ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

الأسلحة تتدفق على «داعش».. والجيش الوطني ينتظر

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي
TT

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

سيارة وحيدة طويلة وسوداء تقل ثلاثة مسؤولين تقف هنا وسط أسراب الذباب، في مدينة إمساعد الليبية القريبة من الحدود المصرية. مدينة تجارية عتيقة لكنها، بعد أربع سنوات من ثورات «الربيع العربي» باتت خاوية على عروشها. حركة الوزراء والنواب الذين يمرّون بها في طريقهم إلى مصر أصبحت أكثر من حركة التجار. ينادي أحدهم، وهو نائب في البرلمان الليبي، على عامل المطعم. لم يعد أحدٌ يهتم. ولم يتبق من هيبة رجال الدولة المنقسمة على نفسها منذ مقتل معمر القذافي في 2011 إلا أسماء وصفات من دون رنين وبلا بريق.
عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، وهو من قبيلة التبو التي تقاتل في صفوف الجيش الوطني ضد الميليشيات المتطرفة، يقول في حوار لـ«الشرق الأوسط» إن «الأسلحة والمقاتلين يتدفقون على تنظيم داعش في عدة مدن ليبية، جهارا نهارًا» ويتهم صراحة تركيا ودولتين عربيتين بدعم التنظيم، عبر البحر والجو والبر. غير أن الدول الثلاث تنفي هذا النوع من التهم التي كان وجهها لها أيضا قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر أثناء زيارته للأردن قبل أسبوع.

المشكلة اليوم في ليبيا لا يبدو أنها تتعلق فقط بمساعي تسوية ملفات الماضي بين الأطراف المتقاتلة، بل أخذت القضية بعدًا جديدًا حين اتضح وجود سباق محموم للوصول إلى شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. إنه موعد انتهاء المدة القانونية لعمل البرلمان، وفقا للإعلان الدستوري. فمن سيتسلم السلطة من بعده يا ترى؟ وهل ليبيا، وهي على هذا القدر من الانفلات والفوضى، قادرة على إجراء انتخابات جديدة؟
في الرد على أسئلة «الشرق الأوسط» لا يخفي بعض مستشاري الجيش، مثل الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، الشكوك في مساعي مبعوث الأمين العام لأمم المتحدة، برناردينو ليون، الذي يسعى منذ عام، لعقد مصالحة بين أطراف النزاع.
ليون أيضًا يبدو أنه يريد للأمور أن تبقى على ما هي عليه حتى يقترب موعد انتهاء عمل البرلمان، وهنا يمكن للضغوط على السلطات الشرعية أن تثمر، كما يرى بعض القادة الليبيين. إنه يريد تشكيل «حكومة وفاق وطني» يشارك فيها ما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي»، بيد أن هذه الخطوة من شأنها أن تطيح بقائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر. ولهذا يقول الدكتور عبد الكريم إن القوت المسلحة لن تترك البلاد مرة أخرى لحكم المتطرفين، مشيرًا إلى أن رؤساء الأركان وكبار الضباط يلتفّون حول القائد حفتر.
في هذه الساحة من مدينة إمساعد كانت تقف ألوف الشاحنات الآتية من مصر والمحمّلة بمختلف أنواع البضائع، من قوالب الرخام حتى قوارير المياه وعلب حليب الأطفال. ليبيا دولة مستوردة للسلع الغذائية والأدوات الكهربائية ومواد البناء. ومعروفٌ أنها دولة نفطية قادرة على دفع الفواتير. إلا أن الأوضاع تغيرت إلى الأسوأ. لقد اختفى كل شيء. الدولار كان يساوي في أيام معمّر القذافي الأخيرة 1.3 دينار ليبي، ثم ارتفع في العام الماضي إلى 2.3 دينار، واليوم وصل إلى نحو 3 دنانير. كل هذا الشحّ، إضافة للفوضى والخراب والقتلى والمصابين، يدفع الليبيين لطلب الخلاص بأي طريقة. لقد ارتفع سعر كيس الطحين من نحو 50 سنتا أيام القذافي إلى أكثر من 15 دولارًا الآن. والكهرباء تأتي فقط ساعة أو ساعتين في اليوم. رواتب الموظفين ومستحقات المواطنين الشهرية التي تصرف لهم على ما يعرف بـ«كتيبات العائلة» تتأخر لشهرين وثلاثة. أما على «الطرق السريعة» فتنتشر حواجز المتطرّفين ومن بينهم عناصر «داعش»، وفي كل يوم يحقق هؤلاء المتشدّدون مكاسب جديدة. ولا سيما أن «الهدف الوحيد لهؤلاء المتشددين – كما يقول إبراهيم عميش، النائب في البرلمان الليبي عن مدينة بنغازي – هو العمل على تقسيم ليبيا وتشجيع الغزو الأجنبي للبلاد».
