ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

الأسلحة تتدفق على «داعش».. والجيش الوطني ينتظر

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي
TT

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

ليبيا.. بين التدخل الخارجي والتشرذم الداخلي

سيارة وحيدة طويلة وسوداء تقل ثلاثة مسؤولين تقف هنا وسط أسراب الذباب، في مدينة إمساعد الليبية القريبة من الحدود المصرية. مدينة تجارية عتيقة لكنها، بعد أربع سنوات من ثورات «الربيع العربي» باتت خاوية على عروشها. حركة الوزراء والنواب الذين يمرّون بها في طريقهم إلى مصر أصبحت أكثر من حركة التجار. ينادي أحدهم، وهو نائب في البرلمان الليبي، على عامل المطعم. لم يعد أحدٌ يهتم. ولم يتبق من هيبة رجال الدولة المنقسمة على نفسها منذ مقتل معمر القذافي في 2011 إلا أسماء وصفات من دون رنين وبلا بريق.
عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، وهو من قبيلة التبو التي تقاتل في صفوف الجيش الوطني ضد الميليشيات المتطرفة، يقول في حوار لـ«الشرق الأوسط» إن «الأسلحة والمقاتلين يتدفقون على تنظيم داعش في عدة مدن ليبية، جهارا نهارًا» ويتهم صراحة تركيا ودولتين عربيتين بدعم التنظيم، عبر البحر والجو والبر. غير أن الدول الثلاث تنفي هذا النوع من التهم التي كان وجهها لها أيضا قائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر أثناء زيارته للأردن قبل أسبوع.

المشكلة اليوم في ليبيا لا يبدو أنها تتعلق فقط بمساعي تسوية ملفات الماضي بين الأطراف المتقاتلة، بل أخذت القضية بعدًا جديدًا حين اتضح وجود سباق محموم للوصول إلى شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. إنه موعد انتهاء المدة القانونية لعمل البرلمان، وفقا للإعلان الدستوري. فمن سيتسلم السلطة من بعده يا ترى؟ وهل ليبيا، وهي على هذا القدر من الانفلات والفوضى، قادرة على إجراء انتخابات جديدة؟
في الرد على أسئلة «الشرق الأوسط» لا يخفي بعض مستشاري الجيش، مثل الدكتور صلاح الدين عبد الكريم، الشكوك في مساعي مبعوث الأمين العام لأمم المتحدة، برناردينو ليون، الذي يسعى منذ عام، لعقد مصالحة بين أطراف النزاع.
ليون أيضًا يبدو أنه يريد للأمور أن تبقى على ما هي عليه حتى يقترب موعد انتهاء عمل البرلمان، وهنا يمكن للضغوط على السلطات الشرعية أن تثمر، كما يرى بعض القادة الليبيين. إنه يريد تشكيل «حكومة وفاق وطني» يشارك فيها ما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي»، بيد أن هذه الخطوة من شأنها أن تطيح بقائد الجيش الفريق أول خليفة حفتر. ولهذا يقول الدكتور عبد الكريم إن القوت المسلحة لن تترك البلاد مرة أخرى لحكم المتطرفين، مشيرًا إلى أن رؤساء الأركان وكبار الضباط يلتفّون حول القائد حفتر.
في هذه الساحة من مدينة إمساعد كانت تقف ألوف الشاحنات الآتية من مصر والمحمّلة بمختلف أنواع البضائع، من قوالب الرخام حتى قوارير المياه وعلب حليب الأطفال. ليبيا دولة مستوردة للسلع الغذائية والأدوات الكهربائية ومواد البناء. ومعروفٌ أنها دولة نفطية قادرة على دفع الفواتير. إلا أن الأوضاع تغيرت إلى الأسوأ. لقد اختفى كل شيء. الدولار كان يساوي في أيام معمّر القذافي الأخيرة 1.3 دينار ليبي، ثم ارتفع في العام الماضي إلى 2.3 دينار، واليوم وصل إلى نحو 3 دنانير. كل هذا الشحّ، إضافة للفوضى والخراب والقتلى والمصابين، يدفع الليبيين لطلب الخلاص بأي طريقة. لقد ارتفع سعر كيس الطحين من نحو 50 سنتا أيام القذافي إلى أكثر من 15 دولارًا الآن. والكهرباء تأتي فقط ساعة أو ساعتين في اليوم. رواتب الموظفين ومستحقات المواطنين الشهرية التي تصرف لهم على ما يعرف بـ«كتيبات العائلة» تتأخر لشهرين وثلاثة. أما على «الطرق السريعة» فتنتشر حواجز المتطرّفين ومن بينهم عناصر «داعش»، وفي كل يوم يحقق هؤلاء المتشدّدون مكاسب جديدة. ولا سيما أن «الهدف الوحيد لهؤلاء المتشددين – كما يقول إبراهيم عميش، النائب في البرلمان الليبي عن مدينة بنغازي – هو العمل على تقسيم ليبيا وتشجيع الغزو الأجنبي للبلاد».
