شوبانا بهارتيا.. بارونة وسائل الإعلام الهندية

واحدة من 4 سيدات هنديات أدرجن كأقوى النساء على قائمة مجلة «فوربس» لعام 2015

شوبانا بهارتيا.. بارونة وسائل الإعلام الهندية
TT

شوبانا بهارتيا.. بارونة وسائل الإعلام الهندية

شوبانا بهارتيا.. بارونة وسائل الإعلام الهندية

تتخذ تلك المجموعة الكبيرة من مدينة دلهي مقرًا لها ويعد اسمها من الأسماء الشهيرة والمعروفة في الهند. وهي تشرف على نشر ثاني أكبر الصحف الهندية واسعة الانتشار باللغتين الهندية والإنجليزية (صحيفة «هندوستان» و«هندوستان تايمز»)، فضلا عن صحيفة «مينت» الخاصة بالأعمال التجارية، بالتعاون مع صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية. كما استثمرت المجموعة الكبيرة كذلك في مجالات الإذاعة والأعمال التجارية والتعليم.
كانت رحلة شاقة وطويلة للسيدة التي تبلغ من العمر (58 عامًا) والتي هي اليوم في موقف محل حسد الجميع، لكونها المرشحة الأوفر حظًا بين تلك النساء للسيطرة على منافذ قوية في عالم الإعلام الهندي ذي السيطرة الذكورية.
ولدت شوبانا لأسرة ثرية، فقد كان والدها سليل أبرز العائلات التجارية الهندية، عائلة بيرلا، الذين مولوا حركة الحرية الهندية إلى حد كبير.
أدار والدها، كي كي بيرلا، الكثير من الشركات في الهند ومن بينها شركات للإنتاج الإعلامي، والمنسوجات، ومصانع السكر، والأسمدة. ولكنه أوكل إدارة إمبراطورية الإعلام إلى بهارتيا، التي لم تعد تستخدم اسم العائلة بيرلا بعد زواجها. وفي عام 1986، وعند بلوغها 29 عامًا من عمرها، اختارها والدها لرئاسة مؤسسة «هندوستان تايمز» تحت منصب مدير الشركة. كان الدفع بامرأة في أي منصب إداري من النوادر في فترة الثمانينات بالهند، حيث كان القرار يؤدي لارتباكات، غير أن ذلك لم يسبب قلقًا كثيرًا للسيد بيرلا. عندما انضمت بهارتيا لمؤسسة «هندوستان تايمز»، كانت أول امرأة تتولى منصب المدير التنفيذي لصحيفة وطنية، وربما أصغرهم سنًا.
تأسست مجموعة «هندوستان تايمز» الإعلامية قبل 90 عاما في سنة 1942 في صورة جدول أعمال الاستقلال التي بدأت بناء على طلب المهاتما غاندي كجملة موجهة ضد الحكام الاستعماريين، التي تحولت اليوم إلى مشروع تجاري ناجح ومربح.
وتحت قيادتها، شهدت النسخة الإنجليزية الرئيسية في مجموعة «هندوستان» الإعلامية عملية تغيير كبيرة في التصميم، وتحول في أساليب عرض وتقديم الأخبار.
ومنذ ذلك الحين، حققت الشركة قفزات سريعة، لدرجة أن البعض قد يقول إنها الآن واحدة من أقطاب الإعلام الأكثر أهمية في الهند بأسرها.
حينما حاول مراسلنا التواصل مع المؤسسة الإعلامية لإجراء مقابلة شخصية لم تكن هناك استجابة، لذلك، عمدت مراسلة «الشرق الأوسط» إلى محاولة استقصاء تاريخ بارونة وسائل الإعلام الهندية.