ينظر عميش، الذي يرأس لجنة برلمانية معنية بالمصالحة بين الليبيين، إلى هذا الواقع المرير مجدّدًا، ويقول إن بلاده «مقبلة كما يبدو على (كابوس جديد)، إذ يخوض المتطرّفون منذ أكثر من سنة حربًا شرسة في بنغازي ضد السلطات الشرعية». وهو مثل كثيرين من القادة الليبيين، يخشى من مغبة التدخل الخارجي في رسم مستقبل ليبيا بالقوة العسكرية بحجة حالة الفوضى. لكن حالة التشرذم الداخلي والتمترس خلف البنادق ربما أصبحت أكبر من قدرة أي طرف على الحل حتى لو كان المبعوث ليون نفسه.
بعد الدوران من المنعطف الأول في مدينة إمساعد توجد ساحة تزيد مساحتها عن ثلاثة ملاعب كبيرة لكرة القدم أصبح يخيم عليها السكون. وفي الواجهة «مطعم المدينة» الذي يقدم الأكلات المسبكة واللحوم المقلية. حسب مدير المطعم، أجويدة «كنا نطبخ ونشوي للزبائن لحوم 13 إلى 15 خروفًا في اليوم. أما الآن فلا نبيع أكثر من ربع خروف ونضع الباقي في المبرّد انتظارا لليوم التالي».
هنا ينتظر ثلاثة من النواب ووزير في الحكومة ومستشاران في الجيش فناجين الشاي الأخضر المغلي، قبل أن يواصلوا الرحلة للعبور إلى مصر حيث أسس أول جيش ليبي عام 1939 لتحريرها من الاستعمار. ويقول عبد الكريم: «مصر تقف معنا، لكننا في حاجة إلى مزيد من الضغط على المجتمع الدولي لتحقيق ثلاثة أمور: الأول منع تدفق المقاتلين والأسلحة إلى الإرهابيين في ليبيا، والثاني رفع الحظر عن تسليح الجيش، والثالث المساعدة في بناء مؤسسات الدولة».
المظاهرات الصغيرة المتعارضة واللافتات التي تحمل شعارات متضاربة، ويرفعها البعض على واجهات المباني، تعكس حالة شديدة التعقيد لا تبشر بإمكانية التوصل إلى حلول سريعة لحسم الصراع. فهناك انتشار لـ«داعش» في مدن بنغازي ودرنة في الشرق، وسرت في الوسط، وصبراتة قرب حدود تونس في الغرب. أيضًا توجد جماعات متشددة أخرى مشابهة – وإن كانت تقاتله في بعض الأحيان – تتركز في العاصمة طرابلس وبعض المدن الأخرى، منها تنظيم «القاعدة» و«قوة فجر ليبيا» التي يديرها قادة متطرّفون من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» التي أسسها شبان ليبيون
في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان.
وبينما تزيد «قوة فجر ليبيا»، المحسوبة على مدينة مصراتة الساحلية، تحصّنها في طرابلس، يتحرك «داعش» للسيطرة على الهلال النفطي الممتد على ساحل البحر المتوسط من سرت إلى إجدابيا، لكن قادة الجيش يقولون: إنه يوجد تعاون بين العناصر المتطرّفة في البلاد، وكل فريق، سواءً كان «داعش» أو «القاعدة» أو «فجر ليبيا» يساعد الآخر لتحقيق الهدف نفسه.. ألا وهو ضرب الجيش والشرطة والسلطة الشرعية، أو على الأقل، تعطيلها انتظارا لاحتمال دخول البلاد في حالة فراغ في السلطة بانتهاء المدة القانونية لعمل البرلمان الشهر المقبل.
