فلسطينيو جنوب لبنان على المحك بعد كشف هوية انتحاري المستشارية الإيرانية

والد منفذ العملية لـ«الشرق الأوسط»: يعاقبوننا بعد أن تبرأنا منه

خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني  (أ.ف.ب)
خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني (أ.ف.ب)
TT

فلسطينيو جنوب لبنان على المحك بعد كشف هوية انتحاري المستشارية الإيرانية

خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني  (أ.ف.ب)
خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني (أ.ف.ب)

أربعة كيلومترات فقط، تفصل بين بلدتي البابلية والبيسارية في جنوب لبنان. في الأولى، كان السكان يقيمون حفل تأبين لواحد من أبنائها، قضى في تفجير بئر حسن الانتحاري الذي استهدف مبنى المستشارية الثقافية الإيرانية في بيروت، الأربعاء الماضي، فيما كانت عائلة أحد الانتحارييْن اللذين نفذا الهجوم في البيسارية، تتبرأ من ابنها، وتدين فعلته، وتحاول تهدئة النفوس في البلدة، تجنبا لردود فعل انتقامية إضافية.
وتغير المزاج العام في البيسارية منذ لحظة إعلان هوية أحد انتحاريي تفجير بئر حسن، الفلسطيني نضال هشام المغيّر (22 عاما). يعم الاستهجان القرية الجنوبية التي تسكنها أغلبية شيعية. ويسأل أبو علي، أحد كهول البلدة: «ماذا أخطأنا بحق الفلسطينيين الذين نستضيف 80 عائلة منهم؟ هل نستحق أن يفجر شخصان منهم نفسيهما بأبنائنا؟».
وكان الكشف عن هوية الانتحاريين اللذين هاجما السفارة الإيرانية في بيروت، في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أثبت أن أحدهما أيضا ينحدر من البيسارية، وهو عدنان المحمد، إضافة إلى الانتحاري الأخير نضال المغيّر.
غير أن رد فعل أبناء البلدة الخميس الماضي، غداة الكشف عن هوية الانتحاري، لم يشبه رد فعلهم في نوفمبر الماضي.. في المرة الأولى، تحرك رئيس البلدية فؤاد مشورب، الذي يحظى بنفوذ واسع نظرا لامتداده الحزبي في حركة أمل، التي يرأسها رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، في البلدة، مانعا أبناءها من مهاجمة منزل الانتحاري. لكن الخميس الماضي، لم يستطع أن يمنع سكان البلدة وشبانا من بلدات محيطة، من إحراق منزل عائلة الانتحاري نضال المغيّر، وسياراتها. «كانت ردة الفعل غاضبة وعفوية»، يقول أحد أبناء البلدة لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن السكان «حاولوا توجيه رسائل رادعة لعائلات الفلسطينيين الذين يعتقد أن نحو عشرة من أبنائهم، كانوا مقربين من (الشيخ المتشدد) أحمد الأسير».
وكان الجيش اللبناني هاجم مقر الأسير في يوليو (تموز) الماضي في عبرا (شرق صيدا)، بعد هجوم من عناصره على نقطة للجيش، أسفر عن وقوع قتلى عسكريين. ويعد الآن فارا من العدالة، ويغرد على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، مواصلا تهديده بمهاجمة حزب الله.
وتضاعفت مشاعر الغضب، بعد تسريب مقاطع فيديو للانتحاري المغير، أثناء مقابلته في القلمون بريف دمشق الشمالي، توعد فيها بقتال حزب الله وذبح الشيعة. لكن عائلته، تنفي أن يكون من ظهر في هذا المقطع ابنها، قائلة إنه ظهر في أحد المقاطع، فيما كان الشخص الثاني الذي توعد الشيعة، ليس نضال.
وفور إحراق منزل آل المغيّر، انتقل هشام، والد الانتحاري، إلى منزل ذويه، حيث يعيش وعائلته في عزلة عن محيطهم. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ابني خسر الدنيا والآخرة، وكان سببا في إزهاق أرواح الأبرياء في عمل أدينه، وأتبرأ منه، كما تسبب في خلافات مع جيراننا هنا»، مستغربا في الوقت نفسه إحراق ممتلكاته «علما بأننا أصدرنا بيانا من العائلة ندين فعلة ابننا، وتقدمنا فيه من عائلات الضحايا الأبرياء بأحر تعازينا». ويقول: «لا أنكر عتبي على سكان القرية التي أسكنها منذ أكثر من 30 عاما، لأن الله يقول: (لا تزر وازرة وزر أخرى)، فلماذا يعاقبوننا على ما نحن تبرأنا منه؟».