يقول النائب البرلماني شاندان ميترا، الذي عمل مع السيدة بهارتيا في منصب مدير التحرير التنفيذي: «كنت واحدًا من فريقها لأول تجربة تخوضها لهندسة وتنظيم التغيير في مؤسسة (هندوستان تايمز). وفي فترة التسعينات وبهدف زيادة المبيعات والانتشار والبقاء على مستوى المنافسة، راقبت بهارتيا نبض القراء وعدلت من المحتوى المنشور حتى يشتمل على الملحقات التي تتابع التطورات في السفر والسياحة والأغذية والموضة وأنماط الحياة. لقد كانت سريعة للغاية في التقاط الاتجاهات الجديدة وكانت جريئة كذلك في متابعة التغيير والنمو».
يقول فير سانغفي، الذي عينته بهارتيا كمحرر لأجل تجديد «هندوستان تايمز»: «كانت الصحيفة تُدار كهيئة حكومية بيروقراطية، ولم يكن هناك مكان للجدارة أو الإدارة المهنية قبل أن تتولى المهام. كان الأمر بمثابة حاملة حاويات ضخمة للغاية، تلك التي نجحت بهارتيا في إدارتها والدوران بها بكل بطء ومهارة وثقة».
بعد توليها المهام، سعت لعقد مقابلة مع كاثرين غراهام من صحيفة «واشنطن بوست»، التي كانت معجبة بها كثيرًا. وأسفر ذلك الاجتماع عن رابطة طويلة الأجل. حيث وظفت بهارتيا مديرًا فنيًا من صحيفة «واشنطن بوست» ليعمل على إعادة تصميم الصحيفة. تقول بهارتيا في ذكرى الاحتفال بمرور 75 عامًا على تأسيس «هندوستان تايمز»: «لقد اعتمدنا شعارين للعمل: التغيير مع الاستمرار، والمحتوى هو الملك». تحدثت بهارتيا في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي - تي في 18» حول رؤيتها لصناعة الأخبار.
وقالت حول التحولات في مؤسسة «هندوستان تايمز» الإعلامية: «انظر إلى التوجهات التي تراها على الصعيد العالمي، فإنك ترى شبابًا صغيرًا يحاول الانتقال إلى منصات أخرى لاستهلاك الأخبار، حيث تشكل المعلومات أكبر التحديات وأخطرها. وذلك الأمر هو أكثر ملاءمة بالنسبة للشباب الهندي، والذي يشكل 50 في المائة من تعداد السكان لمن هم أقل من 25 عاما. وبالتالي، فإن المحافظة عليهم تتطلب تغيرات مهمة في كل شيء».
وردا على سؤال ما إذا كانت قد خسرت شيئًا خلال مرحلة التحول من عهد والدها حتى الآن، فقالت: «لا أعتقد أننا خسرنًا شيئًا. بل أعتقد أن الإعلام صار أكثر حدة وتنافسية الآن. نظرًا لوجود الكثير من اللاعبين على الساحة والكثير من وسائل الإعلام، كما أن المستهلكين يطالبوننا دوما بأعلى جودة ممكنة ومستويات راقية من الصحافة، فإن ذلك يستلزم أيضًا مستويات عالية من الاستثمار، وأعلى درجات الجمال في العمل وجودة الإنتاج»، وأشارت إلى أن المحتوى كان هو التركيز الأوحد في عهد والدها السابق.
وعلقت قائلة: «يبقى مستقبل وسائل الإعلام المطبوعة قويا للغاية خلال السنوات العشر المقبلة أو نحوها على أدنى تقدير. لا تزال لدينا معدلات أمية مرتفعة في الهند، وبسبب ذلك، فإن الجريدة تعتبر نقطة الاتصال الأولى لأولئك الذين ينتقلون من محيط الأمية إلى محيط القراءة والكتابة. ولذلك، سوف نشهد نموا مطردا، على الرغم من أنه سوف يكون نموا في اللغة العامية أكثر منه في اللغة الإنجليزية».
وإليكم الطريقة التي صارت بها بهارتيا ليست واحدة من أثرى النساء في العالم، ولكن من بين أكثر النساء اتصالا على مستوى العالم.