المنقذ الوحيد يبدو أنه يكمن، حتى الآن، في تشكيل «حكومة الوفاق الوطني» المنتظرة. وسيعقد ليون لقاء لهذا الغرض في جنيف قبل نهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، لكن المسألة على أرض الواقع لا تبدو بتلك البساطة. كيف سيفك الارتباط بين الميليشيات المتطرفة التي سيدخل ممثلون عنها في تركيبة «حكومة الوفاق»؟ وكيف ستحل مشكلة الجيش والتفافه حول حفتر الخصم اللدود للمتطرفين؟ وكيف ستعاد الوحدة لهيئة صياغة الدستور بعدما قاطعتها مكوّنات أساسية في المجتمع الليبي، هي الأمازيغ والطوارق والتبو؟ كما يتساءل لـ«الشرق الأوسط» عضو هيئة صياغة الدستور، خالد وهلي.
الذين لا يفضلون حلول ليون، لديهم بدائل أخرى مختلفة، منها الإسراع من خلال البرلمان في انتخاب رئيس للدولة، على أن يكون ذلك من داخل جسم البرلمان نفسه، وذلك قبل انتهاء مدته القانونية، حتى يمكن لهذا الرئيس أن يسد أي فراغ محتمل في السلطة. وهناك اقتراح آخر يراوح مكانه منذ نحو شهرين، ويقضي بتأسيس «مجلس عسكري» يكون لديه جاهزية ليتولى إدارة البلاد في حال حل البرلمان. وهنا يقول عيسى عبد المجيد: «نعم.. مسألة انتخاب رئيس للدولة من داخل البرلمان أمر وارد». بينما يشير عبد الكريم إلى أن موضوع تشكيل «المجلس العسكري» جرى التطرق إليه مع قادة من الجيش ومن البرلمان. بيد أن الأفكار التي ينثرها البعض حول مائدة الطعام وفناجين الشاي في إمساعد، قبل عبور الحدود للتشاور مع الجانب المصري وبعض الأطراف الدولية التي تزور القاهرة، تتعارض دائمًا مع مخاوف من وجود مخطط دولي للتدخل العسكري في ليبيا وتقسيمها إلى دويلات.
لماذا لا تتدخل سفن حلف شمال الأطلسي وحاملات الطائرات الأميركية في البحر المتوسط لمنع تدفق الأسلحة والمقاتلين على «داعش» وعلى التنظيمات المتطرفة الأخرى في ليبيا؟
هكذا يتساءل مستشار الجيش عبد الكريم، موضحًا أن الجيش رصد في الشهور الأخيرة تحرك الكثير من السفن الآتية من تركيا إلى ميناء مصراتة، وفي ميناء مصراتة يجري تفريغ حمولتها وتوزَّع على مراكب صغيرة يسميها الليبيون «جرافات» ومن ثم تُنقَل إلى موانئ يسيطر عليها المتطرّفون والدواعش في سرت وبنغازي ودرنة. الجيش يقصف هذه «الجرافات» بين وقت وآخر، ونجح بالفعل في إغراق بعضها بمن عليها من مقاتلين وما عليها من أسلحة في البحر، لكن الوضع العسكري ما زال صعبا ولا يمكن الحديث عن حسم كل شيء قبل نهاية العام. وحتى إذا لم ينته الحظر الدولي على تسليحه، فالجيش، وفق عبد الكريم «لن يستسلم وسيواصل حربه على المتطرفين، بمساعدة الدول الشقيقة والصديقة، مثل مصر التي تعد من أكثر الدول تضررا من وجود المتطرفين في هذا البلد المجاور لحدودها من ناحية الغرب».
وفي الوقت نفسه، يضيف عبد الكريم «ما زالت هناك طائرات تركية تهبط في مطار مصراتة الذي لا تسيطر عليه السلطات الشرعية في البلاد، وتديره الميليشيات المتطرفة»، واتهم الدولتين العربيتين الأخريين بمساعدة المتطرفين عبر مطار معيتيقة القريب من طرابلس ومطار الكفرة القريب من الحدود مع مصر، لكن مساعداتها عن طريق الجو تراجعت بعد ضبط طائرة كانت محملة بالأسلحة ومتجهة للمتشددين في ليبيا. مع هذا، ويقول عبد الكريم إن آخر رصد لهبوط طائرات في ليبيا من هذه الدولة كان منذ نحو ثلاثة أشهر.
على أي حال، حفتر نفسه عاد من جديد، قبل أيام، واتهم تركيا والبلدين العربيين المذكورين آنفًا بدعم الإرهاب في ليبيا، قائلا إن الجماعات المسلحة المتشددة تتلقى الدعم من هذه البلدان. ويسعى حفتر راهنًا لدى دول شقيقة وصديقة لفك الحظر الدولي المفروض على تسليح الجيش. وبالفعل زار أخيرًا الأردن (العضو العربي غير الدائم في مجلس الأمن) وباكستان التي لها علاقات حسنة مع الصين، خاصة أن هذه الأخيرة عضو دائم في مجلس الأمن. ويشدد حفتر على أن الجيش الليبي «يحارب الإرهاب نيابة عن العالم».
اتهام الدول الثلاث المشار إليها لا يقتصر على العسكريين، مثل حفتر ومستشاريه، أو نواب بالبرلمان ومستشاريه، بل هو أمر شائع حتى في أوساط الناشطين، وبالأخص، الذين يعملون بالقرب من مناطق تهريب الأسلحة والمقاتلين. ويقول يوسف غالي، الناشط في الجنوب الليبي، إن هذا النوع من التهريب مستمر خاصة بين حدود ليبيا وحدود مالي عبر النيجر، وبين حدود ليبيا مع السودان. لكنه يضيف «مع ذلك، فإن قوة المتشددين في الجنوب تتراجع باستمرار، على عكس تنامي داعش في الشمال الأوسط.. إنهم هنا (في الجنوب) في ضعف دائم.. وأعتقد أنهم في تراجع مستمر بسبب عجزهم عن شن أي هجمات منذ فترة طويلة. وهم الآن في موقع الدفاع لأنهم يحاولون الدفاع عن مواقعهم من خلال حفر خنادق وعمل سواتر ترابية خاصة في منطقة أوباري».
في هذه الأثناء، المتغيرات التي طرأت على مدينة إمساعد الحدودية، رغم بعدها عن واجهة الأحداث الكبيرة، تعطي مؤشرات على ما تسير إليه الأوضاع. إذ كانت المدينة أثناء حكم الإخوان في مصر مركزًا لتهريب البشر والأسلحة على جانبي الحدود. لكن بوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم في مصر، تغيرت الأمور وشددت مصر إجراءاتها على الحدود، وشنت غارات حربية على قواعد «داعش» قرب درنة، وهي مستمرة بمراقبة الوضع عن كثب. ويؤكد اللواء علاء أبو زيد، محافظ مطروح، أقرب محافظة مصرية للحدود الليبية، أن أعمال التهريب مع ليبيا تراجعت إلى حد كبير.
استعادة الدولة المصرية حضورها عقب إزاحة الإخوان عن الحكم، لم يؤثر فقط على حدودها مع ليبيا، بل على حدود ليبيا عمومًا. فلدى مصر اتفاقات تعاون مع الجيش الليبي، وعلاقتها مع السلطات الشرعية في ليبيا قوية. ويحرص الكثير من القادة الليبيين على توجيه التحية لمواقفها خاصة مواقف السيسي. كذلك ظهرت ملامح تشديد الرقابة على حدود ليبيا مع السودان، من خلال الخلافات بين مهربي الأسلحة والذخائر والآليات والبشر. ولبعض القبائل امتداد داخل ليبيا والسودان. تتركز هذه القبائل في بلدة الكفرة، وشهدت عمليات اقتتال بين أهم قبيلتين هناك، وهما الزويّة التي لها عناصر موالية للمتشدّدين، والتبو المنحازة للجيش الوطني، وذلك خلال الأسابيع الماضية، سقط على إثرها، كما يقول غالي، العشرات بين قتلى وجرحى من الطرفين.
