حتى زمن غير بعيد، كانت المهرجانات الدولية لديها «أجندات» خاصة لا تحتوي في بنودها على كلمة «أوسكار». كان لديها غايات ومرامي وأبعاد لا تشمل مطلقًا على ما إذا كان أي من أفلامها سيدخل حلبة الأوسكار أم لا. إنها طبيعة المهرجانات في المقام الأول.
مهرجان السينما، الصغير منه قبل الكبير، هو محفل لجمع الأفلام ذات القيمة الفنية العالية (بقدر الإمكان) لمشاهدتها وترك لجان التحكيم تقييمها وللنقاد المشاركين الخوض فيها وللجمهور مشاهدتها لأن الكثير منها غير قابل للتوزيع.
الأوسكار والجوائز الرديفة المهمّة مثل البافتا وجائزة الاتحاد الأوروبي والغولدن غلوبس كانت شيئًا آخر منفصلاً. صحيح أن بعض الأفلام المعروضة في المهرجانات العالمية الكبرى كانت تسبح في بحر الجوائز بحرية بعد عروضها في تلك المهرجانات، إلا أن القليل منها كان يبني استراتيجيّته الفنية والتجارية على هذا الاحتمال. قد يذكر الباحثون والنقاد والمؤرخون أن هذا الفيلم المرشّح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي سبق له وإن شهد عرضه الأول في مهرجان برلين أو في مهرجان كوبنهاغن لا فرق، لكن لا شيء كثيرًا كان يُبنى على هذه الحقيقة.
* صوب هدف واحد
حرّك عقارب الزمن إلى الوقت الحاضر، لتجد أن ما كان، في العادة، هامشي الذكر بات أساسيًا. ليس فقط أن الفيلم الذي عرض في مهرجان ما، سواء أن فاز بجائزة أو لم يفز، بات يميل لاستيطان جوار الاحتمالات المتكاثرة والمتزايدة عما قد يُرشح أو لا يُرشح للأوسكار، بل بات الكثير من المهرجانات الدولية، خصوصًا تلك التي تقع مباشرة في الأشهر الأربعة الأخيرة من العام، تتنافس فيما بينها على لعب دور «مدرج الإقلاع» بالنسبة للأفلام المتوسمة خيرًا بالانضمام إلى قافلة الأوسكار.
بات واضحًا، بذلك، سعي المهرجانات السينمائية للتشبّه بالمطار الذي تقلع منه الأفلام لتحط في مطار «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» في لوس أنجليس على أمل أن تجد نفسها بين الترشيحات ولو الأولى.
وفي حين أن لعب دور المرصد لم يكن واردًا لدى تلك المهرجانات، ولا السعي لأن تكون محطة انطلاق لمراحل أخرى (تجارية أو فنية)، فإن الواضح اليوم هو أنها تحوّلت إلى ذلك وبهمّة نشطة.
في العام الماضي نشب خلاف بين مهرجاني توليارايد الأميركي وتورنتو الكندي على أفلام أدرك كل منهما أن احتمالاتها الأوسكارية عالية. مهرجان فينسيا كان على بعد قريب من هذا الخلاف وإن نأى بنفسه بذكاء. لاحقًا ما توسع الإطار ليشمل مهرجان نيويورك الذي ترتفع قيمته الفنية والإعلامية عامًا بعد عام ومنذ خمس سنوات.
أكثر من كل ذلك، أن المهرجانات المذكورة لا تمانع في أن ترتبط بالأوسكار من هذه الزاوية تحديدًا أو أن تُكنى بأن سباق الأوسكار بدأ بها.
هذا العام لا يختلف. ما أن انطلق مهرجان فينسيا قبل نحو شهر حتى بحثت المصادر الإعلامية عن الأفلام الأميركية (القليلة) المعروضة فيه، التي كان من بينها «أفرست» و«قداس أسود»، من باب احتمالات أن تدور لاحقًا في فلك الجائزة السنوية الكبرى.
