«حدث ما لم يكن متوقعا» تخبرنا لور دوتفيل، مديرة «بيروت آرت فير»، الذي أغلق أبوابه، الأسبوع الماضي، على ازدحام وحيوية. وتضيف دوتفيل وهي لا تخفي سعادتها: «مقابل 11 ألف زائر جاءوا إلى المعرض العالم الماضي، حضر 18 ألف زائر هذه السنة، وبينما سجلنا مبيعا بنحو مليوني دولار العام الماضي، وصلت المبيعات إلى ثلاثة ملايين و500 ألف دولار هذه المرة. وهو رقم هائل في بلد صغير مثل لبنان، وفي الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة».
وتعزو السيدة الفرنسية التي لها فضل في تأسيس هذا الحدث الإقبال الشعبي الكبير على حدث فني يُفترض أنه للنخبة، إلى «حاجة الجمهور لمتنفس، بينما الحرب والخراب يحيطان بلبنان من كل جانب»، معتبرة أن المعرض كان بمثابة «فقاعة أكسجين، سبح في فضائها اللبنانيون طوال أسبوع، وهو ما يفسر بقاء الزوار لفترات طويلة وهم يتأملون المعروضات، وعودتهم أكثر من مرة».
47 «غاليري» من 14 دولة شاركوا معنا، باعوا وسعدوا بوجودهم في بيروت، إلا أن غاليريين قررا العرض فقط.
لم يكن الزائر بحاجة إلى أرقام ليرى مدى الإقبال الذي شهده المعرض، وكان من السهل مشاهدة نواب ووزراء وسفراء يتجولون، إضافة إلى فنانين ومصممين وأناس عاديين، ليسوا بالضرورة من رواد الغاليريات، بصحبة كل أفراد العائلة. السر، ربما، وراء نجاح «بيروت آرت فير»، هو إدراك المنظمين أن الجمهور يحب التسلية والمرح. فجاء الافتتاح موسيقيا يشبه العيد، وبدلا من 4500 شخص احتفوا باليوم الأول العام الماضي، حضر 7500 شخص هذه السنة. وهو ما حدا بمجلة «ماري ماتش» الفرنسية أن تعتبر هذا الافتتاح أكثر متعة وحيوية من افتتاح «معرض باريس للفن المعاصر».
هذه الظاهرة جعلت الفنان والمصور الأميركي فيفيان فان بليرك، المشارك في المعرض يعتبر ما يشاهده «أمرا فريدا، يستحق التأمل». بليرك المقيم في باريس يرى أن «فتح المعرض بالمجان، واستقبال الجمهور العريض على النحو الحاصل في لبنان، هو تجربة تستحق المتابعة، وربما من الصعب تطبيقها في أماكن أخرى»، خاصة أن «الاحتفاء بالفن من قبل عامة الناس يتم في أجواء تشبه العيد».
صاحبة غاليري اليز بريدي في رأيها أن «النتائج كانت ممتازة، وعلينا أن لا نستعجل رؤية ما سيحدثه المعرض من تأثير. التفاعل مع الأعمال الفنية يخلق جوا جديدا في لبنان. من ناحية، يوجد فنانون شباب ينتجون أعمالا على مستوى بديع، ومن ناحية أخرى هناك رغبة تتزايد في الشراء، لأن الذوق العام يتحول نحو العصري في فرش المنازل، مما يستتبع الحاجة إلى أعمال فنية معاصرة».
اليز تعرض منحوتات للفنان برونو كاتالانو، التي تظهر أشخاصا ينتصبون على الأرض، وقد غابت بعض أجزائهم، مما يستوقف المارة ويثير دهشتهم.
كلمة «إثارة» هي الأنسب لوصف ما أعجب الزوار. العمل الآتي من سنغافورة لديفيد شان، والمكون من كائنين غريبين احتلا مساحة واسعة، لقي ترحيبا كبيرا. حصان يلبس سترة رجالية وربطة عنق، وله رأس أسد، وإلى جانبه جلس كائن آخر، لا نعرف إن كان ذكرا أم أنثى، بتنورة نسائية قصيرة، وسترة رجالية لها جناحان، لكن الرأس حيواني بامتياز. هذا التركيب الهجين، شجع المتحلقين على التقاط الصور، تماما كما لوحة «الصرخة» الشهيرة، وكذلك «الموناليزا»، اللتان ترك مكان الرأس فيهما فارغا، ليطل منهما أي زائر بوجهه، وينتحل هاتين الشخصيتين الشهيرتين لمرة في العمر.
