مهرجان نيويورك ينطلق أكثر طموحًا بعروض جديدة

الأفلام المشاركة تعمل من أجل جوائز الأوسكار

من فيلم مهرجان نيويورك «المشي»
من فيلم مهرجان نيويورك «المشي»
TT

مهرجان نيويورك ينطلق أكثر طموحًا بعروض جديدة

من فيلم مهرجان نيويورك «المشي»
من فيلم مهرجان نيويورك «المشي»

حتى زمن غير بعيد، كانت المهرجانات الدولية لديها «أجندات» خاصة لا تحتوي في بنودها على كلمة «أوسكار». كان لديها غايات ومرامي وأبعاد لا تشمل مطلقًا على ما إذا كان أي من أفلامها سيدخل حلبة الأوسكار أم لا. إنها طبيعة المهرجانات في المقام الأول.
مهرجان السينما، الصغير منه قبل الكبير، هو محفل لجمع الأفلام ذات القيمة الفنية العالية (بقدر الإمكان) لمشاهدتها وترك لجان التحكيم تقييمها وللنقاد المشاركين الخوض فيها وللجمهور مشاهدتها لأن الكثير منها غير قابل للتوزيع.
الأوسكار والجوائز الرديفة المهمّة مثل البافتا وجائزة الاتحاد الأوروبي والغولدن غلوبس كانت شيئًا آخر منفصلاً. صحيح أن بعض الأفلام المعروضة في المهرجانات العالمية الكبرى كانت تسبح في بحر الجوائز بحرية بعد عروضها في تلك المهرجانات، إلا أن القليل منها كان يبني استراتيجيّته الفنية والتجارية على هذا الاحتمال. قد يذكر الباحثون والنقاد والمؤرخون أن هذا الفيلم المرشّح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي سبق له وإن شهد عرضه الأول في مهرجان برلين أو في مهرجان كوبنهاغن لا فرق، لكن لا شيء كثيرًا كان يُبنى على هذه الحقيقة.

* صوب هدف واحد
حرّك عقارب الزمن إلى الوقت الحاضر، لتجد أن ما كان، في العادة، هامشي الذكر بات أساسيًا. ليس فقط أن الفيلم الذي عرض في مهرجان ما، سواء أن فاز بجائزة أو لم يفز، بات يميل لاستيطان جوار الاحتمالات المتكاثرة والمتزايدة عما قد يُرشح أو لا يُرشح للأوسكار، بل بات الكثير من المهرجانات الدولية، خصوصًا تلك التي تقع مباشرة في الأشهر الأربعة الأخيرة من العام، تتنافس فيما بينها على لعب دور «مدرج الإقلاع» بالنسبة للأفلام المتوسمة خيرًا بالانضمام إلى قافلة الأوسكار.
بات واضحًا، بذلك، سعي المهرجانات السينمائية للتشبّه بالمطار الذي تقلع منه الأفلام لتحط في مطار «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» في لوس أنجليس على أمل أن تجد نفسها بين الترشيحات ولو الأولى.
وفي حين أن لعب دور المرصد لم يكن واردًا لدى تلك المهرجانات، ولا السعي لأن تكون محطة انطلاق لمراحل أخرى (تجارية أو فنية)، فإن الواضح اليوم هو أنها تحوّلت إلى ذلك وبهمّة نشطة.
في العام الماضي نشب خلاف بين مهرجاني توليارايد الأميركي وتورنتو الكندي على أفلام أدرك كل منهما أن احتمالاتها الأوسكارية عالية. مهرجان فينسيا كان على بعد قريب من هذا الخلاف وإن نأى بنفسه بذكاء. لاحقًا ما توسع الإطار ليشمل مهرجان نيويورك الذي ترتفع قيمته الفنية والإعلامية عامًا بعد عام ومنذ خمس سنوات.
أكثر من كل ذلك، أن المهرجانات المذكورة لا تمانع في أن ترتبط بالأوسكار من هذه الزاوية تحديدًا أو أن تُكنى بأن سباق الأوسكار بدأ بها.
هذا العام لا يختلف. ما أن انطلق مهرجان فينسيا قبل نحو شهر حتى بحثت المصادر الإعلامية عن الأفلام الأميركية (القليلة) المعروضة فيه، التي كان من بينها «أفرست» و«قداس أسود»، من باب احتمالات أن تدور لاحقًا في فلك الجائزة السنوية الكبرى.
وكان مهرجان توليارايد حشد هذا العام، حين انطلق في الرابع من سبتمبر (أيلول) وحتى السابع منه، وفي نطاق دورته الثانية والأربعين (أكبر من تورنتو بعامين)، أفلامًا أخرى طامحة للوصول إلى الخط النهائي للأوسكار من بينها «كارول» لتود هاينس، و«ستيف جوبس» لداني بويل، و«سفرغايت» لسارا غافرون من بين أخرى.
لكن مهرجان تورنتو، الذي أقيم من العاشر حتى العشرين من الشهر الحالي، وبسبب أساسي من وفرة أفلامه الأميركية. ما زال أكثر مهرجانات السينما تحقيقًا لمساعي الربط بينه وبين الأوسكار. وما عرض فيه من أفلام أميركية، بينها «سبوتلايت» و«غرفة» و«قدّاس أسود» و«أين نغزو تاليًا؟»، تم تداوله في الصحف الأميركية والبريطانية والفرنسية كاحتمالات أوسكار أكيدة.

* نيويورك المتجدد
ويوم الخامس والعشرين من هذا الشهر، بدأت دورة مهرجان نيويورك الثالثة والخمسين التي تستمر حتى الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهو مهرجان انطلق بدوي مناسب في مطلع الستينات (1962) لكنه انضوى بعد عقدين وسط تلك المهرجانات الأميركية الأخرى التي سطعت في تلك الفترة ثم خمد وهجها في أواخر السبعينات مثل شيكاغو وسان فرانسيسكو. كل واحد من هذه المهرجانات الثلاثة كان له صدى كبير في بدايته، ثم مضى ليصبح مجرد صوت في زحمة المهرجانات الكثيرة داخل وخارج الولايات المتحدة.
منذ خمس سنوات عاد ميزان مهرجان نيويورك في الارتفاع حثيثًا. أدرك القائمون عليه، بإدارة «جمعية مركز لينكولن للفيلم» (Film Society of Lincoln Center) أنه لا خيار سوى المزاحمة لا لاستعادة المفقود من مكانه فقط، بل لتثبيت موقع قدم في صناعة المهرجانات الأميركية أسوة بما حققه مهرجان صندانس في ولاية يوتا، وما أنجزه المهرجان النيويوركي الآخر «ترايبيكا» (كلاهما سجل بعض الهبوط في العامين الأخيرين).
النتيجة كانت مبهرة أعادت الأمل إلى مؤسسته الثقافية الكبيرة خصوصًا عندما بلغ عدد حضوره في العام الماضي أكثر من مائتي ألف شخص (حسب تقرير الجمعية الرسمي). لكن هذه الهبّة القوية ربما لم تكن لتحدث لولا قرار الإدارة بزيادة نسبة الأفلام التي تشهد عرضها العالمي الأول، ولتكن - قررت الإدارة - أن تكون جميعًا أميركية الإنتاج أو، على الأقل، إنجليزية اللغة.
ما حدث نتيجة ذلك، هو أن المهرجان فتح خط تواصل مع اختيارات الأوسكار على نحو مباشر. فالفيلم المراد به أن يحتل افتتاح الدورة ثم الأفلام الأخرى التي يمكن عرضها كـ«وورلد برميير» خلال المهرجان وفي ختامه، لا بد أنها أفلام نوعية وكونها ناطقة بالإنجليزية يعني أنها من بين تلك التي ستقع عينا أكاديمية العلوم والفنون السينمائية (مانحة الأوسكار) عليها. بذلك، لم يرتق مهرجان «نيويورك» إلى احتلال موقع سابق فقط، بل وجد نفسه بالضرورة - أحد تلك التي سيلتقي عندها السينمائيون الأميركيون، وبعض العالميين، لترويج أعمالهم الآيلة لاحتمالات الأوسكار.
خلال السنوات الخمس الأخيرة تبلورت الصلة بين مهرجان نيويورك هذا وبين الأوسكار الكائن في لوس أنجليس عن انتقال أفلام بعينها من المناسبة الأولى إلى الثانية، من بينها، على سبيل المثال «الشبكة الاجتماعية» لديفيد فينشر الذي نال ثلاثة أوسكارات سنة 2011 هي لأفضل سيناريو مقتبس وأفضل تأليف وأفضل موسيقى مكتوبة خصيصًا، و«هوغو» لمارتن سكورسيزي الذي حصد خمسة أوسكارات (من بينها أفضل تصوير لروبرت رتشردسون)، ثم «لينكولن» الذي خطف أوسكار أفضل ممثل في دور رئيسي (ذهبت إلى بطله دانيال - داي لويس) لجانب أوسكار آخر في التصميم الإنتاجي.
في العام الماضي عاد المخرج فينشر إلى مهرجان نيويورك بفيلمه «فتاة ماضية» Gone Girl الذي تم ترشيح روزماند بايك عن دورها فيه في فئة أفضل ممثلة في دور رئيس.

* مهرجان جديد
الحال اليوم أن «المشي» (The Walk) لروبرت زميكيس هو واحد من النجوم الأعلى للمهرجان بين الأفلام المعروضة يؤازره في ذلك «مايلز أهيد» Miles Ahead (العنوان لعب على اسم عازف الجاز الشهير مايلز ديفيز ويقوم به دون شيدل الذي يخرج الفيلم البيوغرافي أيضًا) وفيلم «بروكلين» لجون كراولي وفيلم «جسر الجواسيس» لستيفن سبيلبرغ.
كل هذا هو زخم في شرايين حياة المهرجانات المذكورة على الرغم من مناوأته للمعهود السابق عندما كان مال قيصر لقيصر وكان مفهوم المهرجان يختلف، لحد التناقض، مع مفهوم موسم الجوائز بأسره.
وبدأنا نرى سعي بعض المهرجانات العربية للحذو ذاته، فأخذت الإصدارات الصحافية والإخبارية تورد ما تود من الإعلام العربي ذكره وهو أن عدّة أفلام من تلك المعروضة في جوانبها المختلفة هي أفلام مرشّحة للأوسكار أيضًا.
لا لوم هنا على المهرجان العربي إذا ما أراد تقوية هذه الروابط فلم يكن هناك لوم على المهرجانات الأميركية، وهي الأجدر بهذا المنحى، إذا ما رغب كل منها أن يبدو للإعلام وللسينمائيين أنه نقطة الانطلاق الحقيقية صوب الأوسكار؟
وفي غضون الشهر المقبل (الخامس والعشرين من أكتوبر) وحتى الثاني من الشهر اللاحق نوفمبر (تشرين الثاني)، سينطلق مهرجان جديد في لوس أنجليس اسمه «آجيان وورلد فيلم فستفال» بإدارة اللبناني جورج شمشوم ليحتفي بالأوسكار والغولدن غلوبس بطريقة مباشرة ومختلفة.
في كل عام، سيسعى المهرجان، كما أعلن مديره شمشوم لهذا الناقد، لجمع كل ما ترشحه الدول الآسيوية من أفلام لهاتين الجائزتين وتقوم بعرضها خلال الفترة: «سنذكّر أعضاء الأكاديمية وأعضاء جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب (مانحة الغولدن غلوبس)، بالعدد الكبير من الأفلام الآسيوية واختلافاتها وسنمنح هذه الأفلام تلك الفرصة الرائعة للإطلال على الجمهور الأميركي الواسع الذي لا تتسنّى له مشاهدتها في غير هذا الاحتفال».
الفكرة رائعة ومختلفة عن أفكار المهرجانات الأخرى وتعد بأن تكبر وتصبح إحدى المحطات الأساسية السابقة لحفل الأوسكار ذاته، وهي متخصصة أساسًا بالقارة الآسيوية مما يجعلها مميزة.
في هذا الوقت، فإن الجانب الآخر المثير للتساؤل، وللبحث في مناسبة لاحقة، هو إذا ما كان كل هذا النشاط المحيط بالأوسكار مفيدًا للأوسكار بحد ذاته أم لا. هذا من باب سؤال بسيط: إذا ما كان مفيدًا، لِمَ لا تُترجم هذه الإفادة في مؤشرات الإقبال على متابعة جوائز الأوسكار حين تلفزتها وهي التي تنحدر قليلاً أكثر كل سنة؟



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».