ميليشيات عراقية تتصدر معارك القلمون.. و«بدر» تنفي تورطها

عناصر من منظمة بدر العراقية يحملون في النجف أمس جنازة أحد زملائهم قتل في اشتباكات مع الجيش السوري الحر (رويترز)
عناصر من منظمة بدر العراقية يحملون في النجف أمس جنازة أحد زملائهم قتل في اشتباكات مع الجيش السوري الحر (رويترز)
TT

ميليشيات عراقية تتصدر معارك القلمون.. و«بدر» تنفي تورطها

عناصر من منظمة بدر العراقية يحملون في النجف أمس جنازة أحد زملائهم قتل في اشتباكات مع الجيش السوري الحر (رويترز)
عناصر من منظمة بدر العراقية يحملون في النجف أمس جنازة أحد زملائهم قتل في اشتباكات مع الجيش السوري الحر (رويترز)

أعلن ناشطون سوريون، أمس، أن مقاتلي الميليشيات العراقية التي تقاتل إلى جانب قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد، «تتصدر القوات المهاجمة في معركة السيطرة على مدينة يبرود (في القلمون) بعد تراجع عدد مقاتلي حزب الله بنسبة كبيرة»، على الرغم من إعلان السلطات العراقية الدائم عدم تبنيها أي طرف شيعي يقاتل أو يدعم جهة معينة في الحرب الدائرة في سوريا منذ نحو ثلاث سنوات، ونفيها السماح بإرسال مقاتلين إلى هناك حتى تحت ذريعة الدفاع عن الأماكن الشيعية المقدسة، وفي مقدمتها مقام السيدة زينب. لكن الواقع أن بعض الميليشيات الشيعية، بينها «حركة حزب الله» و«عصائب أهل الحق»، لا ترى «مانعا شرعيا» في التوجه إلى هناك ما دامت المهمة تنحصر في الدفاع عن المراقد الشيعية، خصوصا بعد «نبش» قبر الصحابي عدي بن حجر من قبل تنظيم القاعدة هناك.
وأكد الناطق الرسمي لحركة «عصائب أهل الحق» في العراق أحمد الكناني في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الشيخ قيس الخزعلي (الأمين العام للعصائب) وفي خطابه بذكرى تأسيس الحركة، أكد أن الدفاع عن المقدسات الإسلامية في سوريا ضد التكفيريين، هو واجب على كل المسلمين سنة أم شيعة، والهدف من ذلك هو أن التكفيريين مرفوضون من قبل الجميع، وحتى ندرأ مخاطر الفتنة الطائفية».
وأضاف الكناني قائلا إن «هناك سابقة مهمة وهي تفجير سامراء عام 2006، إذ دمر مرقدا الإمامين، الذي نتج عنه عنف طائفي دفع ثمنه العراقيون، وبالتالي، فإننا لا نريد تكرار مثل تلك المأساة»، مشيرا إلى أنه «لو حصل تدمير لمرقد السيدة زينب، فإن شرارة العنف الطائفي سوف تمتد إلى العراق وهو أمر ستكون له تداعياته الخطيرة».
وبشأن ما إذا كانت الحركة تتبنى إرسال مقاتلين إلى سوريا، قال الكناني: «نحن لا نرسل ولم نطلب من أحد الذهاب إلى هناك، إلا من يريد الذهاب من تلقاء نفسه، حيث إن حركة (عصائب أهل الحق) تضم أشخاصا يقلدون شتى المراجع؛ إذ إن فيها من مقلدي (آية الله كاظم) الحائري و(آية الله محمد باقر) الصدر و(آية الله علي) السيستاني و(المرشد الأعلى في إيران علي) خامنئي. وبما أن غالبية المراجع يجيزون القتال دفاعا عن الإسلام والمقدسات، فإن من يرد الذهاب فهذا شانه طبقا لتكليفه الشرعي». وأوضح الكناني أن «(لواء أبو الفضل العباس) الذي يقاتل في سوريا لا ينتمي إلى جهة معينة، بل فيه من كل الجهات».
وعلى الرغم من النفي الرسمي العراقي بشأن دعم من يقاتل في سوريا، فإن تشييع جنازات من يقتل هناك تجري بطريقة علنية في شوارع المدن العراقية وبعضها يحضره مسؤولون رسميون من الحكومات المحلية. ومع أنه لا يعرف العدد التقريبي للمقاتلين العراقيين في سوريا، لكن، وطبقا للأرقام المتداولة، فإن أعدادهم قد تصل إلى 15000 مقاتل.
ويعد «لواء أبو الفضل العباس» أبرز الميليشيات الشيعية التي تقاتل هناك. وكان «اللواء» ظهر على الساحة السورية مع حلول شتاء عام 2012 وفي منطقة السيدة زينب المتاخمة للعاصمة دمشق في شكل فرقة عسكرية عالية التنظيم والتدريب، متمتعة بتسليح حديث ونوعي على مستوى الأفراد مما يجعلها شديدة الفعالية في حرب المدن والشوارع. فضلا عن ذلك، يتمتع اللواء بهيكلية وقيادة عسكرية واضحة وهو على تنسيق تام مع ماكينة الجيش السوري النظامي.
