خطاب هانس يوخين فوغل السياسي الاشتراكي الألماني والضليع في شؤون المدن والتطور السكاني الذي ألقاه عام 1971 في الجمعية العمومية لمؤتمر المدن، وعقد يومها في ميونيخ، حيث حذر من «تميع حدود المدن وانقراض قلب المدينة وتعاظم تلوث الماء والهواء، بل وتسممهما بسبب غازات عوادم السيارات والمصانع ونفايات البشر»، واستنكر الضوضاء غير العادية والفقر الذي يتعارض تعارضا حادا مع ثراء الخاصة الفاحش، إذا ما قورن اليوم بتقارير منظمات كثيرة تهتم بشؤون المدن وتخطيطها، فإنه لا يختلف كثيرا عنها سوى في بعض الأرقام، لذا يمكن القول إن «هذا السياسي تنبأ قبل أكثر من 40 عاما بهذه الكارثة وخطورة استفحالها إذا لم تعالج بسرعة».
فالتقرير الأول الذي صدر عن لجنة ألمانية تحضر لمؤتمر المدن الذي سيعقد في برلين العام المقبل يثير المخاوف، فهو يشير إلى أن عدد سكان الأرض زاد بأكثر من 80 مليون إنسان ما بين عامي 2005 و2015 ليصل إلى 7 مليارات مع أن التقديرات عام 1970 كانت 6 مليارات، يتجمع نصفهم في المدن. ومن بين 100 شخص يعيش نحو 46 في المدينة وكانوا 29 فقط في خمسينات القرن الماضي. وهناك 36 مدينة عدد سكانها يزيد على الـ12 مليون نسمة منها طوكيو (37.8 مليون) وجاكرتا (30.5 مليون) ومانيلا (24.1 مليون) وشنغهاي (23.4 مليون) وكاراتشي (22.4 مليون) ومكسيكو سيتي (20 مليونا) وساو باولو (20.3 مليون) وبوينس آيريس (14.1 مليون) ودكا (15.6 مليون) وإسطنبول (13.2 مليون) ولاغوس (13.6 مليون) والقاهرة (13 مليونا) وموسكو (12 مليونا). وتقع 14 مدينة منها في بلدان العالم النامي بل والفقير، ينزح سنويا من ريفها إلى المدينة نحو 20 مليون نسمة ما يشكل مع الوقت تفريغ الريف وإثقال المدينة بالسكان.
والمدن الواقعة في البلدان الصناعية لا تكف عن التضخم، فأعداد البشر فيها تتزاحم في مكان بالغ الضيق، وهذا يتطلب كميات كبيرة من الغذاء تجلب من أماكن بعيدة، والمدينة التي لا يزيد سكانها عن مليون نسمة تستهلك بحد متوسط على مستوى العالم يوميا نحو 625 ألف طن من الماء، و9500 طن من الوقود، وتلفظ 960 طنا من المنفوثات السامة التي تلوث الهواء، ونصف مليون طن من مياه الصرف، ولما كان البشر يستهلكون كميات كبيرة من الطاقة، فإنهم ينتجون كميات زائدة من المواد الضارة وجبالا متعاظمة من القمامة، فسكان نيويورك على سبيل المثال ينتجون كل يوم 15 مليون كيلوغرام من القمامة.
ونجم عن سنوات من النمو السكاني العشوائي تضخم العاصمة المصرية القاهرة، إذ لا يعرف تحديدا عدد سكانها لأنه يختلف بين الليل والنهار، فهل هو 10 ملايين أو 14 مليون نسمة، لا أحد يعرف، إلا أن هذه التقديرات المتفاوتة ترسم صورة للمشكلة، فهذه المدينة يولد فيها يوميا أكثر من ألف طفل إضافة إلى ألف نازح من الريف، فتختنق أكثر يوما بعد يوم، ليس فقط من كثافة سكانها بل من عوادم السيارات وغازات مصانع الإسمنت والأفران العالية، والمصانع التي كانت فيما مضى خارج بوابة المدنية إذا بها اليوم في وسط بحر من البيوت يوشك أن يبتلعها، ولا يتحدث أحد عن الصرف الصحي لأنه في حد ذاته معضلة نتج عنه ظهور أمراض خطيرة، رغم ذلك ليست هناك وصفة لها لأن العلاج غائب تماما، فمن يعالج؟
وحسب التقرير أيضا، فإن هناك مدنا لا حدود ولا أطراف لها مثل مدينة ساو باولو، بل تتكون من سلسلة لا نهاية لها من العمارات العالية والمساكن التي يسكنها الفقراء والمعدمون، وهي مستمرة في النمو تلتهم الأرض المحيطة بها، والحال ليست أفضل في مدينة مكسيكو سيتي، وامتد موقعها ليغطي 1500 كلم مربع، وأصبح الماء يجلب إليها من مسافات بعيدة، واتخذ تلوث الهواء أشكالا مذهلة، فأصبح النور مثلا أقل بنسبة 5 في المائة في وادي مكسيكو العلوي، ويخيم على المنطقة ضباب دخاني ويعاني كثير من سكانها من أمراض العيون والتهابات حادة في الجهاز التنفسي. وتقدر الأمم المتحدة تجاوز عدد سكان هذه المدينة الـ30 مليون نسمة حتى عام 2013 ما يجعلها أضخم مدن العالم. والتقطت صور لأحياء في هونغ كونغ تثير الخوف، ففي هذه المدينة يعيش أكثر من 7 ملايين شخص فوق 426 كيلومترا مربعا من الأراضي، ما يعني أنها مدينة مشكلة من طبقات وعلى وشك الانفجار.
وإلى جانب هاتين المدينتين هناك 20 مدينة تنمو سكانيا منذ منتصف الثمانينات بمعدلات تصل من 3 إلى 5 في المائة، إلا أن الانفجار السكاني ليس هو العنصر الوحيد المسؤول عن مشكلات المدن الكبيرة في العالم الثالث، فهناك النزوح من الريف ويمثل سببا خطيرا، فعلى مدة عقود قليلة نزحت أعداد من البشر تساوي شعوبا كاملة، ويحط تسعة أعشار هؤلاء النازحين في مساكن فقيرة تسمى حزام الفقر، وينتج عن هجرتهم ترك أراض زراعية شاسعة تساهم بدورها في تراجع حجم المحاصيل الزراعية وبالتالي كمية الغذاء.
ولقد حذر التقرير من استمرار ترك الفلاحين العيش في الريف والنزوح إلى المدينة، فهذا سيؤدي إلى تزايد مشكلات التموين، إذ سيكون من الضروري نقل كميات زائدة من الغذاء والطاقة ومواد البناء عبر مسافات بعيدة، ليضاف إليها مشكلة ما يلتهمه سكان هذه المدن العملاقة لتخرج مخلفات وقمامة.
وذكّر التقرير أيضا بدراسة وضعها جوناثان مان الرئيس الأسبق لمنظمة الصحة العالمية، حيث قال فيها إن «الإنسانية لا تعيش مع مسببات الأمراض المعدية إلا في هدنة لا نعرف مدتها، وعندما تنهار البنية الأساسية لإحدى المدن يمكن أن يختل الميزان في أي وقت، لذا فإن الأوبئة التي يظن الناس أنها قهرت يمكن أن ترفع رأسها من جديد».
على هامش الإعداد لمؤتمر المدن في ألمانيا.. العالم أمام انفجار سكاني
https://aawsat.com/home/article/481736/%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1-%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%8A
على هامش الإعداد لمؤتمر المدن في ألمانيا.. العالم أمام انفجار سكاني
46 % من سكان العالم يعيشون بالمدن.. و36 مدينة عدد سكانها يزيد على الـ12 مليون نسمة
- برلين: إعتدال سلامة
- برلين: إعتدال سلامة
على هامش الإعداد لمؤتمر المدن في ألمانيا.. العالم أمام انفجار سكاني
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

