عملية برية في سوريا للمرة الأولى بتغطية من الطيران الروسي

الأسطول البحري أطلق ضرباته الأولى من بحر قزوين.. والأكراد ينفون التنسيق مع الروس * بوتين: الحوار السياسي لن يكتب له النجاح بدون السعودية وتركيا

صورة منقولة عن موقع وزارة الدفاع الروسية لبوارج حربية في بحر قزوين أُطلقت منها الصواريخ التي استهدفت «داعش» في سوريا (إ.ب.أ)
صورة منقولة عن موقع وزارة الدفاع الروسية لبوارج حربية في بحر قزوين أُطلقت منها الصواريخ التي استهدفت «داعش» في سوريا (إ.ب.أ)
TT

عملية برية في سوريا للمرة الأولى بتغطية من الطيران الروسي

صورة منقولة عن موقع وزارة الدفاع الروسية لبوارج حربية في بحر قزوين أُطلقت منها الصواريخ التي استهدفت «داعش» في سوريا (إ.ب.أ)
صورة منقولة عن موقع وزارة الدفاع الروسية لبوارج حربية في بحر قزوين أُطلقت منها الصواريخ التي استهدفت «داعش» في سوريا (إ.ب.أ)

على وقع تكثيف الطيران الروسي ضرباته الجوية، بدأ الجيش السوري يوم أمس عملية برية واسعة في ريف حماه، حيث تحدثت مصادر في المعارضة عن «مجزرة دبابات» وأعلنت عن مقتل أول ضابط روسي، في وقت أطلق الأسطول البحري الروسي ضرباته الأولى، وفق ما كشف وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، معلنا أن السفن الروسية أطلقت 26 صاروخًا بعيد المدى من بحر قزوين إلى سوريا وأصابت 11 هدفًا من مسافة 1500 كيلومتر ودمرتها كلها.
ونشرت وزارة الدفاع الروسية تسجيلا مصورا يظهر إطلاق سفنها الحربية صواريخ من طراز «كروز» من بحر قزوين، مستهدفة ما قالت إنه مواقع لـ«داعش»، كما أعلنت القوات الروسية شنها هجمات بالتعاون مع النظام السوري في حلب وحماه غرب سوريا، إذ أطلقت قوات النظام ضربات جوية بالتعاون مع مثيلتها الروسية، وفقًا لما ذكرته قوى معارضة في سوريا.
وفي تقريره الذي قدمه أمس إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية فلاديمير بوتين، كشف سيرغي شويغو وزير الدفاع، عن انضمام أربع من القطع البحرية الروسية في بحر قزوين إلى العمليات العسكرية ضد تنظيم «داعش» الإرهابي. وقال شويغو إن هذه السفن ضربت من مواقعها جنوب غربي بحر قزوين مواقع «داعش» على مسافة ما يقرب من 1500 كيلومتر باستخدام أسلحة عالية الدقة، وأصابت بنجاح جميع الأهداف. وقال شويغو إن «العسكريين الروس الذين يواصلون تنفيذ المهمات المطروحة المتعلقة بضرب تنظيمي (داعش) و(جبهة النصرة) وجماعات إرهابية أخرى في سوريا، أصابوا حتى اليوم 112 موقعا للإرهابيين»، فيما أشار إلى ازدياد كثافة الغارات الروسية؛ إذ تمكنت الوحدات الاستطلاعية خلال اليومين الماضيين من الكشف عن عدد كبير من المنشآت التابعة لـ«داعش»، ومنها مركز قيادة، ومخزن للذخيرة والمعدات الحربية، وقواعد تدريب. وفيما أكد الرئيس الروسي أن الوقت لا يزال مبكرا لإيجاز نتائج العملية العسكرية، قال إن ما تحقق، مع ذلك، يستحق عالي التقدير. وأعرب بوتين عن شكره وتقديره للطيارين وضباط البحرية الروسية الذين شاركوا في هذه العمليات.
وكلف الرئيس الروسي وزير دفاعه بدعم هذه المبادرة، مع الحفاظ على المستوى الحالي من الاتصالات بالشركاء الأجانب الآخرين. وقال إن وزارة الخارجية الروسية ستواصل بدورها الجهود في هذا المجال، وإنها ستعمل مع جميع أطياف المعارضة السورية. وعاد بوتين إلى تأكيد أنه من المستحيل إنجاح مهمة إطلاق الحوار السياسي دون مشاركة الشركاء الأجانب، وبينهم السعودية وتركيا والولايات المتحدة وإيران والعراق، والدول المجاورة الأخرى.
ومع ذلك، فقد أعلن شويغو وزير الدفاع الروسي أن «روسيا تنسق عملياتها في سوريا مع تركيا والولايات المتحدة»، مؤكدا استحالة التغلب على تنظيم «داعش» دون التعاون مع هذين البلدين. وكشف عن أن المركز الوطني لإدارة الدفاع في روسيا أقام اتصالات مباشرة مع الشركاء الأتراك بشأن أنشطة سلاح الجو الروسي في المناطق القريبة من الحدود السورية - التركية، مؤكدا «ضرورة التنسيق مع أنشطة الجيش السوري على الأرض، لكي تساهم خطوات قواتنا الجوية في دعم العملية الهجومية للجيش السوري بصورة فعالة»، فيما أشار إلى «ضرورة تسوية النزاعات المشابهة للأزمة السورية عبر حل القضايا السياسية».