ينظر عميش، الذي يرأس لجنة برلمانية معنية بالمصالحة بين الليبيين، إلى هذا الواقع المرير مجدّدًا، ويقول إن بلاده «مقبلة كما يبدو على (كابوس جديد)، إذ يخوض المتطرّفون منذ أكثر من سنة حربًا شرسة في بنغازي ضد السلطات الشرعية». وهو مثل كثيرين من القادة الليبيين، يخشى من مغبة التدخل الخارجي في رسم مستقبل ليبيا بالقوة العسكرية بحجة حالة الفوضى. لكن حالة التشرذم الداخلي والتمترس خلف البنادق ربما أصبحت أكبر من قدرة أي طرف على الحل حتى لو كان المبعوث ليون نفسه.
بعد الدوران من المنعطف الأول في مدينة إمساعد توجد ساحة تزيد مساحتها عن ثلاثة ملاعب كبيرة لكرة القدم أصبح يخيم عليها السكون. وفي الواجهة «مطعم المدينة» الذي يقدم الأكلات المسبكة واللحوم المقلية. حسب مدير المطعم، أجويدة «كنا نطبخ ونشوي للزبائن لحوم 13 إلى 15 خروفًا في اليوم. أما الآن فلا نبيع أكثر من ربع خروف ونضع الباقي في المبرّد انتظارا لليوم التالي».
هنا ينتظر ثلاثة من النواب ووزير في الحكومة ومستشاران في الجيش فناجين الشاي الأخضر المغلي، قبل أن يواصلوا الرحلة للعبور إلى مصر حيث أسس أول جيش ليبي عام 1939 لتحريرها من الاستعمار. ويقول عبد الكريم: «مصر تقف معنا، لكننا في حاجة إلى مزيد من الضغط على المجتمع الدولي لتحقيق ثلاثة أمور: الأول منع تدفق المقاتلين والأسلحة إلى الإرهابيين في ليبيا، والثاني رفع الحظر عن تسليح الجيش، والثالث المساعدة في بناء مؤسسات الدولة».
المظاهرات الصغيرة المتعارضة واللافتات التي تحمل شعارات متضاربة، ويرفعها البعض على واجهات المباني، تعكس حالة شديدة التعقيد لا تبشر بإمكانية التوصل إلى حلول سريعة لحسم الصراع. فهناك انتشار لـ«داعش» في مدن بنغازي ودرنة في الشرق، وسرت في الوسط، وصبراتة قرب حدود تونس في الغرب. أيضًا توجد جماعات متشددة أخرى مشابهة – وإن كانت تقاتله في بعض الأحيان – تتركز في العاصمة طرابلس وبعض المدن الأخرى، منها تنظيم «القاعدة» و«قوة فجر ليبيا» التي يديرها قادة متطرّفون من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» التي أسسها شبان ليبيون
في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان.
وبينما تزيد «قوة فجر ليبيا»، المحسوبة على مدينة مصراتة الساحلية، تحصّنها في طرابلس، يتحرك «داعش» للسيطرة على الهلال النفطي الممتد على ساحل البحر المتوسط من سرت إلى إجدابيا، لكن قادة الجيش يقولون: إنه يوجد تعاون بين العناصر المتطرّفة في البلاد، وكل فريق، سواءً كان «داعش» أو «القاعدة» أو «فجر ليبيا» يساعد الآخر لتحقيق الهدف نفسه.. ألا وهو ضرب الجيش والشرطة والسلطة الشرعية، أو على الأقل، تعطيلها انتظارا لاحتمال دخول البلاد في حالة فراغ في السلطة بانتهاء المدة القانونية لعمل البرلمان الشهر المقبل.
