«الحقيقة».. العدد الثاني يفضح «البروباغندا الداعشية»

مائة من علماء بريطانيا: تعتمد المنهج الوسطي.. وتؤكدأن فكر البغدادي ليس الإسلام الذي نعرفه

غلاف مجلة «الحقيقة»
غلاف مجلة «الحقيقة»
TT

«الحقيقة».. العدد الثاني يفضح «البروباغندا الداعشية»

غلاف مجلة «الحقيقة»
غلاف مجلة «الحقيقة»

تهدف مجلة على الإنترنت تحمل اسم «الحقيقة» إلى كشف أن رسائل تنظيم داعش للعامة لا أساس دينيا لها، ومواجهة دعاية التنظيم المتشدد الموجهة أو البروباغندا الداعشية.
أما القائمون على هذه المجلة فهم قادة المجتمع الإسلامي في بريطانيا بالإضافة إلى الأئمة الذين قالوا إنهم سيواجهون «الأفكار المسممة» التي يبثها «داعش» لبسطاء الناس.
ويستهدف موقع مجلة «الحقيقة» الشباب الذي يقعون في شراك التنظيم، في محاولة لدحض الأسس الدينية والشرعية لأفكار التنظيم المتشدد. وموقع مجلة الحقيقة هو نتاج عمل موقع «أئمة أونلاين دوت كوم»، وهي شبكة رجال الدين في بريطانيا، وفقا لما ذكرته صحيفة «غارديان» البريطانية.
وقال رئيس تحرير الموقع، شوكت وارايتش، إن خط المواجهة للأئمة في القرن الحادي والعشرين لم يعد «المنبر» فحسب، بل أيضا الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب وتويتر.
وأضاف أن «هناك اعتقادا بأن المؤسسات الإسلامية لم تعد تفعل ما فيه الكفاية لمكافحة ومواجهة (داعش)، وهذا دليل على أن الأئمة توحدوا ليصبح صوتهم مسموعا، والأئمة في بريطانيا على وجه الخصوص يقولون سنتولى هذا الأمر».
وقال الإمام في مسجد «مكة» في مدينة ليدز، قاري عاصم، إن المجتمع بات مصمما على أن يصبح ناشطا في مواجهة التطرف.
وأضاف عاصم أن الغرض من المجلة هو إظهار واقع الأعمال الإجرامية والهمجية لـ«داعش»، وتوفير تحليل مثالي من القرآن، وإثبات أن هناك فرقا بين الآيديولوجية، التي وصفها بالمسممة لـ«داعش»، والإسلام الحقيقي. وأضاف عاصم أن مجلة «الحقيقة» ستقوم بتشجيع العلماء المسلمين لاستخدام الأدوات الرقمية للوصول إلى الشباب المسلمين - وخاصة أولئك الذين ينجذبون إلى وسائل الإعلام الخاصة بـ«داعش» حيث «تحث الأئمة لاستخدام الفضاء الرقمي لتوفير السرد المضاد لداعش». وصدر العدد الثاني من مجلة «الحقيقة» أول من أمس، في حين تم تحميل النسخة الأولى أكثر من 75 ألف مرة. ويركز عدد أول من أمس على الفشل الآيديولوجي والعملي لتنظيم داعش في إقامة الخلافة.
من جهته يقول حافظ إكرام الحق رباني عضو جمعية علماء بريطانيا لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن منهج الوسطية الذي تعتمده المجلة: «في اعتقادي ملح وخاصة في عصرنا الحاضر، فتجد حتى في الوقت الحاضر غلوًا في الماديات، حتى أنكروا وجود الله عز وجل وعبدوا المادة، بل وأصبحوا دهريين، وغلوا في المعبودات. كذلك ديننا وسط في الأحكام والعبادات، فالتكاليف في حدود الاستطاعة، لم يكلفنا الله عزَ وجلَ إلا في حدود قدرتنا (لا يُكَلِفُ اللَهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا) [البقرة:286] في الصلوات، في الزكاة، في الصيام، في الحج، في سائر المطلوبات الشرعية، بل الذين أرادوا أن يشددوا على أنفسهم في العبادة، نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف منهم موقفًا شديدًا، كما في قصة الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عبادته، (فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء، فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني)».
وقد ساهم أكثر من مائة من علماء الدين الإسلامي في المملكة المتحدة في تدشين المجلة، ويعمل بها عدد من الأكاديميين الناشطين الاجتماعيين المعروفين في المجتمع المسلم، من بينهم الإمام الأميركي الشيخ حمزة يوسف، المؤسس المشارك لكلية «زيتونة»، والشيخ عبد الله بن بيه من «منتدى تعزيز السلام في المجتمعات» وقال المشرفون على المجلة إن الأئمة استندوا إلى أنه خلال الآونة الأخيرة اعتمدت «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة تجنيد وتشجيع للانضمام لها، لافتين إلى أن «داعش» يمتلك أكثر من 7 آلاف حساب على «تويتر»، فضلا عن عدد من قنوات «يوتيوب»، وعدد من وسائل الإعلام المتطورة، كما أن لهم مجلة تحت اسم «دابق» يشجعون من خلالها المسلمين الغرب لتنفيذ هجمات إرهابية في بلادهم، ويحاولون تبرير استخدام النساء من الطائفة الأيزيدية كعبيد جنس، ويشتبه بـ700 شخص من حاملي الجنسية البريطانية أنهم قاموا بالسفر إلى سوريا للقتال.