وكان مهرجان توليارايد حشد هذا العام، حين انطلق في الرابع من سبتمبر (أيلول) وحتى السابع منه، وفي نطاق دورته الثانية والأربعين (أكبر من تورنتو بعامين)، أفلامًا أخرى طامحة للوصول إلى الخط النهائي للأوسكار من بينها «كارول» لتود هاينس، و«ستيف جوبس» لداني بويل، و«سفرغايت» لسارا غافرون من بين أخرى.
لكن مهرجان تورنتو، الذي أقيم من العاشر حتى العشرين من الشهر الحالي، وبسبب أساسي من وفرة أفلامه الأميركية. ما زال أكثر مهرجانات السينما تحقيقًا لمساعي الربط بينه وبين الأوسكار. وما عرض فيه من أفلام أميركية، بينها «سبوتلايت» و«غرفة» و«قدّاس أسود» و«أين نغزو تاليًا؟»، تم تداوله في الصحف الأميركية والبريطانية والفرنسية كاحتمالات أوسكار أكيدة.
* نيويورك المتجدد
ويوم الخامس والعشرين من هذا الشهر، بدأت دورة مهرجان نيويورك الثالثة والخمسين التي تستمر حتى الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهو مهرجان انطلق بدوي مناسب في مطلع الستينات (1962) لكنه انضوى بعد عقدين وسط تلك المهرجانات الأميركية الأخرى التي سطعت في تلك الفترة ثم خمد وهجها في أواخر السبعينات مثل شيكاغو وسان فرانسيسكو. كل واحد من هذه المهرجانات الثلاثة كان له صدى كبير في بدايته، ثم مضى ليصبح مجرد صوت في زحمة المهرجانات الكثيرة داخل وخارج الولايات المتحدة.
منذ خمس سنوات عاد ميزان مهرجان نيويورك في الارتفاع حثيثًا. أدرك القائمون عليه، بإدارة «جمعية مركز لينكولن للفيلم» (Film Society of Lincoln Center) أنه لا خيار سوى المزاحمة لا لاستعادة المفقود من مكانه فقط، بل لتثبيت موقع قدم في صناعة المهرجانات الأميركية أسوة بما حققه مهرجان صندانس في ولاية يوتا، وما أنجزه المهرجان النيويوركي الآخر «ترايبيكا» (كلاهما سجل بعض الهبوط في العامين الأخيرين).
النتيجة كانت مبهرة أعادت الأمل إلى مؤسسته الثقافية الكبيرة خصوصًا عندما بلغ عدد حضوره في العام الماضي أكثر من مائتي ألف شخص (حسب تقرير الجمعية الرسمي). لكن هذه الهبّة القوية ربما لم تكن لتحدث لولا قرار الإدارة بزيادة نسبة الأفلام التي تشهد عرضها العالمي الأول، ولتكن - قررت الإدارة - أن تكون جميعًا أميركية الإنتاج أو، على الأقل، إنجليزية اللغة.
ما حدث نتيجة ذلك، هو أن المهرجان فتح خط تواصل مع اختيارات الأوسكار على نحو مباشر. فالفيلم المراد به أن يحتل افتتاح الدورة ثم الأفلام الأخرى التي يمكن عرضها كـ«وورلد برميير» خلال المهرجان وفي ختامه، لا بد أنها أفلام نوعية وكونها ناطقة بالإنجليزية يعني أنها من بين تلك التي ستقع عينا أكاديمية العلوم والفنون السينمائية (مانحة الأوسكار) عليها. بذلك، لم يرتق مهرجان «نيويورك» إلى احتلال موقع سابق فقط، بل وجد نفسه بالضرورة - أحد تلك التي سيلتقي عندها السينمائيون الأميركيون، وبعض العالميين، لترويج أعمالهم الآيلة لاحتمالات الأوسكار.