ويقول سكان القرية إن أكثر من مائة شخص، هاجموا منزل آل المغير وأحرقوه، في رد فعل غاضب، بعد الكشف عن هوية نضال، مما تسبب في إحراق دكان ومنزل وسيارتي توزيع خبز، وسيارة رباعية الدفع يملكها والده. ويقول المغيّر الأب: «كل أبناء البيسارية تربطني بهم علاقات طيبة، ولم تشهد تجربتي في البلدة، أي احتكاك مع أحد، ويعرفون بأنني مقاوم، وأصبت في حرب يوليو (تموز) 2006، بشظايا القصف الإسرائيلي، حين كنت أعمل على توفير الخبز والمواد الإغاثية للمدنيين المحاصرين في بلداتهم في الجنوب». ويشير إلى أن العلاقة الطيبة مع السكان، نُسجت نتيجة تماهيه السياسي معهم في خط الممانعة، كونه كان ناشطا سابقا في «حركة الجهاد الإسلامي» الفلسطينية في لبنان، ومقربا من القيادي فيها محمد المجذوب الذي اغتالته المخابرات الإسرائيلية في صيدا عام 2004.
غير أن تجربة ابنه، بدلت كثيرا من المعطيات في علاقته مع سكان البلدة.. فقد عرف نضال بسلوكه المتشدد، منذ أغسطس (آب) 2012، حين تعارك مع زوج شقيقته، وهو أحد أبناء البلدة من آل عبد الله، على خلفية زواجها من شخص شيعي. ويقول إبراهيم (28 عاما)، وهو أحد سكان البيسارية، إن إمام مسجد منطقة يارين الجديدة (المتاخمة للبيسارية) أحمد عبيد، تدخل على خط المصالحة، إضافة إلى شخصية أمنية لبنانية رسمية. وقيل إن الشيخ أحمد الأسير، عرض الوساطة، قبل أن ترفض العائلة. لكن هذه المعطيات، ينفيها هشام المغير، موضحا أن المشكلة «كانت عائلية صرفة، ولم يعرض الأسير وساطة أبدا».
وتوجس أهالي البلدة من نضال، بعد هذا الإشكال، نظرا لعلاقاته، وأصدقائه الذين يسكنون الشارع نفسه، بالشيخ الأسير. وتردد أن نضال كان ينوي تفجير نفسه بالنادي الحسيني في البلدة، أثناء إحياء مناسبة عاشوراء في عام 2012. وينفي والده هشام أيضا هذه المعلومات، قائلا إن ابنه «لم يكن من مجموعة الأسير، بل كان يصلي وراءه يوم الجمعة، كما كان يصلي وراء مشايخ آخرين في المنطقة»، مشيرا إلى أن نضال غادر البلاد قبل أن يشتبك الأسير مع الجيش اللبناني بأشهر.
وسجل رحيل نضال عن البلدة، في ديسمبر (كانون الأول) 2012، قائلا لوالده إنه ينوي الهجرة إلى فنزويلا. لم يلمحه أبناء البلدة منذ ذلك الوقت، غير أنه اتصل بوالده بعد فترة من سفره، ليبلغه أنه يقيم في سوريا. يقول هشام: «سألته عما يفعله في سوريا، وقال إنه يعمل في حدادة السيارات.. لم تقنعني إجابته، وأبلغت السلطات اللبنانية آنذاك أن ابني موجود في سوريا». ويشير إلى أن آخر اتصال به، كان في ديسمبر 2013. يقول: «عرضت عليه أن يعود إلى لبنان لتسوية أوضاعه مع السلطات اللبنانية، ووعدني خيرا. كنت أخاف أن يرتكب حماقة، مثل تنفيذ تفجير انتحاري، على غرار صديقه عدنان المحمد، جارنا، الذي استهدف السفارة الإيرانية. كان ذلك بعد نحو 20 يوما على التفجير، ووعدني بأنه لن يرتكب أية حماقة.. لا أدري ماذا حصل معه؟».
ويرجح المغيّر الأب عدة فرضيات دفعت ابنه لتنفيذ عملية انتحارية، من غير أن يكون متيقنا من أي منها. يقول: «الأكيد أن ابني ضللوا به، ودفعوه لتنفيذ التفجير، علما بأن مهاجمة الأبرياء تخالف قناعته لأنه كان مقتنعا بفكرة مقاومة إسرائيل دون سواها، وكان أصيب في منطقة جسر القاسمية قرب صور في حرب يوليو (تموز) 2006، جراء تنفيذ الطائرات الإسرائيلية غارة جوية عليه»، مرجحا أيضا أن يكون «من غرر بنضال، أعطاه حبوب هلوسة، لأنه من المستحيل القيام بفعل مشابه».
