يمثل فوز رباعي الحوار الوطني التونسي بجائزة نوبل للسلام، أهمية كبيرة جدًا لعموم المنطقة العربية، من المحيط إلى الخليج. لقد أثبت المجتمع المدني في تونس، قدرته على صنع السلام ومنع الانزلاق للحرب، وكان الفوز بالجائزة «رسالة أمل للمنطقة بأن الحوار يمكن أن يؤدي للطريق الصحيح، ويتعين أن يكون بالكلمات وليس بالسلاح»، حسبما ذكر أحد أطراف الرباعي الفائز؛ حسين عباسي أمين الاتحاد العام للشغل.
أربع منظمات أهلية تمكنت من حماية تونس من الوقوع في الفتنة والاقتتال والحرب الأهلية، بعد انهيار النظام الذي أعقب ثورة الياسمين 2011، وعملت على صيانة السلم الأهلي، ومنع تحول الصراعات السياسية إلى باعث للانقسام والفتنة، وتمكنت من تحصين المجتمع وحمايته، في وقت لم تكن هناك سلطة مركزية، والعمل على إرساء قواعد الإخاء الوطني رغم التحديات الكبيرة، وخاصة خلال الفترة التي أعقبت قيام متطرفين بالدخول على الخط، وتصفية القادة السياسيين.
نجح الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس الذي يشمل كلا من: الاتحاد التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، ورابطة المحامين، في الحفاظ على السلم المجتمعي، وتنظيم الخلافات السياسية، والتصدي لاستخدام القوة والتصفيات والانتقام، وأعطى رسالة لما يمكن أن يمثله المجتمع المدني عربيًا في ضمان الاستقرار وتحصين المجتمعات من الفتن المحلية.
مثل هذه النماذج تُعّد محدودة في تاريخنا، في العادة يصبح الانقسام السياسي والديني عموديًا وأفقيًا، ويتحول النشطاء وأهل الثقافة والفكر والنخب السياسية والدينية إلى أطراف في الصراعات ووقود في الفتن، وقّل أن تجد من يقوم بدوره المسؤول في حماية السلم الأهلي، ومنع تحول الخلافات إلى فتن تمزق البلاد أو تدمر المجتمع.
نُفتِشُ عن هؤلاء النماذج كلما رأينا الفتن تحيط بنا، ونتساءل: أين الرجال الذين يَعْبرون فوق الانقسامات المجتمعية؟، أين أولئك النخب الذين يبنون جسور التواصل ويطلقون المبادرات لحماية التعايش الوطني، وصيانة السلم المجتمعي، وتطويق الفتن..؟.
عبر التاريخ كانوا قليلين جدًا، ونادرين، ولذلك يستحقون «نوبل» كما منحها قبل مئات السنين، الشاعر زهير بن أبي سلمى، لرجلين من وسط الجزيرة العربية، لأنهما تمكنا أن يوقفا حربا ضروسًا طحنت العرب طحنًا.
أما الحرب فهي «داحس والغبراء» التي نشبت بين عبس وذبيان، واستمرت عشرات السنين، اصطلى بنارها الحيان، وخاصة ذبيان، الذين ينتمي إليهم الشاعر زهير.
وأما الرجلان اللذان منحهما زهير بن أبي سلمى تاجًا يشبه «نوبل» فهما: هرم بن سنان، وابن عمه الحارث بن عوف، حيث أخذا على عاتقهما إطفاء الحرب، ودفع ديات القتلى.
وكانت الجائزة ما قاله في شأنهما زهير في معلقته الشهيرة «أَمِن أُمِ أوفى دِمنَة لَم تَكَلَمِ»، حيث مدحهما بالقول:
فأقسمتُ بالبيـت الذي طاف حوله
رجال بَــنَوه مـن قريشٍ وجُــرْهُمِ
يمينا لنِـعم السيـدان وُجِدتما
على كل حال من سَحِيْلٍ ومُبْـرَمِ
تداركتـما عبسًا وذبيـــان بعدما
تفانوا ودقــُّـوا بينهم عطـر مَنْشِمِ
وقد قلتما إن نـدرك السِّلمَ واسعا
بمالٍ ومعـروفٍ من الأمر نَسْـلمِ
9:11 دقيقه
نوبل زهير بن أبي سُلمى
https://aawsat.com/home/article/478781/%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84-%D8%B2%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D9%86-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%B3%D9%8F%D9%84%D9%85%D9%89
نوبل زهير بن أبي سُلمى
نوبل زهير بن أبي سُلمى
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


