تل أبيض بعد تحريرها من «داعش».. كتابات جدارية وآلات تعذيب

سرقوا مولدات للطاقة الكهربائية ومضخات رفع المياه من القرية السورية

شوارع تل أبيض خلت من المارة وأغلب محلاتها ما زالت مقفلة (واشنطن بوست)
شوارع تل أبيض خلت من المارة وأغلب محلاتها ما زالت مقفلة (واشنطن بوست)
TT

تل أبيض بعد تحريرها من «داعش».. كتابات جدارية وآلات تعذيب

شوارع تل أبيض خلت من المارة وأغلب محلاتها ما زالت مقفلة (واشنطن بوست)
شوارع تل أبيض خلت من المارة وأغلب محلاتها ما زالت مقفلة (واشنطن بوست)

عندما فر مقاتلو تنظيم داعش الإرهابي من تلك البلدة الصغيرة الواقعة إلى شمال سوريا في يونيو (حزيران) الماضي، أخذوا معهم مولدات الطاقة الكهربائية، ومضخات رفع المياه، ومعدات المستشفيات، وتقريبا كل شيء يساعد في المحافظة على مظهر أنهم كانوا يديرون دولة عاملة فاعلة.
لم يتركوا وراءهم إلا الكتابات الجدارية، وآلات التعذيب المروعة، وكتلة من الخشب تلك التي كانوا يقطعون عليها رؤوس ضحاياهم، وقفص كانوا يعاقبون المدخنين فيه بالإضافة إلى مجتمع ممزق بالريبة والشك وانعدام الثقة.
واليوم، تحولت بلدة تل أبيض إلى مكان يشوبه التوتر والاضطرابات. ويسعى الولاة الأكراد الجدد إلى فرض سيطرتهم على البلدة ذات المزيج السكاني المتنوع، والتي كانت حتى وقت قريب على أدنى تقدير تتمتع بأغلبية عربية معقولة – بعض منهم لم يكونوا راضين تماما عن حكم تنظيم داعش الإرهابي لبلدتهم.
يقول ساركيس كاوركيان (60 عاما)، وهو أحد سكان البلدة من الأقلية المسيحية الذين عاشوا في الظل ويتنفسون الصعداء الآن إثر رحيل تنظيم داعش عن البلدة، إنه كان يحتسي الشراب ويدخن السجائر طيلة الـ17 شهرا من حكم التنظيم الإرهابي للبلدة، حيث كان يبتعد تماما عن طريقهم ويسدد لهم ضريبة «الجزية» بقيمة 100 دولار، التي كانت مستحقة مرتين في السنة الواحدة على السكان المسيحيين.
أما في هذه الأيام فيكثر التعاطف حيال تنظيم داعش بين السكان العرب المحليين في البلدة، كما يقول السكان الذين يغلقون أبواب متاجرهم بحلول المساء يوميا تحسبا لأي شيء، حيث عزز اغتيال أحد الأئمة خارج مسجده خلال هذا الشهر من مخاوفهم المتزايدة.
كما أن التفجيرات الانتحارية في بعض الأحيان تجعل بلدة تل أبيض على حافة الأحداث الدامية، بالإضافة إلى أن الهجمات الأخيرة من جانب تركيا تؤكد على ذلك النوع من التعقيدات التي يُرجح تصاعد وتيرتها مع الجهود التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية لهزيمة تنظيم داعش وتحرير الأراضي التي يسيطر عليها في العراق وسوريا، في غياب التسوية السلمية الأوسع نطاقا مع كثير من القوات المتناحرة التي يغذي الاقتتال ما بينها من أوار الحرب المستعرة في تلك المنطقة.
وفي الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة لنشر 50 جنديا من القوات الخاصة إلى المنطقة قبل التركيز الجديد على مدينة الرقة، عاصمة التنظيم الإرهابي المزعومة والواقعة على بعد 60 ميلا إلى الجنوب، فإن بلدة تل أبيض تمثل نوعا من بالونات الاختبار أيضًا بالنسبة إلى الاستراتيجية التي سوف تعتمد اعتمادا كبيرا على وحدات الحماية الشعبية الكردية، أو ما يُعرف بـ«واي جي بي»، لفرض السيطرة على المناطق ذات الأغلبية العربية.