ومن طريف المعروضات، تجهيز مصنوع من الأحذية البالية التي وضعت بشكل فني في صندوقين زجاجين كبيرين، وإلى جانبهما صندوق ثالث فيه أغصان جافة، وتحت الصناديق زرع صعتر أخضر، وبمقدور المتفرج استكمال اللوحة بالاستماع إلى صوت النعال وغثاء الرعي وهدير الطبيعة.
هناك أيضا مخلوقات الفنان الكوري يم تي كيو ذات الوجوه الطريفة، التي تحلق في طائرات صغيرة، كذلك هناك تجهيز الفنان السوري ثائر معروف، المكون من لوحة كبيرة يطل منها أطفال بوجوه مرتعبة، ويقف أمامها رجل يحتويها بكلتا يديه، وقد أدار لنا ظهره، وهو يلبس بنطالا وقميصا وكوفية يغطي بها وجهه، وكلها باللون البيض.
الأجمل من المعروضات هو التفاعل معها، ومحاولة المنظمين أن يقرنوا الأعمال الفنية ذات المستوى بالتسلية الممتعة التي تحفز على العودة. الفنان اللبناني جان مارك نحاس، انشغل منذ بداية المعرض برسم جدارية بالأبيض والأسود، الحياة بوجوهها المختلفة، الحزينة، السعيدة، الصارخة، المفجوعة، المتأهبة... هذه الجدارية حازت إعجاب نورا جنبلاط زوجة النائب وليد جنبلاط، وقدمها لها الفنان ليقام حولها مزاد يعود ريعه إلى الأطفال السوريين اللاجئين إلى لبنان. الفنان يخبرنا أن نقل الجدارية ليس بالأمر السهل، لكنه يترك المهمة لغيره، وهو يكتفي بالرسم وإمتاع الجمهور.
المعرض الفوتوغرافي الذي خصص لستة مصورين، من جيل الحرب الأهلية اللبنانية وجد صداه أيضا. المصور المعروف روجيه مكرزل يقول إنه كان مصورا لوكالة «رويترز» في تلك الفترة، واحترق أرشيفه في «الحرب اللعينة»، لكنه يعرض بعض ما تبقى، وبينها صورة زفاف زميلته المشاركة في المعرض ألين مانوكيان، وهي تخرج مع عريسها من منزلها الذي تحول مدخله إلى «متراس».
مدير «مجمع أبوظبي للفنون»، أحمد اليافي، لم يبالِ بالأخبار الأمنية، ويقول وهو يقف بين الأعمال التي جاء ليعرضها: «ما يُسمع في الأخبار شيء، والحياة هنا شيء آخر. ليس هناك ما يدعو للقلق»، مستمتعا بالشرح أمام جمجمة للفنانة الإماراتية ميسون آل صالح.
وبحسب لور دوتفيل فإن 30 في المائة من الزوار هم من الأجانب، وإن ابتعاد شبح الحرب الأميركية على سوريا في اللحظات الأخيرة، شجّع هؤلاء على المجيء. دوتفيل لا تخفي بأن البعض شعر بالخوف، وتضيف: «قمنا بعمل جبار، أمطرناهم بالرسائل لنقنعهم بأن بمقدورهم الحضور، ولا خوف عليهم». وتضحك وهي تقول: «هذا هو لبنان، العام الماضي كان ثمة مخاوف، العام الذي سبقه أيضا. علينا أن لا نبالي بكل هذا، وعلى المسيرة الفنية أن تستمر».
9:41 دقيقه
«بيروت آرت فير» يضاعف زواره ومبيعاته رغم شبح الحرب
https://aawsat.com/home/article/4625
«بيروت آرت فير» يضاعف زواره ومبيعاته رغم شبح الحرب
18 ألف زائر ثلثهم من خارج لبنان وثلاثة ملايين و500 ألف دولار حصدها العارضون
منحوتة للفنان برونو كاتالانو (تصوير: سدير عبد الهادي)
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
«بيروت آرت فير» يضاعف زواره ومبيعاته رغم شبح الحرب
منحوتة للفنان برونو كاتالانو (تصوير: سدير عبد الهادي)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