خلال السنوات الخمس الأخيرة تبلورت الصلة بين مهرجان نيويورك هذا وبين الأوسكار الكائن في لوس أنجليس عن انتقال أفلام بعينها من المناسبة الأولى إلى الثانية، من بينها، على سبيل المثال «الشبكة الاجتماعية» لديفيد فينشر الذي نال ثلاثة أوسكارات سنة 2011 هي لأفضل سيناريو مقتبس وأفضل تأليف وأفضل موسيقى مكتوبة خصيصًا، و«هوغو» لمارتن سكورسيزي الذي حصد خمسة أوسكارات (من بينها أفضل تصوير لروبرت رتشردسون)، ثم «لينكولن» الذي خطف أوسكار أفضل ممثل في دور رئيسي (ذهبت إلى بطله دانيال - داي لويس) لجانب أوسكار آخر في التصميم الإنتاجي.
في العام الماضي عاد المخرج فينشر إلى مهرجان نيويورك بفيلمه «فتاة ماضية» Gone Girl الذي تم ترشيح روزماند بايك عن دورها فيه في فئة أفضل ممثلة في دور رئيس.
* مهرجان جديد
الحال اليوم أن «المشي» (The Walk) لروبرت زميكيس هو واحد من النجوم الأعلى للمهرجان بين الأفلام المعروضة يؤازره في ذلك «مايلز أهيد» Miles Ahead (العنوان لعب على اسم عازف الجاز الشهير مايلز ديفيز ويقوم به دون شيدل الذي يخرج الفيلم البيوغرافي أيضًا) وفيلم «بروكلين» لجون كراولي وفيلم «جسر الجواسيس» لستيفن سبيلبرغ.
كل هذا هو زخم في شرايين حياة المهرجانات المذكورة على الرغم من مناوأته للمعهود السابق عندما كان مال قيصر لقيصر وكان مفهوم المهرجان يختلف، لحد التناقض، مع مفهوم موسم الجوائز بأسره.
وبدأنا نرى سعي بعض المهرجانات العربية للحذو ذاته، فأخذت الإصدارات الصحافية والإخبارية تورد ما تود من الإعلام العربي ذكره وهو أن عدّة أفلام من تلك المعروضة في جوانبها المختلفة هي أفلام مرشّحة للأوسكار أيضًا.
لا لوم هنا على المهرجان العربي إذا ما أراد تقوية هذه الروابط فلم يكن هناك لوم على المهرجانات الأميركية، وهي الأجدر بهذا المنحى، إذا ما رغب كل منها أن يبدو للإعلام وللسينمائيين أنه نقطة الانطلاق الحقيقية صوب الأوسكار؟
وفي غضون الشهر المقبل (الخامس والعشرين من أكتوبر) وحتى الثاني من الشهر اللاحق نوفمبر (تشرين الثاني)، سينطلق مهرجان جديد في لوس أنجليس اسمه «آجيان وورلد فيلم فستفال» بإدارة اللبناني جورج شمشوم ليحتفي بالأوسكار والغولدن غلوبس بطريقة مباشرة ومختلفة.
في كل عام، سيسعى المهرجان، كما أعلن مديره شمشوم لهذا الناقد، لجمع كل ما ترشحه الدول الآسيوية من أفلام لهاتين الجائزتين وتقوم بعرضها خلال الفترة: «سنذكّر أعضاء الأكاديمية وأعضاء جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب (مانحة الغولدن غلوبس)، بالعدد الكبير من الأفلام الآسيوية واختلافاتها وسنمنح هذه الأفلام تلك الفرصة الرائعة للإطلال على الجمهور الأميركي الواسع الذي لا تتسنّى له مشاهدتها في غير هذا الاحتفال».
الفكرة رائعة ومختلفة عن أفكار المهرجانات الأخرى وتعد بأن تكبر وتصبح إحدى المحطات الأساسية السابقة لحفل الأوسكار ذاته، وهي متخصصة أساسًا بالقارة الآسيوية مما يجعلها مميزة.
في هذا الوقت، فإن الجانب الآخر المثير للتساؤل، وللبحث في مناسبة لاحقة، هو إذا ما كان كل هذا النشاط المحيط بالأوسكار مفيدًا للأوسكار بحد ذاته أم لا. هذا من باب سؤال بسيط: إذا ما كان مفيدًا، لِمَ لا تُترجم هذه الإفادة في مؤشرات الإقبال على متابعة جوائز الأوسكار حين تلفزتها وهي التي تنحدر قليلاً أكثر كل سنة؟

