بلجيكا تواجه تجارة غير شرعية للسلاح استفادت منها الجماعات الإرهابية

في أحداث مثل «شارلي إيبدو» بفرنسا.. والمتحف اليهودي ببروكسل.. وقطار تاليس الأوروبي

شرطة مكافحة الإرهاب في شوارع العاصمة البلجيكية عقب الاعتداء على المتحف اليهودي في بروكسل في مايو من العام الماضي («الشرق الأوسط»)
شرطة مكافحة الإرهاب في شوارع العاصمة البلجيكية عقب الاعتداء على المتحف اليهودي في بروكسل في مايو من العام الماضي («الشرق الأوسط»)
TT

بلجيكا تواجه تجارة غير شرعية للسلاح استفادت منها الجماعات الإرهابية

شرطة مكافحة الإرهاب في شوارع العاصمة البلجيكية عقب الاعتداء على المتحف اليهودي في بروكسل في مايو من العام الماضي («الشرق الأوسط»)
شرطة مكافحة الإرهاب في شوارع العاصمة البلجيكية عقب الاعتداء على المتحف اليهودي في بروكسل في مايو من العام الماضي («الشرق الأوسط»)

أعلنت الحكومة البلجيكية في بروكسل عن خطط تهدف إلى تكثيف العمل في إطار مكافحة التجارة غير الشرعية في السلاح، وذلك لتفادي وصوله إلى أيدي من يخطط لتنفيذ عمليات إرهابية.
وفي وقت ذكرت فيه تقارير إعلامية أوروبية أن اسم بلجيكا ورد في عدد كبير من قضايا الإرهاب المتصل بالتشدد في السنوات الأخيرة، اعترف الإعلام في بروكسل بأن بلجيكا أصبحت لها سمعة خارجية في أوساط الجماعات المتشددة. وعلى الرغم من أن وزير العدل البلجيكي كوين جينس قال إنه لا يعتقد أن السلاح المستخدم في حادث القطار الأوروبي جاء من بلجيكا، وأن الأمر مرتبط بمشكلة في دول خارج منطقة شنغن، فإن نفس الجدل وعلامات الاستفهام أثيرت من قبل، عندما نجح شاب من أصول عربية، في مايو (أيار) من العام الماضي، في تنفيذ هجوم على متحف يهودي في بروكسل، وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص، وجرى اعتقاله أثناء عودته إلى فرنسا، وقيل وقتها إنه حصل على السلاح بشكل غير قانوني في بلجيكا.
وتقول وسائل الإعلام البلجيكية إن قسما من الأسلحة التي استخدمها الأخوان كواشي في الهجوم على مجلة «شارلي إيبدو» في باريس في يناير (كانون الثاني)، وحميدي كوليبالي على متجر لبيع المأكولات الحلال، قد تم شراؤها في بروكسل. واهتم المراقبون الأوروبيون بالتطورات في بلجيكا، خاصة بعد الجدل الذي أثير في الأوساط السياسية، والأمنية، والإعلامية، حول السلاح الذي عثر عليه بحوزة المغربي الأصل أيوب الخوزاني، الذي استقل القطار الأوروبي من محطة بروكسل قبل أسبوع، ويواجه حاليا اتهامات تتعلق بالتخطيط لتنفيذ مذبحة داخل القطار، الذي كان في طريقه من أمستردام إلى باريس، ولكن نجح عدد من الركاب في إحباط العملية.
