ليبيا: محاولات وقف تهريب اللاجئين فاشلة

معاول لحفر قبر جماعي لغرقى المهاجرين في مدينة زوارة إحدى عواصم التهريب الأسوأ سمعة في العالم

أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)
أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)
TT

ليبيا: محاولات وقف تهريب اللاجئين فاشلة

أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)
أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)

تراصت جثث الغرقى على الشاطئ حتى يتسنى إحصاؤها؛ فسرعان ما زاد عدد الجثث من العشرات إلى مائة. وفي مكان ما قبالة الساحل، لا يزال قارب الصيد المتهالك يتمايل، ونصف مغمور في المياه. ربما هناك المزيد من الضحايا.
في إحدى عواصم التهريب الأسوأ سمعة في العالم، كانت كارثة الهجرة يوم 27 أغسطس (آب) بمثابة صدمة أيضا. واقترض سكان مدينة زوارة الليبية معاول لحفر قبر جماعي لهؤلاء الغرقى. كما أنهم عثروا على ملابس صغيرة لأطفال رضع متناثرة على الشاطئ.
على مدى سنوات، اختلفت الحياة في مدينة زوارة، مع ازدياد ثراء المهربين المحليين. ويتدفق المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وسوريا إلى هذه المدينة الواقعة في أقصى شمال ليبيا، ويركبون القوارب للفرار من الفقر المدقع والحرب المشتعلة في بلادهم للاتجاه نحو أوروبا. لكن الآن، أتاح ساحل هذه المدينة الفرصة لحدوث كارثة كبرى، بحسب ما يصفها أحد السكان المحليين.
قال صادق نانيس، مسؤول أمني كبير في مدينة زوارة الليبية، لمجموعة من القادة المحليين: «نحن بحاجة للقيام بشيء ما».
وقرر سكان زوارة فعل ما لا يمكن تصوره: إغلاق طريق التهريب الرئيسي من شمال أفريقيا إلى إيطاليا.
ولم يكن هناك أبدا شيء أصعب من وقف المهاجرين واللاجئين الذين يحاولون عبور البحر إلى أوروبا. فقد خاض أكثر من 600 ألف شخص هذه الرحلة خلال هذا العام؛ أي أكثر من ضعف العدد في عام 2014 كله. وفي اليونان وشبه جزيرة البلقان، انهارت الحدود أمام الانقضاض القادم من الشرق عليها. وفي ليبيا، حيث نقطة انطلاق تيار أصغر - لكنه ضخم - من المهاجرين، كان مئات الأشخاص يصعدون على متن سفن واهية كل ليلة تقريبا خلال هذا الصيف، ليستفيدوا من الدولة التي انهارت تقريبا منذ الإطاحة برئيسها معمر القذافي في عام 2011.
ويعقد المسؤولون الأوروبيون اجتماعات متتالية، لمحاولة الحد من تدفق اللاجئين إلى القارة، كما أنهم ناقشوا مسألة استهداف قوارب المهربين بواسطة طائرات هليكوبتر، وتعزيز وجود السفن الحربية في البحر الأبيض المتوسط، وتوظيف المزيد من خبراء استخبارات. وحتى الآن، لم يجدِ أي شيء نفعا.
بدت الحملة في زوارة كما هو متوقع؛ إذ احتشد آلاف السكان في الشوارع للتظاهر ضد تهريب البشر. ولأول مرة منذ سنوات، أفادت قوارب الإنقاذ بأن البحار الواقعة شمال هذه المدينة فارغة.
لكن هل يمكن استمرار هذا الوضع؟
في جميع أنحاء زوارة، وفي منازل الاختباء المتداعية، ينتظر المهاجرون فرصتهم لعبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.
سمع أمادو الاحتجاجات وهو يختبئ داخل منزل مهجور وضعه المهربون فيه. كان قد سافر مسافة ثلاثة آلاف ميل من غامبيا استغرقت 20 يوما، إذ ركب حافلة عبر مالي وبوركينا فاسو، وبعدها شاحنة كبيرة عبر النيجر، ثم شاحنة صغيرة عبر ليبيا.
والآن، يمكنه سماع صوت هتافات سكان مدينة زوارة باللغة العربية.
علم أمادو لاحقا أن المحتشدين كانوا يهتفون قائلين: «لا مزيد من القتل من أجل المال».
وصل أمادو إلى هذا المكان تماما مثلما يجري جمع الجثث من حطام السفن. وكان من المفترض أن يغادر قاربه في اليوم التالي، لكن مهربه فر، خشية الاعتقال.
أخبر المهرب أمادو عبر الهاتف: «أمهلني فقط بضعة أيام. نحن بحاجة للانتظار حتى تهدأ الأمور وتستقر الأوضاع في زوارة».
وحينها أصبح أمادو وحيدا، يتجول حول مدينة زوارة. وفي الشارع الرئيسي، نشر السكان لافتة كبيرة عليها صور بعض الغرقى. وسار أمادو من أمام المقاهي والمطاعم والميناء، حيث علق السكان شعارات، مثل: «نقولها ألف مرة لا للتهريب».
ويبلغ أمادو من العمر 26 عاما. وهو قصير القامة ونحيف، وذو ابتسامة مسننة كبيرة، ويبدو كأنه صبي باستثناء لحية صغيرة. يدرك أمادو خطورة عبور البحر الأبيض المتوسط بشكل غير قانوني، وكيف أن هذه الرحلة قتلت نحو ثلاثة آلاف شخص هذا العام. وعندما سأله أصدقاؤه إذا ما كان بإمكانه السباحة، أجابهم قائلا: «أنا أغرق مثل الحجر في النهر». وكان كل شخص يسمع هذا الكلام يضحك، لكنه حقيقي، وهذا الأمر يخيفه جدا.