في عام 2005، بدأت في أول استثمار أجنبي مباشر في صناعة الصحف الهندية عندما باعت 20 في المائة من حصة الأسهم في شركتها إلى مجموعة «هندرسون غلوبال» الاستثمارية ومقرها في لندن.
وفي العام ذاته، قررت المؤسسة أيضًا الاستفادة من أسواق رأس المال لجمع الأموال اللازمة للتوسع. واليوم، تقدر القيمة السوقية لأسهم مجموعة «هندوستان تايمز» (350 مليون دولار) وحققت الشركة في عام 2014 أرباحا تُقدّر بـ(223 مليون دولار).
كان إدراج قائمة مجلة «فوربس» لاسم بهارتيا لا يتصل بالضرورة بملكيتها الفعلية للصحيفة، حيث تتمتع بهارتيا كذلك بمجموعة من الأصدقاء من ذوي النفوذ في الدوائر التجارية والسياسية.
على سبيل المثال، في لمحة لمجلة «كارافان» حول وزير المالية الهندي ارون جيتلي، قالت المجلة إنه من أقرب أصدقاء السيدة بهارتيا. ومن المفارقات، أنه عندما أراد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن يدلي بأول لقاء صحافي مع وسائل الإعلام الهندية بعد توليه منصبه، تخير صحيفة «هندوستان تايمز».
تلقت شوبانا بهارتيا الكثير من الجوائز وشهادات التقدير عبر حياتها، حيث منحت جائزة «الصحافة الوطنية الهندية» في عام 1992، بينما منحها المنتدى الاقتصادي العالمي لقب «القائد العالمي للمستقبل» في عام 1996، ومنحتها غرفة التجارة والصناعة الشمالية الهندية لقب «سيدة الأعمال لهذا العام» في 2001. كما تلقت جائزة التميز المؤسسي من صحيفة «إيكونوميك تايمز» لعام 2007، كما جاء اسمها بين أكبر 50 سيدة أعمال هندية من قبل مجلة «فوربس آسيا». كما منحت مسؤولية رئيس ديوان التدقيق المحاسبي في عام 2006 - 2007. كما تابعت نشاطها مع الكثير من الجمعيات الصناعية في كل أرجاء البلاد، فضلا عن الدول الأجنبية. كما أنها عضو في الاتحاد الصحافي لدول الكومنولث ومقره في لندن، وفي المعهد الدولي للصحافة في فيينا.
كما رُشحت في مجلس الشيوخ بالبرلمان الهندي في دورته لعام 2006.
وعلى الرغم من أن سانغفي، الذي لا يزال مستشارا لدى مؤسسة «هندوستان تايمز»، يشدد على أنه مُنح الحرية المطلقة في إدارة المؤسسة، فإن مصدرًا للأخبار في الطبقة العليا من محرري الصحيفة أفاد أخيرًا بأن بهارتيا تبسط سيطرتها المطلقة على كل جزء من أجزاء المؤسسة الكبيرة. حيث لا تزال بهارتيا تؤكد على الإدارة المهنية للمؤسسة الإعلامية وأنها لا تتدخل في العمليات اليومية بالمؤسسة. ولكنها تحتفظ بوجودها في عمليات التحرير الرئيسية وتتابع العناوين الرئيسية في كل ليلة للصحف الصادرة صباحا.
وعلى نحو ما أعد الوالد كريمته لمباشرة مهامها في المؤسسة الإعلامية، تعد بهارتيا نجليها للمهمة ذاتها. ليست شوبانا مستعدة تماما لتسليم مقاليد الإمبراطورية الإعلامية في الوقت القريب. فهي لا تزال في خضم المهام والعمليات وهي سعيدة بذلك. وتقول: «ما زلتُ أحب عملي بشدة، وما زلت أستيقظ في الصباح لأستكمل ما توقفت عنده بالأمس».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.