تعتبر بلدة تل أبيض، الواقعة على الحدود السورية مع تركيا، من أكثر المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة خلال الغزوات التي وقعت تحت مظلة الحملة الجوية الأميركية الممتدة إلى 14 شهرا الآن ضد قوات المتطرفين الإسلاميين. كانت البلدة التجارية الصغيرة تمثل البوابة الرئيسية لتنظيم داعش إلى العالم الخارجي، ونقطة العبور المهمة للمقاتلين الأجانب الذين يصلون من الخارج للانضمام إلى التنظيم الإرهابي إلى جانب مرور الإمدادات من كل شيء من شوكولاته النوتيلا الشهيرة وحتى الأسمدة الزراعية الضرورية في صناعة المتفجرات.
يأتي سقوط بلدة تل أبيض في غضون يومين فقط من هجوم وحدات الحماية الشعبية الكردية بمثابة هزيمة كبيرة للمتطرفين الإسلاميين، كما يعتبر من الزاوية الأميركية بمثابة مخطط عسكري مبدئي للمعارك التي تتضمن مشاركة القوات البرية القادرة على القتال المستمر والمدعومة بالغارات الجوية الأميركية. يأتي انهيار البلدة المهمة بعد أسبوعين من الهجمات الجوية المكثفة ضد مواقع تنظيم داعش في القرى المحيطة بالبلدة، ويبدو أن مقاتلي التنظيم الإرهابي تخيروا الفرار بحياتهم على مواصلة القتال والصمود.
ويعتبر سقوط بلدة تل أبيض، كذلك، بمثابة انتكاسة كبيرة لتركيا التي تعهدت بالحيلولة دون إقامة منطقة كردية على طول حدودها الجنوبية مع سوريا.
وتوجه تركيا الاتهامات إلى وحدات الحماية الشعبية الكردية لوجود علاقات تربطهم بالحركة الكردية الانفصالية المناوئة لتركيا، والمعروفة باسم حزب العمال الكردستاني، أو «بي كي كي»، الذي يُصنف كمنظمة إرهابية من قبل أنقرة وواشنطن.
فتح الجنود الأتراك، على الجانب الآخر من الخط الحدودي المعزز بشكل كبير، النار خلال هذا الأسبوع على المواقع الكردية في بلدة تل أبيض في حالة واحدة مسجلة على أدنى تقدير، وهو الإجراء الموافق لتصميم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بـ«فعل كل ما يلزم» لتقليص الوجود الكردي المتوسع داخل سوريا، كما أفاد في أحد تصريحاته في وقت سابق من هذا الشهر.
أغلق المعبر الحدودي، الذي كان من أكثر المعابر الحدودية ازدحاما ما بين تركيا وسوريا، منذ شهور مضت، مما أعاق كثيرا وصول المساعدات الغذائية والإنسانية، مما يؤدي إلى مزيد من تقويض جهود التعافي للبلدة السورية الصغيرة.
على خلفية تلك الأحداث، تشرع وحدات الحماية الشعبية الكردية في استيعاب بلدة تل أبيض وتحويلها إلى منطقة حكم ذاتي كردية معلنة، وهي التي تمتد في الوقت الراهن إلى أكثر من 300 ميل من الحدود العراقية في الشرق وإلى ضفاف نهر الفرات في الغرب.
هذا، وقد أعاد الأكراد تسمية بلدة تل أبيض ليكون اسمها الجديد «غيري سبي»، ويعلنون عن الهوية الشخصية الجديدة في مختلف لوحات الإعلانات المنتشرة في مختلف أنحاء البلدة، مكتوبة بالحروف اللاتينية المستخدمة من قبل الأكراد الأتراك وغير المفهومة بسهولة من قبل الأكراد السوريين أو العرب. كما قاموا، ومن جانب واحد، بفصل البلدة الصغيرة عن إقليم الرقة السوري الكبير وجعلوها جزءا من الجيب المتمتع بالحكم الذاتي حديثا، والذي يتكون من المناطق التي يعيش فيها السكان الأكراد بصورة طبيعية ولكنهم يتعدونها في حركة مستمرة إلى الأراضي التي تنتمي إلى الأغلبية العربية تاريخيا.
لقيت مثل تلك الخطوة الإدانة الشديدة من قبل تركيا ومن قبل المعارضة السورية في المنفى، وأثارت نزاعات طويلة الأجل وقديمة حول ما إذا كانت بلدة تل أبيض والمناطق المحيطة بها يمكن اعتبارها من الأراضي العربية أم الكردية. وفي حين أن أغلب السجلات تشير إلى أن بلدة تل أبيض تتمتع بأغلبية من السكان العرب قبل نشوب الحرب الأهلية السورية، إلا أن الأكراد يزعمون أن الأغلبية فيها كانت لصالحهم.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.