«الحزب الإسلامي التركستاني».. فصيل جديد يقود عمليات رئيسية في شمال سوريا

جاء إلى سوريا بعد أن فقد الملاذ في باكستان.. وبرز بعد تراجع دور «الشيشانيين»

«الحزب الإسلامي التركستاني».. فصيل جديد يقود عمليات رئيسية في شمال سوريا
TT

«الحزب الإسلامي التركستاني».. فصيل جديد يقود عمليات رئيسية في شمال سوريا

«الحزب الإسلامي التركستاني».. فصيل جديد يقود عمليات رئيسية في شمال سوريا

كشفت مقاطع مصورة تظهر مقاتلين تركستانيين في معارك مطار أبو الضهور العسكري في ريف إدلب الأسبوع الماضي، عن تنامي دور هؤلاء المقاتلين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم أعضاء في «الحزب الإسلامي التركستاني في بلاد الشام» في الصراع في سوريا، وتكتلهم ضمن إطار تنظيمي عرقي جديد، أخرجهم من حالة الانصهار ضمن مجموعات حليفة أخرى، مثل جبهة النصرة، رغم التحالف مع التنظيم والقتال في معارك مشتركة.
وبرز نشاط المقاتلين التركستانيين، الذين يتحدرون من تركستان الشرقية (إقليم شينغيانغ، غرب الصين)، في قيادة الهجمات في مطار أبو الضهور العسكري، بعد ظهورهم في مقدم الهجوم على مدينة جسر الشغور بريف إدلب، في الربيع الماضي. وظهر هؤلاء، إثر تراجع ملحوظ لنشاط المقاتلين الشيشانيين و«المهاجرين» من القوقاز، بعد أن كان هؤلاء يتصدرون الهجمات في ريف اللاذقية في مارس (آذار) 2014، وسط معلومات عن انضمام كثيرين منهم لتنظيم داعش، وانتقالهم في مناطق سيطرته.
تنظيم الحزب الإسلامي التركستاني في بلاد الشام، أعلن عن نفسه رسميًا الأسبوع الماضي، خلال ثلاثة مقاطع فيديو بثها على موقع «يوتيوب»، تثبت توليه قيادة العمليات في مطار أبو الضهور. وتتفاوت التقديرات حول حجم وجودهم في سوريا، وانخراطهم في العمليات. ففي وقت كانت التقديرات الدولية في العام الماضي، تشير إلى وجود 450 مقاتلاً، ظهر نحو 700 منهم في العمليات ضد جسر الشغور، بحسب ما يقول مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»» رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أن عددهم في شمال سوريا «تضاعف وبات بالآلاف، نظرًا إلى إقامتهم مع عائلاتهم في جبل التركمان بريف اللاذقية». ويقول: «وثقنا مقتل 300 منهم في عمليات سهل الغاب وريف إدلب وريف اللاذقية منذ ظهورهم كمجموعات قتالية متوحدة تعمل في شمال سوريا، ومقربة من جبهة النصرة».
ولا يملك الخبراء أرقاما موثقة للمجموعات التركستانية في شمال سوريا. ويقول الخبير في الجماعات المتشددة حسن أبو هنية لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحديث عن 20 ألف تركستاني ينقسمون بين مقاتلين وعائلاتهم، هو رقم مبالغ فيه»، مشيرًا إلى أنه أحيانا يتم الخلط بين مقاتلي الحركة الأوزبكية والتركستانية، موضحًا أن التنظيمين هاجرا من باكستان وكانا يبايعان زعيم طالبان الراحل الملا عمر.
ويشير أبو هنية إلى أن مقاتلي التنظيمين بعد الضغط الباكستاني في يوليو (تموز) الماضي والتململ في صفوف التنظيم إثر مقتل زعيم طالبان حكيم الله مسعود في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وجدوا ألا ملاذ لهم في باكستان، فتوجهوا إلى سوريا.
ومقاتلو الحزب الإسلامي التركستاني، هم في الأساس ينتمون إلى الحركة الشرقية التي أسسها حسن معصوم في نهاية التسعينات، وقتل في مايو (أيار) 2002 بغارة أميركية. بعدها، تولى عبد الحق التركستاني، وهو مقرب من الملا عمر، زعامة المجموعة ولا يزال حتى الآن زعيمها. ويتحدر هؤلاء من إقليم شينغيانغ في الصين، المعروف بـ«تركستان الشرقية». ونشأت هذه الحالة المتطرفة بهدف «تحرير تركستان من الصين»، كما يقول أبو هنية، مشيرًا إلى أنهم بدءوا العمل مع تنظيم القاعدة، وتولت القيادة في التنظيم شخصيات تقيم في أفغانستان وباكستان.
التغيير الذي طرأ على ولاءات المجموعات «المهاجرة» إلى سوريا، منذ ظهور تنظيم داعش، لم يطل مجموعة «الحزب الإسلامي التركستاني». هؤلاء، بحسب أبو هنية، «لم يحسموا خياراتهم بعد بين تنظيم القاعدة وفرعه في سوريا جبهة النصرة، وتنظيم داعش»، مشيرًا إلى أن هذه الحركات تتبع المركز، ولا يزال قائدها عبد الحق التركستاني على ولائه لـ«القاعدة». وقال إن «هذا الواقع أبقاهم في حالة من الاستقلال، وخصوصًا منذ بروزهم كمقاتلين أشداء في ريف إدلب، يتعاونون مع (النصرة) و(أحرار الشام) وأخيرا جيش الفتح»، مشددًا على أن عملهم مع هذه المجموعات ينطلق من كونهم أكثر التصاقا بتنظيم القاعدة.
تغير اسم «الحزب الإسلامي التركستاني» أخيرا من «لنصرة أهل الشام» إلى «الحزب الإسلامي التركستاني في بلاد الشام». ويقول رامي عبد الرحمن إنهم «برزوا كقادة للعمليات في جسر الشغور وسهل الغاب ومطار أبو الضهور، بوصفهم يمتلكون خبرات قتالية، وخبراء في الاقتحامات». وحل هؤلاء محل القوقازيين الذين تقدر أعدادهم بنحو 4000 مقاتل في سوريا، كانوا يتصدرون المعارك بريف اللاذقية منذ ربيع 2014.
وتتفاوت التقديرات حول موقع القوقازيين الآن. ففي حين تقول مصادر سوريا معارضة في الشمال إن بعض هؤلاء الشيشانيين ومقاتلي شمال القوقاز «فككوا تكتلهم الذي حمل عنوان (كتيبة الشيشانيين) وانصهروا في جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الفتح»، يكشف أبو هنية أن معظمهم انضم إلى صفوف تنظيم داعش أخيرا. ويوضح: «بعد مقتل أبو محمد الداغستاني أمير شمال القوقاز الذي كان أكثر ميلاً لتنظيم القاعدة وتأييدا لزعيمه أيمن الظواهري، تحولت القيادة إلى أبو محمد القدري الذي بايع تنظيم (داعش)، وحسم خياراته باتجاه التنظيم». عندها، انشق جيش المجاهدين والأنصار مع عمر الشيشاني عن «القاعدة»، وانضموا إلى «داعش»، لافتًا إلى أن ذلك يفسر نقل نطاق العمليات من الساحل وشمال غربي سوريا حيث ثقل وجود فصائل مؤيدة لـ«القاعدة»، إلى نطاق عمليات «داعش» المنفصل عن تنظيم القاعدة.
يُشار إلى أن تنظيم الحزب الإسلامي التركستاني أدرجته الأمم المتحدة على قائمة المنظمات الإرهابية في العام 2001، كما أعلنته الولايات المتحدة جماعة إرهابية في العام 2009، بينما اعتبرته روسيا تنظيمًا محظورًا منذ عام 2006، كما تعتبرهم الصين إرهابيين انفصاليين.



نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».


اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
TT

اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)

كشفت مصادر طبية يمنية عن تفشي موجة جديدة من الأوبئة في مناطق عدة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في مقدمها «الكوليرا» و«الإسهالات المائية» ومختلف أنواع الحُميات، وسط تحذيرات من كارثة صحية تهدد ملايين السكان، في ظل الانهيار المستمر للقطاع الصحي وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

وأفادت المصادر بظهور تقارير وبلاغات يومية تُسجل مئات الإصابات بالحُميات وحالات الاشتباه في الكوليرا والإسهالات الحادة بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وسط عجز متصاعد عن توفير الرعاية الصحية، واتهامات للحوثيين بمواصلة استهداف القطاع الصحي، وعدم تنفيذ حملات استجابة طارئة تحد من تفشي الأمراض وتوفر بيئة صحية مناسبة للسكان.

ووفق تقارير طبية، فإن معدلات الإصابة بهذه الأمراض تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات المشتبه فيها بمحافظات: صنعاء، وحجة، والحديدة، وإب، وعمران، وذمار.

الحوثيون يواصلون إخفاء أرقام ضحايا الكوليرا بمناطق سيطرتهم (أطباء بلا حدود)

ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وغياب الرقابة الصحية، أسهمت جميعها في اتساع رقعة انتشار الأوبئة، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ولفت هؤلاء إلى أن غالبية المرافق الصحية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتصاعدة من المرضى، خصوصاً الأطفال وكبار السن؛ في ظل انقطاع المرتبات، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع الدعم الإنساني الدولي، فضلاً عن استمرار تخصيص الجماعة عدداً من المستشفيات لخدمة أتباعها.

ويُعدّ اليمن من أعلى دول العالم تضرراً من وباء الكوليرا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تسبب الانقلاب والحرب المستمرة منذ سنوات في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية؛ مما جعل ملايين السكان عرضة للأوبئة والأمراض المُعدية.

3 آلاف إصابة

في تقرير حديث، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة جديدة مشتبه في إصابتها بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن خلال الربع الأول من العام الحالي، في مؤشر على استمرار تفشي الوباء وتداعياته الصحية على السكان.

ورصدت المنظمة نحو 3177 حالة إصابة مشتبه فيها منذ مطلع يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (آذار) الماضيين، إلى جانب 3 حالات وفاة مرتبطة بالوباء خلال الفترة نفسها.

الحوثيون متهمون بتسخير موارد القطاع الصحي للمجهود الحربي (أطباء بلا حدود)

ووفقاً للتقرير، فقد حل اليمن في المرتبة الـ5 عالمياً من حيث عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما جاء ثانياً على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وشهد شهر مارس الماضي وحده تسجيل 969 إصابة جديدة، بينها حالتا وفاة، ليصبح اليمن رابع أعلى دولة عالمياً من حيث عدد الحالات الجديدة المسجلة خلال ذلك الشهر.

مخاوف من موجة وبائية

يخشى مراقبون وعاملون في القطاع الصحي اليمني من تحوّل الوضع موجةً وبائيةً واسعةً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهي ظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.

ودعت منظماتٌ إنسانية المجتمعَ الدولي إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الصحي في اليمن، وتوفير التمويل اللازم لبرامج مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، محذرة بأن استمرار الحرب، والأزمة الإنسانية، يزيدان من تعقيد جهود احتواء الوباء والسيطرة عليه.

ويتزامن ذلك مع مواصلة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تقديم دعمه للقطاع الصحي في اليمن عبر برامج طبية وإغاثية؛ تستهدف تعزيز الخدمات الصحية والحد من انتشار الأوبئة في المناطق الأكبر احتياجاً.

ووفق تقارير محلية، فقد شهدت الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026 تقديم خدمات طبية وإغاثية لأكثر من 10 آلاف و466 مستفيداً، ضمن جهود مشتركة من «مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية» بمحافظة حجة، و«مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا» في عدد من المحافظات اليمنية.


أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended