فلسطينيو جنوب لبنان على المحك بعد كشف هوية انتحاري المستشارية الإيرانية

والد منفذ العملية لـ«الشرق الأوسط»: يعاقبوننا بعد أن تبرأنا منه

خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني  (أ.ف.ب)
خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني (أ.ف.ب)
TT

فلسطينيو جنوب لبنان على المحك بعد كشف هوية انتحاري المستشارية الإيرانية

خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني  (أ.ف.ب)
خبراء الأدلة الجنائية اللبنانيون يعاينون أمس موقع تفجير بسيارة مفخخة استهدف أول من أمس نقطة تفتيش في الهرمل بوادي البقاع اللبناني (أ.ف.ب)

أربعة كيلومترات فقط، تفصل بين بلدتي البابلية والبيسارية في جنوب لبنان. في الأولى، كان السكان يقيمون حفل تأبين لواحد من أبنائها، قضى في تفجير بئر حسن الانتحاري الذي استهدف مبنى المستشارية الثقافية الإيرانية في بيروت، الأربعاء الماضي، فيما كانت عائلة أحد الانتحارييْن اللذين نفذا الهجوم في البيسارية، تتبرأ من ابنها، وتدين فعلته، وتحاول تهدئة النفوس في البلدة، تجنبا لردود فعل انتقامية إضافية.
وتغير المزاج العام في البيسارية منذ لحظة إعلان هوية أحد انتحاريي تفجير بئر حسن، الفلسطيني نضال هشام المغيّر (22 عاما). يعم الاستهجان القرية الجنوبية التي تسكنها أغلبية شيعية. ويسأل أبو علي، أحد كهول البلدة: «ماذا أخطأنا بحق الفلسطينيين الذين نستضيف 80 عائلة منهم؟ هل نستحق أن يفجر شخصان منهم نفسيهما بأبنائنا؟».
وكان الكشف عن هوية الانتحاريين اللذين هاجما السفارة الإيرانية في بيروت، في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أثبت أن أحدهما أيضا ينحدر من البيسارية، وهو عدنان المحمد، إضافة إلى الانتحاري الأخير نضال المغيّر.
غير أن رد فعل أبناء البلدة الخميس الماضي، غداة الكشف عن هوية الانتحاري، لم يشبه رد فعلهم في نوفمبر الماضي.. في المرة الأولى، تحرك رئيس البلدية فؤاد مشورب، الذي يحظى بنفوذ واسع نظرا لامتداده الحزبي في حركة أمل، التي يرأسها رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، في البلدة، مانعا أبناءها من مهاجمة منزل الانتحاري. لكن الخميس الماضي، لم يستطع أن يمنع سكان البلدة وشبانا من بلدات محيطة، من إحراق منزل عائلة الانتحاري نضال المغيّر، وسياراتها. «كانت ردة الفعل غاضبة وعفوية»، يقول أحد أبناء البلدة لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن السكان «حاولوا توجيه رسائل رادعة لعائلات الفلسطينيين الذين يعتقد أن نحو عشرة من أبنائهم، كانوا مقربين من (الشيخ المتشدد) أحمد الأسير».
وكان الجيش اللبناني هاجم مقر الأسير في يوليو (تموز) الماضي في عبرا (شرق صيدا)، بعد هجوم من عناصره على نقطة للجيش، أسفر عن وقوع قتلى عسكريين. ويعد الآن فارا من العدالة، ويغرد على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، مواصلا تهديده بمهاجمة حزب الله.
وتضاعفت مشاعر الغضب، بعد تسريب مقاطع فيديو للانتحاري المغير، أثناء مقابلته في القلمون بريف دمشق الشمالي، توعد فيها بقتال حزب الله وذبح الشيعة. لكن عائلته، تنفي أن يكون من ظهر في هذا المقطع ابنها، قائلة إنه ظهر في أحد المقاطع، فيما كان الشخص الثاني الذي توعد الشيعة، ليس نضال.
وفور إحراق منزل آل المغيّر، انتقل هشام، والد الانتحاري، إلى منزل ذويه، حيث يعيش وعائلته في عزلة عن محيطهم. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «ابني خسر الدنيا والآخرة، وكان سببا في إزهاق أرواح الأبرياء في عمل أدينه، وأتبرأ منه، كما تسبب في خلافات مع جيراننا هنا»، مستغربا في الوقت نفسه إحراق ممتلكاته «علما بأننا أصدرنا بيانا من العائلة ندين فعلة ابننا، وتقدمنا فيه من عائلات الضحايا الأبرياء بأحر تعازينا». ويقول: «لا أنكر عتبي على سكان القرية التي أسكنها منذ أكثر من 30 عاما، لأن الله يقول: (لا تزر وازرة وزر أخرى)، فلماذا يعاقبوننا على ما نحن تبرأنا منه؟».
