بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية

رئيس مجلس النواب الأميركي الجديد يسعى لتوحيد الجمهوريين المعتدلين والمتشددين قبل الانتخابات

بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية
TT

بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية

بول رايان.. رجل الأفكار الاقتصادية

لم يأت انتخاب بول رايان رئيسا جديدا لمجلس النواب الأميركي مفاجأة داخل الأوساط السياسية في الولايات المتحدة. فعلى امتداد 17 سنة أمضاها رايان نائبا في المجلس عن مقاطعة جاينزفيل بولاية ويسكونسن، نجح في جذب الأضواء إليه بعد جهوده في ملفات اقتصادية مهمة وشائكة داخل الكونغرس.
فقد برز اسم رايان بعد وضعه مقترحات لتعديل برنامج الرعاية الصحية ورسم خطة محكمة لإعادة هيكلة قانون الضرائب، ومقترحات لتقليل النفقات وتوفير الضمان الصحي للمسنين. كذلك شغل رايان منصب رئيس لجنتين من أهم وأقوى لجان مجلس النواب الأميركي، هما لجنة الميزانية ولجنة المواصلات.

في عام 2012 اختاره ميت رومني مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة الجمهورية ليكون نائبه من منطلق إعجابه بأفكاره القيادية، إلا أن رومني - كما هو معروف - خسر الانتخابات أمام الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن.
في الواقع، لم يسع النائب عن ولاية ويسكونسن إلى منصب رئيس مجلس النواب، بل سعى المنصب إليه بضغوط من قادة الحزب الجمهوري، الذين اعتبروا أن رايان يملك المؤهلات المطلوبة للمنصب، وأنه السياسي الأقدر على توحيد صفوف الجمهوريين المنقسمين على أنفسهم. وبالفعل، تردّد رايان في تولي المنصب، لكنه استجاب في النهاية لضغوط قادة الحزب بعد انسحاب النائب كيفن ماكارثي الذي كان الأقرب إلى المنصب. ثم إنه، قبل أن يقبل ترشيحه رسميا، طالب بأن يتّحد خلفه ساسة الحزب الجمهوري بكل أجنحته وتياراته، وأن يحصل على دعم تيار اليمين المتشدد والمحافظين داخل الحزب جنبا إلى جنب مع أصوات المعتدلين.
وحقا، نجح رايان (45 سنة)، الذي يصف نفسه بأنه من «صقور» الحزب - أي متشدديه - في قضايا الميزانية بحصد أصوات 236 صوتا من مجلس النواب بكامل هيئته (إجمالي 435 عضوا) خلال عملية الاقتراع التي أجريت أخيرا، وبذا غدا الرئيس الرابع والخمسين في تاريخ مجلس النواب الأميركي، بل، والرئيس الأصغر سنا بين كل من تقلدوا هذا المنصب الرفيع منذ الحرب الأهلية الأميركية، أي منذ 140 سنة. وللعلم، وفقا للدستور الأميركي، يُعد رئيس مجلس النواب الرجل الثالث في هرم السلطة في الولايات المتحدة بعد الرئيس ونائبه.
في كلمته الأولى أمام الكونغرس بعد انتخابه، ركّز رايان على أهمية عمل كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي معا، والاستماع إلى وجهات النظر المتعارضة، والتأكيد على أن النقاش والخلافات جزء ضروري من العملية التشريعية، داعيا إلى «قدر أكبر من الاحترام والعمل لجعل الشعب الأميركي أكثر وحدة وأكثر حرية».
وحقا، فإن فكرة توحيد الحزب والاتفاق على أرضية مشتركة هي القضية الأساسية التي تشغل بول رايان اليوم بعدما كادت تمزق الحزب الجمهوري خلافات طاحنة بين تياري المعتدلين والمتشددين، بلغت حد دفع رئيس مجلس النواب السابق جون بوينر إلى تقديمه استقالته في أعقاب الهجوم الضاري الذي شنه أعضاء متشددون في الحزب عليه، واتهامهم إياه بالتراخي والتخاذل والتلكؤ في الوقوف بحزم في وجه سياسات إدارة الرئيس أوباما وحزبه الديمقراطي.