وكان المغربي الخزاني قد أقام فترة من الوقت قبيل تنفيذ الحادث في بلجيكا هذا البلد الأوروبي الصغير الذي يبلغ عدد سكانه 11 مليون نسمة، ويضم أيضا أكبر عدد من المتطوعين الذين ذهبوا للقتال في سوريا أو في العراق، بالمقارنة مع عدد سكانه. فقد التحق 440 بلجيكيا بالجهاد في السنوات الأخيرة. ولا يزال 260 منهم هناك، وقتل 60 وعاد 120 إلى بلجيكا، كما ذكرت وزارة الداخلية.
وأكد كلود مونيكيه، المدير المشارك لـ«يوروبيان استراتيجيك أنتليجنس آند سكيوريتي سنتر»، أن «بلجيكا نقطة انطلاق وتجمع للإرهاب الإسلامي، لكنها ليست الوحيدة في أوروبا». ويعطي مثالا على ذلك أيضا المنطقة الباريسية ومنطقتي رون - الألب وروبيه - توركوان في فرنسا، وبريطانيا. وفيما التحق نحو خمسة آلاف أوروبي بالجماعات المتطرفة في سوريا، وتعرضت أوروبا لمجموعة من الاعتداءات الدامية باسم الإسلام المتطرف في الأشهر الثمانية عشر الماضية، ورد اسم بلجيكا في عدد كبير من التحقيقات على أنها مكان إقامة وشراء أسلحة أو هدف.
وفي أعقاب حادث القطار الأوروبي السريع «تاليس» قبل أسبوع انعقدت اجتماعات على مستويات مختلفة سواء داخل بلجيكا، أو بين المسؤولين البلجيكيين ونظرائهم في دول الجوار، ومنها فرنسا وهولندا وألمانيا. وعلى الصعيد الداخلي، فقد قرر وزير العدل كوين جينس إحياء ما كان يعرف في الماضي بلجنة التنسيق بين الإدارات المعنية لمواجهة تهريب الأسلحة والتجارة غير المشروعة فيها.
وكانت لجنة التنسيق قد تشكلت في 1999، واجتمعت عدة مرات، ولكن تجمد عملها منذ عام 2003. وحسب الإعلام البلجيكي، تقدم وزير العدل بأربع نقاط إجرائية لمكافحة تهريب الأسلحة، وطالب بتعاون أفضل داخل الاتحاد الأوروبي، وأيضا بإعادة إنشاء لجنة التنسيق بين الإدارات لمكافحة عمليات نقل الأسلحة غير الشرعية. فبعد المحاولة الفاشلة التي تمت قبل أسبوع، واجهت بلجيكا اتهامات من البعض على أنها محور لتجارة الأسلحة غير المشروعة في الساحة الدولية. وأكد وزير العدل على ضرورة إقامة تعاون أوروبي جيد. وقال: «لا أعتقد أن مصدر هذه الأسلحة هو بلجيكا. إنه مشكل من خارج منطقة شنغن». ولذلك، فهو يطالب بمراقبة فعالة للأسلحة القادمة من خارج منطقة شنغن، وتوحيد التشريع حول التجريد من السلاح بالنسبة للعتاد الحربي العسكري، في مواجهة خطر هذه الأسلحة ولرؤيتها تختفي بالتهريب، خاصة في أوروبا الشرقية. كما يقترح الوزير أيضا تبادلا أفضل للمعلومات التي تخص تهريب الأسلحة عبر جهاز الشرطة الأوروبية «يوروبول».
وسيطالب الوزير أيضا في 3 سبتمبر (أيلول) المقبل بتقييم المذكرة السرية للمدعين العامين لـ22 أكتوبر (تشرين الأول) 2012، والتي تم تفعيلها في أعقاب إطلاق النار الذي حدث في ساحة سان لامبرت، بمدينة لييغ. ومن خلال النيابة العامة وأجهزة الشرطة، تحدد هذه المذكرة المبادئ الأساسية الأكثر أهمية للمنظور القمعي لتهريب الأسلحة. ويقول الوزير: «أريد أن أعرف إذا ما كانت نوايانا حسنة». وستعمل أحزاب مشاركة في الائتلاف الحكومي على تقديم مشروع قانون يسمح بتنفيذ التنصت على المكالمات الهاتفية والأساليب الخاصة في البحث في مجال التحقيقات المتعلقة بتهريب الأسلحة النارية. وقال الوزير: «حاليا، يمكن تطبيق هذه الأساليب في القضايا الإرهابية ولكن ليس مع قضايا تهريب الأسلحة». وأضاف يقول إن فعالية التدابير تعتمد على «التنفيذ المخلص. لدي ثقة في الفعالية على المستوى الأوروبي. وعلى الرغم من ذلك، فما زلنا لا نملك السيطرة على اللعبة في هذا المستوى. وآمل ألا نضطر لمواجهة أعمال إرهابية قبل وضع الأدوات لمواجهتها».
ويعطي المدعي الفيدرالي البلجيكي فريدريك فان لوف فكرة عن حجم المشكلة. وقال إنه فتح هذه السنة ملفات متصلة بالإرهاب تفوق ما فتحه على امتداد عام 2014، وهي سنة قياسية فتح فيها 195 ملفا. وفي فبراير (شباط)، على أثر محاكمة 64 عضوا في مجموعة «شريعة فور بلجيوم» المتشددة، حكمت محكمة انفير (شمال) على فؤاد بلقاسم بالسجن 12 عاما لأنه أرسل عشرات المتطوعين إلى سوريا. وأثناء خطب في الشارع وعلى الإنترنت، هدد أيضا بمهاجمة أماكن مهمة مثل القصر الملكي وطالب بإقامة «دولة إسلامية». وقال كلود مونيكيه «في عدد كبير من ملفات شبان فرنسيين عادوا من سوريا، اكتشفنا أنهم اعتنقوا الأفكار المتطرفة بعدما قرأوا منشورات لمجموعة (شريعة فور بلجيوم) التي ساعدت عددا منهم على الذهاب. وقد شب القسم الأكبر من المتشددين البلجيكيين في المناطق المعدمة والتي تسكنها أعداد كبير من المهاجرين في انفير وبروكسل وفرفييه وفيلفورد.
وكانت بلجيكا من جهة أخرى أحد أوائل البلدان الأوروبية التي حذرت مطلع 2013 من التهديد الذي تشكله عودة المتشددين الأوروبيين إلى بلدانهم، وهي تدعو منذ ذلك الحين مع فرنسا إلى تعزيز التعاون بين أجهزة الشرطة ومع بلدان المتشددين وبلدان العبور. وكانت بلجيكا، التي تستخدم بالتالي قاعدة خلفية، تعرضت للتهديد بالانتقام منذ أواسط التسعينات من الجماعة المتشددة المسلحة الجزائرية بعد القضاء على إحدى خلاياها في بروكسل. وبعد اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، تبين أن قتلة القائد مسعود، الذي كان يتزعم قتال حركة طالبان في أفغانستان، كانوا يستخدمون جوازات سفر بلجيكية مزورة ويحصلون على دعم لوجيستي في بلجيكا. وفي هذه الأثناء، اعتقل لاعب كرة قدم سابق محترف عضو في تنظيم القاعدة، بينما كان يخطط لاعتداء على قاعدة عسكرية.



أوكرانيا: إطلاق نار في كييف ومقتل عدة أشخاص

ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)
ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)
TT

أوكرانيا: إطلاق نار في كييف ومقتل عدة أشخاص

ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)
ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)

قال رئيس بلدية العاصمة الأوكرانية كييف، فيتالي كليتشكو، إن رجلاً أطلق النار في أحد أحياء المدينة، اليوم السبت، ما تسبب في مقتل عدد من الأشخاص، وإن الشرطة تحاول القبض عليه، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال كليتشكو على تطبيق «تلغرام» إن الجريمة ⁠وقعت في حي ‌هولوسيفسكي بالعاصمة. ‌وأضاف: «تجري ​عملية ‌خاصة للقبض ‌على الرجل الذي بدأ إطلاق النار ويوجد حالياً ‌داخل أحد المتاجر الكبرى (سوبر ماركت)».

وتابع: «وفقاً للمعلومات ⁠الأولية، ⁠يتم إطلاق النار أيضاً داخل السوبر ماركت. ونتيجة لإطلاق النار، هناك مصابون وعدة قتلى».


البابا ليو يأسف لاعتبار مواقفه في أفريقيا بمثابة رد على ترمب

البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)
TT

البابا ليو يأسف لاعتبار مواقفه في أفريقيا بمثابة رد على ترمب

البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر يحيّي الحشود خلال قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)

أعرب البابا ليو الرابع عشر قبيل وصوله إلى أنغولا، السبت، عن أسفه لاعتبار مواقفه خلال جولته الأفريقية بمثابة رد على انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال البابا للصحافيين على متن الطائرة بين الكاميرون وأنغولا: «الخطاب الذي ألقيته في صلاة السلام قبل يومين (بشمال غرب الكاميرون) كُتب قبل أسبوعين، أي قبل وقت طويل» من انتقادات ترمب.

وأضاف: «مع ذلك، فُهم الأمر كأنني أحاول إحياء نقاش مع الرئيس، وهو أمر لا يصب في مصلحتي على الإطلاق»، في إشارة إلى خطاب قال فيه إن «العالم تدمّره حفنة من المتسلطين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

البابا ليو الرابع عشر يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرته البابوية في طريقه من الكاميرون إلى أنغولا (رويترز)

ووصل البابا ليو، السبت، إلى أنغولا، محطته الثالثة في الجولة الأفريقية، وهي الدولة الناطقة بالبرتغالية حيث يعيش ثلث السكان تحت خط الفقر رغم استغلالها احتياطات نفطية هائلة منذ عقود.

واختتم البابا الأميركي زيارة استمرت ثلاثة أيام إلى الكاميرون بإقامة قداس في الهواء الطلق بمطار ياوندي.

وحضر القداس 200 ألف شخص، بالإضافة إلى مئات الآلاف الذين انتشروا في المناطق المحيطة، حسب أرقام صادرة عن الفاتيكان. واستُقبل البابا مجدداً بترانيم مصحوبة بقرع طبول ورقص، في جوٍّ من الحماسة والبهجة عكس الترحيب الحار الذي حظي به في البلاد.

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر لدى وصوله إلى أنغولا وفي استقباله بمطار لواندا الرئيس جواو لورينسو (أ.ف.ب)

وفي عظة ألقاها باللغة الفرنسية، شكر البابا الشعب الكاميروني وحثّ الحشود على التحلي بـ«الشجاعة لتغيير العادات والأنظمة» في بلد يحكمه بول بيا البالغ 93 عاماً بقبضة حديد منذ عام 1982.

بعد يوحنا بولس الثاني (1978 - 2005) عام 1992 وبنديكتوس السادس عشر (2005 - 2013) عام 2009، سيصبح ليو الرابع عشر ثالث بابا يزور هذا البلد الذي نال استقلاله من الحكم الاستعماري البرتغالي عام 1975.

وانتُخب البابا ليو الرابع عشر في مايو (أيار) 2025، واعتمد في الأشهر الأولى من حبريته مواقف أكثر تحفظاً من سلفه الأرجنتيني البابا فرنسيس (2013 - 2025)، إلا أنه تخلى أخيراً عن تحفظه وتبنى أسلوبا أكثر حزماً، وذلك بعد أيام فقط من تعرضه لانتقادات لاذعة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

البابا ليو الرابع عشر لدى وصوله لترؤس قداس في مطار ياوندي بالكاميرون اليوم (أ.ف.ب)

وخلال زيارته للكاميرون، دافع البابا ليو الرابع عشر عن مناهضة الظلم الاجتماعي، مندداً بـ«أولئك الذين يواصلون، باسم الربح، الاستيلاء على القارة الأفريقية لاستغلالها ونهبها».

وأطلق البابا رسالة سلام في شمال غرب البلاد الناطق باللغة الإنجليزية، الذي يشهد صراعاً انفصالياً.

كما حذر الجمعة من استخدام الذكاء الاصطناعي لتأجيج «الاستقطاب والصراع والخوف والعنف»، وحض الشباب على «خدمة بلادهم» بدلاً من الهجرة.

