قطاع غزة: الوضع قاتم.. ولا بدائل

اعتبارات الحلفاء.. وحسابات الربح والخسارة تكبل حماس

قطاع غزة: الوضع قاتم.. ولا بدائل
TT

قطاع غزة: الوضع قاتم.. ولا بدائل

قطاع غزة: الوضع قاتم.. ولا بدائل

«كان محمد شجاعًا بما يكفي حين انتحر بسم الفئران. كأنه أراد أن يرينا حقيقتنا في عيون المسؤولين. نحن لسنا سوى فئران تعيش في سنغافورة غزة، وتشوّه فيها ما وكأنه لم يكن مشوهًا من قبل. محمد ليس وحيدًا في مأساته؛ فبيننا آﻻف مثله يضطهَدون ويطارَدون كل يوم. أمس جارك، واليوم أخي، وغدا غيره وغيره.. أما زلتم تسألون لماذا يهاجر شبابنا؟ أﻻ لعنة الله على الظالمين. وحسبنا الله ونعم الوكيل».
هذا ما كتبته أمل أبو عاصي، شقيقة الشاب محمد، الذي حاول الانتحار في غزة خلال الشهر الماضي متناولاً سم الفئران احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية السيئة.
كانت أمل، التي تنتمي إلى حركة حماس، تعبّر إلى حد كبير عن واقع صعب ومتدهور يعيشه الغزّيون بعد سبع سنوات من حكم الحركة، وثلاث حروب كبيرة، وأكثر من سنة كاملة على حكومة وفاق لا تحكم. أما حالة محمد أبو عاصي، الذي يملك عربة صغيرة على شاطئ محاصر، فليست الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن أقدم آخرون على خطوات مشابهة في فترات قريبة، بينها محاولات حرق الذات، بسبب ضيق الحال وغياب الأفق على صعد مختلفة.

بدأت قصة محمد أبو عاصي عندما اعتدى أفراد من بلدية مدينة غزّة على عربته وصادروا بعض ممتلكاته فذهب لاستردادها، لكن ثمة من أبلغوه بأنه «مستهدف من قبل رئيس البلدية». وهنا تشرح شقيقته أمل القصة قائلة: «كره محمد تفاصيل حياته البائسة، فقرّر أن ينهي حياته لأنها ما بتعني حدا، ولا بتخصّ حدا، لأنه مش ابن مسؤول، ولا عمه ولا خاله موظف بلدية. تناول كيسين سم عرس (فئران) وابتلع ما فيهما، وهو الآن في العناية المركزة».
غير أن ما حدث لمحمد لم يمرّ مرور الكرام، بل ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بما هو أكثر مأساة، وأخرج الغزّيون غضبًا دفينًا على واقع مرير، اضطر معه مسؤولون كبار في حركة حماس لزيارة أبو عاصي والطلب من عائلته «الصبر والهدوء» حتى يستردوا له حقه.
كان كثيرون يعرفون أن القصة قد تكون أكبر من صراع بين البلدية وشاب يبحث عن رزقه؛ فإذ أخرج باسم نعيم، القيادي في حركة حماس، ما يجول من مخاوف في عقول وصدور البعض، فإنه غلفه «بالحكمة» والتهديد، قائلاً: «البعض يتخيل واهمًا أنّ التاريخ‫ يعيد نفسه، ويريد أن يحجز دور البطل في الرواية ولكن بطريقة صفيقة. عربة البوعزيزي (الشاب التونسي الذي أحرق نفسه بعدما صفعته شرطية، ففجر موته ثورة أطاحت بحكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي) ليست بداية القصة، بل نهايتها.. وفي ظروف وسياقات مختلفة.. ولن تتكرّر، ولكن يمكن الاستفادة منها».
إنه الخوف على مكانة حماس، ولكن لمَ القلق من حادثة قد تبدو صغيرة أمام قوة لا يستهان بها للحركة الإسلامية الممسكة بزمام الأمور في قطاع غزة؟
المحلل السياسي طلال عوكل يشرح موضحًا: «يوجد خوف عند من يتحسبون من الإساءة ومن الاحتجاج ومن إعلام غير مرغوب فيه بالنسبة لهم». ويرى أن «الأمور ما كانت تحتاج إلى بوعزيزي أو 10 من أمثاله حتى تنفجر، لكن الناس لا تملك بدائل في هذا الوقت». ثم يضيف: «لو خرجت الناس، ما البديل.. ما المشروع؟ لا يوجد. الناس والفصائل ليس بأيديها أي شيء».
عوكل يعتقد أن الناس فقدت الثقة بالقيادات، كما فقدت الاهتمام بالموضوع الوطني، ووصل الوضع العام إلى أدنى مستوى.. «لا يوجد عمق من الوعي الوطني، واستبدل بذلك الاهتمام بوجود كهرباء وماء ومعبر وخلافه». وهنا يتهم عوكل الفصائل بـ«تدمير الوعي الفلسطيني.. والناس تعبّر عن ذلك في الرغبة الواسعة بالهجرة». ومن وجهة نظره، فإن «الغزّيين لا يملكون سوى مزيد من الانتظار مع مزيد من انهيار القيم الوطنية».

* ما يقوله الشارع
وفي الشارع الغزّي، قال لنا رائد العامودي: «الحياة هنا تزداد سوءًا منذ الانقسام.. حصار كبير، وثلاث حروب طاحنة جعلت المعاناة مستمرة ويومية وعميقة». وأضاف: «لا يوجد كهرباء ولا ماء ولا رواتب، والبطالة متفاقمة، والهجرة أصبحت هدفا، والأفق غائب.. حتى الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين) أوقفت مساعداتها.. كل شيء هنا يبدو سوداويًا».
وحقًا، يعاني قطاع غزة من أزمات مركزية في قضايا الكهرباء والماء والرواتب. ويحتاج القطاع يوميًا إلى أكثر من 600 كيلوواط من الكهرباء، ولكن لا يجري توفير أكثر من 250 كيلوواط فقط نتيجة نقص الوقود وقدرات الإنتاج. كذلك يحتاج القطاع إلى 500 طن من الغاز، إلا أن ما يدخله مائتا طن حدا أقصى. وهو يحتاج إلى 700 ألف لتر من الوقود، ولكن تتأثر الكميات التي تدخله بالوضع السياسي والأمني؛ إذ تتحكم إسرائيل في عمل المعابر.
طبعًا، ليس ثمة مَن يملك عصا سحرية أو عادية، أو مَن يضع خطة قصيرة الأمد أو بعيدة لحل كل هذه الإشكاليات الحياتية التي تضاف إليها مشكلات سيادية وأمنية. ووفق «حكومة التوافق» - التي يفترض أنها تحكم قطاع غزة بعد اتفاق المصالحة بين فتح وحماس - فإن الحلول تكمن في تمكينها من الحكم، غير أن حماس لا تسمح لها بذلك، بينما تقول حماس إن «حكومة الوفاق تبتز القطاع، ولا تعيره أي اهتمام». ومع هذا التجاذب السياسي، ترتفع معدلات البطالة والفقر؛ إذ تشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن نسبة البطالة وصلت في قطاع غزة إلى أكثر من 65 في المائة، بينما وصلت نسبة الفقر إلى 90 في المائة.
وأمام هذا الواقع المأساوي، تبحث حركة حماس عن مخارج وحلول أخرى بعدما جرّبت الاستفراد بالحكم ولم تنجح، وكذلك جرّبت «حكومة وحدة» ولم تنجح، فراحت تبحث عن اتفاق مع إسرائيل يمنحها بعض الإنجازات. والواقع أن قيادة حماس تخوض منذ عدة أشهر نقاشات مع توني بلير، المبعوث السابق للرباعية الدولية ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق، تهدف إلى تثبيت تهدئة في قطاع غزة، إلا أن أي بشائر لم تظهر بعد.
بعد شهور من الإنكار ونفي وجود مباحثات، أقرّت حماس بوجودها أخيرًا. وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت في يونيو (حزيران) الماضي عن هذه المباحثات التي تستهدف الاتفاق على تهدئة طويلة تمتد لمدة خمس سنوات، قابلة للتجديد، مقابل تخفيف الحصار، وتسريع عملية الإعمار، وإنشاء ميناء بحري عائم خاضع لرقابة جهات دولية.
ويومذاك ثارت ثائرة السلطة الفلسطينية التي اتهمت حماس بالانقلاب على الاتفاق الذي سبق التوصل إليه بين وفد تقوده السلطة الفلسطينية ويضم حماس من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية، برعاية مصرية، ووضع حدًا – آنذاك – للحرب الدموية على قطاع غزة التي طالت لـ50 يومًا، والعمل كذلك على فصل غزة عن الضفة، ونفت حماس الأمر آنذاك.
ولكن خلال الشهرين الماضيين تضاربت تصريحات قادة حماس بين وجود مباحثات وعدم وجودها، ومَن فضّل استخدام مصطلح «دردشات»، قبل أن تبلغ قيادة الحركة الفصائل الفلسطينية في غزة أن ثمة «مباحثات لم تنضج»، حتى خرج خالد مشعل، رئيس حماس، ليتحدث عن «اتصالات تستهدف تثبيت وقف إطلاق النار».
إلا أن المفاجأة جاءت على الأثر من طرف إسرائيل؛ إذ أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن لا وجود لأي مفاوضات رسمية أو غير رسمية، مباشرة أو غير مباشرة مع حماس، متهما حماس «بنشر الوهم». وفي إسرائيل أيضًا كتب داني روبنشتاين، وهو محاضر في القضايا العربية بجامعة بن غوريون والجامعة العبرية، شارحًا: «في حال تم التوصل إلى اتفاق أم لا؛ فحقيقة وجود مفاوضات غير مباشرة، ذات أهمية سياسية كبيرة. مَن الرابح ومن الخاسر من هذه المفاوضات؟ الرابح الأساسي من هذه المفاوضات هي حركة حماس. لقد حولت المفاوضات حركة حماس، وعلى رأسها خالد مشعل، إلى عنصر سياسي من الدرجة الأولى. المفاوضات مع حماس تجعلها شريكًا للحوار مع إسرائيل.. أي إن إسرائيل تعترف بحماس ممثلا لقطاع غزة (والفلسطينيين عامة؟) على حساب السلطة الفلسطينية في رام الله».
وأضاف روبنشتاين: «محمود عباس والسلطة الفلسطينية في رام الله أكبر الخاسرين. لقد اهتزت مكانة حركة فتح ومعها مكانة الرئيس محمود عباس. أما الرابح الآخر فهو طبعًا حكومة إسرائيل؛ إذ مرّت سنة على الحرب والهدوء النسبي يخيم على جنوب إسرائيل.. فلا صواريخ ولا حوادث أمنية عند الجدار الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل، بينما بقي الحصار قائمًا، ولئن كانت هناك تسهيلات في إدخال البضائع إلى القطاع، وكذلك في ما يتعلق بمرور الأشخاص من غزة، فمن ناحية مبدئية، لا يزال الحصار مستمرًا».
وأردف المحاضر الإسرائيلي: «من غير الواضح ما إذا كانت هناك فرصة أصلاً لاتفاق التهدئة الذي يدور الحديث حوله. ولكن من الواضح أن التفاوض في حد ذاته حول هذا الموضوع يلحق أضرارًا بالسلطة الفلسطينية. ويمكننا الافتراض أن إسرائيل وحماس مرتاحتان لهذا الأمر».
قد يكون هذا الكلام منطقيًا من الناحية السياسية، لكن على الأرض في قطاع غزة، ما عاد الناس يطيقون صبرًا، إذ يقول عمر أبو خاطر، وهو من أبناء مدينة خان يونس بجنوب القطاع: «نحن بحاجة إلى اتفاق فوري يغير حياتنا، ويفتح آفاقا أمامنا». ويستطرد أبو خاطر، الذي كان أحد المشردين بعد تدمير منزل عائلته خلال الحرب الأخيرة: «مئات الآلاف من سكان القطاع ما زالوا ينتظرون أن يُعاد إعمار منازلهم التي دمّرت جراء العدوان الأخير الذي مرّت عليه سنة كاملة من دون تحقيق أي اختراق في هذه القضية»، مضيفًا: «الاتفاق يعني إدخال مواد البناء وتحسين سوق العمل في غزة. ستكون هناك مرحلة جديدة».
وحول هذا الجانب، تقول وزارة الأشغال العامة والإسكان في «حكومة الوفاق» إن «عجلة الإعمار بدأت تدور، لكنها ما زالت بطيئة جدًا»، مصارحة بأنها «بحاجة إلى مزيد من الدعم وإيفاء الدول المانحة بالتزاماتها».
لكن الطالبة الجامعية هنادي محمد، ترى أن المصالحة الحقيقية هي التي يمكن أن تخرج الغزّيين اليوم من عنق الزجاجة. وتوضح: «نحن نريد إتمام المصالحة الداخلية لكي ننتج قيادة جديدة تشعر بنا وتلبي طموحاتنا في العيش بكرامة وتوفير سبل حياة آمنة، بعيدًا عن القتل والدمار والفقر ومزيد من الخلافات. الانقسام سبب مباشر لكل المآسي اللاحقة، وقد تحوّل أداة في أيدي السياسيين الفلسطينيين للعبث بالقطاع وبسكانه كيفما يشاءون».
مع هذا، ثمة من يرى، في كل الأحوال، أن التهدئة مثل المصالحة، مسألة بعيدة المنال.. فحسب مصادر سياسية فلسطينية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، ما يبث حول وجود اتفاق قريب مبالغ فيه.. و«جميع ما طرح على الحركة كان مجرد أفكار لم ترقَ لأن تكون اتفاقا أو مسوّدة يمكن البناء عليها». بينما نفى عاموس جلعاد، مسؤول الدائرة السياسية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، من جانبه، أن يكون هناك أي اتفاق، بل قال إنه «لا توجد أي مفاوضات مع حماس، بل اتفاق سابق قائم بقوة الردع».
وأمام سيل هذه التصريحات المتناقضة، فإنه حتى قادة من حماس في الداخل لم يفهموا ماذا يجري، ولذلك طلب مجلس شورى حماس خلال الشهر الماضي اجتماعا مع مسؤولين في المكتب السياسي لاستيضاح حقيقة المفاوضات، وجرّ نقاش التهدئة ورعاتها الغاضبين في الجلسة إلى نقاش حول مستقبل الحركة وحلفائها في المنطقة.. فالتهدئة المنشودة، حسب مصادر في القطاع، تباركها قطر وتركيا، لكنها ستغضب مصر، صاحبة التهدئة السابقة وصاحبة الكلمة العليا في فتح معبر رفح، ثم إن ثمة خلافات داخل حماس حول مسألة التحالفات.
وقالت مصادر مطلعة على ما يجري داخل الحركة لـ«الشرق الأوسط»، إن حماس تشهد نقاشات داخلية بشأن العلاقة مع إيران وقطر ومصر، فبينما ترى قيادة «كتائب القسام» أن العلاقة مع إيران مهمة لشؤون الدعم العسكري والمالي، يرى رئيس الحركة خالد مشعل وبعض القيادات القريبة منه أن «إعادة العلاقات مع إيران كما كانت قبيل الأزمة السورية ستكون لها سلبيات أكبر في ظل الأوضاع التي تشهدها المنطقة بأكملها». وبالتالي، يفضل تيار مشعل «المحور السنّي». كذلك، بينما يرى البعض أن تهدئة بمباركة قطرية وتركية حاجة ملحّة، يحذر آخرون من خسارة مصر التي يعدّون العلاقة معها أهم من التهدئة.
هذا، وبينما كان يفترض أن يزور مشعل إيران خلال الفترة الماضية، بعد شهور من حديث متكرر لمسؤولين في حماس حول الزيارة، وفيما دفع مسؤولون من حماس في غزة نحو زيارة طهران وهللوا لها، من بينهم القيادي محمود الزهار، فوجئ المراقبون بتحركات مضادة لمشعل وقيادة الخارج. ومعروفٌ أنه زار وفد من الحركة بقيادة مشعل المملكة العربية السعودية قبل أيام من عيد الفطر، حيث أدى الوفد العمرة، والتقى عددًا من قيادات المملكة؛ على رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، قبل أن يلتقي عدة مبعوثين أوروبيين، ويزور تركيا في رسالة أخرى حول الاقتراب أكثر من «المحور» الذي يواجه سياسات إيران في ما يتعلق بالأزمة السورية. ولم يخفِ مسؤولون في حماس أن الزيارات الأخيرة لمشعل أثارت «سوء فهم» في طهران.
من جهة ثانية، لم تحسم حماس أيّا من الملفات الأكثر أهمية: المصالحة، والتهدئة، والحلفاء. ولا يبدو الأمر راهنًا بيدها فقط، لأن اللاعبين الإقليميين في المنطقة الذين تتأثر بهم حماس، يتأثرون بدورهم بالمناخ الدولي العام، فتتغير أولوياتهم ومصالحهم من وقت إلى وقت. وبالتالي، الأهم هو ما تفعله إسرائيل، التي قال وزير دفاعها موشيه يعالون «الوضع القائم سيستمر». وهذا يعني لا حرب ولا سلم ولا ميناء ولا بناء..



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.