جدير بالذكر أن الحزب الجمهوري عانى طويلا من صراع داخلي في ظل تنامي أصوات الجناح المتشدد من الجمهوريين لا سيما التجمع المحافظ الذي يطلق عليه اسم «حفلة الشاي». ولقد تسبب هذا الصراع الداخلي بكثير من الأزمات داخل الكونغرس، كان أبرزها إغلاق الحكومة الفيدرالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 بعد فشل تيارات الحزب في الاتفاق على استراتيجية تجنب الإغلاق الحكومي.
ولذا دعا رايان إلى طي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة. وخلال الأيام القليلة الماضية خرج رايان في أربعة حوارات تلفزيونية يطالب الحزب بتوحيد الصفوف وتبنّي سياسات جيدة والالتفاف حول أفكار كبيرة. وقال رايان في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي» الأحد الماضي: «كان الحزب قويا في التكتيكات، لكنه خجول في الخروج بأفكار وسياسات، وهذا هو ما علينا القيام به». كذلك قال الرئيس الجديد لمجلس النواب: «ما علينا فعله هو الالتفاف حول مجموعة مشتركة من المبادئ وتطبيقها على المشاكل وإعطاء البلاد خيارا جريئا».
في المقابل، يرى محللون أن هدف رايان في توحيد الحزب الجمهوري وتحقيق التوافق في الآراء بين أعضائه سيكون تحديا كبيرا بالنسبة له. وهذا أمر يدركه الرئيس الجديد الذي قال في حواراته التلفزيونية بصراحة: «ليس لديّ سبب للاعتقاد أن الحزب الجمهوري سيظهر فجأة في حالة وحدة وطنية بين عشية وضحاها». بل ذهب بعض المحللين لأبعد من ذلك، قائلين إن رايان دخل بقدميه إلى «عش دبابير»، حيث سيواجه سلسلة من القضايا الخلافية التي يمكن أن تقوّض قبضته على مجلس النواب، وهذا في إشارة إلى أن الحزب الجمهوري يواجه أزمة وجودية مع المشاحنات والخلافات بين فصائله وطبقاته الآيديولوجية. وسيضطر رايان إلى خوض معارك مالية طاحنة داخل الحزب وخارجه، وهي المعركة التي قسمت الجمهوريين منذ حقق الحزب السيطرة على مجلس النواب في انتخابات عام 2010.
بالتحديد، أبرز تحدٍ يواجهه رايان هو تحفيز الحزب الجمهوري للخروج ببرنامج جيد للسياسة الضريبية، وتقديم بديل جيد لبرنامج الرعاية الصحية الذي طرحه الرئيس أوباما، المعروف باسم «أوباما كير». وهو التحدي الذي واجهه سلفه جون بوينر الذي حاول عبثا توحيد الحزب خلف مقترحات بديلة لبرنامج «أوباما كير»، وخرجت عدة مشاريع قوانين لكن الجمهوريين لم يتمكنوا من التوافق حول فكرة أو مقترح أو مشروع قانون.
رغم هذا، نجح بوينر قبل أن يترك منصبه في تمرير موافقة على ميزانية لمدة سنتين، وتمديد سقف الدين حتى عام 2017، مما مهد لرايان القدرة على بدء التفاوض بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ حول سياسات التمويل للميزانية. وسيكون الآن أمام رئيس النواب الجديد العمل للتوصل إلى اتفاق بشأن مشروع قانون الاتفاق الشامل كي يصبح قانونا قبل انتهاء التمويل الحالي بحلول 11 ديسمبر (كانون الأول) والتصدي للقضايا الشائكة مثل قانون الرعاية الصحية بأسعار مناسبة، وتنظيم الأسرة، وإعادة العلاقات مع كوبا، وغيرها. وهنا لا بد من القول بأن رايان نفسه كان قد حاول توحيد الحزب للحصول على موافقته لاستخدام عوائد الضرائب على الشركات لتمويل قانون للطرق السريعة، لكنه لم يستطع تحقيق ذلك.
