حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

طرد معارضيه من المدن الكبرى.. وأرغم «الاستقلال» على الانقلاب ضد نفسه

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية
TT

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

حزب العدالة والتنمية.. الرقم الصعب في انتخابات المغرب المحلية

يقرأ المراقبون في المغرب ملامح كثيرة في نتائج الانتخابات الجهوية والبلدية، ولا سيما أداء حزب العدالة والتنمية، ذي التوجهات الإسلامية، الذي يقوده رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، والانعكاسات المحتملة لهذا الأداء على الانتخابات العامة المقبلة. وكان لافتًا بالنسبة للمراقبين أن أداء العدالة والتنمية كان أفضل بكثير من أداء الأحزاب والقوى الإسلامية في دول «الربيع العربي»، وإن كان ثمة من يشير إلى أن جزءًا من نجاحات الحزب جاء نتيجة أخطاء منافسيه وانشقاقاتهم.

{فاس تتنفس الصعداء} بهذه العبارة علق عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، على اكتساح حزبه ذي المرجعية الإسلامية، للعاصمة العلمية للمغرب، حيث ظل غريمه السياسي حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال المعارض عمدة لولايتين متتاليتين. وجدير بالذكر، أن مدينة فاس تعدّ المعقل التاريخي للاستقلاليين وزعمائهم السابقين المنتمين للعائلات الفاسية.
عبارة ابن كيران التي قالها خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء اليوم الموالي للاقتراع الخاص بانتخابات مجالس الجهات (المناطق) والبلديات يوم 4 سبتمبر (أيلول) الحالي، حملت في طياتها تشفيًا ممزوجًا بنشوة النصر الذي حققه الحزب ليس فقط في مدينته فاس التي حصل فيها حزبه على 74 مقعدًا، بل في خمس مدن كبرى أخرى بشكل فاق التوقعات وفاجأ الحزب نفسه، تمامًا كما فاجأته نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 وحصل فيها العدالة والتنمية على 107 مقاعد. ويومذاك جاء الفوز عقب موجة احتجاجات عرفتها البلاد، وقادتها حركة 20 فبراير (شباط) الشبابية، قبل أن تنقذ الإصلاحات السياسية التي أعلن عنها الملك محمد السادس الموقف، وتسمح بوصول أول حزب إسلامي مغربي إلى السلطة.

مفاجأة «الاستقلال»
لكن إذا كان تصدّر حزب العدالة والتنمية النتائج الخاصة بانتخاب أعضاء المجالس البلدية واكتساحه المدن الكبرى مفاجئًا، فإن مفاجأة أخرى ظهرت الاثنين عشية انتخاب رؤساء الجهات وخلطت كل الأوراق، ولقد تمثلت في «الانقلاب» الذي نفذه ضد نفسه، وضد أحد حلفائه في المعارضة وهو حزب الأصالة والمعاصرة.
حزب الاستقلال أعلن، من دون سابق إنذار، فك تحالفه مع أحزاب المعارضة، وإعلان مساندته النقدية لحكومة خصمه السياسي اللدود ابن كيران، وجاء هذا القرار بعد 10 أيام من ظهور نتائج الانتخابات البلدية والجهوية. ولقد اتخذ الحزب هذا القرار خلال اجتماع للجنته التنفيذية، ترأسه، عقد ليلة الأحد الماضي واستمر حتى ساعة مبكرة من يوم الاثنين. وسيرفع القرار إلى المجلس الوطني (برلمان الحزب) لإقراره. كذلك أعلن الحزب أنه بصدد إعداد وثيقة ستصدر خلال الأيام القليلة المقبلة، تتضمن تقييمًا موضوعيًا ونقدًا ذاتيًا للوضع الحالي للحزب.
وبادر إلى تنفيذ هذا القرار في اليوم الذي أجريت فيه انتخابات رؤساء مجالس الجهات، فانسحب من سباق رئاسة جهة فاس - مكناس، ليفسح الطريق أمام مرشح الأغلبية الحكومية محند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الذي ظفر بالمنصب. كذلك دعا قياديي حزبه إلى التصويت ضد مرشحي الأصالة والمعاصرة لرئاسة الجهات ومنح أصواتهم لفائدة مرشحي حزب العدالة والتنمية، بيد أن كثيرين منهم لم يلتزموا بالقرار وصوّتوا لفائدة مصطفى بكوري الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي انتخب رئيسًا لجهة الدار البيضاء - سطات، ولفائدة إلياس العمري نائب الأمين العام للحزب ذاته، الذي انتخب رئيسًا لجهة طنجة - تطوان - الحسيمة. وهكذا فاز حزب الأصالة والمعاصرة برئاسة خمس جهات من مجموع 12 مقابل جهتين فقط لحزب العدالة والتنمية. وحصل حزب الاستقلال على رئاسة جهتين (العيون - الساقية الحمراء والداخلة - وادي الذهب)، والتجمع الوطني للأحرار أيضًا على رئاسة جهتين (سوس - ماسة وكلميم - واد نون)، بينما انتزعت الحركة الشعبية رئاسة جهة واحدة (فاس - مكناس)، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الخاسر الأكبر في الانتخابات الجهوية، ذلك أنه لم يفز بأي جهة.
في سياق ذلك، يبقى السؤال المطروح هو..كيف سينعكس قرار حزب الاستقلال على انتخابات رؤساء البلديات الذي انطلق أمس الثلاثاء ويتواصل اليوم الأربعاء، وما إذا كان سينتج عن ذلك مفاجآت جديدة؟».

قراءة ابن كيران
ثم، إذا كان حزب العدالة والتنمية قد تصدر نتائج انتخابات الجهات، وحل ثالثًا في الانتخابات البلدية، بعد غريميه حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال المعارضين، بعدما كان كثيرون من المراقبين يتوقعون تراجعه أسوة بما حدث للتيارات الإسلامية في دول «الربيع العربي»، فقد كانت لابن كيران قراءة ثانية لتلك النتائج. رئيس الوزراء قال في قراءته إنه إذا ما جرى احتساب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الثلاثة الأولى، فإن حزبه يظل هو الأول من حيث عدد الأصوات إذ حصل على مليون و500 ألف صوت، مقابل حصول الأصالة والمعاصرة المعارض على مليون و300 ألف صوت، والاستقلال المعارض على مليون و70 ألف صوت. ورأى ابن كيران أن حزبه لم يكن قد حصل إلا على 600 ألف صوت في الانتخابات البلدية لعام 2009، وبالتالي، يكون الحزب قد نجح في كسب نصف مليون صوت جديد مقارنة مع انتخابات 2011 التي صوت لصالحه فيها مليون صوت.
من ناحية ثانية، أرجع المحلل السياسي محمد العمراني بوخبزة فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة إلى كونه «ما زال يستثمر رصيده الانتخابي في الانتخابات التشريعية لـ2011، بالإضافة إلى كونه يوظف خصوصيته المتمثلة في مرجعيته الدينية». وأوضح بوخبزة أن الحزب لم يعتمد في الاقتراع الأخير على من يطلق عليهم اسم «الكائنات الانتخابية» التي تستميل الناخبين بطرق أخرى غير الخطاب السياسي والبرامج الانتخابية.
وقال بوخبزة لـ«الشرق الأوسط» إن منافسي حزب العدالة والتنمية كان لهم دور أيضًا في هذا الفوز «فهم ارتكبوا أخطاء كبيرة جدًا في التعامل مع هذه الانتخابات، وبالتالي، كمنت قوة العدالة والتنمية في ضعف خصومه السياسيين». وشرح أن غالبية الأحزاب المعارضة «دخلت الانتخابات بمعنويات مهزوزة بعد عقد مؤتمراتها العامة التي وصلت إلى حد حدوث انشقاقات كبرى داخلها مثل ما حدث في حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي».
هذا، ولفتت النتائج التي حققها حزب العدالة والتنمية، بالذات، في المدن الكبرى مثل الرباط وطنجة وأغادير والدار البيضاء والقنيطرة وفاس ومكناس ومراكش الانتباه بشكل كبير. وهو ما حدا بابن كيران للقول: «هذه النتائج وحدها كافية لإبراز شعبية الحزب ومكانته» ومن ثم وصف الانتخابات بأنها كانت «حماسية وكان الناس مرتاحين لنتائجها ولم تعرف تدخل الإدارة».

واشنطن مرتاحة
تجدر الإشارة إلى أن الرضا الذي عبر عنه الرئيس ابن كيران بشأن الانتخابات، دعمته وزارة الخارجية الأميركية التي عدتها «خطوة مهمة وإيجابية نحو الأمام في إطار جهود الحكومة المغربية نحو اللامركزية وتعزيز القرب من المواطنين». ومن ثم، أعلنت الولايات المتحدة «دعمها لجهود المغرب في مجال التنمية الديمقراطية المتواصلة، من خلال الإصلاحات الدستورية والقضائية والسياسية».
ومن جانبه، أقرّ خالد الطرابلسي، رئيس المركز المغربي لحقوق الناخب وعضو اللجنة المركزية لحزب الاستقلال، باكتساح حزب العدالة والتنمية المدن الكبرى، بيد أنه قلّل من أهمية هذا النجاح. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المغرب ليس المدن الكبرى فقط.. والعدالة والتنمية أقام ضجة مدعيًا أنه اكتسح المغرب، لكن هذا غير صحيح فهم لا يتحكمون في المغرب كله، بدليل أن حزب الأصالة والمعاصرة احتل المرتبة الأولى وحزب الاستقلال الثانية بينما جاءوا هم في المرتبة الثالثة».
لكن المفارقة تبقى أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي يطرح مشروعًا سياسيًا حداثيًا اكتسح البوادي والقرى، بينما سيطر حزب العدالة والتنمية المحافظ على المدن التي تعج بالحداثيين والمثقفين.

الحملة الانتخابية
ثم إن حماس الانتخابات الذي تحدث عنه ابن كيران لم يكن خافيًا. فخلال الحملة الانتخابية تنقل زعيم العدالة والتنمية بالطائرة لترؤس المهرجانات الخطابية التي نظمها حزبه في عدة مدن كبرى، وكلّف هذا التنقل الحزب نحو 300 ألف درهم (35 ألف دولار). ويبدو أن حضور رئيس الحكومة في هذه المهرجانات كان له وقع السحر على الناخبين في تلك المدن نفسها، ورد ابن كيران ساخرا من معارضيه الذين انتقدوا تكلفة تنقله بالطائرة قائلا «وكأنني بنظرهم لا أستحق ركوب الطائرة». كذلك، خصص ابن كيران حيزًا كبيرًا من مهرجاناته الخطابية لمهاجمة خصومه السياسيين، خاصة، أمين عام حزب الاستقلال، وإلياس العمري نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة الذي يعده ابن كيران الرئيس الفعلي للحزب.
أيضًا، لم يفوّت ابن كيران أجواء الحماس الانتخابي، بل استعمل كل ما لديه من أفضليات لمهاجمة خصومه بشكل لاذع وساخر، وهي المهمة التي يتقنها بامتياز، ولم يتوان في توجيه تهم ثقيلة لخصومه من قبيل تلقي الأموال من تجار المخدرات لصرفها في الحملات الانتخابية، وهي التهمة التي وجهها تحديدًا للعمري في عز الحملة الانتخابية، وقرّر على أثرها حزب الأصالة والمعاصرة مقاضاة رئيس الحكومة على الرغم من أن هذه الاتهامات ليست جديدة، إذ سبق لابن كيران إثارتها غير مرة خلال الأشهر التي سبقت موعد الانتخابات. ولكن بدهائه السياسي نفى ابن كيران أن يكون هو من وجّه للعمري تهمة تلقي الأموال من تجار المخدرات، بل كان هو من اتهم العمري بذلك عبر شريط فيديو يعود تاريخه إلى عام 2011، اطلع عليه ابن كيران في أحد المواقع الإلكترونية. وبالتالي، فإن كل ما يطالب به العمري هو «أن يقول للمغاربة بأنه يكذب، أو أن يعترف بأنه كذب على العمري»، مؤكدًا أنه سيتابع هذه القضية حتى النهاية.
أما الذي سبق أن وجه لابن كيران تهمًا غريبة وعجيبة مثل علاقته بجهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وأيضًا علاقته بتنظيمي «داعش» و«النصرة»، فكان له نصيب وافر من السخرية خلال مختلف المهرجانات الخطابية، حيث سخر منه ابن كيران لأنه وعد سكان مدينة فاس (البعيدة عن البحار) بتوفير بحر صناعي لهم. واستهزأ بإقدامه على نصب برج يشبه برج إيفل الباريسي في المدينة قبل أن يتراجع عن نصبه. وأشار رئيس الوزراء في جل خطاباته إلى المظاهرة التي نظمها ضد الحكومة مستعينًا بالحمير، وهي المظاهرة التي «جلبت السخرية للمغرب عبر العالم»، كما قال. فهل كان لهذا الخطاب المغرق في السخرية ضد الخصوم تأثير على الناخبين؟
يجيب المحلل السياسي العمراني بوخبزة أن «خطاب ابن كيران ضد خصومه لم يكن خطابًا خاصا بالمرحلة الانتخابية بل امتداد لما سوقه ضدهم منذ توليه رئاسة الحكومة». وأردف أن «التنابذ الذي حدث بين ابن كيران وخصومه السياسيين ليس مرحليًا بل مسترسلاً، وكان له تأثير كبير جدا على الناخبين لأنه وافق القناعات العامة السائدة في المجتمع بضرورة محاربة رموز الفساد». ولفت بوخبزة إلى أن حزب العدالة والتنمية، حتى قبل مرحلة ابن كيران، «ركز دائمًا على تسفيه الخصوم وتزكية النفس وهذا الأمر يتلاءم أيضًا مع عقلية الجماهير المغربية»، حسب رأيه.

