«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون

جرّ وراءه عشرات الاتفاقات من دون أن تقوم الدولة.. ولم تلتزم إسرائيل منه سوى «بالتنسيق الأمني»

«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون
TT

«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون

«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون

رُفع العلم الفلسطيني أخيرًا أمام منظمة الأمم المتحدة في الذكرى السنوية السبعين لتأسيسها، بحضور الرئيس محمود عباس (أبو مازن). وكانت لهذه الخطوة رمزيتها الكبيرة، لا سيما أنه أتيح لعباس أيضًا أن يتطرّق في كلمته أمام الجمعية العامة للمنظمة الدولية إلى المصاعب التي تعترض سبيل قيام الدولة الفلسطينية السيدة المستقلة، في ظل مواصلة اليمين الإسرائيلي الحاكم بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلغاء مفاعيل «اتفاق أوسلو»، ونسف أي إمكانية لتحقيق ما هدف إليه. ومعلوم أن نتنياهو، الذي تعتمد حكومته الائتلافية على دعم غلاة المستوطنين والجماعات التوراتية والتوسعية المتطرفة، لم يؤمن يومًا بمبدأ «الأرض مقابل السلام»، وهو يغض الطرف حاليًا عن انتهاكات المتطرفين للمسجد الأقصى، وتهديداتهم المعلنة بهدمه.

«لقد قلت لإسحق (رابين)، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إنه في حال كان متمسكا فعلا بالسلام فعليه أن يصافح (ياسر) عرفات (الرئيس الفلسطيني الراحل) لإثبات ذلك (...) تنهّد رابين وقال بصوته المتعب: (إننا لا نبرم اتفاقيات السلام مع أصدقائنا)، فسألته: (ستصافحه إذن؟)، فرد بلهجة جافة: (حسنًا، حسنًا، ولكن من دون عناق)».. هذا ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في مذكّراته حول المصافحة التاريخية بين الرجلين في عام 1993. وأضاف كلينتون: «تحوّلت باتجاه إسحق رابين الواقف على يميني وصافحته بشدة ثم أمسكت بيد عرفات الواقف مبتسما إلى يساري، فانحنى قليلا في تلك اللحظة وتابع حركته مادًا يده بتردّد واضح باتجاه رابين. وبعد لحظات قصيرة من التردد أمسك رابين بيد عرفات الممدودة لمصافحته».
اليوم بعد مرور 23 سنة على المصافحة الباردة يتضح أن هذا التردد من «ثعلبي» السياسة «الفلسطينية» و«الإسرائيلية» كان له ما يبرره، إذ ظل الاتفاق الذي تصافحا معلنين ولادته للعالم، أي «اتفاق أوسلو»، مثل خنجر بلعه الطرفان، لم يجلب الأمن للإسرائيليين ولم يجلب الدولة للفلسطينيين.
كان يفترض أن يكون «اتفاق أوسلو» مؤقتا ينتهي بإقامة دولة فلسطينية بعد 5 سنوات من توقيعه، أي في عام 1998. لكن الاتفاق الأم بقي حيًا يقاوم الموت، وجرّ خلفه اتفاقات عديدة يراها غالبية الفلسطينيين مشؤومة وتكبل أيديهم، من دون أن تقربهم قيد أنملة من دولتهم المنشودة.
فما هو «اتفاق أوسلو»؟
إنه «اتفاق إعلان المبادئ - حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 1993/9/13. ولقد نص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة وإنشاء «سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة» لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على القرار رقم 242 والقرار رقم 338.
كذلك تحدث الاتفاق عن وضع «حد لعقود من المواجهة والنزاع»، وعن اعتراف كل جانب «بالحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة» للجانب الآخر.
وجاء في النصّ: «من أجل أن يتمكن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة من حكم نفسه وفقا لمبادئ ديمقراطية، ستجرى انتخابات سياسية عامة ومباشرة وحرة للمجلس تحت إشراف متفق عليه ومراقبة دولية متفق عليها، بينما تقوم الشرطة الفلسطينية بتأمين النظام العام. وسيتم عقد اتفاق حول الصيغة المحددة للانتخابات وشروطها وفقا للبروتوكول المرفق كملحق؛ بهدف إجراء الانتخابات في مدة لا تتجاوز تسعة أشهر من دخول إعلان المبادئ هذا حيز التنفيذ، على أن تشكل هذه الانتخابات خطوة تمهيدية انتقالية مهمة نحو تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومتطلباته العادلة».
أما عن الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم، فتم الاتفاق على:
أ - تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا.
ب - سوف تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، ولكن بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.
ت - من المفهوم أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك. وفي بنود لاحقة جاء أنه سيراجع الطرفان بشكل مشترك القوانين والأوامر العسكرية السارية المفعول في المجالات المتبقية.
وتمخض الاتفاق، كذلك، عن تشكيل لجنة الارتباط المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية من أجل معالجة القضايا التي تتطلب التنسيق وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، والمُنازعات. وتطرق الاتفاق إلى التعاون الإسرائيلي - الفلسطيني في المجالات الاقتصادية كذلك.
ويتضح من النص أنه كان اتفاقا سياسيا وأمنيا واقتصاديا وينظم العلاقة بين الطرفين. ولكن ما الذي طُبّق منه على الأرض؟
بعد سنوات قليلة فقط توقفت إسرائيل عن استكمال عملية انسحاب قواتها المقررة من المناطق، وبدلا من ذلك زادت من نشاطاتها الاستيطانية في كل مكان، بل واستباحت المناطق المصنفة «أ» وهي الأراضي الواقعة تحت الولاية الأمنية الفلسطينية الكاملة.
وخلال السنوات اللاحقة رفضت إسرائيل مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية التي تتحكّم بقدرة الاقتصاد الفلسطيني على التطوّر والاستقلال، واتخذت إسرائيل إجراءات أدّت إلى تعطيل المرحلة الانتقالية الهادفة إلى تحقيق الاستقلال.
لكن مسألة واحدة لم تخلّ بها إسرائيل أبدا، هي النقطة الأمنية، إذ استمرت في التنسيق الأمني مع السلطة. وهذا الوضع الذي يرفضه كثيرون من الفلسطينيين وضع الاتفاق محلّ جدل كبير. ويرى قسم من الفلسطينيين أن الاتفاق كان شرًا لا بد منه، ويصفه آخرون بـ«الخياني» و«المشؤوم».
إسرائيل تمسّكت بما يحلو لها من الاتفاق، وحاولت السلطة الفلسطينية تطبيقه بالكامل، بينما عملت مجموعات مثل «حماس» و«الجهاد» على إسقاطه بالقوة، لكنه ظل يحاصر الجميع. ولكن اليوم فقط وصل الفلسطينيون إلى قناعة تامة بأنهم تأخروا كثيرًا في لفظه.
لكن لماذا يريد الفلسطينيون الآن التخلص من «أوسلو»؟
صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يمكن استمرار الوضع الراهن أبدا. وأضاف: «إسرائيل تريد السلطة من دون سلطة، وتريد احتلالا من دون تكلفة، وتريد أن تجعل غزة خارج الفضاء الفلسطيني. نحن نقول إن السلطة ولدت لنقل الفلسطينيين من الاحتلال إلى الاستقلال ولن تكون لها وظيفة ثانية. وإذا اعتقد البعض أنه سيحول وظيفة السلطة إلى تنسيق مالي وأمني فهو مخطئ. السلطة مهمتها أن تنقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال، فإما تكون هكذا وإما لا تكون».
وكان عريقات قد كتب دراسة قبل 3 سنوات وقدّمها للقيادة، وجاء فيها: «إن هذه السلطة ولدت لنقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال. نتنياهو يحاول تغيير وظيفة السلطة. السلطة لن تستطيع الصمود، ستنهار. لدينا بدائل. اللجنة التنفيذية هي الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين، والمطلوب عمله في انتخابات مستقبلية هو انتخاب برلمان دولة فلسطين وقيام دولة فلسطين، وعلينا أن نكرّس الدولة، ولكن هذا يتطلب تطبيق المصالحة قبل أي عمل آخر، وتعزيز عمقنا العربي».
ويمكن القول إنه بعد كل هذه السنين تبنّى عباس الفكرة.
عباس قال في خطابه أمام الأمم المتحدة خلال الأسبوع الماضي بشكل واضح: «ما دامت إسرائيل مصرّة على عدم الالتزام بالاتفاقيات الموقعة معنا، التي تحولنا إلى سلطة شكلية من دون سلطات حقيقية، وما دامت إسرائيل ترفض وقف الاستيطان والإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وفق الاتفاقات معها، فإنها لا تترك لنا خيارا، سوى التأكيد على أننا لن نبقى الوحيدين الملتزمين في تنفيذ تلك الاتفاقيات، بينما تستمر إسرائيل في خرقها. وعليه فإننا نعلن أنه لا يمكننا الاستمرار في الالتزام بهذه الاتفاقيات، وعلى إسرائيل أن تتحمل مسؤولياتها كافة كسلطة احتلال، لأن الوضع القائم لا يمكن استمراره. وأذكّركم بقرار الجمعية العامة 19/67 لعام 2012، الذي أكد أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ستكون الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين، وأن المجلس الوطني الفلسطيني هو برلمان دولة فلسطين. مرة أخرى، إن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار».
كان الخطاب في نيويورك لكن الصدى كان في إسرائيل بطبيعة الحال.
وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تطبّق من «اتفاق أوسلو» شيئا، فإن بندا واحدا في الاتفاق وهو (التنسيق الأمني) جعلها تهدّد وتوعد. إذ قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون: «لا أظنهم قادرين على وقف التنسيق الأمني، فلولا جيشنا في الضفة الغربية لانهارت السلطة».
ولم يتوقف التنسيق الأمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين مطلقا منذ «أوسلو»، لأن كلا الطرفين يعتقد أنه يشكل مصلحة عليا. والتنسيق الأمني يعني عمليًا التعاون بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية لإحباط أي أعمال «عنف» في المنطقة. ويوازي هذا التنسيق تنسيق آخر مدني يعنى بشؤون السكان الفلسطينيين من تصاريح عمل وتحويلات طبية ولمّ شمل وتجديد وثائق.
وبسبب الخوف من وقف إسرائيل كل أشكال التعاون، بما في ذلك قطع الأموال وإغلاق الحدود، ووقف توريدات السولار والكهرباء للفلسطينيين، تبدو فكرة إلغاء «أوسلو» أو ما تبقى منه مرعبة لكثيرين.
وحول هذه النقطة قال جوناثان رينولد، من مركز «بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية» الإسرائيلي: «اتخاذ خطوة كإنهاء التعاون الأمني مع إسرائيل قد يؤدي إلى فوضى في الضفة الغربية. وهناك أيضًا خطر أن يدفع ذلك إسرائيل إلى زيادة وجودها في الضفة الغربية، على الرغم من أن البعض يشك في استعدادها لتخصيص الأموال والقوى البشرية الضرورية لذلك».
جدير بالذكر أنه منذ 3 سنوات، على الأقل، تريد القيادة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني، لكن من دون أن تتخذ قرارا. وما زال الجدل في محيط عباس قائما حتى بعد إلقائه الخطاب في الأمم المتحدة. إذ قال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الدكتور نبيل شعث إنه «من الصعب على السلطة إلغاء اتفاق أوسلو بالكامل، لأن هناك الكثير من العلاقات المتشابكة والمترابطة التي تحتاج إلى تفكيك». وأضاف: «نحن الآن مرتبطون بالاقتصاد الإسرائيلي والكهرباء والماء والطاقة، ولنتمكن من تفكيك هذه العلاقة نحن بحاجة لخطة عمل».
وتابع الدكتور شعث، في حديث مع «راديو أجيال» المحلي في رام الله، أن «إسرائيل تنفذ اتفاق أوسلو بشكل انتقائي، وأنه على السلطة العمل بالطريقة ذاتها»، موضحا: «لا يوجد شيء اسمه حل السلطة، وإن السلطة تدريجيا ستغير استراتيجيتها وطريقتها في العمل، وستصبح سلطة مقاومة وليست سلطة منفذة لـ(أوسلو) فقط».
لكن محمود الهبّاش، مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأحد المقربين منه، ذكر أن «الجانب الفلسطيني لا يتحدث عن إلغاء الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي وفق (أوسلو)، وإنما يطالب بتنفيذ متبادل لها».
أما واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، فقال إن خطوات مهمة كبيرة ستتخذ في القريب العاجل، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن «أهم الخطوات التي سيعلن عنها الرئيس الفلسطيني محمود عباس كرئيس لدولة فلسطين، تنفيذا لخطابه في الأمم المتحدة، هي إعلان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كحكومة مؤقتة للدولة الفلسطينية المحتلة، على أن يصبح المجلس الوطني الفلسطيني هو برلمان الدولة». وأكد أبو يوسف، أن هذا ما يعنيه «إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال».
لكن أبو يوسف أوضح أن هذه القرارات لن تتخذ فورا، لكنها لن تتأخر إذا لم يستجب العالم لخطاب عباس. وأوضح أن «اتخاذ هذه الخطوات يعني بالضرورة انتهاء دور السلطة والإعلان عن الانتقال إلى دولة محتلة تقودها منظمة التحرير، تمهيدا لخطوات لاحقة». ثم شدد على أن الاتصالات بدأت مع الفصائل الفلسطينية بما فيها «حماس» و«الجهاد» لعقد جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام للنقاش واتخاذ قرارات حاسمة بهذا الصدد.
وكان عباس أعلن في خطابه في الأمم المتحدة أنه لن يلتزم بالاتفاقات مع إسرائيل إذا لم تلتزم هي. وحول هذا الجانب قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» شارحةً: «إن التحلل من الاتفاقات سيبدأ واحدا تلو الآخر وصولا إلى مواجهة سياسية شاملة تتوقعها السلطة ستؤدي في النهاية إلى انهيارها». وبحسب المصادر: «لا يوجد قرار بحل السلطة، وإنما إذا انهارت فستعلن السلطة أنها فشلت في نقل للشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال، وستعلن دولة تحت الاحتلال تقودها المنظمة».
ولا يمكن للفلسطينيين الاحتفاظ بالسلطة في ظل إعلان الدولة، وذلك لأن السلطة «المؤقتة» إنما وُجدت لإقامة الدولة «الدائمة». وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، عقد الفلسطينيون اتفاقات أخرى مع إسرائيل يمكن وصفها بملاحق «أوسلو» أو «أولاد وبنات الاتفاق الأم».

* أبرز الاتفاقات الأخرى
* «اتفاق غزة – أريحا» (1994): أطلق عليه اسم «الاتفاق التنفيذي لأوسلو» الذي وُقع في 4 مايو (أيار) 1994، وتضمن الخطوة الأولى لانسحاب إسرائيل من غزة وأريحا وتشكيل السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وأتبع باتفاقين تنفيذيين:
* «اتفاق باريس الاقتصادي» (يوليو/ تموز، 1994): ينظم العمالة الفلسطينية والعلاقات المالية والاقتصادية بين الطرفين.
* «اتفاقية طابا أو أوسلو الثانية» (1995): وعُرفت بـ«اتفاقية المرحلة الثانية من انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية»، إذ تعهدت إسرائيل بالانسحاب من 6 مدن عربية رئيسية و400 قرية في بداية عام 1996، وانتخاب 82 عضوا للمجلس التشريعي، والإفراج عن معتقلين في السجون الإسرائيلية.
وقسّمت «اتفاقية طابا» المناطق الفلسطينية إلى «أ» و«ب» و«ج» لتحديد مناطق حكم السلطة والمناطق الخاضعة لإسرائيل وغير ذلك.
* «اتفاق واي ريفر الأول» (1998): وينص الاتفاق على مبدأ «الأرض مقابل الأمن»، وأن إسرائيل ستنفذ مرحلة جديدة من إعادة الانتشار في 13 في المائة من الضفة الغربية مقابل قيام السلطة الفلسطينية بتكثيف حملتها ضد «العنف».
* «اتفاق واي ريفر الثاني» (1999): وقع في منتجع شرم الشيخ المصري في 4 سبتمبر (أيلول) 1999، وتم فيه تعديل وتوضيح بعض نقاط «اتفاق واي ريفر الأول»، مثل إعادة الانتشار وإطلاق السجناء والممرّ الآمن وميناء غزة والترتيبات الأمنية وغير ذلك.
* ثم جاءت «خريطة الطريق»: وهي عبارة عن خطة سلام أعدتها عام 2002 اللجنة الرباعية التي تضمّ كلا من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. وتركّز هذه الخريطة على نقاط من بينها إقامة دولتين إسرائيلية وفلسطينية.. وعلى أن تتم التسوية النهائية بحلول عام 2005.
* «اتفاق أنابوليس» (2007): عقد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في الولاية الثانية من رئاسته مؤتمرا في القاعدة البحرية بمدينة أنابوليس، عاصمة ولاية ميريلاند الأميركية، في محاولة لاستئناف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وصدر عن المؤتمر بيان مشترك بين القادة الإسرائيليين والفلسطينيين، دعا إلى الانخراط في مفاوضات يكون هدفها التوصل إلى اتفاق سلام كامل بحلول نهاية 2008.
* في 2010: أطلق الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما، في 2 سبتمبر، محادثات مباشرة في البيت الأبيض جمعت بين محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكن انتهاء العمل في إسرائيل بالتجميد الجزئي للاستيطان في 26 سبتمبر أدى إلى انهيار المفاوضات.
* في 2011: رفض نتنياهو دعوة أوباما إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود 67 تضم الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية.
* في 2012: أجرى المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون جولات مفاوضات جديدة من دون نتيجة.
* في 2013: أطلق وزير الخارجية الأميركي جون كيري مفاوضات (9 شهور) لإعلان اتفاق سلام، لكنها انهارت بعد اللقاء الخامس. ولم تتجدد المفاوضات.
لم يلتزم الإسرائيليون بأي اتفاق عقدوه، لا سياسي ولا اقتصادي ولا على الأرض. ولم ينسحبوا من الضفة، ولم يسلموا المناطق، ولم يسمحوا بإقامة الدولة، ورفضوا أي تطوير حتى على الاتفاق الاقتصادي، فقط التزموا بالتنسيق الأمني.
ولا يخفي مسؤولون فلسطينيون أنهم يفهمون أن إسرائيل أرادت منذ البداية «شرطيًا» على حدودها، لكنهم يقولون إنهم ليس بينهم «لحد» - في إشارة إلى أنطوان لحد قائد ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» العميلة لإسرائيل في جنوب لبنان - وإن دولة كل الفلسطينيين ستقوم في نهاية الأمر، على الرغم ممّا يعتقده «المارّون بين الكلمات العابرة».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.