لكن أمادو سئم من كسب نحو خمسة دولارات فقط يوميا في غامبيا، وسئم من الحكومة الاستبدادية التي يبدو أنها تسجن كل شخص لا يعجبها، ولديه أحلام امتلاك سيارة وتلفزيون وقطعة أرض صغيرة. ويرغب في الزواج من امرأة لطيفة وذكية وطويلة القامة، حتى لا يصبح أطفاله قصيري القامة مثله.
غادر أمادو غامبيا بعد بيع كشك صغير له في مدينة سيريكوندا بمبلغ 250 دولارا، إلى جانب التوسل لأعمامه وأبناء عمومته من أجل المزيد من المال.
وفي النهاية، حصل أمادو على مبلع 2300 دولار كان يحتاجها للسفر عبر «الطريق الخلفي» - وهو المصطلح الذي يطلقه الغامبيون على السفر إلى أوروبا. وتحدث أمادو شريطة عدم ذكر اسمه كاملا، بسبب وضعه القانوني غير المستقر.
وتعد ليبيا بمثابة فكرة مجردة؛ ليست دولة بقدر ما هي نقطة انطلاق إلى ما هو أفضل. بعد أسبوعين من وصوله، تجول أمادو في مقاهي الإنترنت خافتة الإضاءة، وانكب على لوحة مفاتيح جهاز الكومبيوتر.
وكتب أمادو عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» لصديق له في غامبيا: «ما زلت هنا، يا رجل»، فيما كتب لصديق آخر هاجر إلى النمسا: «نحن عالقون في ليبيا».
وتصفح أمادو صفحته الرئيسية على «فيسبوك» ليضغط «إعجاب» على صور أصدقائه الذين تمكنوا من الوصول إلى أوروبا، حيث ينشر هؤلاء الأشخاص صورا لهم أمام سيارات فارهة ومراكز تسوق فاخرة. وكانوا يرتدون أحذية رياضية جديدة وقبعات البيسبول.
كان أمادو على بُعد نصف ميل من البحر و187 ميلا من إيطاليا.
وذكر أمادو: «يجب علي الخروج من هنا».
ارتدى الرجال الذين طاردوا مهربي زوارة أقنعة سوداء. وتخفي هذه الأقنعة معلمي مدارس، وموظفين حكوميين، ومهندسين. كان عليهم تنظيم جهد مناهض للهجرة بأنفسهم بسبب الفوضى التي تعم هذه الدولة الفاشلة.
لا توجد شرطة فعالة في هذه المدينة الساحلية الليبية، حيث تظل المنازل والمباني السكنية مثقوبة بفعل الحرب التي أطاحت بالقذافي، لكنها تغطت بواسطة صور الأشخاص الذين قتلوا في الحرب.
وفي هذه الدولة المختلة وظيفيا، والتي بها حكومتان فيدراليتان متنافستان، لا توجد أي عمليات عسكرية من الجانبين ضد أنشطة تهريب البشر. وبدلا من ذلك، يوجد رجال يرتدون أقنعة سوداء وميليشيا متطوعة يقودون شاحنات صغيرة في جميع أنحاء المدينة، ويكافحون أي شيء بدءا من اللصوص إلى الجماعات المتشددة من خارج المدينة.
قال آدم أبزا، المتحدث باسم الميليشيا المتطوعة: «يقع على عاتقنا إنهاء هذه الكارثة».
ولم يكن حدوث مآسٍ قبالة ساحل زوارة بالأمر الجديد على سكان المدينة. فقد انقلبت قوارب قبل ذلك، تسبب في مقتل العشرات - وحتى المئات - من الأشخاص في آنٍ واحد. لكن هذه الكوارث كانت تحدث في المياه الدولية، وكانت الجثث تطفو على شواطئ إيطاليا أو مالطة. ولم ير الكثير في هذه المدينة تلك الأشلاء.
يعاني سكان زوارة البالغ تعدادهم 60 ألف نسمة من عدة مشاكل أكثر إلحاحا من تهريب البشر، مثل الهجمات من قبل المنافسين القبليين والسياسيين. وقد فرضت الجماعات المسلحة - بما فيها التابعة لتنظيم داعش – السيطرة على منطقة تقع على بُعد 15 ميلا من المدينة. وفي ديسمبر (كانون الأول)، قصفت الطائرات الحربية التابعة لفصيل آخر مدينة زوارة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص.
وفي خضم حالة الفوضى، ازدهر مهربو البشر المحليون، وأصبحوا يتجولون في الشوارع بسيارات فارهة من طراز مرسيدس وهامر. ويشغل بعضهم منصب مسؤولين حكوميين خلال النهار، والبعض الآخر عبارة عن شباب يبحثون عن الربح السريع.
وقال نانيس، مسؤول أمن: «عَرِف كل شخص من هم المهربون، لكن كان لدينا أولويات أخرى».
أسفرت كارثة 27 أغسطس عن غرق نحو 200 من أصل 400 شخص تقريبا كانوا على متن قارب خشبي قديم.
وبعد عشرة أيام، اعتقلت الميليشيا المتطوعة نحو عشرة مهربين وتابعين لهم، واحتجزوهم في سجن مؤقت.
وبينما يطوف رجال الميليشيا المدينة، مروا على مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كانوا يسيرون على جانبي الطريق. وكان المهاجرون يتحدثون باللغة الإنجليزية أو الولوف أو الهوسا، فيما كانت عيونهم تنظر يمينا ويسارا بسرعة. غير أن رجال الميليشيا لم يروهم، ويعتقدون أنه من أجل إزالة المهربين، ينبغي عودة المهاجرين إلى ديارهم، أو توفير وظائف لهم في ليبيا، حيث لم يعد العمال الأجانب يقومون بأعمال في المدينة منذ فترة طويلة.
وبينما تجمد نشاط المهربين في مدينة زوارة، هذا لا يعني أن رحلة أمادو قد انتهت؛ فهو مستعد للسفر إلى أوروبا عبر أي حدود طالما أنه جاهز للمخاطرة.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.


مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

في وقت جدّد فيه التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية، كشف مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن فتح تحقيق شامل في الأحداث الأخيرة بعدن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض عليها أو تمويلها.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وعضوية سلطان العرادة، وعبد الرحمن المحرمي، وعبد الله العليمي، وسالم الخنبشي، وبمشاركة طارق صالح ومحمود الصبيحي عبر الاتصال المرئي. وحذّر المجلس من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية» تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة.

واستعرض الاجتماع تطورات الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، ومحاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة وتعطيل أعمالها، واستخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية «غير مشروعة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وكانت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» عززّت انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدية إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية؛ بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

وأكد المجلس عزمه الرد بحزم على أي مساعٍ لتعطيل مؤسسات الدولة، والعمل على فتح تحقيق شامل في هذه الأحداث، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه في التحريض أو التمويل، مشيداً في الوقت ذاته بـ«اليقظة العالية» للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وصون السلم الأهلي.

وعبّر مجلس القيادة عن تقديره لموافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبراً ذلك «مستوى متقدماً وغير مسبوق» في مقاربة القضية الجنوبية، بوصفها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، تتطلب معالجة منصفة ضمن إطار الدولة ومرجعياتها الضامنة.

قوات درع الوطن تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وفي السياق نفسه، شدد المجلس على ضرورة عدم التفريط في هذه الفرصة تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة، داعياً إلى حماية المكاسب المتحققة أمنياً وخدمياً واقتصادياً، واستلهام العبر من «المغامرات الطائشة» لميليشيات الحوثي التي عزلت أكثر من 20 مليون يمني، وحرمتهم من الرواتب وفرص العيش الكريم.

وجدد المجتمعون إشادتهم بالدعم السعودي «السخي» للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، مؤكدين اعتزازهم بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وخصوصية العلاقات الراسخة القائمة على الجوار والمصير المشترك والأمن المتبادل، ومهنئين قيادتها بمناسبة يوم التأسيس وما حققته من تحولات تنموية شاملة.

كما أكد المجلس دعمه الكامل للحكومة وتمكينها من ممارسة صلاحياتها الدستورية، والمضي في تنفيذ خطة التعافي وبرنامج الإصلاحات الشاملة، بما يشمل الإسراع في إعداد مشروع الموازنة العامة، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتنفيذ مشاريع خدمية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني في عدن (إكس)

وتطرق الاجتماع إلى مستجدات التطورات الإقليمية في ظل استمرار ما وصفه بـ«تعنت» النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والمنطقة إزاء المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، وانعكاسات ذلك على الأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً جاهزية الدولة لردع أي تهديدات محتملة بالتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية والمجتمع الدولي.