تابعنا الأسبوع الماضي كيف استطاع الشاب جورج واشنطن، من خلال اتصالات أخيه، أن يبدأ حياته العملية كمساح للأراضي، ثم ينخرط في جيش ولاية فيرجينيا الأميركية، إلى أن حصل على رتبة نقيب. وكيف أن مغامراته العسكرية كانت في أغلبها مرتبطة بعدد من الهزائم والاستسلامات، باستثناء معركة واحدة استطاع فيها استعادة أحد الحصون خلال «الحرب الفرنسية الهندية». كذلك تابعنا كيف استطاع هذا الشاب أن يبني قدراته المالية من خلال شراء بعض الأراضي أسوة بالطبقة الغنية الحاكمة في الولاية، خاصة بعد زواجه من إحدى الأرامل التي أضافت ممتلكاتها له فأصبح من أثرى رجال الولاية، ومن ثم انخراطه في عالم السياسة ممثلا للولاية في البرلمان المصغر لها. إلا أنه لم يكن ليتخيل أنه سيكلف بأهم مهمة في تاريخ الولايات المتحدة.. ألا وهي قيادة «الجيش القاري» (Continental Army)، كما كان يُعرف، الذي كان عليه خوض حرب تحقيق الاستقلال عن بريطانيا، لكن هذا الحلم كان يقف أمامه الجيش البريطاني، الذي كان أقوى الجيوش في العالم.
واقع الأمر أن جورج واشنطن عندما تولى هذه المسؤولية لم يكن على المستوى العسكري المطلوب لمواجهة الجيش النظامي البريطاني، وهو الجيش نفسه الذي رفض تعيينه رسميًا، مكتفيًا بأن يكون في جيش الولاية لضعف إمكانياته وعدم وجود أي خلفية علمية لديه، فهو لم يستكمل تعليمه الأساسي، وهو الخطأ الذي دفع الجيش البريطاني ثمنه فادحًا في ما بعد عندما قاد واشنطن البلاد للاستقلال.
والثابت تاريخيًا أن الجيش الأميركي الوليد لم يكن مؤهلاً، فقد كان يعتمد على تطوّع الشباب لفترات محدودة. وعلى الرغم من وجود روح قومية ومعنوية عالية، فإن هذه الروح كانت تتعرض للضغوط الشديدة بسبب الهزائم المتتالية للجيش القاري أمام منافس أقوى، إضافة إلى حالة الجوع والبرد وعدم وجود نظام لوجيستي ثابت ومستمر لتوفير أساسيات هذا الجيش، ولكن مع ذلك فقد صمد واشنطن وجيشه، وتعلم القائد من الظروف المحيطة بالحرب، واستطاع أن يؤقلم نفسه وجيشه عليها تدريجيًا.
بدأت الحرب بانتصار محدود للجيش الأميركي بالقرب من مدينة بوسطن، لكن السبب الرئيسي وراء ذلك كان ضعف الوجود العسكري البريطاني بعدما أخذ إعلان الاستقلال واندلاع الحرب البرلمان البريطاني على غرة. لكن لندن استطاعت في وقت وجيز أن تعزز جيشها وتضعه تحت قيادة موحدة للجنرال هاو، الذي لقن الجيش الأميركي سلسلة من الهزائم المتتالية كادت تعصف به، لا سيما بعد دعمه بتشكيلات عسكرية من المرتزقة الأوروبيين خاصة «الهيسيين» الألمان. وهنا أدرك واشنطن أن فرصة نجاح الجيش ليست في القضاء على الوجود العسكري البريطاني بحرب مفتوحة سيُهزم فيها حتمًا، بل الهدف أصبح الآن محصورًا في الإبقاء على الجيش الأميركي الوليد بعيدًا عن بطش البريطانيين. وهنا اضطر واشنطن لأن يتبع سياسة أشبه بحرب العصابات مبنية على «الكر والفر» كي لا يواجه خصومه في الميدان المفتوح. لكن هذا الأمر اضطره على مدار السنوات القليلة التالية إلى الانسحاب والهجوم المحدود إلى أن يستطيع إنهاك البريطانيين، وعندما انخفضت الروح المعنية للجيش أصبح عليه اتخاذ خطوة جريئة لشحنه معنويًا، وهو ما اضطره إلى ما عرف في التاريخ العسكري الأميركي بـ«العبور الكبير»، حين قرر واشنطن أن يعبر نهر الديلاوير في ديسمبر (كانون الأول) 1776 بعيدًا عن أعين الجيش البريطاني ليدمر التشكيل العسكري من «الهيسيين» المتمركزين في ترينتون، عاصمة ولاية نيوجيرسي، وبالفعل استطاع الرجل أن يعبر بجيشه تحت جنح الليل في جو قارس البرودة، وهزم القوات الألمانية بيسر شديد وقُتل قائدها واستسلمت باقي القوات.
مع هذا، وعلى الرغم من هذه الشجاعة المتناهية وارتفاع الروح المعنوية الأميركية، فإن واشنطن لم يستطع التغلب على المشاكل المتفاقمة للجيش الأميركي المنهك. كما أنه لم يستطع القضاء على المشاكل الخاصة بالقيادة خاصة مع وجود منافسين أقوياء بدعم من ولاياتهم يرون أحقيتهم في قيادة الجيش القاري، وبالأخص مع الهزائم والانسحابات المتتالية للجيش، ناهيك عن مشكلة دفع مرتبات الجنود وقلة الإمدادات ورفض المزارعين قبول الصكوك التي كان يقدمها واشنطن لهم مقابل توفير المؤن. وهذه في حقيقة الأمر أصبحت مسألة صعبة للغاية خاصة بعد هزيمته عسكريًا ووقوع مدينة فيلادلفيا كبرى مدن ولاية بنسلفانيا في أيدي البريطانيين بعد هزيمة نكراء. ولكن ما افتقده واشنطن من قدرات عسكرية عوضه بقدرة فائقة على الصبر والهدوء وحسن التدبير، إضافة إلى سمة مهمة رجحت كفّته وهي حب الجنود وولاؤهم الكامل له. لقد تجلى هذا الولاء بشكل ملحوظ خلال ما شابه التمرد الذي انتشر في جيشه جراء تأخر الرواتب وضعف الإمدادات.
وتورد المصادر التاريخية أن واشنطن ذهب إلى قادة التمرد وهو في حالة تأثر كبير، ونظر إليهم وهو يقرأ كلمة أعدها. وعندما وضع نظارته قائلا لهم إنه لم يعد يستطيع أن يقرأ لأنه فقد جزءًا من بصره وهو يخدم بلاده وأهدافها، بكى كل القادة وهم يرون قائدهم العظيم يبكي، والتزموا بقراراته بالكف عن التمرد لأنه يقف ضد كل مبادئ هذه الحرب.
الجيش الأميركي، إذن، صار بحاجة إلى معجزة حقيقية لإحراز النصر الصعب، لكن هذه المعجزة تحققت بأسرع مما توقع الجميع. إذ حسمت الظروف في القارة الأوروبية الوضع في حرب الاستقلال الأميركية، بعدما قررت فرنسا دخول الحرب في صف الجيش القاري ضد الجيش البريطاني، وهو ما قلب الموازين تمامًا خاصة مع وجود قوات فرنسية وأسطول قوي كسر سيطرة الأسطول البريطاني على السواحل الشرقية الأميركية. هذا التطور ساعد في فتح أبواب التجارة مرة أخرى أمام الولايات الأميركية، لكن أهم ما أسفر عنه التدخل الفرنسي لم يكن فقط مساعدة الجيش الأميركي في جهده العسكري، بل تدريبه العالي للجيش القاري، فلقد استطاع خبراؤه أن يعدوا الجيش الأميركي لمعارك مفتوحة يغدو قادرًا فيها على مواجهة الجيش البريطاني بعد عمليات «كر وفر» على مدار سنوات ممتدة.
وبالفعل، أسفر التدخل الفرنسي عن تغيير وجهة الحرب تمامًا، فسرعان ما استطاع الجيش الأميركي أن يسيطر على الموقف تمامًا، ودخل في معارك مفتوحة مع البريطانيين. وكان أشهر هذه المعارك معركة يورك تاون في فيرجينيا، التي استطاعت حسم الحرب الدائرة وهزيمة القائد البريطاني كورنواليس الذي استسلم في أكتوبر (تشرين الأول) 1781. وبعد ذلك استسلمت الجيوش البريطانية الأخرى، وجلت القوات البريطانية عن البلاد، وأصبحت الولايات الأميركية دولة مستقلة تحت اسم جديد هو الولايات المتحدة الأميركية. عند هذا الحد سلّم واشنطن القيادة العسكرية للكونغرس، وعاد إلى أملاكه في مونت فيرنون، التي تأثرت كثيرًا بسبب الديون وحرب الاستقلال ووقف التجارة الخارجية.
حقيقة الأمر أن التاريخ العسكري لجورج واشنطن يُعد نموذجًا يكاد يكون فريدًا من نوعه. فهذا الرجل هُزم في غالبية معاركه، لكنه خرج منتصرًا. وجيشه أمضى معظم وقت الحرب في انسحابات ممتدة.. لكنه عاد منصورًا في اللحظات الحاسمة.
يوجد في تاريخ العالم الحديث أو القديم نموذج لقائد لقي كل هذه الهزائم، ثم أصبح «رجل الاستقلال»، ومن بعد ذلك رئيسًا للبلاد، ورئيس لجنة وضع الدستور أيضًا. وقد يرى البعض أن الحظ حالفه، لكن أغلب الظن أن الرؤية الثاقبة والقدرة الفائقة على التحمّل والصبر كانتا الحليف الرئيسي له، ففي كثير من الأحيان فإن كثرة المصائب تصنع القادة كما سنرى.
8:23 دقيقه
من التاريخ: جورج واشنطن ومعركة يورك تاون
https://aawsat.com/home/article/484321/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AC%D9%88%D8%B1%D8%AC-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86-%D9%88%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D8%B1%D9%83-%D8%AA%D8%A7%D9%88%D9%86
من التاريخ: جورج واشنطن ومعركة يورك تاون
من التاريخ: جورج واشنطن ومعركة يورك تاون
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