رايان وأوباما وماكونيل
من جهة أخرى، يترقب المحللون كيف ستكون العلاقة بين رئيس مجلس النواب الجديد، والرئيس أوباما، وشكل الديناميكية التي ستكون بينهما، ومساحات التعاون والاختلاف، ومدى التعاون بين موظفي الرئيس في البيت الأبيض وموظفي رئيس المجلس.
وفي هذا المجال، استبق رايان أي لقاءات مرتقبة مع أوباما معلنا في حواره مع شبكة «سي إن إن» أنه يرفض التعاون مع أوباما في ملف الهجرة، رافضا أي تعديل محتمل قبل عام 2017، وأردف: «لماذا نقر قانونا حول موضوع يثير انقساما مع رئيس لا يمكن الوثوق به؟».
لكن هناك ثنائيا آخر ستكشف الأيام مدى التقارب والتباعد بينهما، هما رايان وزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل (73 سنة). والسؤال المطروح هو ما إذا كان بمقدور الرجلين دفع جدول أعمال الحزب والمضي قدما في قضايا السياسة مع اقتراب انتخابات الرئاسة العام المقبل، بحيث يتجنب الحزب حالة الفوضى قبل التوجه للانتخابات. وفي هذا الصدد يقول روجر ويليامز، النائب عن ولاية تكساس: «أعتقد أنه ستكون هناك خطوط اتصال بين رايان وماكونيل خاصة أنهما يرتبطان بعلاقة مهنية ودية بكل المقاييس». مع هذا، يقول المقربون من رايان إنه يريد مواصلة الدفع بمبادراته، مثل إعادة هيكلة قانون الضرائب لتمويل مشاريع الطرق السريعة، في حين يعارض ماكونيل سرا وعلانية مناقشة تعديل قانون الضرائب لتمويل مشاريع الطرق، وهو يريد ضمه إلى مشروع قانون إصلاح ضرائب موسع، معتبرا أنه ليس هناك الوقت الكافي للتوصل إلى اتفاق على هذا التشريع الضريبي المعقد خلال الشهور المتبقية من حكم أوباما. لكن، إذا تمكن مجلسا الشيوخ والنواب من التوافق حول مشروع موحّد فإن هذا سيكون بمثابة فوز كبير لكل من رايان وماكونيل.
وحول التحديات الأخرى التي يواجهها رئيس مجلس النواب الجديد يقول البروفسور ماثيو غرين، أستاذ الدراسات البرلمانية بالجامعة الكاثوليكية في واشنطن: «أمام رئيس مجلس النواب بول رايان مهمتان رئيستان: فهو يحتاج إلى تهدئة الخلافات داخل حزبه وتهدئة مخاوف وقلق الناخبين حول الحزب، حتى يغدو بإمكان الحزب الجمهوري مساعدة مرشحه في السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض».
ومن جانبه، يرى آرثر بروكس، رئيس معهد «أميركان إنتربرايز»، أنه «لا يوجد داخل الحزب الجمهوري من هو أفضل من رايان للقيام بمهمة توحيد الحزب، وهو الذي قدم خلال السنوات الماضية مقترحات حول تعديل الميزانية والضرائب، ومقترحات لعلاج مشاكل الفقر، وتقليص البرامج الحكومية، وتوسيع فرص الأفراد، وتحويل الرعاية الصحية إلى نظام القسائم. لذا فهو الشخص المثالي لقيادة مجلس النواب». ويضيف: «إن أفضل طريقة للنجاح هي توسيع القيادة، أي إعطاء المزيد من الفرص لوجهات النظر المعارضة، وعرض المزيد من الأفكار والرؤى. وهذا ما يحاول رايان القيام به، وأحد الأسباب التي دفعت أعضاء مجلس النواب للتصويت لصالحه. لقد وعد رايان بإدارة مجلس النواب من أسفل إلى أعلى، وليس من أعلى إلى أسفل (أي من قاعدة النواب إلى رئيس المجلس وليس العكس)». ويشير إلى أن رايان - الذي يتمتع بملامح رياضية تضيف مظهرا شبابيا للحزب الذي يعجّ بكبار السن كما يتمتع بقدرات بلاغية ومهارة في التعبير عن أفكاره وقناعات الفكرية بسهولة - يحظى بقبول المحافظين المتشددين، وفي الوقت نفسه يشيد الجمهوريون المعتدلون بطموحه وقدراته السياسية وأفكاره الاقتصادية.