وقال أحد الأئمة إن مجلة «الحقيقة» تستهدف فئة المستضعفين ممن يتم استهدافهم من قبل المتطرفين على وسائل التواصل الاجتماعية. وتهدف «الحقيقة» إلى «استعادة الإنترنت» من المتطرفين بحسب تعبير أصحاب المجلة. وحملت المجلة اسم «الحقيقة»، ووقف وراءها مجموعة من العلماء والباحثين المسلمين في بريطانيا الذين يقولون إنهم يهدفون إلى تثقيف الشباب بشأن حقيقة الحركات المتطرفة. ويؤكدون أن مشروعهم جاء كرد فعل مباشر ضد خطر التطرف الذي تمثله جماعات مثل تنظيم داعش الإرهابي. كما تهدف المجلة لتوفير رؤية مضادة لرؤية المتطرفين في تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة وتوفير تفسير واضح لآيات القرآن التي يستخدمها المتطرفون لدعوة الشباب في أوروبا والعالم الإسلامي لترك أوطانهم للقتال - وفي كثير من الحالات الموت - في سوريا والعراق.
ويكتب في المجلة عدد كبير من العلماء أمثال عبد الله بن بيه رئيس منتدى الترويج للسلام وحمزة يوسف، وهو إمام كبير في الولايات المتحدة ومؤسس أكاديمية الزيتونة في الولايات المتحدة ومقرها كاليفورنيا. وغلاف المجلة وطريقة كتابة اسمها، أشبه بمجلة «دابق» التابعة لتنظيم داعش، التي صدر منها نحو 7 أعداد، تحمل فتاوى تكفيرية، وصورًا لعمليات إرهابية، على عكس مجلة الحقيقة، التي صدر العدد الأول منها قبل عدة أيام، وجاء في 32 صفحة، بعنوان «الحقيقة» خلف «داعش»، لتفند الفتاوى الداعشية، مثل القتل والذبح، فضلاً عن توضيح النصوص المقتبسة والمفسرة بشكل متطرف.
ويقول شوكت ورياش رئيس تحرير المجلة، في افتتاحية العدد الأول: «أصوات العنف، أصبحت هي السائدة بدعوى الدفاع عن الحق، لكن الحقيقة أن الجماعات التكفيرية تحاول أن تضلل أبصارنا عن عظمة الإسلام وتبدل الوسطية بأعمال الدماء». وبالنظر لافتتاحيات «داعش»، فإنها دائمًا ما تحمل فتاوى متطرفة لأبو مصعب الزرقاوي، المؤسس للتنظيم، التي تحرض على القتل والذبح. وكان الزرقاوي أول من انتهج الذبح 2003، اعتمادًا على عدة كتب من بينها «إدارة التوحش» لأبو بكر ناجي، و«مسائل من فقه الجهاد» لأبو عبد الله المهاجر. وتحتوي المجلة على 4 موضوعات رئيسية إلى جانب الافتتاحية، هي الحاجة للشريعة ومواجهة التطرف والعنف من منظور شرعي، إلى جانب الرد على عدة مقالات من إصدارات «داعش»، تحت عنوان: «ليس الإسلام الذي نعرفه»، وأخيرًا حقوق الإسلام». وفند الدكتور مشرف حسين الأزهري، في مقاله: «الحاجة للشريعة ومواجهة التطرف والعنف من منظور شرعي»، عددًا من فتاوى «داعش»، ومعالجة قصة الخلافة، وأن مفهوم التنظيم للخلافة غير جائز شرعًا، بأنه لا يمكن لشخص أن يقدم نفسه على أنه خليفة بل واجب اختياره، ثم إن لكل وقت ظروفه الخاصة، والظروف لا تسمح بعودة الخلافة، في حين يرى «داعش»، في كتاب «مد الأيادي لبيعة البغدادي»، الذي نشرت منه فصول في مجلة دابق: «إن البغدادي هو الخليفة المنتظر، وإنهم قوم آخر الزمان، الذين سينتصرون على الكفار (أي الغرب)، في معركة آخر الزمان التي ستقع في دابق». في حين يشرح الدكتور محمد الشرقاوي، في مقاله «فتنة التطرف والعنف»، أسباب اندفاع الشباب نحو العنف، وكيف تستقطبهم التنظيمات الجهادية، مؤكدًا أن طاقة الشباب، التي يسعى لاستغلالها في تحقيق شيء عظيم، أحيانًا ما تصطدم ببعض المعوقات التي قد تدفع للتطرف في بعض الأحيان، مؤكدًا أن هذا التطرف يتم استغلاله من جانب التنظيمات الإرهابية، في حين ترى «داعش»، في أعداد «دابق»، أنه يتوجب على كل مسلم بالغ الانضمام للتنظيم، كونهم الجماعة الوحيدة على حق.



