نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه

مدير القسم العالمي للساعات يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن المولود«شانيل» الجديد «بريميير بوي» وأهمية المرأة في عملية الإبداع

نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه
TT

نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه

نيكولا بو يعترف: الرجل الحلقة الأضعف بالنسبة لنا ونحتاج استراتيجية لإغوائه

في حال قابلت نيكولا بو، مدير القسم العالمي للساعات بدار «شانيل» احذر أن ترتكب خطأ مكاشفته أنك تعتقد أن ساعة «بوي» (Boy) الجديدة يمكن أن تكون للجنسين، لأنه سيرد عليك بحزم أنها «ساعة نسائية بكل المقاييس.. فهي ليست تصميما رجاليا تم تصغيره ليناسب المرأة.. هذه النقطة مهمة جدا بالنسبة لنا وهذا ما راعيناه عندما فكرنا في طرح ساعة جديدة هذا الموسم».
يتابع مدافعا عن أنوثتها أن السوق متخمة بالساعات الرجالية في الوقت الحالي، بينما «شانيل»، ومنذ تأسيسها إلى اليوم، تحتفل بالأنوثة والجمال الراقي، وهو ما تقدره المرأة بإقبالها على كل ما تطرحه من أزياء وإكسسوارات وجواهر وساعات يد. «هذا لا يعني أن الرجل غير مهم بالنسبة لنا، لا تفهميني خطأ» يستطرد مدافعا «فنحن ندرك أنه مؤثر في صناعة الساعات عموما، لكن لكي نقنعه بأننا دار ساعات متخصصة، علينا أن نتسلح بعمر يقارب الـ150 عاما تقريبا، لأن هذا ما ترسخ في ذهنه، ومن دون ذلك يصعب إقناعه. صحيح أن لدينا زبائننا الأوفياء من الجنس الخشن، إلا أنهم نسبة قليلة مقارنة بالجنس الناعم، لهذا ليس غريبا أن نكثف جهودنا الإبداعية ونوجهها للمرأة، وإذا احتاج الأمر إلى جرعات ذكورية لكسب ودها، فلا بأس من ذلك على شرط أن تكون بجرعات محسوبة كما هو الحال في هذه الساعة».
والحقيقة أن «شانيل» سباقة في إعطاء الأولوية للمرأة مقارنة بغيرها من بيوت الجواهر والساعات التي كثفت لغتها النسائية في السنوات الأخيرة فقط، بعد أن كانت تركز على الرجل، لأنه كان يُقبل على الساعات أكثر منها في العقود الماضية.
أكبر دليل على هذا ساعاتها «بروميير» (PREMIERE) التي شغلت الكل في عام 1987 بتحطيمها المتعارف عليه. فقد كانت أول ساعة مفعمة بالأنوثة، بسوارها وعلبتها، حتى من دون أن تكون مرصعة بالماس. كان تصميمها يحاكي قارورة عطر N°5 وساحة فاندوم في الوقت ذاته، تطبعه نفحة عصريّة وكلاسيكية، بزواياه المصقولة وسوارها الأنيق. وكان من البديهي أن تلمس وترا حساسا بداخل المرأة التي لا تحتاج إلى الكثير من الإقناع أساسا لتقع في حب كل ما تقدمه لها الدار. ولحد الآن تعتبر ساعة «بروميير» واحدة من بين أنجح الساعات النسائية.
بيد أنها ليست الوحيدة التي تفخر بها «شانيل»، فهناك ساعتها «جي12» (J12 ) التي أطلقتها منذ أكثر من عقد ونصف، وخصت بها الرجل، حجما وشكلا ومواد وحققت بدورها النجاح. غير أن ما لم يتوقعه الكثيرون، بمن فيهم الدار نفسها، أن المرأة استخسرتها في الرجل وسرقتها منه بمجرد أن وقعت عليها عيناها، لتصبح ملكها هي أيضا.
طبعا، لم يكن من الممكن أن تتجاهل الدار هذا الغزو الكاسح، أو بالأحرى هذا الحب غير المشروط الذي يكنه لها الجنس اللطيف، فاستغلته أحسن استغلال. فليس هناك أدنى شك في أن سوقها الأول نسائي، لا يشكل فيه الرجل سوى نسبة قليلة، وهذا ما أكده نيكولا بو، في لقاء خاص بمقر «شانيل» الرئيسي بـ«بلاس فاندوم». يشرح لي وكأنه يذكرني، أن مؤسسة الدار امرأة، كان همها خدمة المرأة وتحريرها من قيود أساليب قديمة كبلها بها مصممون رجال. من هذا المنطلق فإن الساعة الجديدة، «Première BOY» موجهة للمرأة رغم ما يكسوها من لمسات ذكورية واضحة، تتجسد في الوظائف والحركات وشكل العلبة المستطيل، كما في استعمال جلد التماسيح. «فحتى هذا الجلد لا يخلو من مسحة أنثوية لأنه جاء ناعما ورقيقا من الجوانب، إضافة إلى أنه غير محاك بالطريقة التقليدية المتبعة في حياكة أسورة الساعات الرجالية». يقول هذا وهو يلتقط واحدة من بين مجموعة من الساعات التي كانت متراصة على طاولة أمامنا، وهو يتلمس زواياها ثم يشير إلى الميناء قائلا إن عدم وجود أرقام يجعلها مريحة للعين «كأنها تريد أن تقول لنا إن وظيفتها الأساسية ليست قراءة الوقت بقدر ما هي تحريك الرغبة فيها. فالساعات النسائية تُحركها العواطف أكثر من الحاجة إلى قراءة الوقت»، حسب تأكيده.
المتابع لمسيرة الدار منذ بداية القرن الماضي إلى اليوم، يعرف أن هذا ما تتقنه جيدا وبات يدخل ضمن جيناتنا الوراثية، أي تلك الأنوثة الكلاسيكية العصرية، التي تخفي بين ثناياها لمسات ذكورية خفيفة. فكوكو شانيل كانت أول مصممة تستعمل قماش الجيرسيه في تصاميمها، علما أنه كان قماشا يستعمل في الملابس الرجالية فحسب، وهي التي أخذت أيضا سترة التويد الرجالية وأنثتها على شكل جاكيت محتفظة بإيحاءاتها الرجالية حتى تزيدها سحرا وقوة. وهكذا أصبح الجاكيت المصنوع من التويد اليوم من أساسيات خزانة كل امرأة أنيقة.
من هذا المنطلق، ليس غريبا أن يلتقط قسم الساعات هذه النقطة ويركز عليها في «بروميير بوي» الجديدة، التي يُشير اسمها إلى ارتباط جيناتها بمجموعة «بروميير» التي أطلقتها الدار في عام 1987 رغم اختلافهما الظاهري. فبينما تتمتع «بروميير» بسوار يلتف على المعصم وكأنه قطعة جواهر، فإن ساعة «بوي» تتميز بحزام من الجلد يُعزز تلاعبها على مفهوم الأنوثة والذكورة.
كلما نظرت إليها، تشعر بأنه على الرغم من رفض نيكولا بو لفكرة أنها تتوجه إلى الرجل بتصميمها، وتأكيده بأن النية كانت غير ذلك تماما، يمكن أن تروق، وبسهولة، لزبون الأسواق الآسيوية. فحجمها متوسط وتصميمها كلاسيكي، ورغم أنوثتها وكونها تنتمي إلى سلالة «بروميير» إلا أنها تبدو أكثر نضجا وهدوءا. هذا النضج والتصميم الكلاسيكي المطعم بنفحة رجالية، بالنسبة لنيكولا بو، يمكن أن يغري الرجل لشرائها كهدية لامرأة عزيزة على نفسه، وليس بالضرورة له شخصيا، لأن المتعارف عليه أن المرأة تشتري ساعتها من منطلق عاطفي وخاص، على العكس من الرجل الذي يفكر بالعملية بطريقة منطقية.
مجرد فكرة أن يشتري الرجل هذه الساعة للمرأة تُعجب نيكولا بو. فأي شيء يشجع الرجل على دخول محلات «شانيل» مُرحب به حتى يتعرف على منتجاتها وعالمها عن قرب. فالرجل، لا يزال لحد الآن الحلقة الأضعف، ليس لأنه لا يقدر الدار بل لأنه يجهل الكثير عنها. فهو يعرف «شانيل» بالاسم، كدار أزياء فرنسية راقية، ولا يعرف، للأسف، الكثير عن جانبها الخاص بالساعات المعقدة، مثلا، وربما لا يخطر بباله أن تكون رائدة بإمكانها أن تنافس شركات عريقة من حيث وظائفها وتعقيداتها. هذا الحاجز القائم بين الرجل وبين الدار يتطلب استراتيجيات قوية لإغوائه وزيادة وعيه بها حسب نيكولا «علينا أن نكثف جهودنا لنشرح له تطورنا، حتى يفهم أننا بالفعل من صناع الساعات الجادين. وإذا تطلب الأمر إصدار ساعات رجالية بين الفينة والأخرى، فلم لا؟ فقد قمنا بذلك من خلال ساعة (J12 ) التي تتمتع بتعقيدات ووظائف مهمة. كل ما نحتاج بعض الوقت لربط التواصل معه، وإتقان لغة خاصة لمخاطبته وإقناعه. فمقولة الوقت من ذهب من الكليشيهات، لكنها صحيحة، لأني قرأت مؤخرا مقالا يفيد بأن عملية شراء ساعة يمكن أن تستغرق 5 سنوات من الرجل. طبعا هذا يستثني الطبقات الثرية، التي يمكنها شراء ساعة كل يوم، لكن حتى هذه الطبقة باتت متطلبة وتحتاج إلى الكثير لكي تقع في حب ساعة بعينها».
السبب برأيه لا يتعلق بالسعر وحده، بل أيضا بالتصميم والتعقيدات فضلا عن القصة التي تحكيها، ومدى عكسها للمكانة الاجتماعية. «فشراؤها يختلف عن شراء حقيبة مثلا.. فبينما يمكن تغيير هذه الأخيرة حسب المواسم، يجب أن ترافق ساعة يد صاحبها لسنوات، إن لم نقل العمر كله، لهذا تتطلب مواصفات معينة حسب أسلوب حياة صاحبها». ويستشهد بساعة خاصة بالغطس مثلا فهي يجب أن تتميز بمواصفات جد خاصة، بدءا من حجم مؤشرات الوقت إلى الضوء وتحمل الصدمات وغيرها. لهذا أعود وأقول إن مخاطبة الرجل تحتاج إلى لغة خاصة. ثم يضيف مبتسما «طبعا نعول على زوجاتهم وبناتهم بتعبيد الطريق لنا لأنهن يعرفننا جيدا».
عندما أشرت إلى أن المشكلة قد تكمن في أن البعض لا يزال يرى أن ساعات «شانيل» موضة أكثر منها ساعات متخصصة، لم ينتفض أو يعرب عن انزعاجه كما كنت أتوقع، بل حافظ على هدوئه، كما لو أنه كان يتوقع هذا السؤال، وأجاب: «منذ عشر سنوات، كان هذا السؤال يطرح أكثر من الآن، وآخر مرة سُئلت كانت في لقاء مع مجموعة من الزبونات السعوديات، قلن لي إن (شانيل) ليست دار ساعات متخصصة مثل (كارتييه). عندما شرحن لي وجهة نظرهن، تفاجأت وفهمت أن مسألة التخصص ترتبط في أذهانهن بالتاريخ، بمعنى المدة الزمنية. فتاريخ (كارتييه) يمتد لقرون مقارنة بنا. أنا لا أشك إطلاقا بأن تصاميم (كارتييه) وإصداراتها رائعة، إلا أن (شانيل) لا تقل عنها قوة وجمالا ولا ابتكارا، لهذا يبقى الفرق مسألة ذوق شخصي، والمهم أن تعشق المرأة الساعة التي تستعملها أيا كانت ماركتها».