سيرة شخصية
ولد بول ديفيز رايان في 29 يناير (كانون الثاني) 1970 في مدينة جاينزفيل بولاية ويسكونسن، بشمال الولايات المتحدة، لأب من أصول آيرلندية اسمه بول موراي رايان كان يعمل محاميا، وأم من أصل ألماني إنجليزي. وهو الولد الأصغر بين إخوته الأربعة. تربى رايان في بيئة منزلية ومدرسية كاثوليكية، إذ درس في مدرسة كاثوليكية في جاينزفيل، وكان نشطا في رياضات التزلج وكرة السلة وكرة القدم. غير أنه صدم في سن السادسة عشرة بمأساة وفاة والده إثر نوبة قلبية، وهو ما دفعه لممارسة الرياضة بكثافة.
حصل رايان على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة ميامي بمدينة أكسفورد في ولاية أوهايو، وعلى شهادة البكالوريوس في الآداب عام 1992. وخلال سنوات الدراسة عمل نادلا ومدربا للياقة البدنية، وانخرط في وظائف أخرى لتغطية مصاريفه الجامعية. وبعد التخرج شق رايان طريقه السياسي موظفا متدربا في الكونغرس بمكتب السيناتور بوب كاستن، العضو الجمهوري في مجلس الشيوخ عن ولاية ويسكونسن، ثم أصبح مساعدا له. وفي عام 1997 عاد رايان إلى ويسكونسن حيث عمل لمدة سنة مستشار تسويق لشركة البناء رايان إنكوربوريتد التي يمتلكها أقاربه.
انتخب رايان لأول مرة عضوا في مجلس النواب عام 1998، وأعيد انتخابه ثماني مرات ملحقا هزائم مريرة بمنافسيه من الديمقراطيين. وفي عام 2007 أصبح رايان عضوا بارزا في لجنة الميزانية بمجلس النواب، ثم انتخب رئيسا لها في عام 2011 بعد سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب. وخلال عمله في مجلس النواب رعى أكثر من 70 مشروع قانون وتعديلا، وكان من المؤيدين لتخفيضات الرئيس جورج بوش «الابن» الضريبية وخطط إنقاذ صناعة السيارات. وفي عام 2008 قدّم رايان «خريطة طريق» لمستقبل أميركا عرفت باسم «ميزانية رايان»، واقترح تخفيضات للضرائب عن طريق خفض معدلات ضريبة الدخل والقضاء على ضرائب الدخل على الأرباح الرأسمالية وأرباح الأسهم والفائدة وإلغاء الضريبة العقارية.
وأثناء عمله التشريعي صوت رايان ضد قانون الرعاية الصحية الذي طرحه الرئيس أوباما «أوباما كير» عام 2010، وشارك مع غيره من الجمهوريين اليمينيين المحافظين في وضع تدابير لتقييد الإجهاض وفرض عقوبات على الأطباء الذين يجرون عمليات الإجهاض، كما عارض كغيره من اليمينيين المحافظين زواج المثليين. ومنذ 2013 قاد جهودا لتعديل برامج لمكافحة الفقر داخل الولايات الأميركية. أما على صعيد السياسة الخارجية فكان رايان من الجمهوريين الذين صوتوا لصالح استخدام القوة العسكرية في العراق، كما أيد زيادة الإنفاق على الحرب في أفغانستان وفي الإنفاق على منظومات الأسلحة المختلفة.
رايان متزوج من المحامية جانا ليتل، ولديهما ثلاثة أطفال هم ليزا وتشارلز وسام. وهو يعد من الأتباع النشطين في كنيسة القديس جون (مار يوحنا) الكاثوليكية. كما يعرف عنه شغفه بموسيقى الهارد روك.
رئيس مجلس النواب الأميركي الجديد يصفه محبوه بأنه رجل الأفكار الجديدة، ويشيدون بمهارته في اختيار التوقيت المناسب لعرض أفكاره، ولقد وصفه الرئيس السابق جورج بوش بأنه «رجل الرؤى والأفكار».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.