ويقول سكان القرية إن أكثر من مائة شخص، هاجموا منزل آل المغير وأحرقوه، في رد فعل غاضب، بعد الكشف عن هوية نضال، مما تسبب في إحراق دكان ومنزل وسيارتي توزيع خبز، وسيارة رباعية الدفع يملكها والده. ويقول المغيّر الأب: «كل أبناء البيسارية تربطني بهم علاقات طيبة، ولم تشهد تجربتي في البلدة، أي احتكاك مع أحد، ويعرفون بأنني مقاوم، وأصبت في حرب يوليو (تموز) 2006، بشظايا القصف الإسرائيلي، حين كنت أعمل على توفير الخبز والمواد الإغاثية للمدنيين المحاصرين في بلداتهم في الجنوب». ويشير إلى أن العلاقة الطيبة مع السكان، نُسجت نتيجة تماهيه السياسي معهم في خط الممانعة، كونه كان ناشطا سابقا في «حركة الجهاد الإسلامي» الفلسطينية في لبنان، ومقربا من القيادي فيها محمد المجذوب الذي اغتالته المخابرات الإسرائيلية في صيدا عام 2004.
غير أن تجربة ابنه، بدلت كثيرا من المعطيات في علاقته مع سكان البلدة.. فقد عرف نضال بسلوكه المتشدد، منذ أغسطس (آب) 2012، حين تعارك مع زوج شقيقته، وهو أحد أبناء البلدة من آل عبد الله، على خلفية زواجها من شخص شيعي. ويقول إبراهيم (28 عاما)، وهو أحد سكان البيسارية، إن إمام مسجد منطقة يارين الجديدة (المتاخمة للبيسارية) أحمد عبيد، تدخل على خط المصالحة، إضافة إلى شخصية أمنية لبنانية رسمية. وقيل إن الشيخ أحمد الأسير، عرض الوساطة، قبل أن ترفض العائلة. لكن هذه المعطيات، ينفيها هشام المغير، موضحا أن المشكلة «كانت عائلية صرفة، ولم يعرض الأسير وساطة أبدا».
وتوجس أهالي البلدة من نضال، بعد هذا الإشكال، نظرا لعلاقاته، وأصدقائه الذين يسكنون الشارع نفسه، بالشيخ الأسير. وتردد أن نضال كان ينوي تفجير نفسه بالنادي الحسيني في البلدة، أثناء إحياء مناسبة عاشوراء في عام 2012. وينفي والده هشام أيضا هذه المعلومات، قائلا إن ابنه «لم يكن من مجموعة الأسير، بل كان يصلي وراءه يوم الجمعة، كما كان يصلي وراء مشايخ آخرين في المنطقة»، مشيرا إلى أن نضال غادر البلاد قبل أن يشتبك الأسير مع الجيش اللبناني بأشهر.
وسجل رحيل نضال عن البلدة، في ديسمبر (كانون الأول) 2012، قائلا لوالده إنه ينوي الهجرة إلى فنزويلا. لم يلمحه أبناء البلدة منذ ذلك الوقت، غير أنه اتصل بوالده بعد فترة من سفره، ليبلغه أنه يقيم في سوريا. يقول هشام: «سألته عما يفعله في سوريا، وقال إنه يعمل في حدادة السيارات.. لم تقنعني إجابته، وأبلغت السلطات اللبنانية آنذاك أن ابني موجود في سوريا». ويشير إلى أن آخر اتصال به، كان في ديسمبر 2013. يقول: «عرضت عليه أن يعود إلى لبنان لتسوية أوضاعه مع السلطات اللبنانية، ووعدني خيرا. كنت أخاف أن يرتكب حماقة، مثل تنفيذ تفجير انتحاري، على غرار صديقه عدنان المحمد، جارنا، الذي استهدف السفارة الإيرانية. كان ذلك بعد نحو 20 يوما على التفجير، ووعدني بأنه لن يرتكب أية حماقة.. لا أدري ماذا حصل معه؟».
ويرجح المغيّر الأب عدة فرضيات دفعت ابنه لتنفيذ عملية انتحارية، من غير أن يكون متيقنا من أي منها. يقول: «الأكيد أن ابني ضللوا به، ودفعوه لتنفيذ التفجير، علما بأن مهاجمة الأبرياء تخالف قناعته لأنه كان مقتنعا بفكرة مقاومة إسرائيل دون سواها، وكان أصيب في منطقة جسر القاسمية قرب صور في حرب يوليو (تموز) 2006، جراء تنفيذ الطائرات الإسرائيلية غارة جوية عليه»، مرجحا أيضا أن يكون «من غرر بنضال، أعطاه حبوب هلوسة، لأنه من المستحيل القيام بفعل مشابه».
وبعد جولة في الذاكرة على تجربته في البيسارية، قبل مغادرته بأربعة أشهر، حيث كان يعمل في حدادة السيارات، يقول إن «أحد المشتبه بعلاقتهم بالجماعات المتشددة، وهو مروان حمادة الذي يقيم في البيسارية، كان يتردد على محل ابني»، لافتا إلى أنه أمر نضال بعدم التعاطي مع مروان، «حتى لو كان يريد تصليح سيارته». ويقول: «لم أرَ مروان في ورشة نضال منذ ذلك الوقت، لكنني لا أعرف إذا كانا على تواصل بعيدا عن عيني».
ومروان حمادة (29 عاما)، كان يسكن في البيسارية على بعد عشرات الأمتار من منزل نضال، ويتحدر من قرية يارين الحدودية مع إسرائيل، ذات الأغلبية السنية. ويقول أبناء البلدة إن حمادة سجن لدى السلطات اللبنانية بعد حرب نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان في صيف 2007، بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الإسلام» المتشدد الذي هاجم وحدات الجيش في طرابلس. ويشير أحد أبناء البلدة إلى أن حمادة «كان ناشطا في تنظيمي (فتح الإسلام) و(جند الشام) المتشددين، وغاب عن البلدة منذ عام 2010 بعد خروجه من السجن، وقيل إنه يدير متجرا صغيرا في طرابلس»، من غير تأكيد المعلومات. كما يشيرون إلى أن شخصا آخر من يارين، وهو مطلق الجعيص، سُجن نحو ثلاث سنوات لضلوعه في أحداث نهر البارد.
ويتخوف أبناء البلدة في هذا الوقت، من أن يكون مروان هو الانتحاري الثاني في تفجيري بئر حسن المتزامنين الأربعاء الماضي، نظرا لعدم الكشف عن هويته حتى الآن. ووسط صمت في مبنى البلدية عن الإدلاء بأي تصريح، بانتظار أن يعقد رئيس البلدية مؤتمرا صحافيا يعلن فيه موقفا من خروج انتحاريين من البلدة خلال ثلاثة أشهر، تغلي البلدة، مما يشي بتحديات جديدة تنتظر الفلسطينيين فيها، إذا ثبت أن الانتحاري الثاني هو مروان.
ولا يبرئ سكان البيسارية، الفلسطينيين فيها، من تهمة «التستر على المتشددين»، بعد تنفيذ اثنين منهم تفجيرين انتحاريين استهدفا مصالح إيرانية في بيروت، وتبنتهما «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة، فضلا عن انكشاف علاقتهما بالأسير. إضافة إلى ذلك، أوقفت استخبارات الجيش اللبناني ابن عم نضال المغيّر قبل شهرين، وهو قاسم المغير، بعد مداهمة منزله في البيسارية، ولا يزال موقوفا حتى الآن. ويقول أبناء البلدة إن ستة أشخاص من المجموعة نفسها التي كانت تصلي وراء الأسير في صيدا، العام الماضي، لا يزالون يقيمون في البلدة، «ونتوجس منهم»، علما بأن هذه المجموعة «كانت غير ملتزمة دينيا، وتحولت نحو التشدد بعد ظهور الشيخ الأسير في صيدا»، وهي المدينة التي تتبعها البيسارية إداريا، وتبعد نحو 15 كيلومترا عن صيدا.
ويمتلك الفلسطينيون في البيسارية، نحو 80 منزلا، يقيمون فيها منذ عامي 1948 و1967. وتربطهم بأبناء البلدة ومحيطها، علاقات مصاهرة، أبرزها زواج جد الانتحاري وعمه بامرأتين شيعيتين من المنطقة، وزواج أخته من شاب من البلدة. ويقيم في البلدة، نحو 200 عائلة سنية نزحت من قرى يارين، والبستان والضهيرة الحدودية مع إسرائيل، أثناء الاحتلال. كما تستضيف البلدة، وتحديدا منطقة العاقبية التابعة لها، نحو ألف عائلة نزحت من سوريا بعد اشتعال الأزمة السورية.
ولا يقيم الفلسطينيون في البيسارية، في مخيمات شبيهة بتلك الموجودة في صيدا وصور في جنوب لبنان.. ففي صيدا، يقع أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، هو مخيم عين الحلوة، الذي أشارت تقارير متكررة إلى أن متشددين يسكنون أحد أحيائه، ويسكن المخيم نحو 45 ألف فلسطيني، تضاعف عددهم بعد استقبال فلسطينيين نزحوا من مخيم اليرموك بجنوب دمشق. كما تتضمن صيدا مخيم «المية ومية» ويسكنه نحو خمسة آلاف فلسطيني.
أما في صور (جنوب لبنان)، فيتوزع اللاجئون الفلسطينيون على مخيمات «البص»، ويسكنه نحو عشرة آلاف نسمة، و«برج الشمالي» ويسكنه نحو 18 ألف نسمة، و«الراشدية»، ويسكنه نحو 25 ألف نسمة.\



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.