نجح الرئيسان الأميركي باراك أوباما والفرنسي فرنسوا هولاند في الخطابين اللذين ألقياهما في الجمعية العمومية للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك بالتخفيف من وطأة التصريحات الأخيرة لممثلي الدبلوماسية الأوروبية والأميركية التي جاءت متتالية وكأنّها منظمة بما أوحى باتفاق دولي على حل سياسي للأزمة السورية يلحظ بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في المرحلة الانتقالية.
وقطعت المواقف الرسمية التي أطلقت من المنبر الأممي الطريق على كل التحليلات التي ذهبت بعيدا بربط التدخل الروسي العسكري في الميدان السوري بـ«انقلاب» المواقف المعلنة لقادة الدول الغربية بما يتعلق بمصير الأسد، ما أعاد الأمور ولو مرحليا إلى نصابها، على الرغم من تبلور قناعة لدى معظم المراقبين والخبراء الاستراتيجيين بأن الملف السوري سلك منحى جديدا باتجاه حل سياسي قد لا يكون قريبا.
ويبدو أن الاتفاق الذي أعلن الأسبوع الماضي لوقف إطلاق النار في مدينة الزبداني في ريف دمشق وبلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب والذي تم برعاية إيرانية – تركية ومباركة أممية قد يكون محل اختبار في الأسابيع المقبلة لإمكانية اعتماده وتعميمه على مجمل المناطق السورية كخطوة أولى وعملية باتجاه حل سياسي للأزمة المستمرة منذ عام 2011، وهو ما أشار إليه الدكتور يزيد صايغ، الخبير بالشؤون الاستراتيجية والعسكرية والباحث الرئيسي في مركز «كارنيغي للشرق الأوسط» في بيروت، الذي اعتبر أنّه بعكس ما قد يوحي تسارع المستجدات فإن موعد التوصل إلى حل للأزمة السورية سياسيا ليس بقريب، كما أن التصريحات العلنية غير المتوقعة لبعض الأقطاب «لا تعني أن روسيا والولايات المتحدة الأميركية وطهران قد توافقوا على الآليات التنفيذية والإجراءات العملية للحل، بل على مبادئ عامة لا ترتقي إلى مستوى فرض حل سياسي سريع للأزمة». وأضاف: «لا شيء ميدانيا أو سياسيا يشير إلى أن الأسد راحل، ولعل أقصى ما قد نطمح إليه في المرحلة الراهنة هو تعميم اتفاق الزبداني – الفوعة – كفريا على مجمل المناطق السوري... علما بأنه حتى اتفاق كهذا بعيد المنال».
وأوضح صايغ أن الحديث الغربي عن وجود الأسد في المرحلة الانتقالية «ليس جديدا باعتبار أنّه مستمر منذ مطلع العام 2011 لكن في الكواليس وفي لقاءات المسؤولين الدوليين والمبعوثين الخاصين»، لافتا إلى أن هذا الحديث كان يتطرق إلى بقائه في الرئاسة لمدة سنتين بعد الانطلاق في المرحلة الانتقالية. ولفت صايغ إلى أن هذا الكلام لم يتحول إلى كلام علني أو مبادرات سياسية طوال المرحلة الماضية، ظنا أن الصراع العسكري على الأرض السوري قد يفرض معادلات جديدة، لكن ونظرًا لعدم قدرة المعارضة السورية على فعل أي شيء لتغيير الواقع الميداني كما عدم بذل الدول المعنية بالصراع أي مجهود لضمان رحيل الأسد، كان لا بد أخيرا من التعاطي مع الواقع الذي قد لا يعجب كثيرا من قادة الدول، وبالتالي ما تم التصريح به أخيرا بالعلن موجود ويتم التداول التفكير به منذ زمن. وقال صايغ لـ«الشرق الأوسط»: «أما الخطابات المتشددة للرئيس الأميركي والفرنسي وغيرهما من فوق منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة فليست إلا تكرارا للكلام الدعائي المستمر منذ سنوات، ومحاولة للتأكيد أنّه لم يحصل انقلاب كامل بالمواقف الغربية بما يتعلق بالملف السوري».
* تسويق غربي للمرحلة الانتقالية
وتوالت المواقف الغربية في الأيام الماضية التي تحاول تسويق طرح يقول ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد في المرحلة الانتقالية بعد الدخول في مسار الحل السياسي للأزمة السورية. واعتبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن الأسد يجب أن يتنحى عن منصبه، وأن باب التفاوض مفتوح لبحث التوقيت وطريقة رحيله عن السلطة، بينما شددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على وجوب إشراك الأسد في أي محادثات تهدف إلى إنهاء النزاع المستمر منذ أربع سنوات في سوريا، لافتة إلى أن العملية ينبغي أن تشمل كذلك الولايات المتحدة وروسيا، بالإضافة إلى اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط بما في ذلك إيران والسعودية. ودعا وزير الخارجية الألماني، الأحد، إلى تشكيل حكومة انتقالية في سوريا للخروج من المأزق، وأعرب عن استعداده للقيام بوساطة بين الموالين والمعارضين لحوار مع رئيس النظام السوري بشار الأسد.
أما وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس فرأى أن «رحيل الأسد فورا ليس شرطا مسبقا لمحادثات لإنهاء الأزمة، لكن يجب ألا يكون له أي دور في المستقبل باعتباره المسؤول عن 80 في المائة من القتلى الذين سقطوا في سوريا».
