خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

الدولة تحاربها كلها من دون النظر إلى «لوائها».. وجميعها خرجت من «تلوّنات» عباءة «الإخوان»

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح
TT

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

خريطة جماعات الإرهاب في مصر.. تحالف المصالح

تواصل السلطات الأمنية في مصر ملاحقة الجماعات والتنظيمات المتطرفة التي تستهدف القوات المسلحة وقوات الأمن بجانب شخصيات في الدولة، في مناطق مختلفة من البلاد، ولا سيما في شبه جزيرة سيناء. وكانت العملية الأخيرة في الصحراء الغربية التي سقط فيها عن طريق الخطأ عدد من السياح المكسيكيين، قد كشفت جدية الإجراءات الأمنية التي تتخذها السلطات المصرية في غرب البلاد وإعلانها هناك «مناطق محظورة» لدرء خطر تسلل عناصر «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى من ليبيا ودول الصحراء الكبرى.

بعد أكثر من سنتين على نشاط محموم لجماعات الإرهاب المختلفة على الأراضي المصرية، التي أججتها ثورة شعبية ضد حكم جماعة الإخوان التي رفعت، بحسب مراقبين، راية خادعة تدعي الحكم تحت لواء الدين، تنوعت التنظيمات المسلحة التي تعمل ضد الدولة المصرية واختلفت تسمياتها. وظهرت «حركات» قد يصعب تصنيف انتماءاتها، وانشقت بعض عناصرها عن بعض لتعلن الولاء لجهات أخرى، ما أسفر عن تغير كبير في خريطة جماعات الإرهاب المسلح.
ومن جانبها، سعت الدولة المصرية التي تحارب كل عناصر وجماعات الإرهاب والعنف دون تفرقة أو انتظار للتصنيف، لمحاولة حصار تمدد الجماعات والكيانات المسلحة أمنيا وسياسيا، فقامت بفرض حالة الطوارئ في مربع العمليات العسكرية الذي يقع في الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة سيناء منذ أكثر من تسعة أشهر، بينما صدر قانون «مكافحة الإرهاب» مؤخرا لوضع تعريفات قاطعة لـ«الإرهاب» و«الإرهابي» و«الجماعات الإرهابية» و«الجريمة الإرهابية»، كما نص على العقوبات المستحقة بحق هذه الجرائم ومرتكبيها، في خطوة تهدف إلى تسهيل العمل القانوني والأمني في مواجهة تلك الظاهرة.
«الشرق الأوسط» استطلعت خريطة جماعات الإرهاب في مصر، مع إلقاء الضوء على نشأتها وأصولها وآيديولوجياتها السابقة والحالية، من أجل فهم أعمق للشكل الحالي لهذه الجماعات والتنظيمات، والتي شهدت تاريخيا موجات من النشاط والكمون المتوالي في مصر، تصل دوراتها إلى ذروتها العنيفة كل نحو عشرين عاما، حيث سبق أن ظهر أوج النشاط في الثلاثينات، والخمسينات، والسبعينات، والتسعينات من القرن الماضي، ثم مجددا في العقد الحالي.
ويفسر أحمد بان، الباحث والخبير المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ«الشرق الأوسط» سر هذه الدورات بالقول إن «هناك سياقا سياسيا وآخر حركيا.. الأول معلوم ومرتبط بوقائع التاريخ وظروفه الحتمية، أما السياق الحركي فيرتبط بالمراوحة بين مراحل الكمون والهجوم، وهو آلية المجموعات الإرهابية، التي تظهر وتتسلق عندما يسمح الفضاء ببروزها، وعندما تصبح مطارق الأنظمة أعنف وأقوى تدخل في كمون حتى تستكمل لياقتها للهجوم من جديد».
ومنذ تفشي موجة الإرهاب عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وفض اعتصامات مؤيديه على طرفي العاصمة المصرية، انتشرت جماعات العنف المسلح التي تعمل على الأرض المصرية، وبينها من أعلنت ولاءها لتنظيم داعش على غرار أنصار بيت المقدس، أو من أعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة على غرار كتيبة المرابطين، بينما احتفظت حركات أخرى بولاء «معنوي» لأي من التنظيمين دون تبعية تنظيمية صريحة، وارتبطت أخرى مباشرة بتنظيم الإخوان، فيما بقيت عدة حركات غير منتظمة تعمل تحت السطح دون أن يعرف لها قائد أو لواء.
وفي محاولة لسبر أغوار ذلك التباين، عادت «الشرق الأوسط» إلى الأصول الأولى لنشأة تلك الجماعات. ووفق أحمد بان فإن «أي تقسيم لا بد أن يمر عبر الحديث عن تيارات اليمين الديني في مصر التي تأسس جذرها منذ عام 1913، بما سبق ثورة عام 1919 في مصر التي فتحت فضاء الدولة المدنية في مصر. وأتصوّر أننا منذ بداية القرن الماضي نعيش صراعا بين مفهوم الدولة الدينية ومفهوم الدولة المدنية، حيث بدأ الأمر مع تشكّل أول كيان منظم للجماعات المتشددة في مصر في عام 1913. وجاءت بعده حركة أنصار السنة المحمدية في عام 1926، وهو التاريخ الذي استبق نشأة حركة الإخوان المسلمين في عام 1928، التي أسست لنمط إسلامي حركي لمشروع ينتظر أتباعه بهدف إقامة الدولة، وهي التي أصبحت مظلة لكل التيارات الدينية منذ هذا العام، ما بين إخوانية وسلفية وجهادية، حيث اتسعت مساحتها لتضم كل هذه المجموعات أو هذا الطيف الثلاثي».
وعن تحولات بوصلة جماعة الإخوان، التي أسفرت لاحقًا عن تنوع إفرازاتها من جماعات، يوضح الباحث بان لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة انتقلت في عام 1938 من حيز «الصوفية الهادئ» الذي اختارته لحركتها لمدة عقد كامل، قبل أن ترتدي «القناع الجهادي» اتساقًا مع سياق وجود الحركات المسلحة في مصر بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية، على غرار «القمصان الزرقاء»، وهي جماعات شبه عسكرية شكلها شباب حزب الوفد (القديم) عام 1937 حتى عام 1941، و«القمصان الخضراء»، التي أسسها بدوره حزب «مصر الفتاة» (حزب قديم اختفى من الساحة حاليًا).. وكانت الحرب العالمية الثانية قد أفرزت لجوءًا عالميًا واسعًا للحركات العسكرية المسلحة لحسم الخلافات.
وكما يصف بعض المراقبين جماعات الإسلام السياسي بالتلوّن، فإن وصف «الحرباء» كثيرًا ما استخدم في الأدبيات السياسية الدولية لوصف جماعة الإخوان، لكثرة تغييرها جلدها الاجتماعي والسياسي تماشيا مع مختلف الظروف. وهنا يقول أحمد بان إن جماعة الإخوان كانت دائمًا «تتماهى» مع المحيط الذي تجد نفسها بداخله، ففي مصر الهادئة التي تقبل التصوف، ارتدت الجماعة «القناع الصوفي»، قبل أن ترتدي «القناع الجهادي» عام 1938، وتظل على ذلك حيث أسست النظام الخاص في عام 1940 كأول ميليشيا مسلحة لممارسة العنف ضد الدولة ومؤسساتها، وطرحت نفسها كـ«دولة في مواجهة الدولة، بجيش وسمع وطاعة». وظلت هذه الصيغة مسيطرة حتى مطلع السبعينات مع وفاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، عندما اختارت الجماعة أن ترتدي «القناع السلفي الهادئ» لتطمئن النظام الحاكم آنذاك، وتنشغل بترتيب وتقوية صفوفها وبنائها التنظيمي، بينما عهدت لمجموعات أخرى قريبة منها بالحركة في المربع الجهادي (العنيف والمسلح). وهو ما ظهر جليًا في تحقيقات حادثة «الفنية العسكرية»، وشهادة صالح سرية وكارم الأناضولي وغيرهما، كما كانت مجموعة «التكفير والهجرة» بزعامة شكري مصطفى، الذي كان بدوره إخوانيًا.
ويتابع بان: «بالتالي، خرجت من تحت عباءة الإخوان جماعات العنف المسلح، سواءً (الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) أو (التكفير والهجرة)، أو كل ما خرج من جماعات فيما بعد، قبل أن ترتدي جماعة الإخوان في عام 2004 القناع الليبرالي، حين قدمت مبادرة للإصلاح السياسي في نقابة الصحافيين المصرية في هذا العام، وتبنت مخرجات العمل السياسي المدني وحاولت أن تتماهى مع المحيط الذي يرفع راية التغيير والذي أطلقته حركة كفاية آنذاك، بينما ظلت باقي الأجنحة التي تسرّبت من الجماعة الأم تعمل في فضاء العنف. ثم شهدنا موجة العنف في آخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي التي تصاعدت بمقتل (الرئيس الأسبق) أنور السادات، ثم موجة العنف التي أنتجت الجماعة الإسلامية التي دخلت في صراع مع الدولة المصرية لعقد من الزمان (في التسعينات)، قبل أن تعلن مبادرة وقف العنف وسياسات المراجعات الفكرية. وأيضا ظهرت مجموعات الجهاد الصغيرة في أكثر من شكل، مثل (جماعة الجهاد المصرية) أو تنظيم (الناجون من النار) أو (طلائع الفتح) أو (الشوقيون)، وغيرهم من المجموعات الصغيرة التي كانت تحت نفس العنوان الجهادي».
ويتابع بان شرحه فيقول: «بعد التغيرات السياسية التي شهدتها مصر خلال الأعوام التي تلت ثورة 25 يناير عام 2011، من نشأة أحزاب بمرجعية دينية، وصعود أجنحة اليمين سياسيا، إضافة إلى انفجار العنف عقب عزل جماعة الإخوان، أصبحنا الآن ربما أمام مشهد يعكس أن كل مجموعات الإسلام السياسي تمحورت بين اتجاهين اثنين، اتجاه (الجهاد المسلح) الذي انضمت له جماعة الإخوان منذ أحداث رابعة العدوية.. والاتجاه (السلفي الهادئ) المهادن للنظام السياسي، والذي لا يخرج على النظام بمنطق أن (من قويت شوكته، وجبت طاعته)».
وحول حقيقة ما يمكن أن يكون موجودًا من صراع بين هذه التنظيمات على الأرض، خصوصا في حال تداخل مناطق ونطاقات عملها، يقول بان إنه لا يرى وجود صراع حقيقي «حاليًا» في مصر، مفصلاً: «إنهم الآن يتحدون على هدف واحد وهو إسقاط النظام المصري وإسقاط الدولة، تمامًا كما توحدت الفصائل الأفغانية على إسقاط الاتحاد السوفياتي، وعندما انتصروا بدأت الخلافات في الظهور، وبدأ الصراع والحروب فيما بينها واستمرت الحرب الأهلية لعشر سنوات قبل أن تسيطر حركة طالبان».
ثم يتابع بالقول: «هذا المشهد في تقديري هو (المشهد التقليدي) لمجموعات الإسلام السياسي.. بمعنى أن الخلافات فيما بينها تتوارى عند ظهور (عدو مشترك). وعندما يختفي هذا العدو، تبرز وتكبر هذه الخلافات إلى الحد الذي يدفعها إلى الاقتتال مع بعضها البعض. ولقد شهدنا في (محك صغير) في سوريا كيف تتقاتل مجموعات (جبهة النصرة) مع (داعش)، على الرغم من أن العدو المشترك - أو المعلن على أقل تقدير - لم يسقط بعد».
من ناحية أخرى، يؤكد خبراء أمنيون مصريون لـ«الشرق الأوسط» أن هناك الكثير من الدعم الذي تقدمه «جهات خارجية» إلى مجموعات الإرهاب في مصر، سواء كانت تلك الجهات تنظيمات على غرار «القاعدة» أو «داعش»، أو حركات ناشطة في قطاع غزة، أو حتى دولا وأجهزة استخبارات إقليمية.. ويشدد أحمد بان على القول إن: «لدينا مشكلة متعلقة بالتصوّر، وقد تكون هذه هي الثغرة الكبرى في مواجهة هذه المجموعات، وهي أن معظم الدول خلال مقاومة هذه المجموعات تنشغل بـ(التنظيمات)، بينما التنظيمات هي التجلي الأخير للأفكار.. دون أن تنشغل هذه الدول بشكل كاف بمقاومة الأفكار وتفنيدها بتقديم أفكار أكثر وجاهة أو نضجًا أو اتصالاً بحقائق الإسلام». ويتابع الخبير في شؤون الجماعات قائلا: «نجد مثلا أن باب الجهاد، وهو أحد فرائض الإسلام، تم تشويهه بالخلط بين جهاد الدفع وجهاد الطلب، إضافة إلى فكرة الولاء والبراء وما تستتبعه.. كل هذه الأفكار صنعت (بيئة حاضنة) لدعم هذه المجموعات، وتجسدت في أن البعض بمختلف دول العالم الإسلامي وضعوا زكاة أموالهم وصدقاتهم في هذا الباب، وهذا رافد مستمر. فضلا عن رافد متعلق بـ(التمكين) في بعض المناطق، حينما نجحت بعض هذه التنظيمات في السيطرة على حقول نفط أو مناطق أثرية أو خطف للرهائن للحصول على فدى كبيرة.. وكلها روافد تدعم وجود دعم مالي مستمر ومنتظم لهذه المجموعات».
في هذه الأثناء، على المستوى الرسمي، تواجه الدولة المصرية الحركات الإرهابية وتنظيمات العنف «أينما كانت، وأيًا كانت الراية والاسم الذي ترفعه»، بحسب تصريح لمصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط»، الذي أوضح أن «الأجهزة المصرية المختصة تحلل الموقف لحساب تبعاته، رغم أن رد الفعل سيظل واحدًا من حيث العقيدة في كل الأحوال، لكن طريقة التعامل والتفكير المضاد هي المتغير».
وتابع المتحدث أن «إعلان الحرب على الإرهاب بكل أشكاله وصوره يتضمن في جزء هام منه متابعة موارده المادية والفكرية وتطورات عمله بشكل معمق من أجل القضاء عليه»، فيما يعلن الجيش موقفًا حازمًا تمثل في تصريح مقتضب لكنه حاسم للمتحدث العسكري العميد محمد سمير في مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، قال فيه: «لا يمكن لأي قوة على الأرض أيا كانت أن تسمح لها القوات المسلحة أن تسيطر ولو على مليمتر واحد من أرض سيناء»، وإذا كان هذا هو الحال الذي تحدث عنه الناطق باسم الجيش في سيناء التي تشهد ذروة عمل الجماعات الإرهابية، فإنه يتبعه بالتأكيد أن سيطرة هذه العناصر «محظورة» على كافة تراب أرض مصر.
وعن أثر الجهات الخارجية في الصراع المسلح بين فصائل الإرهاب، حسب رأي الباحث أحمد بان «هناك اختراق واسع من بعض أجهزة المخابرات لهذه المجموعات التي يسهل عمليا اختراقها، ولعل الولايات المتحدة عندما اخترقت مجموعات (القاعدة) وتمكنت من خلال أحد عملائها داخل التنظيم من الحصول على تقنية (القنابل البلاستيكية) التي كانت تمرّر عبر البوابات الإلكترونية دون اكتشافها، يكشف أن هذه التنظيمات مخترقة.
من ناحية أخرى، يشير خبراء استراتيجيون مصريون استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حول مستقبل الإرهاب في مصر إلى أن التنمية الحقيقية ومكافحة منابع الفكر هي السبل الوحيدة الحقيقية لوقف سيل الإرهاب والعنف في مصر.
اللواء حسام سويلم، الخبير الاستراتيجي والعسكري المصري، قال في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، إن أي «عمليات عسكرية لمواجهة الإرهاب ستواجه بالفشل إذا ما جرت دون مواجهة ما تفرزه منابر التطرف يوميا من عشرات المتطرفين الجدد، دون أن يواجه ذلك من قبل مؤسسات الدولة بفكر مقابل». كما أوضح اللواء محمود خلف، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، في رؤيته أيضًا، أن «محاربة الإرهاب الحقة والتعاون الدولي السليم يستوجب أن يكون هناك معايير ومكاييل واضحة.. ويجب الاتفاق على تلك المعايير للتخلص من كل الإرهابيين في ذات الوقت وعلى كل المحاور، فيجري تتبع وتجفيف منابع التمويل مع إصلاح سياسي، في خطوات متوازية ومتوازنة في المنطقة كلها لأن الأمور كلها مترابطة، وهو ما من شأنه ذبول جذور الإرهاب، ثم اللجوء إلى ضربات إذا احتاج الأمر للقضاء على البقية الباقية على السطح».
ويتفق الباحث أحمد بان مع الرؤى التي تهدف إلى ما هو أكثر من العمليات العسكرية والأمنية وحدها لمكافحة الإرهاب، قائلاً إن «مستقبل هذه الجماعات مرتبط بمستقبل الدولة الوطنية، فعندما تجد دولة مثل الدولة الألمانية، التي كان لديها «حزب نازي» يريد أن يغزو ويحكم العالم ولديه عقيدة بأنه (أفضل الأجناس)، ثم انطوت صفحة هذا الحزب عندما نشأت دولة قوية بمشروع تحديثي واضح ومحدد المعالم بحيث إنها لم تجد حتى أن هناك حاجة لحظر الحزب، الذي ما زال باقيًا في ألمانيا لكنه لا يحظى بأي مقاعد داخل البرلمان، وليس له أي تأثير على سياسات الدولة لا الخارجية ولا الداخلية. هذا يؤكد أن خيار التنمية والتحديث هو الطريق الصحيح لكسر شوكة هذه المجموعات واستيعابها داخل إطار دولة مدنية حديثة، وعليه فكلما تراجعت الدولة ارتفعت موجة هذه المجموعات، والعكس صحيح».

أبرز الجماعات المتطرفة في مصر

* تنظيم أنصار بيت المقدس (أو ولاية سيناء): ظهر في عام 2011، وأعلن مبايعة تنظيم داعش وتغيير اسمه في نهاية عام 2014. قام بعدد من العمليات الكبرى أغلبها في داخل شبه جزيرة سيناء، والتي استهدفت عناصر الجيش والشرطة والمنشآت العسكرية، إضافة إلى سكان محليين ورجال قضاء.
* تنظيم أجناد مصر: ظهر اسمه قبل نحو سنة، ورفض مبايعة تنظيم داعش الإرهابي أو العمل تحت راية تنظيم القاعدة. نفذ الكثير من العمليات في عمق مصر بعيدا عن سيناء، أغلبها تفجيرات باستخدام عبوات ناسفة.
* كتيبة المرابطين: أسسها الضابط المفصول من الجيش المصري هشام عشماوي، بعد انشقاقه عن «أنصار بيت المقدس» اعتراضًا على مبايعة «داعش».. وتولى إمارتها وحمل كنية «أبو عمر المهاجر المصري»، معلنا ولاءه لتنظيم القاعدة. وعشماوي و«كتيبته» هما المتهم الرئيسي في عملية اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات.
* «العقاب الثوري» و«كتائب حلوان»: مجموعات غير محددة التنظيم، تتبنى أحداثا عشوائية تتصل أغلبها بالهجوم بالقنابل الحارقة (المولوتوف) على المنشآت والأفراد والاستهداف التخريبي لأبراج الكهرباء في مختلف محافظات مصر، وتنتمي آيديولوجيًا إلى جماعة الإخوان.
* «التوحيد والجهاد»: جماعة تكوّنت في سيناء عقب هروب عناصرها الإرهابية، والتي عملت سابقا تحت تسميات متعددة، من الملاحقات الأمنية في مختلف أرجاء مصر خلال عقود ماضية. مسؤولة عن عدد من عمليات استهداف الجنود وخطفهم في سيناء.
* فلول من جماعات «الناجون من النار» و«جند الإسلام» و«مجلس شورى المجاهدين» و«التكفير والهجرة»: موجودون في غالبيتهم في سيناء، وأغلبهم يوالي «القاعدة» آيديولوجيًا.. نشاطهم غير منتظم.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.