ويذكر شهود عيان أن طائرات يقال: إنها من دون طيار تتحرك في السماء في جنوب ليبيا. وسجّل قبل نحو ثلاثة أشهر قصف أميركي لاجتماع كان يشارك فيه، في جنوب بلدة إجدابيا الليبية، القيادي الجزائري في تنظيم القاعدة، مختار بلمختار، ضمن سلسلة أميركية لاستهداف قادة المتشددين، إذ سبقها اختطاف رجلين آخرين على الأقل من كل من طرابلس وبنغازي. وعما إذا كان يرى أي احتمال لضربات دولية لمواقع المتطرفين خاصة «داعش»، كما حدث مع بلمختار، يقول غالي: لا أعتقد ذلك، أو بالأصح لا أدري، مشيرا في الوقت نفسه إلى استمرار تحليق «طائرات مجهولة الهوية في الأجواء بين الحين والآخر».
قادة عسكريون يرون أن الجيش يستطيع سحق المتطرفين و«داعش» ومنع الهجرة غير الشرعية عبر البلاد إذا ما توافر له السلاح «لكن النوايا الغربية بالذات تجاه الجيش لا تبدو طيبة»، أو هكذا يراها مستشارون مقربون من حفتر، مثل المستشار عبد الكريم. وفي محاولة لخلق زخم شعبي حول القوات المسلحة، سيعلن في غضون الأيام المقبلة عن «جبهة النضال الوطني»، من مجموعات من الناشطين الليبيين والمواطنين، لدعم الجيش. وهذه الجبهة ستسعى أيضا لـ«المصالحة الوطنية الليبية» ودعم قوات الجيش في الحرب على الإرهاب، بعيدا عن أي تدخل خارجي.
من ناحية أخرى، غضب حفتر من «كيل بعض الدول الغربية بمكيالين» ظهر بوضوح خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها فريق من لجنة العقوبات الدولية إلى ميناء طبرق، لتوقيف باخرة تحمل علم ليبيريا كانت تحمل 52 مدرعة عسكرية كمساعدات للجيش آتية من إحدى الدول العربية. إذ رفض كل من حفتر ورئيس الأركان، عبد الرزاق الناضوري، مقابلة الفريق الأممي كنوع من التعبير عن الاستياء من التضييق على الجيش. واكتفى حفتر بإيفاد العميد عبد السلام الحاسي رئيس غرفة العلميات، للتحاور مع مندوبي لجنة العقوبات. ويقول مسؤول عسكري حضر اللقاء بين أعضاء الفريق الأممي والحاسي إن هذه الواقعة جرت قبل نحو عشرة أيام وإنه كان لدى لجنة العقوبات معلومات عن وصول شحنة المساعدات.. «المعلومات كانت صحيحة.. وصلت الشحنة للميناء بالفعل لكنها لم تكن قد أنزلت حمولتها بعد». والحمولة عبارة عن 52 مدرعة عسكرية. وبعدها حطت طائرة فريق لجنة العقوبات في طبرق. كانوا ثمانية معظمهم أوروبيون. فسألهم الحاسي أسئلة عن وجهتهم ولماذا. ومن ثم انتقدهم، وأخبرهم قائلا: هل أنتم لا ترون حقيقة ما يجري من أوضاع في ليبيا؟ ما هي قصتكم؟
يوضح المصدر أن الحاسي كان يقول ذلك بطريقته حتى أنك إذا رأيته من بعيد تعتقد أنه يلقي لهم بكلمات الترحيب لا الانتقادات الحادة. ويضيف أن الحاسي قال لأعضاء الفريق أيضًا «الجماعات الإرهابية تأتيها كل أنواع الأسلحة، من البحر والجو والبر، وتحط في مصراتة وغيرها، ولم يحتج أحد ولم يتدخل للتحدث مع داعمي الميليشيات المتطرفة». ووفقا للمصدر نفسه تابع الحاسي حديثه للفريق الأممي قال لهم «هل لا ترون ما يجري؟ هل لا تبصرون؟.. لماذا لم تروا إلا الـ52 سيارة مدرعة؟ هذه سيارات خاصة لقوات الشرطة لحماية الليبيين من القتل. فلماذا بدأتم تتحركون الآن؟».