كوبا… وقائع انهيار معلن

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
TT

كوبا… وقائع انهيار معلن

شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)
شارع شبه خالٍ في هافانا بسبب أزمة الوقود (أ.ف.ب)

تتعاقب الزيارات إلى «لؤلؤة الكاريبي» التي منذ أكثر من ستة عقود ترزح تحت عبء أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث كان أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي في 22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962 على الجزيرة الثائرة التي ينظر إليها العالم قبل أي شيء بصفتها رمزاً للمقاومة والصمود أمام هيمنة الولايات المتحدة.

لكن الزيارة هذه المرة لها نكهة انهيار معلن بعد جلجلة مديدة من التقشّف الذي بلغ مستويات أسطورية من الشحّ في المواد الغذائية الأساسية، والوقود، والأدوية، والمسكن... ومن الاحتجاجات الشعبية المتنامية، وما يقابلها من فصول القمع السياسي وخنق الحريات العامة.

دخان أسود يتصاعد من مصفاة نيكو لوبيز الواقعة في خليج العاصمة الكوبية هافانا جراء حريق (أ.ف.ب)

لست في حاجة إلى كثير من التجوال، أو السؤال، في العاصمة الكوبية التي تضجّ بالفراغ؛ كي تتبيّن آثار «حصار الوقود» الذي ضربته واشنطن على الجزيرة، وانضمت إليه مكرهة المكسيك وروسيا، بعد أن انقطعت الإمدادات الحيوية من فنزويلا، الشريان الأبهر للاقتصاد الكوبي منذ أيام هوغو تشافيز.

منذ سنوات، وقبل رحيل «الكوماندانتي» فيديل الذي كانت لحيته تتدلّى بتحدٍّ وإباء على مرمى حجر من سواحل فلوريدا، لم تعد كوبا المرأة الثانية في حياة اليساريين، خاصة في أميركا اللاتينية، حيث انتشرت بسرعة في خصوبة أنظمة الاستبداد والمجتمعات الفقيرة. الثورة الكوبية تنحلّ في ماء اعتماد الاقتصاد الاشتراكي المفرط على الخارج، وعقمه الإنتاجي، وأيضاً تحت مطرقة تجدد اهتمام الولايات المتحدة بالجزيرة التي كادت يوماً أن تشعل أول حرب نووية في التاريخ.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

غالباً ما ينسى أصدقاء كوبا الذين ينددون بالحصار الأميركي والطوق الذي تفرضه واشنطن على الجزيرة، أن أسطورة الثورة تدعمها سياسات خاطئة تفاقمت تداعياتها بفعل الحصار والشلل الذي أحدثه في مفاصل الاقتصاد الذي منذ سنوات لم يعد يطمح لأكثر من مجرد الكفاف.

