». الشلاه يرى أن «أمرا واحدا بقي للنجيفي وهو أن يعمل على تشريع المزيد من القوانين خلال ما تبقى من الدورة البرلمانية الحالية حتى تحسب إنجازات له من الناحية المهنية».
من زاوية أخرى أكثر قربا يقول المستشار في البرلمان حسين فوزي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «النجيفي شخصية عفيفة ونزيه فالرجل شبع من طفولته وشبع قبله أهله وهو من الأدب والدماثة يحترم الضعيف أكثر من القوي». ويرى فوزي أن «النجيفي يمتلك من المواصفات ما يؤهله أن يكون رجل دولة بارزا ومشروع رئيس جمهورية حين يتحالف الشيعة والسنة لبناء الدولة الديمقراطية الاتحادية»، معتبرا أن «فرصة النجيفي في رئاسة الجمهورية ليس في الدورة المقبلة التي تبدو محسومة للأكراد ثانية إلا أن الدورة ما بعد القادمة سوف تكون مرحلة مختلفة». وينتهي فوزي إلى خلاصة أن «النجيفي يدير جلسات البرلمان بشكل ينسجم مع المعايير المهنية والديمقراطية لكنه ولكون لكل شخص نواقصه فإن تصريحاته أحيانا لا تنسجم مع طبيعة مهامه».



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».