غالبية المقاتلين في صفوف «اللواء» من العراقيين وينتمون لفصائل شيعية مقاتلة في بلادهم مثل «عصائب أهل الحق» و«جيش المهدي». ومع أن هناك ألوية أخرى مثل «ذو الفقار» و«عمار بن ياسر» و«كتائب سيد الشهداء» و«أسد الله»، إلا أن «لواء أبو الفضل العباس» هو الأكثر تأثيرا. وبالنسبة للحكومة العراقية، فإنها أعلنت مرارا أن أحداث سوريا سوف تؤثر على العراق بشكل مباشر، معلنة في الوقت نفسه تمسكها بسياسة عدم التدخل في سوريا، وتبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد ومع المعارضة. لكن قوى غربية اتهمت بغداد بغض الطرف عن مساعدات خارجية للأسد؛ منها استخدام طائرات إيرانية المجال الجوي العراقي لنقل أسلحة إلى سوريا. لكن بغداد تنفي تلك الاتهامات وتنفي السماح لمقاتلين شيعة بالسفر إلى سوريا بحرية أو تقديم أي دعم لهم.
وكان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري قال في مقابلة صحافية إن ثمة «مبالغة» بخصوص كتائب أو وحدات عراقية تقاتل في سوريا، مشيرا إلى أن هناك عددا «محدودا» من المتطوعين، الذين يسافرون دون موافقة الحكومة العراقية أو النظام العراقي أو الزعماء السياسيين.
ومع استمرار تدفق المقاتلين العراقيين إلى سوريا، بدأ الحديث يتجدد عن توجه أعداد من «فيلق بدر»، الذي كان يوصف بأنه الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وتأسس في إيران خلال ثمانينات القرن وإلى سقوط النظام السابق عام 2003، إلى سوريا.
لكن خلال السنوات الماضية ألغي ما يسمى بـ«فيلق بدر» ودمجت عناصره المقاتلة بالمنظومة العسكرية العراقية، وتحول الفيلق إلى منظمة سياسية تحت اسم «منظمة بدر»، وأصبح لها تمثيل في البرلمان العراقي. والمنظمة، التي يتزعمها وزير النقل العراقي هادي العامري، كانت جزءا من المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم، لكنها أصبحت اليوم جزءا من مكونات ائتلاف «دولة القانون»، بزعامة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ولها سبعة مقاعد في البرلمان.
وتقول المعارضة السورية إن المقاتلين العراقيين «يتصدرون طليعة الهجوم على يبرود بعدد من المقاتلين يقارب 3000 مقاتل». ويؤكد مدير مكتب القلمون الإعلامي عامر القلموني لـ«الشرق الأوسط»، أن الكتائب العراقية التي تقاتل على مشارف يبرود، هي «لواء ذو الفقار» الذي كان يقاتل في «النبك»، إضافة إلى «لواء أبو الفضل العباس» و«فيلق بدر»، مشيرا إلى أن الأخير «يتصدر المشهد الميداني، بعدد من المقاتلين يتخطى الألف مقاتل، بعد دخوله إلى سوريا أخيرا».
وأكد القلموني، نقلا عن مصادر في الجيش النظامي السوري، أن «نحو ألفي مقاتل تابعين لـ(بدر)، دخلوا السبت الماضي إلى سوريا، للقتال إلى جانب القوات النظامية»، مشيرا إلى أن «قسما كبيرا منهم نُقل إلى يبرود ليشارك في القتال، ونستطيع تمييزهم من خلال بزاتهم السوداء التي يرتدونها». ولفت إلى أن القوات النظامية «توفر التغطية النارية بشكل أساسي، قبل دخول العراقيين إلى المناطق التي تتراجع فيها المعارضة».
وقال القلموني إن المقاتلين العراقيين «تحولوا إلى قوة ضاربة في الهجوم على يبرود، وذلك بعد تراجع مقاتلي حزب الله بنسبة 70 في المائة، عما كان عليه الأمر في الهجوم على النبك وقارة في السابق»، رادّا تراجع قوات حزب الله من موقعها في القوة المهاجمة إلى «خلافات بينهم، وتهديدات بتنفيذ انسحابات كنا نسمعها أثناء التنصت عليهم عبر اللاسلكي». وربما تأتي الخلافات الداخلية على خلفية استياء أنصار حزب الله من تدخله في سوريا والهجمات الانتحارية التي استهدفت معاقل الحزب في بيروت والهرمل. غير أن تقديرات المعارضة بدخول قوات تابعة لـ«بدر»، ينفيها مصدر مقرب من «منظمة بدر» في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، قائلا إن المقاتلين العراقيين «ليسوا من عناصر تابعة لـ(منظمة بدر)، التي لا تمتلك أي مقاتلين بعد إلغاء جناحها العسكري»، مشيرا إلى أن هؤلاء «مجموعة من العراقيين المتحمسين للدفاع عن المقامات الدينية في سوريا، وتولى مجهولون تنظيم أسفارهم إلى سوريا وتمويلهم، بهدف حماية المقرات الدينية». وأكد المصدر في المنظمة أن المقاتلين العراقيين الذين يتوجهون إلى سوريا «لا ينسقون معنا أبدا»، مشيرا إلى أن «هناك أجنحة أخرى في العراق لا علاقة لها بـ(منظمة بدر) تنسق وتنظم سفرهم».



الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.


أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».