الرهان على دعم المحروقات وجميع السلع الأساسية، وعجز الدولة المزمن عن سداد المستحقات الداخلية والخارجية، والتراجع المطرد في إجمالي الناتج المحلي، والتركيز على القطاع السياحي كعماد أوحد للموازنة العامة، والاعتماد على تحويلات الشتات الكوبي في الخارج... كل ذلك تحوّل عناصر بنيوية في الاقتصاد الكوبي الذي دخل منذ العام الماضي في مسار انهياري سبق أن حذّر منه كثير من الخبراء الاقتصاديين والاجتماعيين والديموغرافيين بعد تراجع الإمدادات الفنزويلية.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

التدابير التي اتخذتها الحكومة الكوبية في الأيام الأخيرة، والتي تضفي على الجزيرة مشهداً سوريالياً من الجمود والقلق، مثل خفض خدمات النقل العمومي إلى النصف، وإقفال الجامعات، وإلغاء الفعاليات الثقافية والرياضية، وإغلاق كثير من الطرق الجوية الداخلية، وتجميع السيّاح في الفنادق... تذكّر بالمرحلة القصوى من «الفترة الخاصة في زمن السلم» التي أعلنها النظام في تسعينات القرن الماضي، قبل عقود من هجمة إدارة ترمب على الجزيرة.

لكن رغم أن تباشير هذا الانهيار كانت بدأت تظهر منذ سنوات، ما زال البعض يرون كوبا مجرد ضحية لغطرسة الولايات المتحدة، ويصرّون على رفض القرائن التاريخية والوقائع التي أوصلت الثورة إلى هذه الحال المتردية، وأنها ما زالت هي ذاتها اليوم كما كانت مطلع عام 1959.

‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

يرفع النظام الكوبي راية الضحية ويستنجد بالتضامن الدولي معها، لكنه يتغاضى عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في اتخاذ كثير من القرارات منذ أواخر الشهر الماضي، ويتنصّل من المسؤولية عنها. أبرز هذه الأخطاء هو رفض العفو عن المعتقلين السياسيين كما فعل النظام الفنزويلي مؤخراً، والمضي في إجراءات القمع والاعتقالات من غير محاكمة ضد الناشطين الذين ينددون بانعدام الحريات في الجزيرة.

كما ضاعفت الأجهزة الأمنية ملاحقتها المفكرين والأكاديميين الذين يطالبون الحكومة بتحمّل مسؤوليتها عن الانهيار، رغم أنهم يرفضون الضغوط الأميركية. وكما في كل مرة خلال السنوات الماضية، يسارع النظام إلى تخوين المطالبين بالإصلاحات ويتهمهم بالتواطؤ مع الخارج أو بالاستسلام أمام تهديداته، في حين تصرّ الحكومة على التنصّل من مسؤوليتها عن الأزمة، وتطلق حملة تضامن واسعة تسخّر فيها الظروف الإنسانية القاسية لمصلحة الثورة وتلميع صورتها.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

لكن في أي حال، أصبحت العلاقة اليوم بين أسرة اليسار الدولي وكوبا تنطلق من الاعتراف بأن الجزيرة تواجه أزمة إنسانية حادة، وأن هذا بحد ذاته يشكّل تحولاً مهماً في روابط الثورة مع حلفائها الذين كانوا، طيلة عقود، يرونها نموذجاً بديلاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأميركا اللاتينية والكاريبي، في حين هي اليوم، حتى بنظر حكومتها، دولة متداعية في طور الانهيار.

كوبي يمرّ بجوار لافتة تحمل اسم كوبا وعَلم وطني منكس في هافانا (أ.ف.ب)

رغم ذلك، ما زال النظام يمسك ببعض الأوراق في إدارته لهذا الانهيار المحدق. فالحصار الذي ضربته واشنطن على إمدادات النفط، لا يؤثر على الإنتاج الداخلي للوقود الذي يغطّي 40 في المائة من احتياجات الجزيرة. والاستراتيجية التي وضعتها الحكومة قادرة، بمساعدة غير مباشرة من المكسيك وروسيا، على توفير نصف الخدمات الأساسية في الجزيرة لأشهر عدة. وبوسع الحكومة أن تلعب ورقة قدرة النظام «الأسطورية» على المقاومة والالتفاف الشعبي حوله، وترفع منسوب التضامن الدولي مع الجزيرة، لكن شريطة عدم وقوع انفجار اجتماعي يراه بعض المراقبين وشيكاً.

صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)

وليس مستبعداً أن النظام الكوبي، في إدارته هذه الأزمة، قد أدخل في حساباته المؤقتة احتمال هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الوسطية الخريف المقبل، وفتح ثغرة أمام تقارب أوثق مع الحزب الديمقراطي يؤدي إلى رفع بعض القيود القاسية في الحصار مقابل تجاوب مع بعض المطالب الإصلاحية.

لا يختلف اثنان هذه المرة في هافانا على أن الأسابيع الآتية ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل كوبا. لكن أيّاً كانت وجهة الرياح التي ستهبّ على الجزيرة، فإن المأزق الذي وصلت إليه اليوم يضرب جذور صيرورته العميقة في النموذج الإنمائي الذي قامت عليه الثورة عام 1959، وكان حذّر منه ذات يوم الراحل تشي غيفارا خلال عبوره السريع في إحدى الحكومات الأولى للثورة؛ ما أثار انزعاج فيديل كاسترو الذي طلب فوراً إسقاط التحذير من مضابط تلك الجلسة. ولا يجب أن ننسى أن النظام الكوبي التي تكرّست هشاشته مطلع هذا العام بسقوط مادورو في قبضة واشنطن، كان قد كتب وصيته يوم أقام ذلك التحالف مع فنزويلا من أجل «اشتراكية القرن الحادي والعشرين».


شاهد... زيلينسكي يكشف عن ملجأ القيادة أسفل المجمع الرئاسي في كييف

شاهد... زيلينسكي يكشف عن ملجأ القيادة أسفل المجمع الرئاسي في كييف
TT

شاهد... زيلينسكي يكشف عن ملجأ القيادة أسفل المجمع الرئاسي في كييف

شاهد... زيلينسكي يكشف عن ملجأ القيادة أسفل المجمع الرئاسي في كييف

نشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الثلاثاء، مقطع فيديو كشف فيه للمرة الأولى الملجأ الواقع تحت المجمع الرئاسي في وسط كييف، والذي أُديرت منه خطة مواجهة الغزو الروسي قبل أربع سنوات.

ويقول زيلينسكي في فيديو مدته 19 دقيقة: «في هذا المكتب، في هذه الغرفة الصغيرة داخل ملجأ شارع بانكوفا (عنوان مقر الرئاسة)، أجريت أولى محادثاتي مع قادة العالم في بداية الحرب».

ويضيف: «من هنا تحدثت مع جو بايدن، وقلت له إنني أحتاج إلى ذخيرة لا إلى سيارة أجرة»، في إشارة إلى العبارة التي اشتهر بها عندما عرض عليه الرئيس الأميركي آنذاك إخراجه من كييف.

والملجأ عبارة عن مأوى واسع يعود إلى الحقبة السوفياتية، يضم أنفاقاً مضاءة بمصابيح نيون، وقاعات اجتماعات، وغرفاً مخصصة لكل فرع من فروع السلطة: الرئاسة والحكومة والبرلمان.

ويقع الملجأ أسفل المجمع الرئاسي، وهو مجموعة مبانٍ محاطة بسور، بين أبنية سكنية ومنشآت حكومية أخرى في وسط العاصمة.

ومنذ بدء الغزو، أُغلق الحي الحكومي بالكامل أمام الجمهور وأحيط بعدة أطواق من نقاط التفتيش العسكرية.

أما مقر الرئاسة، وهو مبنى ضخم على الطراز الكلاسيكي الجديد الذي كان سائداً في الحقبة السوفياتية وغالباً ما يُوصف بـ«الستاليني» نسبة إلى الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين الذي حكم بين عامي 1924 و1953.

ويعود المبنى إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين كانت أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي. وكان الموقع في السابق يضم مقر الحزب الشيوعي الأوكراني السوفياتي.

إرث الحرب الباردة

منذ توليه الرئاسة عام 2019، كان زيلينسكي، على غرار عدد من أسلافه، ينتقد الطابع الخانق للموقع، ويعتزم نقل إدارته إلى مقر أكثر حداثة وشفافية. لكن مع اندلاع الحرب، أثبتت البنى التحتية الموروثة من الحقبة السوفياتية التي تعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، فاعليتها، لا سيما أن الحي تعرّض مرات عدة لقصف روسي خلال السنوات الماضية.

وبحسب فريق الرئيس، تعرّض زيلينسكي لأكثر من عشر محاولات اغتيال منذ عام 2022.

وسمع صحافيون من «وكالة الصحافة الفرنسية» مراراً تبادلاً لإطلاق النار بالقرب من مقر الرئاسة في اليوم الأول للغزو عام 2022. وأفادت مصادر للوكالة حينها بأن مركبة محمّلة بمتفجرات حاولت دخول حرم الإدارة الرئاسية في ذلك اليوم.