لكن أعضاء الفريق لم يتوقفوا كثيرا عند انتقادات الحاسي، وبدأ أحد هؤلاء الأعضاء السؤال عن أوراق شحنة السيارات المدرعة، ومَن صرّح بدخولها إلى ميناء طبرق، ومن أين أتت. وأجاب الحاسي إجابات على أسئلة أخرى كانت تشغل الجيش، قائلا إن السلطات الشرعية الليبية سبق وتقدمت للجنة العقوبات الدولية بالكثير من القوائم التي تشمل المعدات والأسلحة المطلوبة لسد حاجات القوات المسلحة من أجل محاربة الإرهاب، وحتى الآن لم تبتوا فيها. وقال للفريق الأممي أيضا إن «الطلبيات التي يحتاجها الجيش موضوعة في ملف كامل جرى تسليمه للأمم المتحدة عدة مرات في الشهور الأخيرة، لكنكم لم تردوا عليه. ولم تبتوا فيه. لماذا لم تبتوا فيه؟ ما الهدف؟».
ويضيف المصدر أنه كانت هناك محاولات من الحاسي ومن قادة آخرين في الجيش لإقناع الفريق الأممي بالسماح بإنزال السيارات التي كانت على وشك النزول بالفعل على رصيف الميناء. وقال أحد القادة لوفد لجنة العقوبات إن المدرعات تابعة لقوات الشرطة، وإن الجيش كان يسعى لتسلمها لأنه هو المشرف على مثل هذه الأعمال باعتباره في حالة حرب. بيد أن أعضاء اللجنة الثمانية توجّهوا إلى الميناء وصعدوا على ظهر الباخرة، وأخبروا قائدها بطبيعة مهمتهم، وأمروه بألا يفرغ حمولة الباخرة، والعودة بها من حيث أتت.
استغرقت مهمة الفريق الأممي عدة ساعات، وبعد تأكدهم من مغادرة الباخرة بما عليها، رفضوا المبيت في طبرق. ربما لشعورهم بأنهم غير مرحب بهم هنا. ومن جانبها تقول مصادر بالأمم المتحدة على علاقة بالملف الليبي إنه في حال التوصل إلى «حكومة وفاق وطني»، فإنه سينظَر في رفع العقوبات الدولية عن ليبيا بما فيها حظر تسليح الجيش، والعمل على بسط الاستقرار ومساعدة الليبيين في بناء دولتهم. وتنفي هذه المصادر وجود محاباة للجماعات المتشدّدة التي تهيمن على طرابلس، قائلة إن «بنود التوافق الوطني واضحة، والهدف منها ليس التدخل الخارجي في شؤون ليبيا، ولا الانحياز لطرف على حساب الآخر، ولكن الهدف هو جمع الأطراف المتصارعة على مشتركات من أجل الخروج من النفق المظلم قبل فوات الأوان». ليون، من جهته، قام بزيارة خاصة إلى القاهرة أخيرًا، التقى خلالها بعدد من أعضاء البرلمان الليبي وذلك لإزالة المخاوف التي تتعلق بمستقبل البرلمان والجيش وتشكيلة الحكومة المقبلة. ووفقا لمصادر ليبية شاركت في هذه اللقاءات، فإن ما جرى التوصل إليه مطمئن ومبشر لكن العقبات تكمن دائما في التفاصيل، كطريقة اختيار وزير للدفاع في الحكومة الجديدة ومستقبل حفتر، وصلاحيات مجلس الدولة الذي سيتكون من النواب السابقين في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، وشروط التمديد لعمل البرلمان الحالي بعد أكتوبر. وإلى أن ينعقد الاجتماع المقبل بين الليبيين في جنيف، تظل خيارات المستقبل مفتوحة على كل الاحتمالات.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.