مؤسس تحالف «نداء مصر»: نرفض تعديل الدستور.. وفوز قائمة محسوبة على الحكومة يشكك في البرلمان

«الشرق الأوسط» في كواليس مرحلة التسخين لانتخابات مجلس النواب المصري

طارق زيدان مؤسس تحالف «نداء مصر»
طارق زيدان مؤسس تحالف «نداء مصر»
TT

مؤسس تحالف «نداء مصر»: نرفض تعديل الدستور.. وفوز قائمة محسوبة على الحكومة يشكك في البرلمان

طارق زيدان مؤسس تحالف «نداء مصر»
طارق زيدان مؤسس تحالف «نداء مصر»

رغم أن الانتخابات البرلمانية المصرية التي سوف تنطلق رحاها الشهر المقبل لا تزال في مرحلة التسخين؛ فإن حالة من الجدل والصخب بدأت تدور في كواليسها، خصوصًا ما يتعلق بشكل البرلمان المقبل والقوة المؤثرة فيه، وطبيعة علاقته المحتملة مع مؤسسة الرئاسة والحكومة، خصوصًا في ضوء إعادة الهيكلة التشريعية لدوريهما التي نص عليها الدستور الجديد.
«الشرق الأوسط» تابعت بعض ما يدور في كواليس هذه الحالة، وتشهد دائرة صعيد مصر نزاعًا قانونيًا بين «قائمة مصر» (وتضم تحالف الجبهة المصرية وتيار الاستقلال) واللجنة العليا للانتخابات، بعد أن طعنت الأخيرة على حكم قضائي بأحقية القائمة في المنافسة الانتخابية بهذه الدائرة.
وقال الدكتور طارق زيدان، مؤسس تحالف «نداء مصر» الذي من المقرر أن يخوض انتخابات البرلمان المقبلة في مصر، إن «فوز أي قائمة محسوبة على الحكومة سوف يشكك في شرعية مجلس النواب المقبل»، مضيفًا أن «تصرفات وتأكيدات مسؤولين في الدولة المصرية تؤكد أن الحكومة تقدم دعمها بشكل كبير لقائمة (في حب مصر) دون بقية القوائم والتحالفات لتفوز بأغلبية مقاعد البرلمان»، معربًا عن اندهاشه من عدم تقدير تبعيات ذلك من المسؤولين المصريين، كاشفًا عن أن «دعم الحكومة لتحالف معين، سوف يجعله البرلمان الجديد نسخة من برلمان 2010، الذي كان يستحوذ عليه رجال الأعمال في نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك».
وأضاف زيدان، أنه «إذا كفت الدولة المصرية يدها ولم تتدخل في انتخابات مجلس النواب سوف تخرج انتخابات نزيهة بكل المقاييس»، لكنه استطرد قائلاً إن «إحساس الناخب المصري بأن الدولة تقف وراء تحالف معين لحصد أغلبية البرلمان، يشعره وكأن عليه وصاية في اختياراته لمن يمثله في البرلمان».
ويضم تحالف «نداء مصر» الذي من المقرر أن ينافس القوائم الأخرى، أحزاب: «الثورة المصرية، والمستقلين الجدد، والعربي للعدل والمساواة، والنصر الديمقراطي، وحماة الوطن». وتخوض انتخابات البرلمان حتى الآن 9 قوائم انتخابية تنافس في أربعة قطاعات رئيسية، هي: «في حب مصر، وحزب النور، وقائمة مصر، والتحالف الجمهوري للقوى الاجتماعية، فضلاً عن نداء مصر». وتقول مصادر قضائية إنه «من المتوقع أن يزيد عدد القوائم المرشحة للمشاركة في الانتخابات مع انتهاء فترة نظر جميع الطعون التي تقدمت بها بعض القوائم إلى اللجنة المشرفة على الانتخابات، ولم يبت فيها حتى الآن».
وتجري انتخابات مجلس النواب على مرحلتين في شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، وهي آخر استحقاقات خارطة المستقبل، التي تم التوافق عليها عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، قبل عامين.
وأكد زيدان، وهو رئيس حزب الثورة المصرية، أن قائمة «في حب مصر» فرصتها كبيرة للفوز بأغلبية البرلمان في ظل امتلاكها لمرشحين يمتلكون رؤوس الأموال وآخرين ينتمون لعائلات كبيرة، كاشفًا عن أن هدف «في حب مصر» الأساسي عقب الفوز في البرلمان، هو تعديل الدستور المصري.
وعن وجود اتجاه لقائمة «نداء مصر» لتعديل الدستور حال فوزها في مجلس النواب، نفى زيدان ذلك الاتجاه، مؤكدًا أنه ليس من أولويتنا تعديل الدستور.. لأن تعديله إهدار لرأي الشعب، وإهدار للأموال التي أنفقت على الاستفتاء الشعبي على الدستور الذي جري في يناير (كانون الثاني) عام 2014.. وتعديل الدستور يفتح الباب لتعديلات أخرى سندفع ثمنها، فالدستور جاء بإرادة شعبية ويجب أن يكون تعديل أي مواد فيه عن طريق الشعب المصري»، مضيفًا أن «الأصوات التي كانت تنادي بضرورة التصويت للدستور هي من تنادي الآن بتعديله، لشعورهم فقط أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يرغب في ذلك خلال حديثه الأخير»، معلقًا على عبارة الرئيس السيسي الذي أكد فيها «أن الدستور المصري كتب بحسن نية»، قائلاً: «وهل لا بد أن يكتب الدستور بسوء نية؟ فكتابة الدستور بحسن النيات ليس عيبًا»، لافتًا إلى أن تحالف «نداء مصر» يلتزم باحترام الدستور والسعي لتنفيذ نصوصه وإعلاء القيم الدستورية الواردة فيه، وفي مقدمتها قيم المواطنة وسيادة القانون واحترام الحريات العامة والخاصة ومبادئ إقامة ديمقراطية صحيحة ودولة مدنية حديثة.
وحول النسبة المتوقعة لمشاركة الشباب في الانتخابات المقبلة، قال زيدان لـ«الشرق الأوسط»: «لمسنا حتى الآن أن هناك إحجامًا كبيرًا من الشباب عن المشاركة في الانتخابات، ولو استمر تدخل الحكومة في اختيارات البرلمان المقبل، سوف يقاطع الشباب عملية الاقتراع نهائيًا، وستكون نسبة المشاركة بالنسبة للشباب هي الأقل في تاريخ الانتخابات البرلمانية»، مضيفًا أن «حصر المنافسة في الانتخابات بين عدد محدد من التحالفات والقوائم يقلل نسبة المشاركة في التصويت، لأن الناخب يشعر وقتها أن صوته ليس له أي قيمة، لكن زيادة القوائم يزيد من نسبة المشاركة ومن مبدأ تكافؤ الفرص، ويكون الفيصل في النجاح للناخب والصندوق الانتخابي».
وحول وجود شك لديه في نزاهة العملية الانتخابية المقبلة، أكد زيدان، أن «الدولة المصرية سوف تدفع ثمنًا كبيرًا جدًا لصورتها خارجيًا لو ساهمت في إنجاح قائمة بعينها، ونحن في غنى عن ذلك، لأن الدولة وقتها ستكون أخذت موقفًا ضد القوى السياسية، وسوف يؤدي إلى كسر الذين خرجوا في 30 يونيو (حزيران) للمطالبة برحيل نظام حكم مرسي وجماعة الإخوان المسلمين».
وعن فرصة النور، الحزب الديني الوحيد الذي يخوض الانتخابات في مواجهة القوى المدنية، قال زيدان: «النور سوف يدخل مرحلة الإعادة على القائمتين اللتين يخوض فيهما الانتخابات في القاهرة وغرب الدلتا، وحال الإعادة إذا شعرت القوائم المدنية أن (الدولة تدعم قائمة بعينها) سوف تقف على الحياد وقتها ولن تشارك في الانتخابات، والإعادة ستكون في مصلحة النور». مضيفًا أن «(نداء مصر) لديها 50 مرشحًا في الفردي والمستقل، وأن التحالف التزم بمنح دور أكبر لعناصر الشباب والمرأة في ترشيحات الانتخابات البرلمانية».
وعما يردده البعض عن وجود خلافات داخل «نداء مصر»، قال زيدان إن «الشائعات التي تطلق من وقت لآخر مجرد محاولات لعرقلة مسيرة التحالف، لأنه منافس قوي وكل المنتمين له يعملون لصالح مصر».
في سياق هذه الحالة من التسخين في الانتخابات، أعربت «قائمة مصر» عن دهشتها بعد طعن اللجنة العليا للانتخابات على حكم الإدارية بأحقيتها في المنافسة في الانتخابات في دائرة صعيد مصر، وقالت «قائمة مصر» (التي تضم تحالف الجبهة المصرية وتيار الاستقلال) في بيان لها أمس، «واثقين في نزاهة القضاء المصري. لكن، هل سيتوقف الأمر عند هذه المرحلة؟ أم أن اللجنة العليا غيرت توجهها المحايد بين كل التحالفات والمرشحين بسبب الضغوط التي تمارسها قائمة (في حب مصر)؟»، معلنة أنها سوف تلجأ للرئيس السيسي، للرد على طعن اللجنة العليا.
ودعت القائمة كل القوائم المنافسة لاجتماع عاجل للتنسق جميعًا في موقف سياسي موحد أن تنسحب كل الائتلافات أمام هذه القائمة أو تدخل منافسة شريفة ونزيهة بضمان الرئيس والحكومة واللجنة العليا.
بينما طالبت مصادر في حزب النور، الممثل الوحيد لتيار الإسلام السياسي في الانتخابات، «بنزاهة وشفافية الانتخابات، وأن تقف الحكومة على مسافة واحدة من جميع القوائم»، ودعت المصادر القوى السياسية للعمل على تحقيق الاستقرار السياسي من أجل منافسة حرة وشريفة.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.