اليوم، توجد في كل غرفة داخل الملجأ نحو عشرة مقاعد، وشاشة تلفزيون، وأعلام أوكرانية. وتمتد أسلاك كهربائية على طول الجدران، إلى جانب أنابيب غاز، فيما ثُبتت لوحات كهربائية في السقف.

ولا يكسر اللون الرمادي للجدران سوى لوحات إرشادية بالأزرق والأصفر، لوني العلم الأوكراني، تحدد المسار في هذه المتاهة، إضافة إلى إشارات ضوئية خضراء تدل على مخارج الطوارئ.

ويظهر زيلينسكي، الذي يبلغ طوله نحو 1.70 م، وهو ينحني أثناء عبوره بعض الأنفاق في الفيديو.

وفي الممر المؤدي إلى الباب المعدني السميك الذي يفضي إلى الإدارة الرئاسية، عُلّقت خريطة كبيرة للبلاد تعلوها حمامة بيضاء وعبارة «حفظ الله أوكرانيا».

ويقول زيلينسكي: «هنا كان يعمل فريقنا، والحكومة، وهنا كان يتم التنسيق اليومي مع العسكريين، وهنا كانت تُجرى الاتصالات الهاتفية، وكل ما كان ضرورياً لكي تصمد أوكرانيا».

ويضيف: «كان لا بد من إيصال الأسلحة. وكان لا بد من نقل الأدوية والغذاء إلى المدن التي حاصرها العدو».

نُشر الفيديو في الذكرى الرابعة للغزو الروسي الواسع النطاق لأوكرانيا.

وأدت هذه الحرب، وهي الأكثر دموية في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى سقوط مئات آلاف القتلى والجرحى، وأحدثت تحوّلاً جيوسياسياً كبيراً، دفع عدداً من الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري تحسباً لاحتمال حدوث مواجهة مع روسيا.

أما المفاوضات الدبلوماسية بين كييف وموسكو، التي انطلقت عام 2025 برعاية الولايات المتحدة، فلم تنجح حتى الآن في وقف القتال.


الذكرى الرابعة لحرب أوكرانيا: مكاسب روسيا تتجاوز حصيلة العامين السابقين

موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
TT

الذكرى الرابعة لحرب أوكرانيا: مكاسب روسيا تتجاوز حصيلة العامين السابقين

موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)
موقع ضربة بطائرة مسيّرة روسية في وسط مدينة كراماتورسك بشرق أوكرانيا (إ.ب.أ)

أظهر تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» لبيانات معهد دراسات الحرب (ISW) أن الجيش الروسي سيطر على مساحة أكبر من الأراضي في أوكرانيا خلال السنة الرابعة من النزاع مقارنة مع الأربعة عشر شهراً السابقة.

ومنذ 24 فبراير (شباط) 2025، تقدمت القوات الروسية وسيطرت على 4524 كيلومتراً مربعاً، أي أكثر مما تقدمت به في السنتين الثانية والثالثة من الحرب مجتمعتين.

ويضاف إلى ذلك 731 كيلومتراً مربعاً أخرى أعلنت روسيا سيطرتها عليها، ولكن معهد دراسات الحرب لم يؤكد أو ينفِ ذلك. ويعمل المعهد مع مشروع التهديدات الحرجة «Critical Threats Project» التابع لمعهد «American Enterprise Institute»، وهو مركز أبحاث أميركي آخر متخصص في دراسة النزاعات.

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في وقت سابق اليوم، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم «يحقق أهدافه» بعد مرور أربعة أعوام على بدء غزو أوكرانيا.

وقال زيلينسكي في مقطع فيديو: «اليوم تحل ذكرى مرور أربعة أعوام منذ بدأ بوتين محاولة استمرت ثلاثة أيام للسيطرة على كييف». وأضاف: «هذا يدل على مقاومتنا وكيف قاتلت أوكرانيا طوال هذا الوقت». وتابع: «بالنظر إلى بداية الغزو والتفكر في الوضع الحالي، لدينا كل الحق في القول: لقد دافعنا عن استقلالنا، لم نفقد دولتنا، لم يحقق بوتين أهدافه».

وأكد زيلينسكي: «لم يتمكن من كسر الأوكرانيين، لم يفز في هذه الحرب». وأضاف: «لقد حافظنا على أوكرانيا، وسنبذل كل ما في وسعنا لتأمين السلام والعدالة».

وكانت روسيا قد بدأت غزواً شاملاً لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، وأجرى الجانبان مباحثات سلام خلال الأسابيع الماضية بوساطة أميركية، ولكن لا توجد دلالات على إحراز تقدم وشيك.