قالوا في رحيل صاحب الضحكة والفكرة علي سالم

قالوا في رحيل صاحب الضحكة والفكرة علي سالم
TT

قالوا في رحيل صاحب الضحكة والفكرة علي سالم

قالوا في رحيل صاحب الضحكة والفكرة علي سالم

عبّر عدد من الكتاب والمثقفين عن مدى حزنهم العميق لوفاة علي سالم، الذي رحل أول من أمس.
وأبدى هؤلاء الكتاب أسفهم لرحيل هذا الكاتب، الذي أسهم بعطائه في الحياة الأدبية والفكرية العربية، وبنى جيلاً من المسرحيين والفنانين في سائر العالم العربي.
وقال الدكتور مأمون فندي فيه، إن علي سالم، وعلى الرغم من أنه «أبهج ملايين العرب بـ(مدرسة المشاغبين)، فإنه كان كاتبًا وقارئًا أعمق بكثير مما تصوره من لا يعرفونه»، فيما بيّن مشاري الذايدي الذي يتقاسم معه الكتابة في الصفحة «أولى 2» أنه من «الصعب أن يتكرر نموذجه، جمع إلى عمق الثقافة، وتنوعها من الميراث المصري الشعبي إلى التراث الإغريقي والثقافة الغربية الحديثة»، بينما قال عنه إميل أمين إنه «عاش حياة فكرية مثيرة للجدل، مليئة بالحراك الفكري».
وقرّظه راجح الخوري قائلاً: «علي سالم ارتحل، لكنه لن يغيب قط من الفضاء الفكري والمسرحي».
أما عادل درويش، فقال عنه: «كان كاتبًا صحافيًا ممتازًا لديه القدرة على كتابة لغة هجائية لا مثيل لها».
ورثاه فهد الشقيران قائلا: «رحل وجه مصري كبير، علي سالم هو الضحكة والفكرة هو الأدب والصحافة والمسرح».

* إلى لقاء أيها الدمياطي الطيب

* مأمون فندي

* عرفت الأستاذ علي سالم، رحمه الله، شخصًا وكاتبًا، وعلى الرغم من أنه أبهج ملايين العرب بـ«مدرسة المشاغبين»، فإنه كان كاتبًا وقارئًا أعمق بكثير مما تصوره من لا يعرفونه، عرفته مصر في عهد سيطرة الغوغاء على عالم الكتابة على أنه كاتب التطبيع، على الرغم من أنه ككل المبدعين كان يؤمن بالسلام كقيمة إنسانية بشكل رومانسي متوقع من المبدعين ومن الأرواح العالية. علي سالم لم يعبأ بتلك الصورة التي رسمتها له الجماعات المتطرفة، ولم تهز إيمانه بالدولة المصرية بحدودها التي نعرفها، كان يحب العرب، ولكنه يعرف قيمة عالم الدول، كانت العروبة بالنسبة له وعاء حضاريًا يشمل الجميع على اختلافاتهم، ولكنه كان يرى السعودي سعوديًا، والليبي ليبيًا، والمغربي مغربيًا، لم تختلط عليه الأمور، كان كاتبًا حديثًا والدولة من عالم الحداثة.
كان علي سالم روح طفل على المستوى الشخصي، وكان يحب أن نراه دمياطيًا؛ أي من مدينة دمياط، التي كانت تشتهر في الوعي الجمعي المصري بالتقتير، ومع ذلك كان علي سالم كريم الروح، وطيب المعشر، ويحسن تقدير الناس. كان يكن للمملكة العربية السعودية كل الحب.
لقي الراحل عناية في مستشفيات المملكة برعاية أمير نبيل يحب ألا يذكر اسمه في تلك الأمور، وكان يتحدث بحب شديد وهو في القاهرة بعد العودة من رحلة العلاج، وكيف أن الدواء كان يصله بالطائرة من الرياض. لم يكن علي سالم يبخل بذكر حق من أكرموه، لم يكن مدعيًا ولا منافقًا، كان واضحًا وضوح الشمس، وظني أن هذه الأرواح تلقى ربها في أوقات مباركة عجيبة، فكما مات عمر الشريف الذي ظنه البعض مشاغبًا، في أواخر رمضان، ها هو ذا علي سالم يموت في شهر الحج، فمن نحن كي نحكم على عباد الله؟ رحم الله علي سالم المبدع والمسالم، وذلك المصري الطيب الذي أبهج ملايين المصريين بمسرحه الراقي، الذي كان متسامحًا ومتصالحًا مع الجميع، حتى من أساءوا الظن بوطنيته، ليت كل المصريين لديهم من وطنية علي سالم.
إلى لقاء أيها الدمياطي الطيب، فـ«كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».

* ارقد في سلام

عادل درويش

بقلب حزين أقول لصديق جيد منذ أكثر من 40 عامًا: ارقد في سلام، فكان كاتبًا مسرحيًا عبقريًا ومفكرًا في التقدم والسلام.. إنه صديقي العزيز منذ فترة طويلة الكاتب المسرحي علي سالم (1936 - 2015).
نالت الكوميديا الساخرة التي كتبها من الساسة، والنظم السياسية التي لم تقدم شيئًا جيدًا سوى شعارات جذابة. أنتجت مسرحياته في البداية في لندن في موسم 1975 - 1976 (في مسرح أكاديمية لندن للموسيقى والفنون المسرحية، ومسرح أكاديمية لندن للدراما والموسيقى، ومسرح كينجز هيد، وغيرها)، جنبًا إلى جنب مع مهرجان إدنبرة عام 1977 و1979 و1980.
كان يتناول الموضوعات ويستمدها أحيانًا من الأساطير اليونانية، مثلما ورد في مسرحية «كوميديا أوديب»، عندما استخدم التراجيديا اليونانية في محيط مصر القديمة التي تتضمن أبو الهول ولغز الأهرامات لنقد عهد الراحل جمال عبد الناصر.
أنتجت «وصمة عار» في مسرح أكاديمية لندن للدراما والموسيقى في عام 1979 كمسرحية مكونة من فصلين (الفصل الأول «الكافتيريا»، عبارة عن كابوس درامي لكاتب مسرحي يقول الحقيقة، والفصل الثاني «الكاتب والمتسول»، عبارة عن كوميديا سوداء تسخر من وسائل الإعلام التي تبيع روحها للديكتاتور).
كان كاتبًا صحافيًا ممتازًا لديه القدرة على كتابة لغة هجائية لا مثيل لها باللغة العربية الفصحى واللهجة العامية المصرية (وكتب كل مسرحياته باللهجة المصرية التي تختلف نوعًا ما عن اللغة العربية الكلاسيكية الموجودة في الكتب والصحف).
حصل سالم على عدة جوائز لمساهمته في المسرح الحديث، ولهجائه، ولمساهمته في نشر التفاهم بين الناس.
ارقد في سلام يا أميرًا بارعًا على كلماتك المضحكة.

علي سالم ترى مصر مجسَّدة به

فهد الشقيران

في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) المقبل، يكمل علي سالم عامه الثمانين، لكنه رحل قبل ذلك، وقد أسهم بشكلٍ غير مسبوق في تربية المسرح وتنمية طاقاته ومواهبه، وأراد للضحكة أن تكون جزءًا من الفكرة، وكتبه الساخرة مليئة بالدلالات الفكرية والسياسية، حتى وهو يكتب عن أحداث تجري للناس عمومًا كما في كتابه «اعترافات زوج».
التقيناه مع أصدقاء سعوديين في دبي في الثامن من يناير عام 2011، كان مهمومًا بأمر مصر، ووعيه بالمتطرفين وجماعة الإخوان كان ناصعًا لا يتزحزح، لم ينزلق بخطابات أولوية الشعارات الثورية والحريات الواهمة على حساب قيمة الإنسان والحفاظ على دنيويته الأصلية، كان يشكو من تعب في القلب، غير أنه سرعان ما حوّل كل تعبه إلى فكاهة في تلك الجلسة، سخّر اطلاعه الفلسفي والأدبي واستيعابه لأساطير الأمم وحكاياتها وطرائفها في مسرحياته، ولزاويته شبه اليومية في هذه الجريدة، وعلى قدر معرفته بدور «مدرسة المشاغبين» في شهرته، غير أنه ملّ من الحديث عنها، وما أن يسأله أحد عنها حتى يغيّر الموضوع بنكتة أو عبارة ساخرة، لأن فصلاً منها حذف، ويعتبر المسرحية بشكلها الذي عرضت فيه ليست مفهومة، غير أنها اشتهرت ولاقت قبولاًً كبيرًا.
في السبعينات، ساهم في تدريب شباب سعوديين على المسرح، ويذكر أن من بين من كان يدربهم: أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري وداود الشريان. كان يستشهد بعلماء النفس كثيرًا، وإذا ذكر مصر ومشكلاتها، سرعان ما يعود إلى فيلسوفه المفضّل مكيافيللي، ويكاد يحفظ وبدقة متناهية وبشرح ساخر فصيح كتاب «الأمير»، فلا يملّ من ترداد اسم مكيافيللي، ولا يشعر بالإرهاق وهو يكثر من الرجوع إليه لحلّ معضلة أو فحص كارثة. رحل وجه مصري كبير، علي سالم هو الضحكة والفكرة هو الأدب والصحافة والمسرح.. هو صفات مصر وقد تجسّدت بشخص.

مثله يفتقد حقًا

مشاري الذايدي

عرفت الأستاذ بل الصديق علي سالم منذ عقد من السنين، ومنذ عرفته وهو حلو المعشر، حاضر البديهة، فريد التعليق، وبعد هذا كله دومًا حين تتأمل في الزاوية التي التقط منها الحديث، تجده متفردًا في رؤيته.
علي سالم، أو أبو علوة، كما كان يداعب نفسه، صعب أن يتكرر نموذجه، جمع إلى عمق الثقافة، وتنوعها من الميراث المصري الشعبي إلى التراث الإغريقي والثقافة الغربية الحديثة، والولع الخاص بأستاذ علم النفس فرويد، وصاحب «الأمير» مكيافيلي، قوة الجنان، وثبات الرأي، وعدم المبالاة بضجيج الصاخبين.
الحق أن الشجاعة التي تميز بها علي سالم في كل محطات حياته هي العنوان الأبرز في شخصيته، وليس العنوان الوحيد.
الرجل كان شديد الثبات على رأيه الذي تمخض له عن فحص وتمحيص وتأمل، ولا تعنيه حملات التشويه والهجاء، وهو قد جربها كثيرًا في وسط الثقافة والصحافة في مصر، وكان ذلك يسبب له ألمًا خاصًا، حتى وإن سخر منه، لأن «ظلم ذوي القربى أشد مضاضة».
مع ذلك لم يكن علي سالم منغلقًا أو متعنتًا في رأيه، بل يفرح بالمعلومة الجديدة، ويهش لها، ويرددها بين أصدقائه، وهو شخصية منفتحة على المجتمعات الأخرى كثيرًا ويحب التجريب كثيرًا، ولم تكن شيخوخته تؤثر عليه إلا في عوارض الأجساد، لا جواهر الأرواح.
أحب الحياة كثيرًا، وكانت فكرة محبة الحياة هي سلاحه الأمضى في مكافحة ثقافة الموت والتطرف.. كان أكثر إيمانًا بهذه الفكرة وهو يعلم أن أيامه معدودة مع ساعة المرض الرملية.
علي سالم.. مثله يفتقد حقًا وصدقًا.

رحيل المشاغب العقلاني

إميل أمين

نجيء الحياة على موعد وتبقى المنايا لنا موعدا

يرحل الأستاذ علي سالم بعد أن عاش حياة فكرية مثيرة للجدل، مليئة بالحراك الفكري، حتى وإن اتفق معه فصيل وافترق عنه فصيل آخر.
كنا بعد صغارًا ولم نكن نعرف من هو مؤلف «مدرسة المشاغبين»، التي اعتبرها أصحاب الرؤى الفكرية السطحية، أحد مداخل انهيار العملية التعليمية في مصر، انطلاقًا من القول إنها روجت للاستهتار وللانفلات في داخل قاعة الدرس، ولم يكلف هذا الفصيل من النقاد أنفسهم الغوص إلى ما هو أعمق، والنظر إلى ما وراء الكوميديا البادية في فصول المسرحية الأولى، من مدرسة تربوية حقيقية تسعى إلى خلق نوع من أنواع الألفة بين المعلم والطالب، ألفة تعود بالمدرس إلى وصفة «المعلم» بكل ما تعنيها من ملامح الأبوة الصادقة، والصداقة المستنيرة؛ مما جعل الطلاب الفاشلين ناجحين فيما بعد.. ولاحقًا عرفنا من كان وراء هذا الطرح التربوي المثير المشاغب للعقل.
حياة علي سالم تكشف عن عمق مأساة التقسيم المانوي القائم في عالمنا العربي حتى الساعة.. من لا يسير على نهجنا الفكري هو بالضرورة عدو لنا، مآله الإبعاد والإقصاء، وكأن ثقافة الاختلاف غير واردة في منهاج تفكيرنا أو واردة في مخيالنا العقلاني.. رحمه الله.

الذي لا يرحل

راجح الخوري

ظل علي سالم الذي ارتحل ولن يغيب قط من الفضاء الفكري والمسرحي، يفاخر طيلة حياته الحافلة بالعصامية والمعاناة بأنه «عصامي» أو الرجل الذي صنع نفسه بنفسه، ومن الصفر، وجعل له تاجًا من المتابعين والمعجبين، الذين أغنوه روحيًا إلى درجة أنه قال لقناة «on tv» إنه يشعر عادة بأنه لا يحتاج إلى تكريم، لأنه حصل عليه من القراء ومشاهدي مسرحياته الكثيرة «وإن كان لا بد من تكريم فلا مانع من دفتر شيكات».. هكذا بقفلة مازحة.
لا أغالي إذا قلت إن مسرحيته الجارفة «مدرسة المشاغبين» سبقت وتفوقت على أغنية «أناذر بريك إن ذا وول» التي غنتها فرقة «بينك فلويد» وتحولت فيلمًا جارفًا أيضًا، لكن هذا المبدع الذي ألف 40 مسرحية و15 كتابًا ورواية، كان منذ بدايته الطفولية تلميذًا متمرسًا في أتون الحياة الصعبة التي ستصقله، وتجعل منه تبرًا في صيغة فريدة من الفكر والحبر والضوء.
وإذا كان كبير إخوته الثمانية لوالد عسكري، ولن يتمكن من أن يكمل دراسته، فإنه ذهب إلى التفوق، أولم يقل إنه في خلال عمله يوم كان طفلاً ككمسري تعلم مسؤولية أن يكون المرء سائقًا، وما الفرق بين من يقود السيارة ومن يقود الدولة؟
غير أنه ملك دائمًا تعريفًا فذًا للكوميديا كفلسفة عندما كان يقول إن الفكاهة دليل يقود لسبر غور الجدية في المجتمع، وإن غياب الفكاهة من المجتمع دليل صارخ على افتقاره إلى الجدية، وهكذا يرتحل زميلنا المشرق في «الشرق الأوسط»، ولكن ضوءه يبقى مصباحًا من الحبور الذي يذرف كثيرًا من الدمع.



رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».