* الموقف التركي
وأثارت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ردود فعل كبيرة بعد الحديث عن اجتزائها، فقال: «يمكن الحديث عن مرحلة انتقالية بوجود الأسد، ولكن الأصل الأساس أنه لا يمكن القبول ببقاء ديكتاتور بأي حال، وخصوصا من قبل الشعب السوري». وأوضح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في ما بعد الموقف التركي الرسمي من الملف السوري فقال الاثنين إن حل الصراع السوري غير ممكن في وجود الرئيس بشار الأسد.
ورأت وزيرة الخارجية الأسترالية جولي بيشوب أن الأسد يجب أن يكون جزءا من حل النزاع في سوريا، موضحة أن «هناك توافقًا واسعًا في الآراء على أن نظام الأسد سيكون محوريا في أي محاولة لصمود الدولة السورية وكذلك لحرمان (داعش) من تحقيق مزيد من المكاسب على الأرض».
وأعادت خطابات قادة الدول الغربية من فوق منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة الطمأنينة لقوى المعارضة السورية التي بدت مصدومة في الأسابيع الماضية من تواتر المواقف الداعية لبقاء الأسد في المرحلة الانتقالية.
* أوباما وبوتين
وأدان الرئيس الأميركي باراك أوباما في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الاثنين من يؤيدون قادة مثل الرئيس السوري بشار الأسد الذي وصفه بأنه «طاغية قاتل للأطفال»، وشدد على أن سوريا لا يمكن أن تعود إلى الوضع القائم قبل الحرب.
وفي حين اعتبر الرئيس السوري فلاديمير بوتين أن رفض التعاون مع الحكومة السورية سيكون «خطأ كبيرا»، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إنه سيعمل مع روسيا وإيران لإنهاء الصراع في سوريا، لكنه أضاف أن على طهران وموسكو إدراك أن الأسد لا يمكن أن يكون جزءا من أي انتقال سياسي.
في هذه الأثناء، اعتبر رئيس المجلس الوطني السوري السابق وعضو الائتلاف المعارض عبد الباسط سيدا أن الموقف الأوروبي الذي بدا في خطابات عدد من رؤساء الدول الأوروبية أخيرا مترددا وقلقا وحائرا، ليس إلا انعكاسا لـ«التردد الأميركي» المستمر في كيفية التعاطي مع الأزمة السورية، لافتا إلى أن خروج بعض المسؤولين الأوروبيين أخيرا للقول بحل للأزمة مع أو من دون الأسد «ليس إلا تعبيرا عن الضغط الذي تشهده دول أوروبا نتيجة انفجار ملف اللاجئين السوريين بوجهها». ورأى سيدا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن كل ما يُطبخ دوليا وفي حال كان يتضمن فرضا للأسد كجزء من المرحلة الانتقالية لا يمكن أن يمر، وفي حال كان هناك إصرار روسي في هذا الاتجاه فإن ذلك سيعني تلقائيا إصرارا على تقسيم سوريا. وقال: «وإلا كيف سيقنعون مدنيي سوريا وأهل حلب وحمص وحماه وكل المناطق الأخرى بأن من أمطرهم بالبراميل المتفجرة طوال السنوات الماضية سيبقى على رأس السلطة كحل للأزمة؟».
وفي المقابل، يعتبر العميد المتقاعد هشام جابر، رئيس مركز «الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة» أن التغيير في تعاطي الدول الغربية مع الملف السوري «حصل فعليا، ولكنّه لا شك لا يمكن أن يظهر بـ180 درجة»، لافتا إلى أن أوروبا هي من اقتنعت قبل الولايات المتحدة الأميركية وبعد النظر إلى الخريطة الجيو-سياسية أن الأمور يجب أن تحل بعيدا عن العواطف والتمنيات.
وقال جابر لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن الحديث عن اتفاق قد تم على الإبقاء على البنى التحتية في سوريا وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، كما يمكن أن نرصد في مرحلة قريبة طاولة مفاوضات تضم تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة الأميركية للتوصل لاتفاق على وقف إطلاق نار يليه طاولة أخرى موسعة تضم دول الخليج والنظام السوري وباقي الدول المعنية للتفاهم حول تفاصيل المرحلة الانتقالية»، مرجحا أن يتم تشكيل حكومة جديدة تضم المعارضة المعتدلة هي تسيّر الفترة الانتقالية على أن يكون الأسد جزءا منها.
مستقبل سوريا رهن خيارات أوباما وآمال بوتين
مسار الحل السياسي ينطلق... الزبداني نموذجًا
الرئيس الأميركي باراك أوباما يهم بمصافحة نظيره الروسي فلاديمير بوتين أمام الكاميرات قبل لقائهما أمس (أ.ب) - صورة تظهر آثار الدمار الذي خلفه طيران النظام السوري على حي الشعار في حلب في وقت سابق من الشهر الحالي (رويترز)
مستقبل سوريا رهن خيارات أوباما وآمال بوتين
الرئيس الأميركي باراك أوباما يهم بمصافحة نظيره الروسي فلاديمير بوتين أمام الكاميرات قبل لقائهما أمس (أ.ب) - صورة تظهر آثار الدمار الذي خلفه طيران النظام السوري على حي الشعار في حلب في وقت سابق من الشهر الحالي (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