المنقذ الوحيد يبدو أنه يكمن، حتى الآن، في تشكيل «حكومة الوفاق الوطني» المنتظرة. وسيعقد ليون لقاء لهذا الغرض في جنيف قبل نهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، لكن المسألة على أرض الواقع لا تبدو بتلك البساطة. كيف سيفك الارتباط بين الميليشيات المتطرفة التي سيدخل ممثلون عنها في تركيبة «حكومة الوفاق»؟ وكيف ستحل مشكلة الجيش والتفافه حول حفتر الخصم اللدود للمتطرفين؟ وكيف ستعاد الوحدة لهيئة صياغة الدستور بعدما قاطعتها مكوّنات أساسية في المجتمع الليبي، هي الأمازيغ والطوارق والتبو؟ كما يتساءل لـ«الشرق الأوسط» عضو هيئة صياغة الدستور، خالد وهلي.
الذين لا يفضلون حلول ليون، لديهم بدائل أخرى مختلفة، منها الإسراع من خلال البرلمان في انتخاب رئيس للدولة، على أن يكون ذلك من داخل جسم البرلمان نفسه، وذلك قبل انتهاء مدته القانونية، حتى يمكن لهذا الرئيس أن يسد أي فراغ محتمل في السلطة. وهناك اقتراح آخر يراوح مكانه منذ نحو شهرين، ويقضي بتأسيس «مجلس عسكري» يكون لديه جاهزية ليتولى إدارة البلاد في حال حل البرلمان. وهنا يقول عيسى عبد المجيد: «نعم.. مسألة انتخاب رئيس للدولة من داخل البرلمان أمر وارد». بينما يشير عبد الكريم إلى أن موضوع تشكيل «المجلس العسكري» جرى التطرق إليه مع قادة من الجيش ومن البرلمان. بيد أن الأفكار التي ينثرها البعض حول مائدة الطعام وفناجين الشاي في إمساعد، قبل عبور الحدود للتشاور مع الجانب المصري وبعض الأطراف الدولية التي تزور القاهرة، تتعارض دائمًا مع مخاوف من وجود مخطط دولي للتدخل العسكري في ليبيا وتقسيمها إلى دويلات.
لماذا لا تتدخل سفن حلف شمال الأطلسي وحاملات الطائرات الأميركية في البحر المتوسط لمنع تدفق الأسلحة والمقاتلين على «داعش» وعلى التنظيمات المتطرفة الأخرى في ليبيا؟
هكذا يتساءل مستشار الجيش عبد الكريم، موضحًا أن الجيش رصد في الشهور الأخيرة تحرك الكثير من السفن الآتية من تركيا إلى ميناء مصراتة، وفي ميناء مصراتة يجري تفريغ حمولتها وتوزَّع على مراكب صغيرة يسميها الليبيون «جرافات» ومن ثم تُنقَل إلى موانئ يسيطر عليها المتطرّفون والدواعش في سرت وبنغازي ودرنة. الجيش يقصف هذه «الجرافات» بين وقت وآخر، ونجح بالفعل في إغراق بعضها بمن عليها من مقاتلين وما عليها من أسلحة في البحر، لكن الوضع العسكري ما زال صعبا ولا يمكن الحديث عن حسم كل شيء قبل نهاية العام. وحتى إذا لم ينته الحظر الدولي على تسليحه، فالجيش، وفق عبد الكريم «لن يستسلم وسيواصل حربه على المتطرفين، بمساعدة الدول الشقيقة والصديقة، مثل مصر التي تعد من أكثر الدول تضررا من وجود المتطرفين في هذا البلد المجاور لحدودها من ناحية الغرب».
