السودان يوقع اتفاقات تجارية بأكثر من 6 مليارات دولار مع الصين

خبراء: أزمة الاقتصاد الصيني لن تؤثر على الشراكة الاقتصادية بين البلدين

الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائهما في بكين أمس
الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائهما في بكين أمس
TT

السودان يوقع اتفاقات تجارية بأكثر من 6 مليارات دولار مع الصين

الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائهما في بكين أمس
الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائهما في بكين أمس

تزايدت وتائر التعاون الاقتصادي السوداني الصيني على الرغم أزمة الاقتصاد الصيني الحالية، فبعد أن كانت العلاقات بين البلدين تقتصر على الاستثمارات النفطية، وقع السودان مع الصين أمس عدة اتفاقيات اقتصادية تضمنت شراء وسائط نقل بري وجوي وبحري، وتوسيع العمل في مجالات استخراج النفط والغاز والاتصالات، وأبحاث الفضاء والعلوم.
ووقع البلدان أمس، عقودًا لشراء طائرتين من طراز «إيرباص» لصالح شركة الخطوط الجوية السودانية، وقطاري ركاب للعمل بين العاصمة الخرطوم وحاضرة الجزيرة ودمدني، وإنشاء خطوط سكك حديدية، وعقودات لصيانة القاطرات، وتوقيع اتفاقية لتجميع الشاحنات والسيارات في السودان لدى شركة «جياد» الحكومية.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية أن الرئيس عمر البشير الذي يزور الصين مشاركًا في احتفالها بالانتصار على اليابان في الحرب العالمية الثانية، شهد لقاء بين رجال أعمال صينيين وسودانيين الذي وقعت فيه العقود الرسمية بين تلك الشركات.
ووقعت شركة الخطوط البحرية السودانية اتفاقية إطارية مع شركة صينية، وعقود لإنشاء منطقة حرة في مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر.
وتنامت الاستثمارات الصينية في السودان أخيرًا، وبدأت تثير الكثير من التساؤلات لدى المحللين والخبراء السياسيين والاقتصاديين، ففي الوقت الذي لم تفصح فيه الحكومة عن حجم تلك الاستثمارات فإن تقديرات خبراء تذكر أنها تتجاوز 6 مليارات دولار للصادرات الصينية للخرطوم، في الوقت الذي تتجاوز استثمارات المارد الاقتصادي الصيني البترولية وحدها هذا الرقم بكثير.
ولا تخفي الصين اهتمامها بقارة أفريقيا باعتبارها واحدة من الأسواق الواعدة التي يمكن أن تتوجه إليها استثماراتها، في الوقت الذي تجد حكومة الخرطوم نفسها مجبرة على تمتين علاقتها الاقتصادية بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها، وهي ترى في علاقتها الاقتصادية الصينية مثالاً لعلاقات التعاون الاقتصادي في ظل تدهور علاقتها بدول أخرى.
نفطيًا، وهو الاستثمار الذي تغلغلت عبره الصين إلى مفاصل الاقتصاد السوداني حين خرجت منه الشركات الغربية «شيفرون الأميركية، وتالسيمان الكندية» على سبيل المثال لا الحصر، فقد استقبل الرئيس البشير في مقر إقامته في العاصمة الصينية بكين أمس، مدير شركة الصين الوطنية النفطية، الذي أبدى رغبته في زيادة استثمارات شركته في السودان، وعزمها على زيادة إنتاج البترول في البلاد.
وذكر وزير النفط والغاز السوداني محمد زايد عوض عقب لقاء مدير الشركة أنها تقدمت بعرض للعمل في استكشاف الغاز الطبيعي في مربع 8 في مناطق الدندر بولاية سنار جنوب الخرطوم، كاشفًا عن اتجاه لتوقيع اتفاقية بين البلدين لاستغلال الغاز المكتشف في تلك المنطقة، وقال: «الشركة أعلنت استجابتها الفورية بزيادة استثماراتها في السودان»، مشيرًا إلى أن اللقاء أكد على أهمية دعم الشراكة في المستقبل، مشددًا على أن التعاون النفطي بين البلدين يعد دعما لخطط استراتيجية دعم اقتصاد البلاد.
وحسب الوزير السوداني فإن السودان أنتج عام 1999 بداية تصدير ما نسبته 12 في المائة فقط من احتياطي الغاز المكتشف وغير المستثمر، وأن وزارته تعهدت بمواصلة العمل لزيادة الإنتاج في الحقول المكتشفة، والتوسع في استكشافات الغاز في مربعات جديدة، كاشفًا عن خطط لدى الشركة الوطنية الصينية تتمثل في إقامة مصنع للأسمدة في مربع 8، مستفيدة من الغاز المستخرج فيه.
كما وقعت الشركة السودانية للاتصالات «سوداتل» عقدًا مع مستثمرين صينيين، على مشروع السعات العريضة للإنترنت، واتفاقات في مجالات الأبحاث وعلوم الفضاء.
وشهد البشير توقيع اتفاقية السعات العريضة للإنترنت في حضور الوزراء المرافقين ورجال أعمال من البلدين، والذي يهدف لتحسين جودة خدمة الإنترنت وتعزيز خدمات البنية التحتية بمد خطوط الألياف الضوئية لربط مدن وقرى البلاد، وربط البلاد بدول الجوار ليصبح لاعبًا أساسيًا في تمرير الحركة الاتصالية العالمية إلى العمق الأفريقي، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية للتعاون في مجال الفضاء وأبحاثه.
وقال المحلل الاقتصادي د. محمد الناير لـ«الشرق الأوسط» إن أزمة الاقتصاد الصيني أثرت على الاقتصادات المرتبطة بالبورصات العالمية، مما انعكس على أسعار الأسهم، وانخفاض أسعار النفط، وأضاف: «لكن الاقتصاد الصيني بما يملك من احتياطات تعد الأكبر في العالم، فضلاً عن كونه ثاني أكبر اقتصاد في العالم، يملك 3 ترليونات دولار عبارة عن سندات الخزينة الأميركية، واحتياطات تزيد عن 3 ترليونات دولار أخرى، فهو قادر على تجاوز أزمته بشكل أسرع».
وأوضح الناير أن العلاقات الاقتصادية السودانية الصينية لن تتأثر بهذه الأزمة بحكم حجمها الصغير مقارنة بحجم الاقتصاد الصيني، ووفقًا لإحصائيات بنك السودان لعام 2014 فهي تبلغ 3.2 مليار دولار، بقيمة صادرات 1.3 وواردات 1.9، بعجز في الميزان التجاري قدره 533 مليون دولار لصالح الصين، بعد أن كان هذا العجز لصالح السودان بأرقام أكبر قبل انفصال جنوب السودان، وذهاب معظم صادرات النفط إلى الدولة الوليدة.
ويوضح الناير أن توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوقيعها من قبل رئيسي الدولتين، يعطي العلاقات الدفع السياسي والاقتصادي لتنفيذ ما تم توقيعه من اتفاقيات تفصيلية، أهمها قطاع النقل البحري والسكة الحديد الذي تتميز فيه الصين، ويضيف أن إنفاذ الاتفاقات في مجال النقل من شأنه إحداث نقلة كبيرة في السودان، أما توقيع اتفاقية في مجال النقل الجوي واستيراد طائرات غربية عبر الصين، وطائرات صينية من شأنه تحسين خدمة الناقل الجوي الوطني «سودانير»، ويضيف: «الاستثمار في قطاع النقل يتسم بأن دورة رأس المال فيه قصيرة، بما يمكن استعادته والأرباح في وقت قصير».
وأشار المحلل الاقتصادي إلى اتفاقية التعاون الفضائي والبحث العلمي، وقال إنها يمكن أن تتطور لتمكن السودان من إنتاج قمر صناعي للاتصالات والمعلومات وتحويل البث التلفزيوني السوداني من تناظري إلى رقمي، والإسهام في البحوث الزراعية وكشوفات ثروات باطن الأرض.
كما أوضح أن لقاء وزير المالية ومحافظ البنك المركزي السوداني بمحافظ بنك الصين الوطني، من شأنه تعبيد الطريق لمساهمة السودان في البنك الآسيوي، وتأمين التعاملات المالية، وزيادة حجم التبادل التجاري، وجعل «اليوان» الصيني وسيطًا في التعاملات المالية السودانية بديلاً عن الدولار الأميركي.
ويشار إلى أن الشركة الوطنية الصينية للبترول (CNPC) نفذت أكبر مشاريع إنتاج وتصدير النفط السوداني، الذي تتراوح عائداته بين 16 - 20 مليار دولار سنويًا، وتملك منها الصين النسبة الأكبر، إلى جانب شركات آسيوية أخرى، وفي الوقت الذي خرجت فيه شركات النفط الغربية من البلاد إثر ضغوط نشطاء ولوبيات حقوق الإنسان التي كانت ترى أن عائدات النفط تستخدم في حروب السودان.
ولم تفلح الاتهامات الغربية للاستثمارات الصينية بأنها «ملطخة بالدم» أثناء الشركات الصينية من الاستثمار في السودان، استنادًا إلى أن الدولة الصينية لا تتدخل في استثمارات شركاتها، ولا تهتم بالسياسات الداخلية لشركائها الاقتصاديين، مما مكن حكومة السودان المقاطعة غربيًا من إقامة شراكة اقتصادية كبيرة بينها والصين، استثمرتها الأولى بمواجهة العقوبات الغربية المفروضة عليها، فيما تطمح الثانية لاتخاذها بوابة للاقتصادات الأفريقية النامية.



البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في وقتٍ تتقاذف فيه أمواج التوترات الجيوسياسية استقرار الممرات المائية الحيوية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الطموحات الاقتصادية الكبرى في منطقة الخليج على الصمود أمام اختبار مضيق هرمز، الذي يمثل «شريان حياة» لا غنى عنه للاقتصاد العالمي، وفق رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي، روبرتا غاتي. وحذّرت، في حديث مع «الشرق الأوسط»، من أن التوترات الجيوسياسية الراهنة تضع طموحات التنوع الاقتصادي في المنطقة أمام اختبار حقيقي، مشددة، في المقابل، على الدور المركزي الذي تلعبه السعودية في أسواق الطاقة العالمية، من خلال تدابيرها لتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد. وأوضحت أن جهود المملكة لا تخدم المُصدّرين فحسب، بل تمتد آثارها الإيجابية لتشمل التضخم والتجارة والنمو العالمي.

كان البنك الدولي قد أصدر، الأسبوع الماضي، تقريراً، قبيل اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، ثبّت فيه اقتصاد السعودية عند موقع الصدارة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة خلال 2026، ليبرز بوصفه أكثر اقتصادات الخليج قدرةً على التعايش مع تداعيات الأزمة الجيوسياسية الراهنة، وذلك رغم المراجعة الحادة التي طالت تقديرات المنطقة. كما أظهرت البيانات الواردة في التقرير أنه من المتوقع أن يتقلص عجز المالية العامة بمقدار النصف إلى 3 في المائة، من 6 في المائة خلال 2025، بالتزامن مع تحول ميزان الحساب الجاري من المنطقة السالبة إلى تحقيق فائض ملموس من -2.7 في المائة إلى 3.3 في المائة.

رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي (البنك)

وابتداءً من يوم الاثنين الماضي، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية؛ في محاولة لتصعيد الضغط على إيران من أجل إعادة فتح الممر النفطي الحيوي بعد انهيار مفاوضات السلام في باكستان، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ويُتوقع أن تستأنف هذه المفاوضات خلال الأيام المقبلة.

وشددت غاتي على أن المملكة «تلعب دوراً مركزياً، الدور المركزي للمملكة يبرز، اليوم، في أسواق الطاقة العالمية»، وعَدَّت أن جهودها لتعزيز المرونة «تكتسب أهمية خاصة في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين حول مضيق هرمز». وقالت: «إن التدابير التي تُعزز موثوقية سلاسل إمدادات الطاقة - سواء من خلال الاستثمار في البنية التحتية، أم طرق التصدير البديلة، أم الطاقة الاحتياطية - يمكن أن تساعد في الحد من مخاطر تحوُّل مثل هذه الصدمات إلى اضطراب عالمي أوسع نطاقاً. وتكتسب هذه الجهود أهمية؛ ليس فقط للحد من التقلبات لصالح المصدّرين، بل أيضاً بالنسبة للتضخم والتجارة والنمو العالميين».

التنوع الاقتصادي واختبار الصمود

وقالت غاتي إن الصراع الحالي سلّط الضوء، بشكل مباشر، على الأهمية الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي، وهو الهدف الجوهري الذي تتبناه خطط التنمية الوطنية ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشارت إلى أن البيانات المسجّلة، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي مع بدء حرب إيران، تعكس هذا التفاوت بوضوح، «حيث شهدت الاقتصادات الأكثر تنوعاً نسبياً، مثل الإمارات المتحدة والبحرين، انخفاضاً في توقعات نموّها بنسب أقل بكثير، مقارنة بالاقتصادات الأقل تنوعاً مثل قطر والكويت». وردَّت التراجع الحاد في توقعات الأخيرتين إلى «اعتمادهما الكبير على مضيق هرمز كمسار وحيد للتجارة وصادرات الطاقة، في ظل غياب أي طرق تصدير بديلة قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية».

ويتوقع البنك الدولي أن يسجل اقتصاد قطر انكماشاً بواقع 5.7 في المائة، وهو ما يعني تراجعاً من توقعات البنك السابقة بمقدار 11 نقطة مئوية، نتيجة الأضرار التي لحقت إمدادات الغاز المُسال. كما يتوقع أن يواجه الاقتصاد الكويتي انكماشاً أكبر بواقع 6.4 في المائة؛ نظراً لاعتماده بنسبة 100 في المائة على هرمز لتصدير النفط، مما يجعل إغلاق المضيق بمنزلة توقف كامل لشريان الحياة المالي للدولة. في المقابل، يتوقع أن تسجل اقتصادات الإمارات وسلطنة عُمان نمواً متوقعاً 2.4 في المائة لكل منهما، والبحرين ما نسبته 3.1 في المائة.

في هذا السياق، تؤكد غاتي أن استراتيجيات «الرؤية» الوطنية تظل خياراً مناسباً وحيوياً؛ نظراً لاستكمالها أهداف تقليل الاعتماد الهيكلي على الهيدروكربونات وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو. إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تنفيذ هذه الاستراتيجيات يظل «حساساً» تجاه الصدمات الخارجية، مع ظهور آثار متفاوتة عبر المنطقة؛ فالاقتصادات الأكثر تنوعاً تميل إلى أن تكون أكثر مرونة بفضل امتلاكها احتياطات مالية أقوى وقطاعات غير نفطية أكثر عمقاً.

وتُنبه غاتي إلى أن نوعية القطاعات التي يشملها التنويع تلعب دوراً حاسماً في مستويات الصمود؛ فبينما أبدت قطاعات مثل الخدمات المصرفية والمالية مناعة أكبر، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يؤدي إلى إضعاف شهية الاستثمار وزيادة الاضطراب في قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجيستية، وهي المجالات التي كانت تشهد توسعاً سريعاً ومحورياً في خطط التنويع الاقتصادي بالمنطقة.

ميناء ينبع التجاري أحد المنافذ البحرية المهمة للسعودية في الفترة الراهنة (موانئ)

«فقر الطاقة»

تنتقل روبرتا غاتي، في تحليلها، إلى الجانب الأكثر قتامة لتقلبات أسواق الطاقة، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط يفرض ضغوطاً مركبة على الدول النامية المستوردة؛ إذ يُترجم فوراً إلى ارتفاع في تكاليف الكهرباء والنقل العام، وصولاً إلى زيادة أسعار المواد الغذائية المرتبطة بارتفاع تكلفة الأسمدة. وتؤكد أن هذه الضغوط تؤدي حتماً إلى اتساع العجز التجاري وزيادة استنزاف الموازنات العامة، خاصة في الدول الفقيرة ذات الاحتياطات المحدودة، والتي تضطر لتحمُّل تكاليف مالية باهظة إذا حاولت دعم أسعار الطاقة لتخفيف العبء عن مواطنيها.

وتُنبه غاتي إلى أن الطاقة الموثوقة والميسورة ليست مجرد خدمة، بل هي عصب الحياة للأُسر والشركات على حد سواء، لذا فإن تقلبات أسواق الوقود والغاز تُسدد «ضربة مزدوجة» لهذه الاقتصادات؛ فبينما تكافح الأُسر لتأمين احتياجاتها الأساسية، تواجه الشركات طاقة مكلفة وغير موثوقة، مما يجعل التوسع الصناعي عملية أبطأ، وأكثر خطورة، وأقل تنافسية. وبموجب هذا المنطق، فإن الارتفاعات الحادة في الأسعار على المدى القصير لا تكتفي بآثارها اللحظية، بل قد تؤدي إلى تعطيل «التحول الهيكلي» طويل الأمد في الاقتصادات الفقيرة طاقياً.

وخلصت إلى أن قدرة أي اقتصاد على الصمود أمام صدمات النفط والغاز ترتبط طردياً بمدى انكشاف هياكله الاقتصادية؛ حيث تلعب درجة الاعتماد على الطاقة المستوردة، وكثافة استهلاك القطاعات الإنتاجية، ومدى مرونة استجابة المستهلكين والحكومات لارتفاع الأسعار، الدور الحاسم في تحديد حجم الضرر أو القدرة على التعافي.

«فاتورة» المسارات البديلة لتأمين الطاقة

عند الحديث عن ضرورة الاستثمار في ممرات برية أو خطوط أنابيب تتجاوز المضائق البحرية الضيقة، تؤكد غاتي أن القرار يتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة الاقتصادية والقدرة على الصمود. فمن منظوريْن جغرافي وفني، يظل تصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز هو «الخيار الأكثر كفاءة» من حيث التكلفة، لكن الصدمات الراهنة تفرض تنويع طرق التجارة كضرورة لا مفر منها لتوفير المرونة.

وتستعرض غاتي أمثلة متباينة لهذا الصمود في المنطقة؛ حيث تبرز السعودية نموذجاً رائداً بقدرتها على تحويل جزء من صادراتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر خط أنابيب «شرق -غرب» بسعة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً. وبالمثل، تمتلك الإمارات خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» بسعة تُقارب 1.8 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، تظهر التحديات في حالات أخرى مثل خط أنابيب «كركوك-جيهان» الرابط بين العراق وتركيا، والذي لا يعمل إلا بكسر من طاقته الإجمالية (0.4 مليون برميل يومياً من أصل 1.5 مليون) بسبب تأخر الإصلاحات داخل الأراضي العراقية، مما يحدّ من خيارات بغداد الاستراتيجية.

نهاية عصر «الكفاءة وحدها»

وفيما يخص مرونة سلاسل التوريد، تشير غاتي إلى أن العالم يمر باختبار قاسٍ بدأ بجائحة «كوفيد-19»، وصولاً إلى صراعات المنطقة، وهي أحداث كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على شبكات إنتاج مركزة جغرافياً. وتؤكد غاتي أن الدرس الأهم من هذه الأزمات هو أن «الكفاءة وحدها لم تعد كافية»؛ إذ باتت الحكومات والشركات بحاجة ماسة إلى بناء احتياطات، وتنويع المصادر، وزيادة المخزونات للسلع الحيوية، وتطوير أنظمة لوجستية أكثر مرونة.

وكشفت كبيرة اقتصاديي البنك الدولي عن وجود أُطر عمل وأبحاث مكثفة لدعم الدول في هذا التحول؛ مُحيلةً إلى «تقرير التنمية العالمية 2020»، الذي رصد تحديات البلدان النامية في عصر سلاسل القيمة العالمية. كما أعلنت ترقب صدور تقرير جديد ومهم بعنوان «الموارد من أجل المرونة: التنويع الاقتصادي لمصدّري النفط والغاز»، والذي سيقدّم خريطة طريق للمصدّرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ حول كيفية تنويع قدراتهم الاقتصادية لتجاوز تقلبات الممرات المائية والاضطرابات المفاجئة.


برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
TT

برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي

برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أقرّ مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة إستراتيجية الصندوق 2026 - 2030، التي تُعد استكمالًا لتوجهه طويل الأمد، حيث سيركز الصندوق على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرة تنافسية عالية، بما يدعم التكامل بين القطاعات وتعظيم قيمة الأصول الإستراتيجية واستدامة العوائد، ومواصلة مسيرة التحوّل الاقتصادي في المملكة وتعزيز جودة حياة مواطنيها.


«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
TT

«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ، الأربعاء، لتنضم إلى موجة انتعاش في الأسواق العالمية وسط آمال بانتهاء أسوأ تداعيات صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب.

وارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.2 في المائة بحلول استراحة الغداء، بينما ارتفع مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 0.4 في المائة. وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 0.8 في المائة. وانضمت هذه الأسهم إلى انتعاش واسع النطاق في أسواق الأسهم الآسيوية بعد قوة «وول ستريت» خلال الليلة السابقة، حيث عززت آمالُ التوصل إلى حل دبلوماسي للحرب معنوياتِ المستثمرين.

وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن المحادثات في باكستان قد تُستأنف خلال اليومين المقبلين، بعد انهيارها خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما صرح مسؤولون باكستانيون وإيرانيون بإمكانية استئناف المفاوضات.

وقال فيليب وي، المحلل في بنك «دي بي إس»، في مذكرة: «مع استقرار أسعار (خام برنت) دون 100 دولار للبرميل في معظمها خلال الأسبوع الماضي، كانت الأسواق تنتظر حلاً دبلوماسياً». وأضاف: «في الوقت الراهن، يبدو أن أسوأ سيناريو لصدمة أسعار النفط قد جرى احتواؤه جزئياً».

وقد طغى هذا التفاؤل على المخاوف الاقتصادية، بعد أن كان «صندوق النقد الدولي» خفض توقعاته للنمو يوم الثلاثاء؛ بسبب ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

وفي الصين، قادت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية والأدوية والخدمات اللوجيستية المكاسب، بينما تراجعت أسهم شركات إنتاج سيارات الطاقة الجديدة، وشركات تصنيع البطاريات، وشركات السلع الأساسية.

وفي هونغ كونغ، ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا الحيوية، وشركات التكنولوجيا، وشركات الإعلام. وتُعدّ قطاعات الطاقة والمواد من بين القطاعات الأقل أداءً.

اليوان يتراجع

وقد انخفض اليوان الصيني بشكل طفيف مقابل الدولار يوم الأربعاء، بعد أن أظهرت البيانات تباطؤاً حاداً في صادرات البلاد خلال شهر مارس (آذار) الماضي، حيث أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الطلب العالمي.

لكن المحللين يقولون إن الاتجاه التصاعدي طويل الأجل للعملة الصينية لا يزال قائماً، مع ازدياد آمال التوصل إلى حل دبلوماسي للصراع في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي من شأنه أن يضعف جاذبية الدولار بصفته ملاذاً آمناً.

وبلغ سعر صرف اليوان في السوق المحلية نحو 6.8178 يوان للدولار عند الساعة الـ03:00 بتوقيت غرينيتش، أي بانخفاض قدره نحو 0.04 في المائة عن إغلاق الجلسة السابقة.

وجاء هذا الحذر جزئياً نتيجة بيانات أظهرت تباطؤاً حاداً في صادرات الصين خلال شهر مارس الماضي؛ مما يشير إلى انخفاض الطلب على اليوان اللازم لشراء السلع الصينية.

ولم تتجاوز نسبة نمو الشحنات الصادرة 2.5 في المائة الشهر الماضي، وهو أدنى مستوى لها في 5 أشهر، وأقل بكثير من الارتفاع الكبير الذي بلغ 21.8 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى فبراير (شباط) الماضيين. وأشار بنك «دي بي إس» إلى ضرورة توخي الحذر عند تفسير بيانات التجارة الصينية الضعيفة في مارس الماضي؛ نظراً إلى تأثيرات المقارنة التي شوهت الإشارة. في المقابل، لا يزال البنك متفائلاً بشأن قيمة اليوان على المدى الطويل، مُشيراً إلى أن الدولار يفقد تدريجياً جاذبيته بصفته ملاذاً آمناً من اضطرابات الشرق الأوسط. وقال فيليب وي، المحلل في البنك، إن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إغلاق مضيق هرمز «عزز من تصميم دول الاتحاد الأوروبي والصين على السعي نحو حل دبلوماسي».

وأضاف: «في الوقت الراهن، يبدو أن أسوأ سيناريو لصدمة أسعار النفط قد جرى احتواؤه جزئياً، ليس بسبب غياب الصراع؛ بل بسبب رفض حلفاء أميركا تصعيد الأزمة الوسطى إلى حرب شاملة».

وقد أيّد بنك «دويتشه» هذا الرأي، إذ أوصى ببيع الدولار. وقال في مذكرة: «لقد عارضنا بشدة التوجهات الصعودية للدولار في الأسابيع الأخيرة... مع التطورات الأخيرة التي تشير إلى احتمال بلوغ مخاطر الحرب مع إيران ذروتها، نرى أن الظروف مواتية الآن لبيع الدولار مجدداً».