الأحد، أي بعد يوم من وصوله إلى لواندا ولقائه الرئيس جواو لورينسو، من المقرر أن يُقيم البابا ليو الرابع عشر قداساً ضخماً في الهواء الطلق على مشارف العاصمة.

ثم يتوجه إلى قرية موكسيما التي تبعد حوالي 130 كيلومتراً جنوب شرق لواندا، حيث أصبحت كنيسة تعود للقرن السادس عشر واحداً من أهم مواقع الحج في جنوب القارة الأفريقية.

ويتوجه البابا الاثنين إلى ساوريمو، التي تبعد أكثر من 800 كيلومتر من العاصمة، قبل أن يغادر البلاد في اليوم التالي.

ثم يتوجه رأس الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار شخص حول العالم، جواً إلى غينيا الاستوائية، المحطة الأخيرة من جولة أفريقية يجتاز خلالها 18 ألف كيلومتر بدأها في الجزائر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
TT

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)
الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

بعد التصريح الشهير الذي أطلقه مطالع الشهر الحالي ضد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ورفضه السماح للطائرات التي تشارك فيها باستخدام القواعد الأميركية في إسبانيا، فاتحاً بذلك الباب أمام تشكيل «جبهة» أوروبية رافضة للتجاوب مع ضغوط واشنطن لجرّها إلى المشاركة في العمليات العسكرية لفتح مضيق هرمز، ذهب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خطوة متقدمة نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية»، التي تضمّ القوى التقدمية في العالم، في مدينة برشلونة، شارك فيها عدد من الرؤساء اليساريين، يتقدمهم رئيس البرازيل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم، ورئيس جمهورية جنوب إفريقيا، إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان. وضمّت هذه القمة أيضاً عدداً غفيراً من النقابات العمالية، والشخصيات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني من عشرات الدول.

عدد من الرؤساء اليساريين يتقدمهم الإسباني سانشيز والبرازيلي لولا ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم ورئيس جمهورية جنوب أفريقيا إلى جانب رئيسي كولومبيا وأوروغواي وعدد من قيادات الأحزاب التقدمية في أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا واليابان (أ.ب)

تأتي هذه القمة التي كانت إسبانيا تحضّر لها منذ بداية العام الحالي، بعد سنوات شهدت خلالها القوى التقدمية مرحلة مديدة من الانتكاسات السياسية، وتراجع تأييد الأوساط الشعبية لها في النظم الديمقراطية الغربية، وفي أميركا اللاتينية، ولجوء هذه الأوساط إلى القوى الشعبوية واليمينية المتطرفة بحثاً عن حلول لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية. كما تتزامن مع الهزيمة القاسية التي لحقت بالرمز الأوروبي والعالمي لهذه القوى، رئيس وزراء المجر فكتور أوربان، في الانتخابات العامة، التي رأى فيها كثيرون نذيراً لبداية تراجع التيّار اليميني المتطرف الذي بدأ يشعر بالحرج من تماهيه مع سياسة الإدارة الأميركية.

وكان لولا قد أدلى بتصريحات قبل وصوله إلى برشلونة، قال فيها: «ليس من حق الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستيقظ في الصباح ويهدد هذا البلد أو ذاك». وفيما نفى أن تكون هذه القمة موجهة ضد ترمب، أكّد أن الهدف منها هو تشكيل جبهة سياسية عالمية بديلة عن تلك التي تضمّ اليوم الولايات المتحدة والقوى اليمينية المتطرفة في أوروبا. وقالت زعيمة الحزب الديمقراطي الإيطالي إيلي شلاين: «منذ سنوات واليمين المتطرف يقرع طبول الحرب ويغذّي الصراعات، ويدمّر الاقتصاد ويدفع المزيد من الناس إلى براثن الفقر. جاء الآن دورنا كي نبني عالماً مختلفاً، ونخوض المعارك نفسها من أجل السلام والعدالة الاجتماعية».

سانشيز يتوسط البرازيلي لولا ورئيس كولومبيا (إ.ب.أ)

وسبق لرئيس الوزراء الإسباني والرئيس البرازيلي أن عقدا لقاءات عدة في السنوات المنصرمة، وأظهرا انسجاماً تاماً بينهما على الصعيد السياسي، رغم التباين في موقف كل منهما من الحرب في أوكرانيا، إذ يدعم سانشيز بقوة الموقف الأوروبي المؤيد لأوكرانيا، بينما يراهن لولا على تسوية سلمية تحصل روسيا بموجبها على بعض الأراضي الأوكرانية.

وكانت مفاجأة هذه القمة مشاركة رئيسة المكسيك، التي نادراً ما تسافر خارج بلادها، خصوصاً وأن العلاقات مع إسبانيا كانت مشوبة بتوتر شديد منذ سنوات، بعد رفض مدريد التجاوب مع طلب الرئيس المكسيكي السابق أوبيز أوبرادور أن تعتذر إسبانيا عن المجازر التي ارتكبتها إبّان احتلال المكسيك.

كلاوديا شينباوم شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل (إ.ب.أ)

كان سانشيز قد اعترف مؤخراً بأن إسبانيا ارتكبت «تجاوزات» خلال تلك المرحلة، وقامت حكومته بعدد من المبادرات لترطيب الأجواء مع المكسيك، توّجتها تصريحات للعاهل الإسباني الملك فيليبي السادس أقرّ فيها هو أيضاً بتلك التجاوزات. وقد حرصت الرئيسة المكسيكية على حسم الجدل حول العلاقات مع إسبانيا بقولها «لا توجد أزمة سياسية مع إسبانيا. لم توجد أبداً».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وبعد أن نوّه لولا بالجهود التي يبذلها سانشيز ونجاحه في زيادة عدد «القطيع التقدمي»، قال إنه لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تدفع الناخبين إلى تأييد القوى اليمينية المتطرفة، مضيفاً: «أعداد التقدميين إلى تراجع في كل أنحاء العالم... لكن سانشيز حقق إنجازاً استثنائياً بهذه القمة التي جاءت إليها رئيسة المكسيك ورئيس جنوب أفريقيا. من واجبنا اليوم أن نقدم للعالم خطاباً يحمل الأمل بغد أفضل، وألا نسمح بتكرار ما حصل مع هتلر. لا شيء في الدنيا أفضل من الديمقراطية، فهي تسمح مثلاً لعامل مثلي لا يحمل شهادات أن يصل إلى رئاسة البرازيل».

نائبة رئيس غانا نآنا جين أوبوكو-أغيمانغا تشارك في قمة زعماء اليسار في الدفاع عن الديمقراطية (أ.ف.ب)

من جهته قال سانشيز إن إسبانيا والبرازيل عازمتان على مضاعفة الجهود للعمل من أجل السلام، وتجديد النظام الدولي متعدد الأطراف ومؤسساته، وأضاف: «نحن نريد دمل الجراح التي يفتحها الآخرون، وإنهاء الإجحاف والفوارق الحادة في مجتمعاتنا وبين الدول، والتصدي للتحديات العالمية الكبرى مثل التغيّر المناخي والتطور التكنولوجي السريع، والدفاع عن الديمقراطية التي تتعرّض للهجوم من الموجة الرجعية العالمية وأنظمة الاستبداد والمعلومات المزورة».

سانشيز مع رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم (إ.ب.أ)

رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه لويس ثاباتيرو الذي لعب دوراً رئيسياً في التحضير لهذا اللقاء، قال «إن الأفكار هي التي تجمع بين القوى التقدمية، بينما القوى اليمينية لا تجتمع إلا حول السلطة»، واعتبر أن قمة برشلونة «محطة تاريخية من حيث كونها الأهم بالنسبة للأحزاب التقدمية في العالم منذ بداية هذا القرن، وقد أصبحنا على أبواب مرحلة جديدة نشهد فيها تراجع الخطاب السياسي الذي ينكر القرائن العلمية الدامغة، ولا يقيم للسلم وزناً ويتمتع بمشاهد المسيّرات والصواريخ وحاملات الطائرات. اليمين المتطرف إلى تقهقر، لكن من واجبنا كقوى تقدمية أن نكون متحدين في مواجهته».

