على عكس الأعمال المنقولة من اللغات الأجنبية إلى العربية

الأدب العربي بعد ترجمته.. جهد ضائع في سوق القراءة الأجنبية

د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة  إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
TT

على عكس الأعمال المنقولة من اللغات الأجنبية إلى العربية

د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة  إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية

طموح مشروع أن يرى الأديب أعماله وقد ترجمت إلى اللغات الأجنبية، بل إن قصور الترجمة في الوطن العربي إلى اللغات الأخرى، يدفع بكثير من الأدباء لأن يترجموا أعمالهم على حسابهم أملاً في أن تصل أفكارهم إلى العالم. ولكن الذي يحدث على أرض الواقع، أن هذه الجهود الفردية المكلفة والمضنية غالبًا ما تذهب عبثًا، فلا نجد صدى جماهيريًا للأعمال العربية المترجمة، بعكس الأعمال الأجنبية التي تترجم إلى العربية ونجد لها رواجًا كبيرًا في سوق الكتب. وأيضًا فإن الأدباء العرب الذين كتبوا أعمالهم بلغات أجنبية حققوا حظوة جيدة لدى الغرب وبعضهم حصل على جوائز عالمية.
هذه التساؤلات حملتها إلى عدد من الأكاديميين والنقاد والمتخصصين في الترجمة، لنقف على حقيقة الأسباب المؤدية إلى هذا الفشل.. إن صحت قسوة التعبير.
الدكتور مصطفى الضبع، ناقد وأكاديمي من مصر، يرى أن هذا السؤال يكتسب أهميته من وقوفه على واحدة من أهم القضايا التي لم تطرح من قبل: «تلك القضايا الكاشفة عن كثير من الأسئلة غير المطروحة التي من شأنها أن تفيد من الوعي النقدي». ويضيف: «تتسع مساحة الإجابة عن السؤال لتشمل عددا من الدوائر ذات التأثير، تلك التي لا يمكن حصرها في دائرة واحدة، ويكون من الصعوبة بمكان أن نقصرها على عامل واحد»، ويفصل الدكتور مصطفى الضبع الأمر بقوله: يمكن بلورة هذه الدوائر فيما يلي:
1- النقد، حيث تفتقد الساحة العربية لحركة نقدية منظمة تقوم عليها مؤسسة علمية (غابت الجامعات والأكاديميات المتخصصة)، وهي حركة من شأنها تفعيل الدائرة الثلاثية: إبداع (ينتج)، نقد (يصطفي من المنتج)، ترجمة (تختار من المصطفى).
2- الجوائز: الجوائز العربية والمسابقات الإبداعية في جانب كبير منها تفتقد مصداقيتها حين تختار أعمالا على أسس سياسية أحيانا وتقوم آلياتها على اختيار أعمال ضعيفة المستوى (يمكن التدليل على ذلك بأعمال متعددة فازت بجوائز لا تستحقها) لذا أرى أنه من الأنسب توسيع لجان التحكيم لتضم نموذجا للقارئ العادي الذي يغيب دون مبرر، فلجان التحكيم حتى الآن تقتصر على نوع واحد فقط (النقاد) دون غيرهم.
3- الإعلام (عامة) والصحافة الأدبية (خاصة): تتعدد دور النشر في كل بلد عربي وتصدر المطابع أعمالا يوميا تقريبا وفي المقابل يغيب دور الصحافة الأدبية في كثير من بلدان الوطن العربي، ولم تستطع الصحافة الأدبية (في الغالب) أن تقدم أو تسهم في تقديم مشروع نقدي يعمل على تقديم الخارطة الإبداعية ويقول: «شخصيا تقدمت بأربعة مشروعات نقدية لأربع دوريات، فقط - مشكورة - تبنت مجلة البيان الصادرة عن رابطة أدباء الكويت المشروع المقدم لها وتقاعست الدوريات الأخرى».
4- الترجمة: المترجم المستقل يعتمد على الترجمة للعربية وليس منها، إذن هو لا يوظف معرفته بثقافته في انتقاء أعمال يدرك قيمتها في بيئته، والترجمة في الغالب يغلب عليها طابع العلاقات الشخصية، لقد تركنا المترجم الغربي يترجم النص العربي وفق معاييره هو، وفق معايير شعبية النص وجودته في بيئته العربية، والمؤسسات المعنية بالترجمة تعمل في الغالب من ناحية واحدة.. نقل المترجم للعربية وليس منها.
5- المؤسسة الثقافية: وأعني بها اتحادات الكتاب أولا ثم اتحاد كتاب العرب ثانيا الذي لا يعمل على تقديم مشروع يستهدف خدمة الإبداع العربي، ثم الناشر ثالثا الذي ينحصر دوره في النشر دون العناية بما يسمى خدمة ما بعد النشر والتوزيع كما أن بعض دور النشر تسهم في تفشي ظاهرة مزيفة أعني ظاهرة البيست سيلر (best seller).
6- المؤسسة السياسية / الثقافية العربية خارج الحدود: السؤال الذي يطرح نفسه عن دور الملحقيات الثقافية ومراكز الثقافة العربية في الخارج والتي لم تتضافر جهودها أو تجتمع أفكارها في مشروع يعمل على تقديم الثقافة العربية بوصفها كيانًا واحدًا لا كيانات منفصلة.
7- المبدع: (أحيانا) يعمد بعض الكتاب إلى الكتابة وفق شروط الترجمة وهو ما يجعل أعمالهم مقيدة بشروط لا تخص الفن بقدر ما تخص الموضوع الذي يتماشى مع آيديولوجية المترجم.
ويختتم الدكتور مصطفى الضبع تحليله بالقول: «هذه العوامل جميعها تفضي إلى ظاهرة ضعف مستوى الأعمال المترجمة ومن ثم عدم رواجها جماهيريا في الغرب».

أعمال باهتة وسماسرة أجانب

أما الدكتور عبد السلام المساوي الأكاديمي والناقد من المغرب، فيعتقد بأن الأسباب التي تجعل الأعمال الأدبية العربية المترجمة هامشية لدى القارئ الأجنبي هي أن الموضوعات المطروقة في هذه الأعمال، وخصوصا الروائية منها، لا تثير فضول هذا القارئ الباحث دائما عن الطرافة والغرابة والشذوذ. وكثير من هذه الموضوعات لن تمررها الرقابة العربية ولن تسمح بذلك آلياتها الدينية والاجتماعية والسياسية. ومن ذلك أيضا، يتابع الدكتور عبد السلام المساوي، أن معظم الأعمال التي تحظى بالترجمة هي أعمال باهتة، وُجِدَ أصحابها في مؤسسات أو مواقع سلط ثقافية، أو لهم سماسرة في هذا البلد الأجنبي أو ذاك.ويرى بأن هذا سلوك مفضوح أصبحنا نعيشه في أقطارنا العربية، وله انعكاسات سلبية جدا على مكانة الأدب العربي المعاصر لدى القارئ الأجنبي التواق إلى الاطلاع على النماذج المشرقة منه، علاوة على تفويت الفرص وإقصاء أعمال كان حريًا أن تنقل إلى اللغات الأجنبية لقيمتها الفكرية والجمالية الرفيعة. وأستطيع أن أذكر لك أسماء كثيرة لنساء ورجال ما إن أصدروا عملهم الأول أو الثاني حتى طوَّقوه بالمترجمين من اليمين ومن اليسار ومن فوق ومن تحت!!
ويضيف الدكتور المساوي: «بالأمس القريب كنا نفرح ونحن نقرأ عن بعض الأعمال التي حققت مكانتها الأدبية عربيا وبعدها انتقلت إلى اللغات الأخرى دون أن يسعى أصحابها إلى ذلك، والأمثلة كثيرة: الطيب صالح، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ومحمد شكري، وأمل دنقل، ومحمود درويش، وأدونيس... واللائحة طويلة. إذن، فالأدب العربي المعاصر لا يفتقد إلى النماذج الباهرة التي تستحق أن تترجم وتنتقل إلى القارئ الأجنبي بعيدا عن مشوشات الفساد الثقافي.. واليوم صرنا نتوجس من وجود ميلشيات للترجمة ومحتكريها.