ونقلت وكالة أنباء «سبوتنيك» عن وزارة الدفاع ما أعلنته حول أن «الطائرات الروسية التي تواصل عمليتها الجوية لمساندة الجيش السوري في حربه ضد الإرهاب، تستخدم القنابل والصواريخ المعروفة بـ(الذكية)». وقالت إن «الضربات الجوية التي بدأت طائرات تابعة للقوات الجوية الروسية في توجيهها إلى قواعد الإرهاب في الأراضي السورية منذ 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، أصابت أهدافها بفضل استخدام الأسلحة الذكية، وهي قنابل وصواريخ موجهة ذاتيًا مثل قنبلة (كا.أ.بي – 500) التي يتم توجيهها باستخدام الأقمار الصناعية وجهاز الليزر وجهاز التلفزيون القادر على تمييز معالم الأرض. ويمكن تزويد هذه القنبلة بمحرك. ويتم توجيه صاروخ (إكس - 29 إل) باستخدام الليزر. ويحمل هذا الصاروخ رأسا حربيا ضخما يشكل نصف وزنه. ويندفع صاروخ (إكس - 29 إل) إلى هدفه بسرعة تفوق سرعة الصوت بمرتين، ويستطيع اختراق عمق متر واحد من الخرسانة المسلحة بعد أن يخترق عمق 3 أمتار من التربة، إلى جانب تدمير أعداد كبيرة من الآليات العسكرية بما فيها الدبابات، وكثير من المنشآت المحصنة التي تحتوي على مراكز القيادة والأسلحة والذخائر ومعامل العتاد».
ورأى العميد المتقاعد هشام جابر، مدير «مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية»، أن إطلاق الصواريخ من بحر قزوين قد يعود لأحد الأسباب الثلاثة، «الحرب النفسية» أو «السبب التكتيكي» أو «لعدم وجود هذه الصواريخ في البحر المتوسط» حيث للروس أسطول بحري. ورجّح جابر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» السبب الأول الذي تريد روسيا أن تقول من خلاله: «أستطيع أن أطلق الصواريخ من أي مكان ومعلنة في الوقت عينه أنّها دخلت المعركة بكامل قواها ولا عودة بعد الآن إلى الوراء».
ودخلت في الساعات الماضية أيضًا المروحيات الروسية في الحملة العسكرية لموسكو، إذ كشف موقع «روسيا اليوم» عن أن «مجموعة الطائرات المروحية الحربية الروسية المتمركزة قرب اللاذقية كثّفت طلعاتها القتالية، لضمان أمن القواعد الجوية». وقال الموقع إن «وحدات تكتيكية من قوات المشاة البحرية الروسية تقوم بأداء هذه المهمة، وذلك بإسناد من الوحدات الجوية المختصة بهذه الأغراض، وفي مقدمتها المروحيات الحربية».
ويوم أمس عادت روسيا وأعلنت عبر وزارة خارجيتها، استعدادها «لإجراء اتصالات مع قادة الجيش الحر بهدف بحث إمكانية مشاركتهم في العمل لوضع عملية تسوية سياسية عبر محادثات بين الحكومة والمعارضة»، وهو الأمر الذي لم تجد فيه الأخيرة إلا «محاولة لامتصاص النقمة الدولية ضدّ موسكو والتخفيف من الارتدادات السلبية للتدخل الروسي في سوريا واستهدافها بشكل أساسي الفصائل المعتدلة». وأكد أبو أحمد العاصمي، عضو المجلس العسكري في الجيش الحر، عدم ثقة المعارضة بالروس والإيرانيين وشركائهم إلا إذا اتخذت موسكو قرارًا بالتخلي عن بشار الأسد وقامت بخطوات عملية تؤكد هذا الموقف.
وعن العملية البرية التي انطلقت أمس، قال العاصمي: «النظام كان يعتبر أنّ معركة ريف حماه ستكون سهلة وقد تكون النقطة الاضعف، لكن مواجهة الفصائل المعارضة له أثبتت أنه مخطئ بالتقدير». وأكد العاصمي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» تدمير المعارضة لعدد من دبابات النظام، مشيرا إلى أن هناك وجودا واضحا لضباط روس في غرفة العمليات العسكرية وعلى الأرض إلى جانب قوات النظام والإيرانيين وحزب الله اللبناني، مضيفا: «وهذا ما يؤكده تزامن العمليات الجوية والبرية». وأشار إلى احتراف في العمل الجوي الروسي ولا سيما لجهة «الطيران المزدوج» الذي يجمع بين الحماية والقاذفة، وهو الأمر الذي يدل على أنّ الروس قلقون من شيء ما، متوقعا أن «يكون هذا الأمر نتيجة حرص وحذر من مضادات للطيران أو اعتراض من قبل طائرات أخرى».
واستبعد العاصمي أن يتم فتح معارك برية على جبهات أخرى، وهو الأمر الذي قد تستفيد منه فصائل الجيش الحر التي تضم نحو 100 ألف مقاتل، بينما لا يزيد عدد عناصر النظام والموالين له عن 50 ألف عنصر، وفق قوله. وبينما وصف المعركة بأنها «معركة استنزاف»، رأى أنها لن تنتهي بانتصار لصالح جهة دون أخرى ميدانيا لكنها في النتيجة ستكون لصالح المعارضة.
في المقابل، قال مصدر عسكري في دمشق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بدأ الجيش السوري والقوات الرديفة له عملية برية على محور ريف حماه الشمالي تحت غطاء ناري لسلاح الجو الروسي». وبحسب المصدر العسكري السوري، يستهدف الهجوم البري أطراف بلدة لطمين غرب مورك تمهيدا للتوجه نحو بلدة كفرزيتا التي تتعرض منذ أيام لضربات روسية جوية. وأكد مصدر عسكري في ريف حماه للوكالة نفسها أن الجيش السوري يسعى في عملياته الأخيرة إلى فصل ريف إدلب الجنوبي (شمال غرب) عن ريف حماه الشمالي.
وتسيطر فصائل «جيش الفتح» الذي يضم «جبهة النصرة» بالإضافة إلى فصائل معارضة أبرزها حركة «أحرار الشام»، على محافظة إدلب المجاورة لحماه. وحاولت هذه الفصائل خلال الأشهر الأخيرة التقدم من إدلب باتجاه حماه للسيطرة على مناطق تخولها استهداف معاقل النظام في محافظة اللاذقية التي يتحدر منها الرئيس السوري بشار الأسد. وتسعى قوات النظام وفق المصدر العسكري إلى «تأمين طريق دمشق حلب الدولي الذي يمر عبر حماه والمغلق حاليا بسبب العمليات العسكرية».
وبعدما كانت معلومات قد أشارت إلى تنسيق وصل إلى مراحل متقدمة بين الروس والأكراد الذين قد يشكلون «الذراع البرية» إلى جانب النظام للحملة الروسية، نفى رئيس «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» صالح مسلم الأمر، مؤكدا أنه لغاية الآن ليس هناك أي تنسيق بين الأكراد والروس، مبديا في الوقت عينه الاستعداد للتعاون «ضمن الشرعية الدولية»، وفق ما قاله في حديثه لـ«الشرق الأوسط». وأضاف أن «التعاون مع التحالف لا يزال قائما ومستمرا، لكن وإن كنا مستعدين للتحاور مع الروس، لن نتعاون مع أي طرف يجبرنا على أن نكون أو نقاتل إلى جانب النظام، والروس يعرفون موقفنا جيدا في هذا الإطار». وعن موقف الأكراد من استهداف القصف الروسي لفصائل معتدلة ومدنيين، قال مسلّم: «المعارضة أعلنت عن هذا الأمر والروس نفوا ذلك، وبالتالي لا يمكننا الحكم على معلومات غير مؤكدة بالنسبة إلينا».
وفي تقرير له، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن روسيا وسوريا نفذتا ما يبدو أنه «أولى الهجمات الكبيرة المنسقة على مقاتلين سوريين أمس، مستهدفين إياهم في الغرب بدلا من تنظيم داعش».
وأفاد المرصد بأن الهجمات المشتركة أصابت بلدات قريبة من الطريق السريع الذي يربط بين الشمال والجنوب ويمر بمدن كبرى في غرب سوريا الذي يسيطر النظام على معظمه.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن هجمات برية باستخدام صواريخ سطح - سطح استهدفت أربعة مواقع على الأقل للمقاتلين في المنطقة ووقعت اشتباكات عنيفة على الأرض.
ويوم أمس، قال المكتب الإعلامي لـ«فيلق الشام» إن ضابطًا روسيًا قُتِل في ريف حماه، وذكر على صفحته على «تويتر» أنه تم التأكد من خبر مقتل ضابط روسي على جبهة مورك في ريف حماه الشمالي ونقله باتجاه حماه.
وتحدث «فيلق الشام» عن «خلافات كبيرة ومشادات كلامية بين قوات النظام وضباط روس في ريف حماه الشمالي، وتبادل الاتهامات والتخوين تم الاستماع إليه من خلال الأجهزة اللاسلكية». وأعلنت مصادر معارضة من ريف حماه بأن عدد المركبات التي تم تدميرها إلى الآن بلغ 9 دبابات بالإضافة إلى تدمير مدفعية رشاش 14.5 عدد 2 وعدة آليات أخرى، مشيرة إلى مقتل العشرات».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».