مهرجان فينسيا الدولي للسينما، جوني دب لـ «الشرق الأوسط»: أختار ما أراه مناسبًا حتى ولو لم يحرز نجاحا تجاريا

الممثل والمنتج الأميركي في «قداس أسود» يقتل بلا رحمة ويورط الجميع معه

جوني دب وزوجته الممثلة الأميركية أمبر هيرد حضرا العرض الأول لفيلم «قداس أسود} في مهرجان فينسيا الدولي للسينما (إ.ب.أ)،  لقطة من «قداس أسود»: دَب وجويل إدغرتون
جوني دب وزوجته الممثلة الأميركية أمبر هيرد حضرا العرض الأول لفيلم «قداس أسود} في مهرجان فينسيا الدولي للسينما (إ.ب.أ)، لقطة من «قداس أسود»: دَب وجويل إدغرتون
TT

مهرجان فينسيا الدولي للسينما، جوني دب لـ «الشرق الأوسط»: أختار ما أراه مناسبًا حتى ولو لم يحرز نجاحا تجاريا

جوني دب وزوجته الممثلة الأميركية أمبر هيرد حضرا العرض الأول لفيلم «قداس أسود} في مهرجان فينسيا الدولي للسينما (إ.ب.أ)،  لقطة من «قداس أسود»: دَب وجويل إدغرتون
جوني دب وزوجته الممثلة الأميركية أمبر هيرد حضرا العرض الأول لفيلم «قداس أسود} في مهرجان فينسيا الدولي للسينما (إ.ب.أ)، لقطة من «قداس أسود»: دَب وجويل إدغرتون

{كيف حالك؟ أنا مسرور لرؤيتك}.
قال جوني دَب عندما تصافحنا بحيوية مفاجئة بعد مؤتمر صحافي طويل أنهكته فيه أسئلة من نوع: «لماذا لم تحضر كلبيك إلى المهرجان؟». يقول وهو يجلس في مطعم في إحدى تلك الجزر المنتشرة في منطقة فينسيا: «قلت لها ما خطر لي. رددت: لقد قتلتهما وأكلتهما وذلك تبعًا لنصيحة رجل أسترالي ضخم الجثة».
ضحك مستمتعًا وأضاف: «لا بد أنها فوجئت بهذه السخرية لكن السؤال كان سخيفا».
جوني دَب موجود هنا بمناسبة عرض فيلمه الجديد «قداس أسود» من إخراج سكوت كوبر في ثالث عمل له بعيدًا عن التمثيل بعد «قلب مجنون» و«بعيدًا عن الأتون» Out of the Furnace، وهو يختلف عنهما، من حيث كونه فيلمًا أكبر حجمًا.

يروي «قداس أسود»، الذي تنطلق أحداثه في مدينة بوسطن سنة 1975 وتنتهي بعد عشر سنوات، قصة واقعية حول شخصية رئيس عصابة اسمه وايتي بولغر (جوني دَب) لعب على حبال الجريمة والبوليس بلا هوادة مورّطًا كل من حوله حتى وإن كان بعضهم (مثل أخيه بل ويؤديه بندكيت كمبرباتش) يحاول أن ينأى بنفسه عنه. بِل هو النقيض ولو أن الفيلم لا يملك الوقت لمنحه حضورًا كافيًا ولا يكترث، عن صواب، لإظهار تعارض مواقفهما حيال القانون بعد أن أشار إلى ذلك بلقطات ومشاهد قصيرة.
المتورط الأكبر هو تحري «إف بي آي» جون (جويل إدغرتون) الذي اعتقد أنه إذا ما استمال وايتي ليصبح مخبرًا يرشده إلى كيفية التخلص من عصابات بوسطن الأخرى، بذلك يبرز جون أمام رؤسائه من جهة، ويتيح لوايتي ممارسة ما يريد ممارسته من ناحية أخرى. لكن جون يسقط في الفخ ويصبح، وأحد زملائه (ديفيد هاربور)، متعاونين مع وايتي أكثر مما يجب. بكلمات أخرى، يطغى عنصر المال الذي أخذ وايتي يغدقه على جون وبدأت رائحة التسويات تستوي على نار تحقيقات «إف بي آي». أو كما يصرخ أحد المحققين في وجه جون: «كيف حدث أنه لا توجد جريمة في بوسطن إلا وكان وايتي وراءها، من دون أن يلقى القبض عليه حتى الآن؟».
ما آل إليه كل شخصية من هذه الشخصيات مذكور في عناوين نهاية الفيلم، لكن الكثير من الشخصيات الأخرى تُقتل إما على يدي رجال وايتي أو على يديه نفسه. وأكثر عمليات القتل عنفًا هي تلك التي يرتكبها بنفسه، وتشمل الخنق وإطلاق النار، ما عدا الضرب الدموي المبرح. وايتي متمتع بتلك التغطية التي وصلت إليه مثل هدية من السماء، بات قادرًا على أن ينفّذ جرائمه كما يشاء. «إف بي آي» يحتاج إليه، هذا إلى أن تدرك ما قادتها إليه خطة تحريها جون وفساده، مما أدّى إلى سجنه لاحقًا.

* الخيط الدقيق
ليس «قداس أسود» فيلمًا للجميع لكن أولئك الذين فوجئوا بجوني دَب ينقل الأداء العابث الذي مارسه في سلسلة «قراصنة الكاريبي» إلى بعض أفلامه الأخرى، مثل «ذا لون رانجر» و«روم داياري» The Rum Diary سيجدونه مختلفًا تمامًا مع جهد في مكانه للخروج من النمط السابق بحثًا عن أداء جديد في فيلم يختلف عن أعماله السابقة وفي شخصية رجل مجرم وعنيف لا يرحم.
في أحيان كثيرة تستطيع أن تطالع أسلوب مارتن سكورسيزي في «أصحاب جيدون» Goodfellas، وتشاهد كيف يبني المخرج سكوت على بعض أسس فرنسيس فورد كوبولا في «العراب»، وكيف يعالج موضوع العلاقة بين السلطة والجريمة، على غرار ما فعل المخرج سيدني لوميت في أكثر من فيلم («سربيكو»، «أمير المدينة» من بينها).
جوني دَب يكشف عن جانب أسود من الأداء لم ينفّذه منذ أن أدى تحت إدارة تيم بيرتون دور «سويني تود» (2007) الذي أدّى فيه شخصية حقيقية أخرى هي شخصية الحلاق البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر الذي كان يقتل زبائنه ويرميهم إلى غرفة تحت الأرض لفرمهم وبيع لحومهم.
هذا الجانب المظلم يحتاج إلى تفسير منه، وهو ما سعى إليه السؤال الأول:
* هذا دور شديد العنف ويكشف عن جانب منك رأيناه في بعض الأفلام، لكن مع جانب من السخرية التي لا نجدها هنا. أذكر مثالاً «سويني تود».
- السخرية التي تذكرها تعود إلى التقاء وجهتي نظر، المخرج تيم بيرتون، وأنا حول الكيفية التي نستطيع فيها تقديم شخصية سويني على هذا النحو. لكن شخصيتي هنا تنتمي إلى فيلم مختلف تمامًا. سكوت ترك لي حرية كيف أمثلها، لكنه كان حريصًا منذ البداية على التعبير عن أنه يريد مني أن أعكس شخصية وايتلي بقسوتها. إنه (وايتلي) بلا ريب شخصية عنيفة وهو لا يقيم وزنا لأي إنسان أو قيمة إنسانية. هذا وضع يختلف إذن عن وضع «سويني تود» أو أي فيلم آخر مثلته مع تيم بيرتون.
طبعًا. ليس هناك من مشاريع جديدة بينك وبين تيم.
لا أعتقد.
* في هذا الفيلم تقترب من زوجة موظف «إف بي آي» جون، وتهددها بطريقتك التي تثير الخوف، وتمزج لطفًا مصطنعًا بقسوة التهديد وجديته. ماذا تفعل لكي تنجز هذا المستوى من الأداء؟ هل تتمرّن عليه؟
- صوّرنا هذا المشهد في أحد أيام الأسبوع الأخير من التصوير. لذلك كان كل شيء لدي جاهزا للقيام بهذا المشهد على هذا النحو. أقصد أنني كنت وجدت الخيط الدقيق للشخصية التي ألعبها، وعندما تفعل ذلك كممثل، تتوالى المشاهد التي تقوم بها كوحدة مجتمعة.
* لأجل أن يأتي الأداء متحدًا مع بعضه.
- بالطبع. ليس واردًا التراجع عن الشخصية أو إظهار جانب ما منفصلاً عن الجواب الأخرى. لو كنت في ذلك المشهد لطيفًا فقط، لبدا ذلك غريبًا.

* إلى تورنتو
* ماذا قرأت عن وايتي بولجر ساعدك على إتقان دورك؟
- تم اقتباس الفيلم عن كتاب لجيرارد أونيل ودِك لير، لكن المناسبة كانت متاحة للبحث عن مقالات ووثائق وكتب أخرى. لا أستطيع أن أقول إنها كانت جميعًا ضرورية، لكن ساعدتني في رسم صورة ذهنية عن الرجل. الآن، هناك تشخيص وهناك تشخيص. يمكنك أن تقوم بنقل صورة مجسدة كاملة كما هناك إمكانية تحريفها على ما تتفق والمخرج عليه. سكوت (المخرج سكوت كوبر) وأنا قررنا الالتزام بالصورة القريبة. طبعًا مهما كانت قريبة لن تكون هي الصورة ذاتها.
* هل توافق على أن بعض أفلامك الأخيرة بدا أقل إثارة للاهتمام من أفلام أخرى سابقة لك؟
- لا أدري. لا يعرف الممثل ذلك إلا من بعد انتهاء الفيلم (يضحك). أؤكد لك أن كل شيء كان ورديًا قبل وخلال التصوير، لكن الفيلم في النهاية يواجه رهان الجمهور. لا أعتقد أن الخطأ يكمن في الأفلام أو في الاختيارات بحد ذاتها، بل في حالة غامضة ناتجة عن لقاء الفيلم مع جمهوره. أحيانا ما يكون اللقاء عاصفًا وناجحًا وأحيانا ما يكون هادئًا. أختار ما أراه مناسبًا ولو أنني في بعض الأحيان أدرك أن نجاحه التجاري لن يكون كبيرًا.
* ليس أفلامك فقط التي لم تلقَ نجاحًا عند عرضها، هناك ممثلون في الصف الأول مثلك غفل الجمهور عنهم. هل تعتقد أن تأثير المؤثرات طغى على تأثير الممثل؟
- هذا يمكن أن يكون صحيحًا تمامًا. قد تكون هذه هي القضية.
* قلت ذات مرّة إن عملك في السينما جاء بلا تخطيط. بدأت موسيقيًا ثم وجدت نفسك في الأفلام.
- هذا ما قلته قبل قليل في المؤتمر الصحافي. ألم تكن هناك؟
* لا أحضر المؤتمرات الصحافية.
- هذا ما قلته عندما سُئِلت عن كيف أنظر إلى حياتي المهنية اليوم. لقد مثلت في الكثير من الأفلام.
* نحو خمسين فيلم.
- هذا صحيح. واستمتعت كثيرًا بالتمثيل. لكني في الحقيقة لم أنطلق كممثل. قد تعلم ذلك. انطلقت كموسيقار ثم وجدت نفسي في التلفزيون ومنه إلى السينما.
* ما توقعاتك بالنسبة لهذا الفيلم؟
- أنا سعيد به وسعيد بأنه شهد عرضه العالمي الأول هنا. سننطلق إلى تورنتو (الأحد) لأن الفيلم سيعرض هناك أيضًا.
* هل تفضل مهرجانًا فنيًا مثل فينسيا أو مهرجانًا شاملاً مثل تورنتو؟
- كل واحد في اعتقادي يكمل الآخر. ألا توافق؟ فينسيا مهرجان قديم له صيت جيد جدًا لأنه يستقبل الأفلام الفنية ويصر على اختياراته هذه. تورنتو هو المهرجان الذي يحتاج إليه الفيلم لكي ينتشر. «قداس أسود» هو فيلم جيد لذلك هو هنا وفيلم يطمح لجمهور كبير واعتقد أنه سيجده ولذلك سيكون في تورنتو.
* أعرف أن عليك الانطلاق لمقابلة أخرى، لكن دعني أسألك سريعًا: من تحب من الممثلين الأوائل؟ بمن تأثرت؟
- لا أعرف إذا تأثرت.. ربما. لكن جون باريمور ومارلون براندو من بين أحب الممثلين إلى نفسي.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».