وتوقف الزعيم الاشتراكي الإسباني طويلاً في كلمته أمام القرار الذي اتخذته هذا الأسبوع حكومة سانشيز بتعديل قانون الأجانب بما يسمح لأكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي بتسوية أوضاعهم القانونية، في خطوة معاكسة تماماً للاتجاه الذي تسير فيه بقية الحكومات الأوروبية، وقال: «أشعر بالفخر بالحزب الاشتراكي عندما تتخذ الحكومة خطوة تعطي حقوقهم للمهاجرين الذين يساهمون في بناء مجتمعنا الذي يسجّل اليوم أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الكولومبي غوستاف بيترو مع نظيره الجنوب أفريقي سيريل رامفوزا (رويترز)

وقال الرئيس الكولومبي غوستافو بترو، وهو أحد المشاركين في القمة: «إن أميركا اللاتينية قد تشهد تمرداً واسعاً إذا لم تبادر واشنطن إلى إعادة النظر في سياستها»، واعتبر أن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تركت جرحاً عميقاً في أميركا اللاتينية، إذ إن كاراكاس هي المدينة الوحيدة التي تعرضت للقصف في تاريخ المنطقة.

كلاوديا شينباوم، التي لقيت استقبالاً حاراً لدى وصولها إلى القمة كونها أول رئيسة للمكسيك تزور إسبانيا منذ ثماني سنوات، شددت على ضرورة «إنقاذ» المؤسسات الدولية متعددة الأطراف بوصفها الإطار الطبيعي لنظام دولي عادل، ودعت إلى مضاعفة الجهود وتوحيدها لضبط أنشطة وسائل التواصل الاجتماعي الضخمة «التي أصبحت هي البوصلة الرئيسية للمشهد الاجتماعي والسياسي في معظم البلدان».

الرئيسة الآيرلندية كاثرين كونولي تشارك في لقاء برشلونة لقوى الحشد التقدمي العالمي (إ.ب.أ)

لكن إلى جانب الشعارات السياسية والدعوات إلى رصّ الصفوف وتوحيد الجهود والتنسيق لخوض المعارك الانتخابية في لوائح مشتركة، احتلت الطروحات الاقتصادية حيّزاً رئيسياً في أعمال القمة الموازية تحت عنوان «الحشد التقدمي العالمي» التي ركّزت على التدابير الهادفة إلى حماية المواطنين لمنع اتساع الفجوة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة من جهة، وطبقة كبار الأغنياء، الذين يشكلون 0.0001 في المائة من سكان العالم، يستحوذون على 17 في المائة من الثروة العالمية. ويفيد تقرير وضعته منظمة «أوكسفام» المنبثقة عن جامعة أكسفورد، بأن مداخيل 1 في المائة من السكان الأثرياء نمت ضعف مداخيل الطبقات المتوسطة، وحصلت وحدها على نصف الأرباح التي نجمت عن ارتفاع أسعار المواد الأولية عبر أدواتها الاستثمارية.

الصحافية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ماريا ريسا تشارك في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

يأتي اختيار مدينة برشلونة، وليس مدريد، لاستضافة هذه القمة، لكون هذه الأخيرة قد تحولت منذ سنوات إلى معقل القوى اليمينية والمحافظة في إسبانيا، بينما يدير برشلونة مجلس بلدي يساري ويتولى رئاسة حكومة كاتالونيا الإقليمية فيها اشتراكي سبق أن شغل مناصب وزارية في حكومات سانشيز. وفيما كان رئيس الوزراء الإسباني يعقد القمة الثنائية مع لولا على هامش القمة، كانت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد، اليمينية إيزابيل آيوسو، تستضيف زعيمة المعارضة الفنزويلية كورينا ماتشادو التي رفضت دعوة سانشيز للحلول ضيفة رسمية على حكومته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended