يوم 26 من هذا الشهر سينعقد في سانت لويس (ولاية ميزوري)، حيث ولد الشاعر الأميركي البريطاني توماس ستيرن إليوت (تي إس إليوت)، المؤتمر السنوي الذي تنظمه جمعية إليوت الأميركية. هذه واحدة من مرات قليلة ينعقد فيها المؤتمر في نفس يوم ولادة إليوت عام 1888. وكان ينعقد كل عام في عطلة نهاية الأسبوع الأقرب إلى يوم ولادته. هذه المرة، صادفت عطلة نهاية الأسبوع يوم ولادته.
كل عام، تختار الجمعية موضوعا معينا عن إليوت، وتناقشه. مثلا: قصيدة من قصائده، أو صراعه بين العقلانية والدين، أو تأرجحه بين التقليد والحداثة، وأخيرا بين التراثين الأميركي والبريطاني.
ويظل هذا الموضوع الأخير هو الموضوع المحبب عند النقاد الأميركيين، وربما من أسباب ذلك «المنافسة» مع جمعية إليوت البريطانية، التي، طبعا، لا تشك في أنه بريطاني.
* من هو إليوت؟
ولد إليوت في سانت لويس. وكان والده قسيسا في طائفة «يونيتيريانزم» (الموحدين). كما كان رجل أعمال ناجحا، وفر لعائلته حياة شبه أرستقراطية. ومنذ أن كان صغيرا، أحب الابن الشعر، ومن بين الشعراء الذين درسهم عمر الخيام.
درس إليوت في مدرسة ثانوية في سانت لويس. ثم في جامعات هارفارد، والسوربون، وكمبردج، ثم عاد إلى هارفارد حيث نال دكتوراه في الأدب. وكان عنوان رسالته: «المعرفة والتجربة في الفلسفة الحديثة.»
نال الدكتواره عام 1916 (كان عمره 26 عاما). وقبل ذلك بعام، كان استقر في لندن، وتزوج بريطانية. وبدأت علاقته مع أميركا تقل تدريجيًا.
بعد ذلك بعشرة أعوام تقريبا، تحول من دين عائلته الأميركية (المسيحيين الموحدين) إلى الكنيسة البريطانية (إنجيليكانزم). ثم تحول إلى أقصى اليمين فيها، وانتمى إلى خليط من الإنجليكية والكاثوليكية. في نفس العام، 1927 (كان عمره 35 عاما)، تنازل عن الجنسية الأميركية، ونال الجنسية البريطانية.
* أميركي أو بريطاني؟
في ندوات جمعية إليوت الأميركية، يناقش الأميركيون (تتكون أغلبيتهم من أساتذة جامعات درسوا إليوت، أو كتبوا كتبا عنه. ويوجد غيرهم معجبون به، أو معجبون بالشعر عامة) هذا التحول من الانتماء الأميركي إلى الانتماء البريطاني. وفي دورة سابقة من الندوة نفسها عقدت قبل عامين، كتب غالجيمي لاندرفارود، أستاذ أدب في جامعة كاليفورنيا: «خلال ثلاثمائة عام، لم يرفض الجنسية الأميركية من أحفاد أندرو إليوت غير تي أس إليوت». وهذه إشارة إلى أن جد إليوت الكبير هاجر في القرن السابع عشر من بريطانيا إلى الدنيا الجديدة (قبل مائة سنة من استقلال الولايات المتحدة). ولفترة من الزمان، فكر في أن يعود إلى بريطانيا. لكنه، لم يواجه مشكلة في هويته، ووطنيته، وولائه. وذلك لأن الولايات الأميركية كانت مستعمرة بريطانية.
وأضاف لاندروفارود: «ليست جنسية إليوت هامة، وليس جواز سفره هاما. فقد كتب إليوت أشهر قصيدتين له عندما كان أميركيا». هذه إشارة إلى قصيدة «بروفروك» (كان عمره 26 عاما)، وقصيدة «الأرض الخراب» (كان عمره 34 عاما).
وقصيدة «بروفروك» اسم القصيدة الأولى بالكامل: «أغنية حب العريف جوزيف الفريد بروفروك». وفيها يقول:
«بعد الكؤوس، والشاي، ومربة المارماليد. بعد غروب الشمس، وإغلاق الأبواب. بعد الموائد، والفساتين التي تلامس الأرض. بعد هذا وأكثر من هذا. يصعب أن أقول ما أقصد.. ليس هذا هو. ليس هذا ما أقصد».
وتوجد فيها أبيات تشاؤمية، مثل: «صرت أقيس حياتي بملعقة القهوة» و«عندما ينتشر الظلام في السماء، مثل مريض مخدر على سرير الجراحة» و«مطاعم مغبرة، وفنادق رخيصة»، و«حورية البحر تمشط شعري الأبيض» و«عصرت الدنيا في يدي». و«أنا مثل حيوان بحر دون أنياب، راقدا في قاع محيط صامت».
اشتهرت القصيدة لأنها سجلت تحولا من الشعر الرومانسي (في القرن التاسع عشر) إلى الشعر الحديث (مع بداية القرن العشرين). ولأنها رمزت للصراع بين العقلانية والعاطفة. وبين التقليد والحداثة.
حسب القصيدة، «بروفرك» كان حضاريا، وعقلانيا. لكنه قاسى من الفردية، والوحدة، وقلة المشاعر والأحاسيس في مجتمع المدينة الحديث. لهذا، رغما عنه، لجأ إلى العاطفة، ليبكي مشكلاته. وتظهر في هذه القصيدة «جينات إليوت البريطانية»، وذلك لأنه تأثر بالشاعر البريطاني راديارد كيبليغ، الذي عكس قرون عظمة الإمبراطورية البريطانية. خاصة في الهند، حيث ولد، وعاش فترة طويلة (نال جائزة نوبل في الأدب عام 1907، ثلاثين سنة قبل إليوت). من المفارقات أن كيبلنغ عاش في الولايات المتحدة عشرة أعوام تقريبا، عندما كان إليوت صبيا. وعكس إليوت، كان يشيد بفضل الولايات المتحدة على بريطانيا. لكنه أخيرا فضل الهند على البلدين.
ويبدو أن إليوت تأثر بتناقض آراء كيبلنغ حول الإمبراطورية البريطانية: عظمتها، وفي نفس الوقت، توقع انهيارها. ويمكن القول إن المشكلات النفسية التي عانى منها كيبلنغ، في وقت لاحق من حياته، هي انعكاس لمشكلات وتناقضات الإمبراطورية البريطانية. (يمكن قول نفس الشيء عن مشكلات إليوت النفسية). لم يكن إليوت عنصريا مثل كيبلنغ (أو مثل اتهام كيبلنغ بأنه كان عنصريا). وعندما توفي كيبلنغ، قال إليوت: «لم أجد أي دليل بأنه كان يعتنق عقيدة استعلاء الجنس الأبيض». (اختلف معه اختلافا كبيرا زميله جورج أورويل، مؤلف روايات، منها: «1984» و«مزرعة الحيوانات»).
* الأرض الخراب
في عام 2012، في المؤتمر السنوي لجمعية إليوت الأميركية، كان الموضوع الرئيسي هو قصيدة «ويست لاند» (الأرض الخراب، اليباب، الجفاف). وحسب كتاب «قصائد تي إس إليوت»، هذه «واحدة من أهم قصائد القرن العشرين. تتكون من أربعمائة سطر. وإذا كانت الأولى «بروفروك» يغلب عليها الإحباط، دون إجابات شافية، يغلب الإحباط، أيضا، على الثانية، لكن، مع عودة إلى الله».
توجد في الثانية أبيات كثيرة عن عيسى المسيح، و«لاست صابار» (العشاء الأخير)، و«هولي غريل» (الصحن المقدس الذي يقال إن فيه دم المسيح).
وتنقسم القصيدة إلى خمسة أقسام: «دفن الموتى» و«الحياة لعبة شطرنج» و«موعظة النار (فلسفات شرقية)» و«الموت بالماء» و«صوت الرعد (يوم القيامة)».
قبل سنوات قليلة، عندما ناقش مؤتمر إليوت في سانت لويس هذه القصيدة، قال جوناثان بالموريو، مؤلف عدة كتب نقدية عن الشعر: «كانت تلك سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، التي دمرت أوروبا، وقتلت عشرات الملايين. كان هناك خليط من حزن وحيرة في جانب، وبريق أمل في الجانب الآخر. سار المثقفون العلمانيون على طريق أمل يعيد السلام، ويؤسس الاستقرار، ويفتح أبواب الحرية. لكن، شذ إليوت العلماني. مال أكثر نحو الأمل في الله».
وأضاف باموريو: «من الحيرة واليأس، قفز إليوت فوق العلمانية، إلى الروحية».
وقال بيكليز لويس، أستاذ أدب في جامعة ييل (ولاية كونتيكات): «قدر إليوت هو قدرنا، منذ بداية القرن العشرين. من خيبة أمل، إلى زواج فاشل، إلى مصحة عقلية في سويسرا».
وأضاف: «ليست هذه القصيدة إلا رمزًا لكارثة الحياة الغربية. فقد الغرب صورته الطبيعية، وصار أرضا خرابا. وفقد الجنس هدفه الطبيعي، وصار لهوا. وفقدت النساء خصوبتهن، وصرن يابسات».
أما في بريطانيا، فقد ناقشت جمعية إليوت البريطانية قصيدة «الأرض الخراب» من منطلق بريطاني. لم تشك أبدا في بريطانية إليوت، بل حولت النقاش من بريطانية أو أميركية إليوت إلى نقاش عن اللغتين: الإنجليزية البريطانية، والإنجليزية الأميركية.
هنا، تحول النقاش إلى شبه عراك. فقد قال بريطاني يخاطب الأميركيين: «هرب منكم إليوت لأنكم لا تعرفون كيف تتكلمون وتكتبون اللغة الإنجليزية». ورد أميركي: «ليس إليوت بريطانيا. ولا حتى ييتس (ولد في آيرلندا، وحارب ضد الاستعمار البريطاني هناك)».
وكلما يناقش الأميركيون الموضوع، يلجأون إلى إليوت نفسه، خاصة ثلاث جمل صارت مقدسة بالنسبة لهم: «تشترك قصائدي مع زملائي الشعراء الأميركيين أكثر من اشتراكها مع الشعراء البريطانيين الذين عاصرتهم. تعكس قصائدي الأصالة الأميركية، والعواطف الأميركية.. أنا متأكد من ذلك».
وأخيرا، يمكن أن تحسم الجدل «إنسايكلوبيديا بريتانيكا» (دائرة المعارف البريطانية) فهي تعرفه بأنه «شاعر بريطاني - أميركي».


