النعيمي: السعودية ليست في حاجة ماسة لرفع الدعم عن الطاقة

قال إن تكلفة إنتاج برميل النفط الخام في السعودية من بين أقل التكاليف في العالم

علي النعيمي خلال الاجتماع الوزاري السادس للمنتدى القيادي لفصل الكربون في الرياض ( تصوير: سعد العنزي)
علي النعيمي خلال الاجتماع الوزاري السادس للمنتدى القيادي لفصل الكربون في الرياض ( تصوير: سعد العنزي)
TT

النعيمي: السعودية ليست في حاجة ماسة لرفع الدعم عن الطاقة

علي النعيمي خلال الاجتماع الوزاري السادس للمنتدى القيادي لفصل الكربون في الرياض ( تصوير: سعد العنزي)
علي النعيمي خلال الاجتماع الوزاري السادس للمنتدى القيادي لفصل الكربون في الرياض ( تصوير: سعد العنزي)

أبدت السعودية ثقتها الكاملة في عدم الحاجة الماسة لرفع الدعم عن الطاقة في السوق المحلية، يأتي ذلك في وقت تعتبر فيه السعودية من الدول العالمية القليلة التي نجحت خلال المرحلة الراهنة في الحصول على تصنيف ائتماني عالٍ، مما يعطي دلالة واضحة على أن اقتصاد البلاد سيتجاوز مرحلة انخفاض أسعار النفط الحالية بكل مرونة.
وتأتي هذه المعلومات الجديدة وفقًا لتصريحات أدلى بها المهندس علي النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية السعودي خلال مؤتمر صحافي عُقد على هامش الاجتماع الوزاري السادس للمنتدى القيادي لفصل الكربون في الرياض، وهو الحدث الذي يُعقدُ تحتَ رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.
وأوضح المهندس النعيمي خلال المؤتمر الصحافي أمس، أن السعودية لا تقدم أي شيء يندرج تحت مصطلح دعم الطاقة للمواطنين.
وقال للصحافيين ردًا على سؤال بخصوص رفع الدعم: «ما هو تعريف الدعم؟ عرفوا لي مصطلح الدعم قبل أي شيء حتى نرى إذا ما كان هناك دعم. نحن في السعودية لا ندعم الطاقة بل نقدم مساعدات للمواطنين حتى يحصلوا على الطاقة بأسعار مناسبة ونضمن لهم حياة رغدة ونحن لسنا في حاجة ماسة لإيقاف هذه المساعدات للمواطنين الآن».
ورفض وزير البترول السعودي، فكرة أن تكون أسعار الطاقة المحلية المنخفضة تمثل دعما لأن البنزين والكهرباء يباعان بأسعار تزيد عن تكلفة الإنتاج.
وقال: «إن تكلفة إنتاج برميل النفط الخام في السعودية من بين أقل التكاليف في العالم نحن نساعد أهلنا في معايشهم. لكن هذا ليس دعما». وأضاف قائلا: «لا يعود المرء ويلغي المساعدة إلا إذا كانت هناك حاجة ملحة لذلك. ولحسن الحظ فإن السعودية في الوقت الحالي لا تواجه مثل هذه الحاجة الملحة».
وكان النعيمي ذكر منذ أسبوع أن السعودية وهي أكبر مصدر للنفط في العالم تدرس احتمال زيادة أسعار الطاقة المحلية لكن محللين يقولون: إن هذا قد يحدث على الأرجح من خلال زيادات صغيرة في أسعار البنزين ورفع أسعار الطاقة للمستخدمين الصناعيين والشركات وغيرهم من كبار المستخدمين.
من جهة أخرى أوضح النعيمي أن فصل وتخزين الكربون هي تقنية مهمة جدًا للحفاظ على البيئة وفي نفس الوقت لزيادة إنتاج النفط إذ أن السعودية تريد أن تنتج مواد بتروكيماوية من الكربون الذي سيتم فصله وتخزينه إضافة إلى حقنه في مكامن النفط تحت الأرض لزيادة إنتاجها.
وقال النعيمي إن السعودية تجري حاليًا مشروعا تجريبيا في العثمانية في حقل الغوار من أجل معرفة كمية النفط الذي ستتمكن من إنتاجه مستقبلاً من خلال حقن الحقول بالكربون. وأوضح النعيمي أن في بعض حقول السعودية تبلغ نسبة الاستخلاص أو بمعنى أخرى الكمية التي يمكن استخراجها من النفط الموجود في المكمن نحو 50 في المائة. وإذا ما تم حقن المكمن بالكربون فإن هذه النسبة قد ترتفع إلى 70 في المائة كما يقول النعيمي.