عندما ينطق نيكولا بو كلمة ابتكار يركز عليها ببطء، وكأنه يذكرني بأن الابتكار عنصر مهم في الدار ويعتبر أحد مقوماتها وأعمدتها، ويستطرد قائلا: إن «ابتكار شيء بمعنى المطلق ومن الصفر سواء في مجال الساعات أو مجالات أخرى صعب للغاية فكل شيء ابتكر من قبل، لهذا ما نحرص عليه هو أخذ بعض العناصر أو الرموز الموجودة والبناء عليها بأسلوبنا، وهذا ما قمنا به في ساعة (جي12)، مثلا حين خففنا من اللون النحاسي، وقمنا باختبارات طويلة إلى أن توفقنا إلى اللون الذهبي المطلوب فيها. نفس الأمر يمكن أن يُقال عن ساعة (بروميير توربيون)، فتقنيتها كانت موجودة من قبل، لكننا أضفنا إليها رشة جمال وصبغة عاطفية وهذا مهم». الحديث مع نيكولا بو، ورغم نكهته الخاصة، لا يختلف عن الحديث مع غيره من المسؤولين في أقسام الدار الأخرى من إذ إنه متشبع بثقافة «شانيل» واستراتيجياتها بعيدة المدى. وهذا مفهوما بحكم أن الدار مثل شجرة باسقة ووارفة تحتضن كل أنواع الابتكار بلغتها الباريسية الأنيقة، ولا تتوقف عن التفرع والتفتح في كل موسم. بالنسبة لنيكولا، لا تقتصر علاقة الدار بالابتكار على المواد الجديدة أو التقنيات والتصاميم المبتكرة وحدها، بل كل هذه العناصر مجتمعة فضلا عن تفاصيل أخرى لا ينتبه إليها آخرون، وتركز عليها الدار لتحولها إلى سحر. والأهم من هذا حسب قول نيكولا بو «نحن لا نقلد أبدا، لكننا نتابع ما في السوق، فمثلا عندما أصدرنا ساعة (بروميير) لأول مرة، كانت هناك الكثير من الساعات النسائية من بيوت جواهر وشركات ساعات متخصصة، لكنها كانت مأخوذة من التصاميم الرجالية مع تصغير أحجامها فقط، بينما قمنا نحن بالتفكير بها من البداية إلى النهاية وبكل تفاصيلها كساعة نسائية محضة. كذلك الأمر بالنسبة لساعة (جي 12) فعندما قدمنا بالسيراميك باللونين الأبيض والأسود لم يكن الأمر مألوفا، بل واعتبر الأمر حينها ثوريا. بعدها رأينا الكل يتبعنا ويصنع ساعات من السيراميك أو باللون الأبيض».
والحقيقة أن هذا ليس غريبا على دار «شانيل» التي تُلهم الآخرين. فاستراتيجياتها التسويقية يُحتذى بها، وكل ما تطرحه يصبح توجها جديدا يتم تقليده من قبل مصممين آخرين. هذا لا يعني أن ما تطرحه موضة موسمية بل العكس تمام، وهنا يكمن نجاحها.

** الساعة

*  يذكّر شكلها بتصميم ساعة PREMIERE الأيقوني كما يشيد بقارورة عطر N°5 وساحة فاندوم.
* قرص أوباليني مع زخرفة بنمط guilloche دقيقة، يبرزه شكل مستطيلي خال من الأرقام.
* تغلب على التصميم نفحة عصريّة وكلاسيكية في آن معًا مع زوايا مصقولة أو ملمّعة.
* علبة الساعة مقوّسة بأطراف مقطوعة بشكل مائل، ملمّعة ومصقولة، بالذهب البيج عيار 18 قيراطًا مع أو دون حبّات ألماس، أو بالذهب الأبيض عيار 18 قيراطا المرصّع بحبّات الألماس.
* تأتي بحجمين. حجم بقطر 37 x 28.60 مم مزوّد بحركة ميكانيكية يدويّة التدوير وعدّاد ثوان صغير عند مؤشّر الساعة 6 وحجم بقطر 34.60 x 26.70 مم مزوّد بحركة كوارتز ونافذة صغيرة لعرض التاريخ عند مؤشّر الساعة 6.
* حزام من جلد التمساح الشبه لمّاع مع مشبك أو إبزيم ثلاثي الطيات.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.