وفي الوقت نفسه، يضيف عبد الكريم «ما زالت هناك طائرات تركية تهبط في مطار مصراتة الذي لا تسيطر عليه السلطات الشرعية في البلاد، وتديره الميليشيات المتطرفة»، واتهم الدولتين العربيتين الأخريين بمساعدة المتطرفين عبر مطار معيتيقة القريب من طرابلس ومطار الكفرة القريب من الحدود مع مصر، لكن مساعداتها عن طريق الجو تراجعت بعد ضبط طائرة كانت محملة بالأسلحة ومتجهة للمتشددين في ليبيا. مع هذا، ويقول عبد الكريم إن آخر رصد لهبوط طائرات في ليبيا من هذه الدولة كان منذ نحو ثلاثة أشهر.
على أي حال، حفتر نفسه عاد من جديد، قبل أيام، واتهم تركيا والبلدين العربيين المذكورين آنفًا بدعم الإرهاب في ليبيا، قائلا إن الجماعات المسلحة المتشددة تتلقى الدعم من هذه البلدان. ويسعى حفتر راهنًا لدى دول شقيقة وصديقة لفك الحظر الدولي المفروض على تسليح الجيش. وبالفعل زار أخيرًا الأردن (العضو العربي غير الدائم في مجلس الأمن) وباكستان التي لها علاقات حسنة مع الصين، خاصة أن هذه الأخيرة عضو دائم في مجلس الأمن. ويشدد حفتر على أن الجيش الليبي «يحارب الإرهاب نيابة عن العالم».
اتهام الدول الثلاث المشار إليها لا يقتصر على العسكريين، مثل حفتر ومستشاريه، أو نواب بالبرلمان ومستشاريه، بل هو أمر شائع حتى في أوساط الناشطين، وبالأخص، الذين يعملون بالقرب من مناطق تهريب الأسلحة والمقاتلين. ويقول يوسف غالي، الناشط في الجنوب الليبي، إن هذا النوع من التهريب مستمر خاصة بين حدود ليبيا وحدود مالي عبر النيجر، وبين حدود ليبيا مع السودان. لكنه يضيف «مع ذلك، فإن قوة المتشددين في الجنوب تتراجع باستمرار، على عكس تنامي داعش في الشمال الأوسط.. إنهم هنا (في الجنوب) في ضعف دائم.. وأعتقد أنهم في تراجع مستمر بسبب عجزهم عن شن أي هجمات منذ فترة طويلة. وهم الآن في موقع الدفاع لأنهم يحاولون الدفاع عن مواقعهم من خلال حفر خنادق وعمل سواتر ترابية خاصة في منطقة أوباري».
في هذه الأثناء، المتغيرات التي طرأت على مدينة إمساعد الحدودية، رغم بعدها عن واجهة الأحداث الكبيرة، تعطي مؤشرات على ما تسير إليه الأوضاع. إذ كانت المدينة أثناء حكم الإخوان في مصر مركزًا لتهريب البشر والأسلحة على جانبي الحدود. لكن بوصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم في مصر، تغيرت الأمور وشددت مصر إجراءاتها على الحدود، وشنت غارات حربية على قواعد «داعش» قرب درنة، وهي مستمرة بمراقبة الوضع عن كثب. ويؤكد اللواء علاء أبو زيد، محافظ مطروح، أقرب محافظة مصرية للحدود الليبية، أن أعمال التهريب مع ليبيا تراجعت إلى حد كبير.
استعادة الدولة المصرية حضورها عقب إزاحة الإخوان عن الحكم، لم يؤثر فقط على حدودها مع ليبيا، بل على حدود ليبيا عمومًا. فلدى مصر اتفاقات تعاون مع الجيش الليبي، وعلاقتها مع السلطات الشرعية في ليبيا قوية. ويحرص الكثير من القادة الليبيين على توجيه التحية لمواقفها خاصة مواقف السيسي. كذلك ظهرت ملامح تشديد الرقابة على حدود ليبيا مع السودان، من خلال الخلافات بين مهربي الأسلحة والذخائر والآليات والبشر. ولبعض القبائل امتداد داخل ليبيا والسودان. تتركز هذه القبائل في بلدة الكفرة، وشهدت عمليات اقتتال بين أهم قبيلتين هناك، وهما الزويّة التي لها عناصر موالية للمتشدّدين، والتبو المنحازة للجيش الوطني، وذلك خلال الأسابيع الماضية، سقط على إثرها، كما يقول غالي، العشرات بين قتلى وجرحى من الطرفين.