وبعد جولة في الذاكرة على تجربته في البيسارية، قبل مغادرته بأربعة أشهر، حيث كان يعمل في حدادة السيارات، يقول إن «أحد المشتبه بعلاقتهم بالجماعات المتشددة، وهو مروان حمادة الذي يقيم في البيسارية، كان يتردد على محل ابني»، لافتا إلى أنه أمر نضال بعدم التعاطي مع مروان، «حتى لو كان يريد تصليح سيارته». ويقول: «لم أرَ مروان في ورشة نضال منذ ذلك الوقت، لكنني لا أعرف إذا كانا على تواصل بعيدا عن عيني».
ومروان حمادة (29 عاما)، كان يسكن في البيسارية على بعد عشرات الأمتار من منزل نضال، ويتحدر من قرية يارين الحدودية مع إسرائيل، ذات الأغلبية السنية. ويقول أبناء البلدة إن حمادة سجن لدى السلطات اللبنانية بعد حرب نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان في صيف 2007، بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الإسلام» المتشدد الذي هاجم وحدات الجيش في طرابلس. ويشير أحد أبناء البلدة إلى أن حمادة «كان ناشطا في تنظيمي (فتح الإسلام) و(جند الشام) المتشددين، وغاب عن البلدة منذ عام 2010 بعد خروجه من السجن، وقيل إنه يدير متجرا صغيرا في طرابلس»، من غير تأكيد المعلومات. كما يشيرون إلى أن شخصا آخر من يارين، وهو مطلق الجعيص، سُجن نحو ثلاث سنوات لضلوعه في أحداث نهر البارد.
ويتخوف أبناء البلدة في هذا الوقت، من أن يكون مروان هو الانتحاري الثاني في تفجيري بئر حسن المتزامنين الأربعاء الماضي، نظرا لعدم الكشف عن هويته حتى الآن. ووسط صمت في مبنى البلدية عن الإدلاء بأي تصريح، بانتظار أن يعقد رئيس البلدية مؤتمرا صحافيا يعلن فيه موقفا من خروج انتحاريين من البلدة خلال ثلاثة أشهر، تغلي البلدة، مما يشي بتحديات جديدة تنتظر الفلسطينيين فيها، إذا ثبت أن الانتحاري الثاني هو مروان.
ولا يبرئ سكان البيسارية، الفلسطينيين فيها، من تهمة «التستر على المتشددين»، بعد تنفيذ اثنين منهم تفجيرين انتحاريين استهدفا مصالح إيرانية في بيروت، وتبنتهما «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة، فضلا عن انكشاف علاقتهما بالأسير. إضافة إلى ذلك، أوقفت استخبارات الجيش اللبناني ابن عم نضال المغيّر قبل شهرين، وهو قاسم المغير، بعد مداهمة منزله في البيسارية، ولا يزال موقوفا حتى الآن. ويقول أبناء البلدة إن ستة أشخاص من المجموعة نفسها التي كانت تصلي وراء الأسير في صيدا، العام الماضي، لا يزالون يقيمون في البلدة، «ونتوجس منهم»، علما بأن هذه المجموعة «كانت غير ملتزمة دينيا، وتحولت نحو التشدد بعد ظهور الشيخ الأسير في صيدا»، وهي المدينة التي تتبعها البيسارية إداريا، وتبعد نحو 15 كيلومترا عن صيدا.
ويمتلك الفلسطينيون في البيسارية، نحو 80 منزلا، يقيمون فيها منذ عامي 1948 و1967. وتربطهم بأبناء البلدة ومحيطها، علاقات مصاهرة، أبرزها زواج جد الانتحاري وعمه بامرأتين شيعيتين من المنطقة، وزواج أخته من شاب من البلدة. ويقيم في البلدة، نحو 200 عائلة سنية نزحت من قرى يارين، والبستان والضهيرة الحدودية مع إسرائيل، أثناء الاحتلال. كما تستضيف البلدة، وتحديدا منطقة العاقبية التابعة لها، نحو ألف عائلة نزحت من سوريا بعد اشتعال الأزمة السورية.
ولا يقيم الفلسطينيون في البيسارية، في مخيمات شبيهة بتلك الموجودة في صيدا وصور في جنوب لبنان.. ففي صيدا، يقع أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، هو مخيم عين الحلوة، الذي أشارت تقارير متكررة إلى أن متشددين يسكنون أحد أحيائه، ويسكن المخيم نحو 45 ألف فلسطيني، تضاعف عددهم بعد استقبال فلسطينيين نزحوا من مخيم اليرموك بجنوب دمشق. كما تتضمن صيدا مخيم «المية ومية» ويسكنه نحو خمسة آلاف فلسطيني.
أما في صور (جنوب لبنان)، فيتوزع اللاجئون الفلسطينيون على مخيمات «البص»، ويسكنه نحو عشرة آلاف نسمة، و«برج الشمالي» ويسكنه نحو 18 ألف نسمة، و«الراشدية»، ويسكنه نحو 25 ألف نسمة.\



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.