ترجمة المحسوبيات لا الكفاءات

الأكاديمي الناقد الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان من الكويت يحلل الظاهرة بقوله:
لعل هناك عدة عوامل مجتمعة تسهم في عدم رواج الإبداعات العربية المترجمة إلى لغات أخرى، أولها خصوصية اللغة العربية وجمالها، فإذا ترجمت فقدت الكثير من رونقها وجمالها، فالنص الذي يعجبنا باللغة العربية قد لا يعجبنا إذا نقل إلى لغة أخرى، يضاف إلى ذلك حداثة عهدنا قياسا إلى الأمم الأخرى في الفنون السردية، ويضيف الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان: «نحن نتلقف الإبداعات العالمية المتميزة ونترجمها إلى لغتنا وإعجابنا بها نابع من تميزها بتكنيك السرد لا بجمال لغتها، وكثير من الإبداعات العربية التي ترجمت إلى لغات أخرى لم تترجم لتفردها وتفوقها وإنما المجاملات والمحسوبية لهما تأثيرهما في مجتمعاتنا العربية مما يدفع بأعمال دون المستوى للترجمة إلى لغات أجنبية أخرى وإعطاء صورة سلبية للإبداعات العربية. أما إذا كتب مبدع عربي بلغة أخرى فإنه من المؤكد متمكن من هذه اللغة، ولم يكتب إلا لكونه متميزا في مجاله لذلك تلقى كتبه الرواج والاهتمام. أما الشعر العربي فسحره في تراكيبه اللغوية وإذا ما ترجم فقد معظم ما يميزه وانتفت عبقريته.

التمييز بين ثلاثة أنواع

الدكتور جمال الجزيري متخصص في الترجمة وله كثير من الأعمال الصادرة بهذا الشأن يميز بين ثلاثة أنواع من الأعمال الأدبية العربية التي تتم ترجمتها إلى اللغات الأجنبية: الأعمال التي تترجم بسبب موضوعاتها، والأعمال التي تترجم بسبب جودتها الفنية، والأعمال التي تترجم بسبب المجاملة أو الشللية.
ويقول: بالنسبة للأعمال التي تترجم بسبب موضوعاتها، فهي تلقى رواجا لدى فئة معينة من القراء الغربيين، مثل أعمال علاء الأسواني وأعمال نوال السعداوي. وأظن أن سبب رواجها هو كسرها للتابوهات العربية وتمثُّلها لرؤية العالَم لدى الجمهور الغربي. وهذا هو الاتجاه السائد في الترجمة إلى اللغات الأجنبية، فتتم ترجمة الأعمال التي تتمثّل النموذجَ الغربي في النظر للحياة، وهذا يندرج من وجهة نظري تحت العولمة الثقافية بمنظورها الغربي.
أما الأعمال التي تترجم بسبب جودتها، حسبما يقول الدكتور جمال الجزيري، فلها جمهورها، ولكنه جمهور قليل بالمقارنة بالفئة الأولى. ويحتاج انتشارها لدى القارئ الغربي إلى وقت طويل. أما الأعمال التي تترجم بسبب الشللية أو المجاملة، فانتشارها محدود بالطبع في نطاق المكتبات المشتركة في إصدارات دار النشر.
ويعود الدكتور الجزيري إلى الأسئلة الرئيسية، فيقول: تروج لدينا الأعمال الغربية المترجمة للعربية لسبب رئيسي، وهو أنها تقدم شيئا ليس موجودا بكثرة في أدبنا العربي: وهذا الغياب النسبي يرجع لسببين: أولا، بعض الأعمال الغربية بها عمق إنساني كبير مفتقد لدينا، فليست مجرد شعر أو حكي، وإنما تقدم تجربة إنسانية عميقة لكتّاب يعيشون في عمق الحياة ويستطيعون أن يجسدوا عمق الصراعات والتطلعات الإنسانية. وثانيا، عنصر التشويق غالب على كثير من الأعمال الغربية المترجمة حتى لو لم يكن بها عمق إنساني.
ويعتقد أن عدم انتشار الأدب العربي في العالم الغربي، فالأمر يرجع في الأساس إلى عدم وجود مؤسسات ترجمة عربية أو أجنبية تهتم بتقديم الأدب العربي بصورة شاملة للقارئ الغربي. فمعظم جهود الترجمة جهود فردية يقوم بها مترجمون أجانب أو عرب لهم علاقة بدور نشر أجنبية ويستطيعون أن يقنعوها بنشر ترجمة هذا العمل أو ذاك، أو مؤسسات قليلة مثل الجامعة الأميركية في القاهرة، وترجماتها تكون انتقائية في الغالب ووفقًا لمعايير خاصة لا تبتغي تقديم صورة حقيقة للأدب العربي، وإنما تنتقي بعض الأعمال التي تخدم أهدافها. «وأنا شخصيا أنظر إلى مثل هذه المؤسسات - على الرغم من الخدمات العلمية الجيدة التي تقدمها - على أنها ذراع للاستعمار بشكل غير مباشر». ويرى أن هناك سببا أساسيا آخر يتعلق بالأدب العربي ذاته، وهو عدم وجود مشروع أدبي عربي إنساني، بمعنى أن الكثيرين من الكتاب العرب - مثلهم مثل المواطنين العرب - لا يعرفون معنى الحياة، ويعيشون على حافتها أو سطحها ويتهيبون الولوج أو الغوص فيها، وبالتالي تأتي كتاباتهم عبارة عن قشور لا تهم أحدا إنسانيا في كثير من الأحيان.