تعليقات ومساجلات
على صعيد آخر، عقب ظهور نتائج الانتخابات ظهرت قراءة أخرى تقول إن فوز حزب العدالة والتنمية يمثل مشكلة للمؤسسة الملكية في المغرب وإن كانت لا تصل حد تهديدها. بيد أن مصطفى الخلفي وزير الاتصال (الإعلام)، والناطق الرسمي باسم الحكومة المنتمي لحزب العدالة والتنمية، نفى ذلك بشكل مطلق. ووصف الخلفي تلك القراءة بأنها «غير سليمة وخاطئة وغير مسنودة. بل على النقيض منها، أثبتت الممارسة السياسية للحزب والمنطلقة من مرجعيته وفكره السياسي أنه كان دائمًا ولا يزال يعمل في إطار الشرعية ومعها، ويشتغل تحت قيادة الملك، وشكل دائمًا دعمًا وسندًا للإصلاحات الكبرى الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية مع باقي القوى الحية».
وانتقد الخلفي أيضًا في مقال نشره على الموقع الإلكتروني للحزب «القراءة الاختزالية التي تربط تقدم الحزب بنزاهته فقط، لتنكر عن قصد أو غير قصد الدور الحاسم والأساسي لأداء الحزب ومناضليه سواء على مستوى العمل الحكومي أو حصيلته في تدبير الشأن الجماعي المحلي، وحصيلته الإيجابية الأولية مقابل الأداء الضعيف للمعارضة». ورفض الخلفي أيضًا إلصاق الرؤية المحافظة إزاء الحريات الفردية بالحزب، قائلاً إن حصيلة الحزب في رئاسة الحكومة طيلة أربع سنوات كانت خلاف ذلك «وكذبت كل ما كان يروج منذ سنوات حول التضييق الذي قد يطال الحريات الفردية في حال وصول الحزب إلى الحكومة».
في هذه الأثناء، انتقد العمري، نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، في مؤتمر صحافي عقده عقب ظهور نتائج الانتخابات ما وصفه بجزئية بسيطة تتمثل في عدم تمكن عدد من الناخبين من التصويت بسبب غياب أسمائهم من السجلات من دون مبرر. معلنًا أيضًا أن أحزاب المعارضة الأربعة اتفقت على أن التحالف مع العدالة والتنمية «خط أحمر»، على الرغم من استحالة تطبيق هذا القرار على أرض الواقع عند تشكيل مجالس الجهات والبلديات.
ومن جهته، دافع الطرابلسي عن النتائج التي حققها حزبه (الاستقلال)، وقال إنه على الرغم من كونه في المعارضة فإنه حافظ على مكانته وحل في المرتبة الثانية بعد حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما حدث في الانتخابات البلدية لعام 2009. أضاف أن ما يروج عن انهزام حزب الاستقلال «غير صحيح». وردًا على ما تردد بشأن مطالبة بعض أعضاء حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي بعقد مؤتمرات استثنائية لتغيير القيادات الحالية للحزب جراء النتائج السلبية التي حصلا عليها في الانتخابات، قال الطرابلسي إن ما راج بشأن ذلك هو «مجرد حرب نفسية». ثم تساءل: هل محافظة حزب الاستقلال على موقعه في الانتخابات تدعو إلى عقد مؤتمر استثنائي؟ ورد على سؤاله بأن «ما يقال غير منطقي بل يدخل ضمن التهويل والتضليل الإعلامي الذي يمارسه حزب العدالة والتنمية مدعومًا من قبل عدد من المنابر الإعلامية.
هذا الرأي أيده أيضًا بوخبزة، الذي قال إن المطالبة بإجراء مؤتمرات استثنائية ليست سوى ردود فعل على محطة انتخابية، «إذ لا ينبغي للأحزاب السياسية أن تكون خاضعة لردود الفعل، لأن من شأن ذلك أن يكون له انعكاسات وخيمة على مسارها، وقد يكلفها الخضوع لردود الأفعال غاليًا، خاصة، أن الأجواء والنفوس لم تستقر بعد» حسب تعبيره. لكن المراقبين يتذكرون أنه صرح قبيل اقتراع 4 سبتمبر أنه سيستقيل من قيادة الحزب إذا لم يحصل حزبه على المرتبة الأولى.

جيش ابن كيران {الإلكتروني}
ثم ثمة سؤال يطرح نفسه حول حقيقة الجيش الإلكتروني الذي يقال إن حزب العدالة والتنمية يملكه ويديره على مدار الساعة، حيث تكتسح مقاطع فيديو تتضمن تصريحات ابن كيران، مختارة بذكاء، مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب عشرات التعليقات المصورة المواكبة لكل حدث التي تدافع عن حصيلة الحكومة أو تنتقد بسخرية مواقف المعارضة. ومنها مقطع فيديو لا يتعدى ثواني معدودات يطلق فيه ابن كيران ضحكة مدوّية. وقد نشر المقطع مذيلا بتعليق يقول «أول تعليق لابن كيران». ويحقق هذا النوع من الفيديوهات نسبة مشاهدة عالية على موقع «اليوتيوب».
ولكن صحافيًا يعمل في الموقع الإلكتروني للحزب قال لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «لسنا كتيبة ولا جيشًا إلكترونيًا، فعدد الذين يعملون بالموقع لا يتعدى 18 شخصًا، بينهم إداريون وتقنيون و6 صحافيين»، مضيفًا: «إن ما ينشر ويبث على مواقع التواصل الاجتماعي من فيديوهات وتعليقات مصورة ينجزها شباب متطوعون ينتمون إلى منظمة الشباب التابعة للحزب».
تبقى الإشارة إلى أن حكومة ابن كيران عرفت فضائح أدت إلى إقالة عدد من وزرائها أو استقالتهم، بدءا من فضيحة الشوكولاته التي تورط فيها عبد العظيم الكروج الوزير السابق في الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، الذي شغل أيضًا منصب الوزير المنتدب في التكوين المهني، وينتمي إلى حزب الحركة الشعبية. ثم فضيحة الملعب التي أقيل على أثرها محمد أوزين وزير الشباب والرياضة المنتمي للحزب نفسه. أخيرا قصة الحب والزواج التي جمعت بين سمية بن خلدون الوزيرة في وزارة التعليم العالي والحبيب الشوباني الوزير السابق المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني (متزوج)، التي أحدثت ضجة غير مسبوقة وصل صداها إلى خارج البلاد، وأجبرت الوزيرين المنتميين لحزب العدالة والتنمية على الاستقالة.
وكانت المعارضة تراهن على هذه «الفضائح» لتشويه صورة الحكومة أمام الرأي العام، بيد أنها وإن كانت أثرت نوعا ما على حزب الحركة الشعبية الذي خسر وزيرها السابق أوزين في الانتخابات، فإن قصة حب الوزيرين لم تؤثر على حظوظ العدالة والتنمية مطلقًا، بل استغلها ابن كيران لصالح الحزب. ففي أول مهرجان خطابي عقده في مدينة سلا المجاورة للرباط لإعلان انطلاق الحملة الانتخابية لحزبه، اختصر ابن كيران الضجة التي أحدثتها هذه القضية بشأن تعدد الزوجات ولخصها في عبارة واحدة «ماذا سيقولون عنا.. وزير أحب وزيرة وتزوجها.. مبروك لهما».
فلماذا أخفقت خطة المعارضة التي طالما حاولت تأليب الرأي العام ضد الحكومة بسبب «قراراتها غير الشعبية التي تستهدف جيوب المواطنين»، واستغلت «فضائح وزرائها»، يجيب بوخبزة على ذلك بالقول إن «ما حدث هو العكس تمامًا، أي أن (العدالة والتنمية) استثمر بشكل كبير إنجازات الحكومة لصالحه خلال الحملة الانتخابية وسوقها بشكل جيد»، مضيفًا أن «رئيس الحكومة لم يفوت أي فرصة في إبراز ما حققته حكومته إلى درجة أنه بخس مساهمة باقي مكونات الأغلبية ودورها في هذه الإنجازات».



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.