ويقول محللون إن هذا الأمر يعني أن السعودية ستتمكن من إضافة مليارات البراميل من النفط إلى السوق إذا ما تمكنت من رفع معدل الاستخلاص. وتمتلك السعودية نحو 900 مليار برميل من النفط تحت الأرض ولكنها لا تستطيع استخلاص سوى نصف هذه الكمية بحسب التقنيات المتوفرة ولهذا فإن زيادة نسبة الاستخلاص تعني أن هناك نحو 200 مليار برميل قد تضاف إلى مخزوناتها على الأقل. وفيما يتعلق بالطاقة الشمسية، أوضح النعيمي أن السعودية لا تزال متمسكة بالخطة المقترحة من قبل مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة فيما يتعلق بإنتاج نصف الكهرباء تقريبًا من الطاقة الشمسية.
وقال للصحافيين ردًا على سؤال بشأن ما إذا كانت السعودية لا تزال ماضية في إنتاج نحو 41 غيغاواط من الكهرباء من خلال الطاقة الشمسية: «هذا ليس من اختصاصي ولكن بحسب علمي فأنا أستطيع أن أؤكد لكم أن الخطة لا تزال كما هي».
وأضاف أن السعودية تنفق مبالغ كبيرة جدًا على البحوث المتعلقة بتطوير تقنيات الطاقة الشمسية ولكن لا أحد يرى حجم هذا الإنفاق نظرًا لأنه موزع بين عدة جهات من بينها أرامكو السعودية مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست).
وأضاف النعيمي: «نأملُ أن تتمكنَ الدولُ النامية في المستقبلِ من الاستفادة من هذه المواردِ وأن تُسهمَ التقنية والابتكارُ في المساعدة على التقليلِ من أي آثارٍ جانبية لاستخدام الموارد، مع إيماني بأن التغيُّر المناخي هو تحدٍّ يمكنُ التعاملُ معه من خلال الابتكارِ والإبداعِ والتقدُّمِ في مجالاتِ التقنية والبحثِ».
وتابع وزير البترول السعودي: «إنكم تدركون تمامًا أن مزيجَ الطاقة العالمي آخذٌ في التغيُّر والتطوُّر، وهو أمرٌ جيدٌ ومستحسنٌ فالأشكالُ المختلفة من مصادرِ الطاقة المتجددة، مثلُ الطاقة النووية والشمسية وطاقة الرياحِ، يتمُّ استخدامُها بشكلٍ متزايدٍ بوصفها مكَمِّلة لأنواعِ الوقودِ الأحفوريِّ، لا بديلاً عنها، ونحنُ نعتقدُ بأنَّ استخدامَ جميعِ أشكالِ الطاقة سيكونُ ضروريًا لتلبية احتياجاتِ الأجيالِ المستقبلية ومتطلباتِها ولفت المهندس النعيمي إلى أن هذا ما يكسبُ المنتدى القيادي لفصلِ الكربونِ أهمية كبيرة لدى جميع دول العالم مع اتفاقِنا على أن خفضَ الانبعاثاتِ الضارة والتعاملَ مع التغيُّرِ المناخي يمثلان أولويَّة على المستوى العالمي».
ورأى النعيمي، أنَّ جميعَ الدولِ الممثَّلة في المنتدى القيادي لفصلِ الكربونِ وغيرَها توافقُ على أنَّ تقنية استخلاصِ الكربونِ وتخزينِهِ تمثِّلُ جزءًا بالغَ الأهمية من السعي العالمي لخفضِ الانبعاثاتِ المسببة للاحتباس الحراري، وقال: «أرى أننا متحدون ومتفقون على الوقوفِ معًا وراء هذا القصدِ، ويتجلى هذا الاتفاقُ ووحدة العملِ من خلال الجهود الجبارة التي تُبذلُ هنا وهناك في جميع أنحاءِ العالم لإجراءِ الأبحاثِ الخاصة بتقنية استخلاصِ الكربونِ وتخزينِه وتطويرِها وتوظيفِها وإيصالِها إلى جميعِ الجهاتِ ذات العلاقة».
وأشار وزير البترول إلى أن الكثير من المشاريعِ التجارية الضخمة والمجدية اقتصاديا والمتصلة بهذا الأمر ترى النورَ في مختلفِ أنحاءِ العالم، مثنيًا على هذه الجهودِ، بما فيها الجهودُ التي تبذِلُها السعودية، والتي تحقِّقُ تقدُّمًا مطَّردًا وملموسًا على أكثر من صعيدِ. وثمن النعيمي، الدورَ الكبيرَ الذي يقوم به المنتدى القيادي لفصلِ الكربونِ في تشجيعِ هذه الجهودِ وتحفيزِها، متطلعًا إلى تحقيقِ المزيدِ من التقدُّمِ في هذه المجالاتِ وأن تواصلَ الحكوماتُ التزامَها المتعلقَ بتوظيفِ الكفاءاتِ والقدراتِ والمواردِ البشرية والاستثماراتِ والأبحاثِ المتعلقة بهذا المجالِ.
وقال: «كُلِّي إيمانٌ بدور التقنية وبقدرة الإنسانِ على التغلُّب على التحديَّات التي تبدو صعبة أو عصيَّة على الحلِّ، وذلك من خلال العملِ التعاوني، وليس ذلك بمستغرب في تاريخِ الإنسانِ حيث ثبتَ ذلك عدة مراتٍ عبر التاريخ»، مضيفا: «أحدَ أهمِّ إنجازاتِ المنتدى القيادي لفصلِ الكربونِ ما نلاحظُه من تقدُّمٍ في هذا المجالِ انطلاقًا من إيمانِنا جميعًا بأهميتِه وبأهمية العملِ معًا كشركاءٍ وأصدقاءٍ ومتعاونين، كما أن المنتدى القيادي لفصلِ الكربونِ يمثل جانبا مهمًا في إطارِ الجهودِ التي تُبذلُ عالميًا للاتفاقِ حول بنودِ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأنِ التغيُّرِ المناخي».
يشار إلى أنه حضر الاجتماع الذي عقد على مدى أربعة أيام نحو 250 وزيرا ومسؤولاً وخبيرًا في مجال الطاقة والبيئة والتنمية المستدامة يمثلون 26 دولة إضافة إلى الكثير من المنظمات الدولية وشركات النفط الإقليمية.
ويُقام هذا الحدث قبل شهر من مؤتمر الأمم المتحدة للتغيّر المناخي المُرتقب (COP 21) في باريس، إذ يعد قاعدة انطلاق لتعزيز ما تقدمه السعودية المضيفة للمنتدى من التزامات ودعم على مدى سنوات طويلة للطاقة النظيفة والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري دون المساس بالنمو الاقتصادي أو التنمية الاجتماعية أو حماية البيئة.
ويُعد المنتدى مبادرة دولية للتغير المناخي على مستوى وزراء البترول والطاقة، ويركز على تطوير ابتكار تقنيات اقتصادية مطورة لفصل ثاني أكسيد الكربون وتجميعه تمهيدًا لنقله واستغلاله وتخزينه لفترة طويلة بشكل آمن.
يذكر أن فصل الكربون هو عبارة عن عملية تجميع ثاني أكسيد الكربون وتخزينه لفترة طويلة، وتهدف هذه العملية إلى تخفيف آثار التغير المناخي، وقد اقترح فصل الكربون للإبطاء من تراكم الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري في الجو والبحر، ويهدف المنتدى إلى تسهيل عملية تطوير التقنيات وتطبيقها من خلال تضافر الجهود الرامية إلى تذليل العقبات الفنية والاقتصادية والبيئية، وتعزيز الوعي وتوفير الدعم القانوني والتنظيمي والمالي والبيئات المؤسساتية المساعدة على ابتكار هذه التقنيات.
وفي سياق ذي صلة، أكد يوسف البنيان نائب رئيس مجلس إدارة «سابك»، الرئيس التنفيذي المكلف، أن الشركة تسهم بصورة كبيرة في فصل وتخزين الكربون واستخدامه، من خلال جملة من المبادرات مثل المصنع المقام في شركة «المتحدة»، إحدى شركات «سابك» التابعة، الذي يعد أكبر مصنع في العالم لتنقية ثاني أكسيد الكربون.
وقال البنيان خلال كلمته في الاجتماع الوزاري السادس لمنتدى الريادة في فصل وتخزين الكربون أمس: «تدرك شركة سابك المخاوف الدولية بشأن تغير المناخ، وأن أي إجراءات تتخذ في هذا الصدد تأتي ضمن الأولويات»، مضيفًا: «نحن جزء من الحل، لأن منتجاتنا يمكن أن تساعد في الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ومساعدة زبائننا لتلبية أهداف الاستدامة الخاصة بهم». وأضاف البنيان: «اتخاذ إجراءات بخصوص الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري يعتبر منطقيًا من الناحية التجارية، لأن الطاقة التشغيلية وكفاءة استخدام الموارد يخفضان تكاليف التشغيل، كما أن توفير حلول مستدامة منخفضة الكربون يوفر فرصا أقل خطورة». وحول جدول أعمال الاستدامة لدى «سابك» قال البنيان: «هدفنا الأساسي على المدى القصير هو تعزيز أعمالنا من خلال الكفاءة التشغيلية، والاستثمار في التقنيات الجديدة منخفضة الكربون، والحلول المستدامة الجديدة، ما يمكننا من تقليل بصمتنا البيئية، وتمكين زبائننا من تحقيق مكاسب مستدامة».



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.