ويذكر شهود عيان أن طائرات يقال: إنها من دون طيار تتحرك في السماء في جنوب ليبيا. وسجّل قبل نحو ثلاثة أشهر قصف أميركي لاجتماع كان يشارك فيه، في جنوب بلدة إجدابيا الليبية، القيادي الجزائري في تنظيم القاعدة، مختار بلمختار، ضمن سلسلة أميركية لاستهداف قادة المتشددين، إذ سبقها اختطاف رجلين آخرين على الأقل من كل من طرابلس وبنغازي. وعما إذا كان يرى أي احتمال لضربات دولية لمواقع المتطرفين خاصة «داعش»، كما حدث مع بلمختار، يقول غالي: لا أعتقد ذلك، أو بالأصح لا أدري، مشيرا في الوقت نفسه إلى استمرار تحليق «طائرات مجهولة الهوية في الأجواء بين الحين والآخر».
قادة عسكريون يرون أن الجيش يستطيع سحق المتطرفين و«داعش» ومنع الهجرة غير الشرعية عبر البلاد إذا ما توافر له السلاح «لكن النوايا الغربية بالذات تجاه الجيش لا تبدو طيبة»، أو هكذا يراها مستشارون مقربون من حفتر، مثل المستشار عبد الكريم. وفي محاولة لخلق زخم شعبي حول القوات المسلحة، سيعلن في غضون الأيام المقبلة عن «جبهة النضال الوطني»، من مجموعات من الناشطين الليبيين والمواطنين، لدعم الجيش. وهذه الجبهة ستسعى أيضا لـ«المصالحة الوطنية الليبية» ودعم قوات الجيش في الحرب على الإرهاب، بعيدا عن أي تدخل خارجي.
من ناحية أخرى، غضب حفتر من «كيل بعض الدول الغربية بمكيالين» ظهر بوضوح خلال الزيارة المفاجئة التي قام بها فريق من لجنة العقوبات الدولية إلى ميناء طبرق، لتوقيف باخرة تحمل علم ليبيريا كانت تحمل 52 مدرعة عسكرية كمساعدات للجيش آتية من إحدى الدول العربية. إذ رفض كل من حفتر ورئيس الأركان، عبد الرزاق الناضوري، مقابلة الفريق الأممي كنوع من التعبير عن الاستياء من التضييق على الجيش. واكتفى حفتر بإيفاد العميد عبد السلام الحاسي رئيس غرفة العلميات، للتحاور مع مندوبي لجنة العقوبات. ويقول مسؤول عسكري حضر اللقاء بين أعضاء الفريق الأممي والحاسي إن هذه الواقعة جرت قبل نحو عشرة أيام وإنه كان لدى لجنة العقوبات معلومات عن وصول شحنة المساعدات.. «المعلومات كانت صحيحة.. وصلت الشحنة للميناء بالفعل لكنها لم تكن قد أنزلت حمولتها بعد». والحمولة عبارة عن 52 مدرعة عسكرية. وبعدها حطت طائرة فريق لجنة العقوبات في طبرق. كانوا ثمانية معظمهم أوروبيون. فسألهم الحاسي أسئلة عن وجهتهم ولماذا. ومن ثم انتقدهم، وأخبرهم قائلا: هل أنتم لا ترون حقيقة ما يجري من أوضاع في ليبيا؟ ما هي قصتكم؟
يوضح المصدر أن الحاسي كان يقول ذلك بطريقته حتى أنك إذا رأيته من بعيد تعتقد أنه يلقي لهم بكلمات الترحيب لا الانتقادات الحادة. ويضيف أن الحاسي قال لأعضاء الفريق أيضًا «الجماعات الإرهابية تأتيها كل أنواع الأسلحة، من البحر والجو والبر، وتحط في مصراتة وغيرها، ولم يحتج أحد ولم يتدخل للتحدث مع داعمي الميليشيات المتطرفة». ووفقا للمصدر نفسه تابع الحاسي حديثه للفريق الأممي قال لهم «هل لا ترون ما يجري؟ هل لا تبصرون؟.. لماذا لم تروا إلا الـ52 سيارة مدرعة؟ هذه سيارات خاصة لقوات الشرطة لحماية الليبيين من القتل. فلماذا بدأتم تتحركون الآن؟».
لكن أعضاء الفريق لم يتوقفوا كثيرا عند انتقادات الحاسي، وبدأ أحد هؤلاء الأعضاء السؤال عن أوراق شحنة السيارات المدرعة، ومَن صرّح بدخولها إلى ميناء طبرق، ومن أين أتت. وأجاب الحاسي إجابات على أسئلة أخرى كانت تشغل الجيش، قائلا إن السلطات الشرعية الليبية سبق وتقدمت للجنة العقوبات الدولية بالكثير من القوائم التي تشمل المعدات والأسلحة المطلوبة لسد حاجات القوات المسلحة من أجل محاربة الإرهاب، وحتى الآن لم تبتوا فيها. وقال للفريق الأممي أيضا إن «الطلبيات التي يحتاجها الجيش موضوعة في ملف كامل جرى تسليمه للأمم المتحدة عدة مرات في الشهور الأخيرة، لكنكم لم تردوا عليه. ولم تبتوا فيه. لماذا لم تبتوا فيه؟ ما الهدف؟».
ويضيف المصدر أنه كانت هناك محاولات من الحاسي ومن قادة آخرين في الجيش لإقناع الفريق الأممي بالسماح بإنزال السيارات التي كانت على وشك النزول بالفعل على رصيف الميناء. وقال أحد القادة لوفد لجنة العقوبات إن المدرعات تابعة لقوات الشرطة، وإن الجيش كان يسعى لتسلمها لأنه هو المشرف على مثل هذه الأعمال باعتباره في حالة حرب. بيد أن أعضاء اللجنة الثمانية توجّهوا إلى الميناء وصعدوا على ظهر الباخرة، وأخبروا قائدها بطبيعة مهمتهم، وأمروه بألا يفرغ حمولة الباخرة، والعودة بها من حيث أتت.
استغرقت مهمة الفريق الأممي عدة ساعات، وبعد تأكدهم من مغادرة الباخرة بما عليها، رفضوا المبيت في طبرق. ربما لشعورهم بأنهم غير مرحب بهم هنا. ومن جانبها تقول مصادر بالأمم المتحدة على علاقة بالملف الليبي إنه في حال التوصل إلى «حكومة وفاق وطني»، فإنه سينظَر في رفع العقوبات الدولية عن ليبيا بما فيها حظر تسليح الجيش، والعمل على بسط الاستقرار ومساعدة الليبيين في بناء دولتهم. وتنفي هذه المصادر وجود محاباة للجماعات المتشدّدة التي تهيمن على طرابلس، قائلة إن «بنود التوافق الوطني واضحة، والهدف منها ليس التدخل الخارجي في شؤون ليبيا، ولا الانحياز لطرف على حساب الآخر، ولكن الهدف هو جمع الأطراف المتصارعة على مشتركات من أجل الخروج من النفق المظلم قبل فوات الأوان». ليون، من جهته، قام بزيارة خاصة إلى القاهرة أخيرًا، التقى خلالها بعدد من أعضاء البرلمان الليبي وذلك لإزالة المخاوف التي تتعلق بمستقبل البرلمان والجيش وتشكيلة الحكومة المقبلة. ووفقا لمصادر ليبية شاركت في هذه اللقاءات، فإن ما جرى التوصل إليه مطمئن ومبشر لكن العقبات تكمن دائما في التفاصيل، كطريقة اختيار وزير للدفاع في الحكومة الجديدة ومستقبل حفتر، وصلاحيات مجلس الدولة الذي سيتكون من النواب السابقين في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، وشروط التمديد لعمل البرلمان الحالي بعد أكتوبر. وإلى أن ينعقد الاجتماع المقبل بين الليبيين في جنيف، تظل خيارات المستقبل مفتوحة على كل الاحتمالات.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».