نقد وتقييم وجوائز

الدكتور فيصل الحولي أكاديمي وناقد من الأردن يقول:
إن جلّ ما حركته أسئلتك يدخل ضمن ما يطلق عليه (عالمية الأدب) وهو مصطلح ينص على ارتقاء نص أدبي ما إلى مستوى الاعتراف العالمي لعظمته وفائدته خارج حدود لغته ومنطقته والإقبال على ترجمته ودراسته. ويقول الدكتور فيصل الحولي: «إن العمل الأدبي لا يدخل دائرة العالمية بمجرد توافر مواصفات إبداعية فيه وإنما لا بد له من توافر مجموعة من العوامل منها وسائل الاتصال الثقافي من ترجمة ونقد وتقييم وجوائز وطنية وعالمية. وعليه فإنه من الضروري أن تتوافر شروط في العمل الأدبي ليصل إلى مستوى العالمية منها: عامل فني يتمثل في جودة العمل الأدبي من الناحية الفنية والمضمونية ويترتب على ذلك أن يكون النص إبداعيًا وراقيًا» ومنها، كما يقول الدكتور الحولي، «عامل توسيطي ويتمثل في كيفية توصيل تلك الأعمال إلى العالم عبر قنوات التواصل ترجمة ونشر»، وهنا يتساءل الدكتور الحولي: هل الترجمة التي نقل بها الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية هي ترجمة ذات نوعية متطورة، وهل حظي الأدب العربي باهتمام دور النشر الكبيرة في العالم؟ أما العامل الثالث باعتقاد الدكتور الحولي فهو التلقي النقدي المتمثل في النشاطات النقدية والتفسيرية التي تدور حول العمل الأدبي في الثقافة الأجنبية.

تجربة حقيقية

الدكتورة رشا غانم مُدرسة النقد الأدبي بالجامعة الأميركية في مصر، فتخبرني بأحداث واقعية جرت معها فتقول: «أتحدث إليك عن تجربة حقيقة لي أثناء تدريسي لكورس النقد لمجموعة من الباحثين الأجانب في الجامعة الأميركية بالقاهرة 2009م لاحظت أن أغلبهم قد حصل على الماستر في التراث العربي فقال لي أحدهم وهو الآن بروفسور في جامعة أوكلاهوما بالولايات المتحدة الأميركية واسمه توماس هافتر إنه حصل على الماستر في الجاحظ، وهو من الأدباء العرب القدامى المشهورين من أشهر كتبه (البخلاء) و(البيان والتبيين) ت:255هـ 868م وأخذ يسرد لي كيف التعامل مع كتب التراث في البداية كان يمثل له صعوبة كبيرة فقلت له لماذا اختارت التعامل مع كتب التراث في فترة مبكرة من حياتك قال لي: (لأن الكتب التي تم تأليفها قديما أطمئن إليها ففيها ثقافة عربية خالصة ونحن عندما ندرس هنا نذهب إلى جامعتنا لنلتحق بكرسي الشرق الأوسط، وهو المكان المخصص لكل الدراسات الشرق أوسطية)، وهذا يدل على أن أغلب التراجم الحديثة المترجمة من العربية للأجنبية لا تحقق حضورا لديهم على عكس الترجمات الأجنبية التي تحدثت عن العرب وحضارتهم تلقى قبولا في القراءة عندهم، أما بالنسبة للقارئ العربي فإن المترجم من الأجنبية للعربية يلقى حضورا لديه من وجهة نظري لأننا قانعون أن مستوى ما يقدم لدينا من بلاد الغرب هو الأكثر وعيا وفكرًا».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended