هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

المتصالح مع طهران.. وزير الدعاية الذي يكرّر سقوطه

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟
TT

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

هل أحرقت شمس الحقائق شموع محمد حسنين هيكل؟

كان يتحدّث عما سماها خطة الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور لعزل مصر عن العالم العربي وتغيير ملامح الحياة فيها، في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ومعها اتجهت مصر إلى الاتحاد السوفياتي في عز الاشتغال بوأد المعسكر الغربي للشيوعية.
وعاد بذات النبرة والبنية الهيكلية لخطاب الكلمات مسترسلا، يحاول الثورة على صورة التحليلات الواقعية بعلاج هو الداء. كيف لا، وهو المكروه اليوم كما الأمس من كل التيارات والأحزاب السياسية، عدا مرحلة صانع بريقه في المرحلة الناصرية، ليكون في دفتر مخضرمي الصحافة العربية.

في كل مرحلة يمتدح محمد حسنين هيكل قائدها، وبعدها لا يلبث أن ينقلب على من رسم الإطراء لهم. فبعد عبد الناصر، صاغ مقالاته في صحيفته «الأهرام» التي رأس تحريرها قرابة العقدين مدادًا من ذهب لحقبة الرئيس أنور السادات، قائلاً عنه: «سيظل السادات قائدًا تاريخيًا لشعبه، وهي قيادة يتضاءل أمامها كرسي الرئاسة إلى جوار مقعد القائد والزعيم الذي يمثله السادات نفسه». لكنه عاد منقلبًا عليه رغم انتصارات «حرب أكتوبر»، وبعدها انقلب على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك رغم أن مبارك كان مَن كسر قيودًا أمنية كانت تحيط بمعصميه بعد أن شمله الإيقاف بعد اغتيال السادات.
ومع مرحلة الثورة المصرية في يناير (كانون الثاني) 2011 كان متحمّسا لأفكار الثورة الشبابية، وانتقد «المجلس العسكري» الذي قاد الجمهورية إلى مسار تأمين الانتقال نحو المرحلة الديمقراطية. وقبل وصول «الإخوان المسلمين» إلى الحكم كان من أشد الناقمين عليهم واصفًا وصولهم إلى السلطة بأنه «كارثة»، لكن بعد سقوط «الإخوان» بأيام عقد هيكل اجتماعًا مع قيادات من حزب الحرية والعدالة الإخواني لبحث سبل إعادة الجماعة إلى الواجهة، وذلك في سبتمبر (أيلول) من عام 2013، رغم اتهامه للجماعة من قبل بإحراق مكتبته ومنزله.
وبعد إنقاذ الجيش لمصر نتيجة فشل محمد مرسي وجماعته في السلطة، قال إنه يرفض ترشح الفريق عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) في أعقاب سقوط نظام مرسي. وأضاف هيكل: «أعرف أن الرجل يواجه مأزقًا شديدًا، وفي آخر لقاء لي معه رأيت أمامي رجلاً حائرًا ولديه أسباب حقيقية للحيرة، فهو يواجه مأزقًا حقيقيًا»، كون الجيش المصري سيفقد بريقه، لكن وكالعادة، عاد وكأن الكلمات لا تحفظ في أرشيف الصحافة الذي يعشق هيكل تقليب صفحاته، ليقول إن الرئيس السيسي «أنقذ مصر» من محاولات صياغة خريطة جديدة للمنطقة.
الواقع أن تصريحات هيكل تحاط دومًا بكم هائل من الجدل واللغط لما تتضمنه عادة من مغالطات تاريخية وتحليلات يعتبرها أهل الشأن بعيدة عن أبجديات التحليل الرصين، وهذا ما وضعه في مرمى كثيرين انتقدوا طروحاته، لا سيما تلك التي توهم القارئ والمتابع له بأنه كان في مطابخ الظل وراء العديد من القرارات حول الشرق الأوسط.
ومن أحدث تحليلاته المثيرة للجدل واللغط ما ورد في حوار صحافي أجرته معه صحيفة «السفير» اللبنانية يوم 21 من شهر يوليو (تموز) الماضي، وخلاله عاود هيكل الظهور على خلفيات أحداث كبرى في المنطقة، كان أبرزها «عاصفة الحزم» التي أغضبت إيران لأنها قوضت مخطط طهران الإقليمي المنطوي على دعم ميليشيا الحوثي وترسيخ هيمنتها على اليمن.
هيكل قال في حواره الشهير، الذي وقف فيه صراحةً في صف إيران - وهو المعتاد خلال حواراته الأخيرة على القول إن إيران صاحبة النصر الأكبر بعد الاتفاق النووي مع قوى المجتمع الدولي - إن «السعودية ودول الخليج أضعف من أن تشاغب على الاتفاق». ثم اعتبر أن السعودية، التي دعمت مصر بعد ثورتيها في يناير 2011 و30 يونيو (حزيران) 2013 «دولة غير قابلة للبقاء»!
من ناحية أخرى، دافع هيكل خلال الحوار مع «السفير» عن نظام بشار الأسد رغم الأعداد الهائلة من الضحايا والنازحين والمشردين، بفعل الفظائع التي يقترفها نظام الأسد بحق الشعب السوري. كذلك دافع عن حزب الله ذراع إيران في المنطقة، معتبرًا أن قتاله ضد السوريين داخل الأراضي السورية قتال «الدفاع عن نفسه، وليس في معركة إثبات نفوذ»، وذلك رغم ما تكشفه دول الخليج من أن الحزب في قفص الاتهام بسبب سعيه إلى ضرب استقرار الخليج من بابي البحرين والكويت.
ولم ينسَ هيكل خلال الحوار المذكور مع «السفير» - التي سوّقت لقب «الأستاذ» على هيكل، وجعلت منطلق أسئلتها من باب إيران ومن ثم قياس ذلك على الداخل اليمني وعلاقة الخليج باليمن - القول إنه يرى من مصلحة مصر التقارب مع إيران، وهي (أي مصر) التي طوت تلك الصفحة التي أحدثها حكم محمد مرسي في عامه الوحيد.

* «الحالم بالسياسة من باب الصحافة»
محمد حسنين هيكل، العجوز ذو التسعين عامًا، يوصف بـ«الحالم بالسياسة من باب الصحافة». كان مستشارًا إعلاميًا لعدد محدود من الزعماء السياسيين المصريين، ورغم أنه تدرج بقوة وبزغ نجمه كمحلل لخريطة الشرق الأوسط، يظل خروجه بعد المرحلة الناصرية كارثيًا، فكثير من التحليلات تسقط خارج دفة الحدث، وقراءاته تساق إلى هوامش غير مرتبة. لا حقيقة تقع ولا تحليل يصيب، وربما في وصف الكاتب محمد علي إبراهيم، عن حسنين هيكل أنه «كان مؤسسة ذاتية نجح في ترسيخها وتسويقها في عقول الأجيال المتلاحقة. وكانت النتيجة أنه أساء للتاريخ والباحثين».
يُعد هيكل مدافعًا متحمسًا عن إيران وأعوانها في المحيط العربي، مع أن أول كتبه كان عن إيران، وحمل عنوان «إيران فوق بركان» الصادر عام 1951، واليوم وفق رؤيته يرى أن الخليجيين لديهم مخاوف وصفها بـ«غير المبرّرة» من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من دون أن يتطرق حتى في صولاته التلفزيونية الأخيرة إلى شيء من النقد حول إيران.
وفي أواخر عام 2013، لم يرَ هيكل أن حزب الله حقًا تنظيم إرهابي، وفي تبريره ما ذهب إليه استشهد بالأمم المتحدة - التي ينتقدها غالبًا - فقال إنها لم تستطع أن تجعل الحزب في قائمة التنظيمات الراعية للإرهاب. ومن ثم، انغمس في تمرير فكرة «المقاومة» والمواجهة ضد إسرائيل، مطالبًا بأن يكون حزب الله وزعيمه حسن نصر الله ضمن الحسابات. فهو يراه فاعلاً ولاعبًا رئيسيًا في المنطقة، بينما لا يرى قص أجنحة إيران في سوريا ولبنان والعراق، وهذا ما يجده محللون تفسيرًا لمعارضته «عاصفة الحزم» التي أعادته إلى الواجهة الإعلامية بعدما اتخذ قرارًا بالركون للراحة، فعاد حاملاً لواء المعارضة ضد العاصفة، في ظل مشاركة القوات المصرية ضمن قوات التحالف، حفاظًا على الأمن القومي العربي.
أما موقفه الوحيد الثابت الذي لم يتغيّر عنه منذ الستينات، رغم تكالب الظروف وتغير هوى الأحداث، فهو موقفه السلبي من الخليجيين؛ إذ لم يقف هيكل ولو بالكلمة الحق مع الخليجيين الذين أسهموا في إنقاذ مصر ودعموها في مراحل حاسمة وتحدّيات جمّة وأخطار متلاحقة تطاردها، بل هو يعتبر الخليج فرصة له أن يعوم بين خيراته، واللعنات أكثر من شكره.
ثمة محللون وكتّاب عرب مقتنعون بأنه مصاب بـ«عقدة الخليج والسعودية»، إذ لا تتغير صيغة خطاباته تجاه قادة الخليج، بل بدأت تأخذ الطابع الثوري على السعودية مع صعود الثورة الخمينية في إيران، وهو ما يجد التفسير من تقارب تيارات الود مع طهران وكذلك جماعة الإخوان المسلمين مع هيكل.
ولقد ألف المؤرخ العراقي سيار الجميّل، عام 1999، كتابًا عنونه بـ«تفكيك هيكل»، آخذًا البعد النقدي في ما يعتمد عليه هيكل في وثائقه ومستنداته وبعض مقالاته وتصريحاته، وقبلها ارتباطاتها الشخصية والفكرية. وجعله تحت مجهر نقدي واستعراض شامل وردود تاريخية خاصة في علاقة المملكة الأردنية متخذًا - أي الجميّل - وضع الطبيب المشخّص لكل السموم التي يحاول تسويقها عن دور الأردن ملكًا وشعبًا في القضايا العربية، ومثلها دور المغرب والعراق إزاء القضايا العربية، وهي للعلم أدوار لا تروق للصحافي السياسي هيكل.
ويبرز الجميّل كأحد الناقدين بل وأشدهم شراسة في مواجهة هيكل، رغم تكرار قول الأول إنه لا يبحث عن مجد سوى أنه - والحديث ما زال عن سيار الجميّل: «مؤمن بأن هيكل يلعب دورًا خطيرًا عندما يتلقف الناس كتبه أو يجلسون للاستماع إلى حكاياه.. من دون أن ينبههم أحد إلى طبيعة ما يكتبه أو ما يقول».
الدكتور الجميّل الذي قال عن هيكل إنه «بارع في اللف والدوران.. يستطيع أن يجعل من اللون الأبيض أسود ومن الأسود أبيض.. لكنه يفر من الميدان حين يرى أن هناك من سيجادله أو يعلمه أسلوب الكشف عن الحقيقة»، فتح النار مجدّدًا على الصحافي والكاتب المصري الذي يراه البعض قامة تاريخية عالية عبر كتاب «بقايا هيكل»، مستعرضًا في فصول عدة نشرت بعضها صحف مصرية ومنها صحيفتا «الوفد» و«روز اليوسف» ما يعطي الانطباع بالرأي بأن هيكل يجد المعارضة حتى من طيف واسع من المصريين، رغم هرميته التي شكّلها بين الباحثين والطلبة في مصر.
يقول المؤرخ الجميّل إن اتهاماته للعديد من الزعماء بعد رحيلهم مباشرة تلفيقية وخطيرة من القصص والأكاذيب عنهم ولا أساس لها من الصحة، بعد أن يكون قد مدحهم وهم أحياء، ومنهم: أنور السادات والملك حسين والملك سعود والملك فيصل والملك الحسن الثاني والملك إدريس وشاه إيران وغيرهم.
من جهة ثانية، يعتبر المفكر والكاتب السعودي علي العميم أن الجميّل لم يوفق في عرض المادة الكبيرة عن هيكل، لكنه رغم ذلك يعد ما أنجزه بداية جادة وجدية لدراسة شاملة وموسعة ودقيقة لهيكل. وأردف العميم الذي صفّ ذلك الرأي في كتابه «شيء من النقد.. شيء من التاريخ» أن أقوى السجالات وأمتنها التي تعرضت لمنهجية التفكير لدى محمد حسنين هيكل هو كتاب فؤاد زكريا «كم عمر خريف الغضب.. هيكل وأزمة العقل العربي»، الذي ألفه بعد كتاب هيكل «خريف الغضب». ولقد قدّم زكريا من خلاله طروحات نقدية كاشفًا عن أقنعة عربية كان يحرص هيكل عليها.
أما الكاتب التونسي سيد الحمادي، الذي ظل دهرًا في خصام مع هيكل قبل أن يركن إلى الصمت بعد طول انتظار منه لهيكل للرد على كتابات دقيقة سبقه بها سيّار الجميّل، فيرى خلال حديث مع «الشرق الأوسط» أن «هيكل يبتعد عن مرافئ الحقيقة رغم وضوحها»، معتبرًا أنه وإن كان لهيكل من بعض توثيق صحيح خاصة في حقبة العهد الناصري فإن كشف الرئيس محمد نجيب (أول رئيس لجمهورية مصر العربية) حول تنميقه للأكاذيب يعد نقطة تستحق مراجعة لأجيال اليوم تبحث عن الحقيقة وليس الكلام بالصوت والتعبير عنها بمواقف شخصية، على حد وصفه. وأضاف أن علاقة هيكل بدول الخليج دومًا ما تكون بعيدة عن فهم الذهنية العربية لطبيعة العلاقات بين الخليجيين ومواقف الدول التي تظل، في رأي الكاتب التونسي، ثابتة، عادًا إياه «مجرد شخص يحاول قراءة التاريخ ويسعى إلى إسقاطه على سراب الوحدة الذي كان هيكل يمتصّ منه طوال عقود». ويخلص الحمادي إلى القول: «إن ما سيكسر طوق هيكل اليوم هو هيكل نفسه مهما تعدّدت النصوص ردًا عليه؛ نظير الوجودية التي ينغمس فيها دون مراعاة للأطراف الأخرى أو مناقشتها في وثائق ليست ذات صدقية، خاصة ما عرضه منها في برنامجه الذي يراه (فخًا) وبثته قناة الجزيرة».

* استنطاق الموتى
يقول هيكل في التباسات تتكرر: «إن الجزر الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، قد جرى التنازل عنها لإيران مقابل استقلال البحرين وإمساك الأقلية السنية بالحكم فيها»، زاعمًا مشاركته في مفاوضات خلال عهد جمال عبد الناصر. وكان حينها رد وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد آل خليفة ببضعة أحرف عبر الطائر الأزرق «تويتر»: «حسنين هيكل لا يستنطق إلا الموتى وأصحاب الآخرة.. إن كانت لديه وثيقة واحدة تثبت مزاعمه عن البحرين وجزر الإمارات فليبرزها.. وإلا فليصمت».
ومن السعودية، كان السفير السعودي في القاهرة ومندوب المملكة الدائم بالجامعة العربية، أحمد قطان، في منحى تفكيك هيكل بصيغة رسمية قوية، إذ قال بعد تزايد هجوم هيكل على السعودية إن «علاقة المملكة ومصر ستبقى قوية رغم أنف هيكل، فالرجل لا علاقة له بالحقائق ويقول كلامًا مغلوطًا»، في معرض إجابة عن تساؤل أثناء لقاء السفير بصحافيين أوائل شهر أغسطس (آب) الحالي.
والحقيقة أن هجوم هيكل على السعودية ليس وليد الأمس ليتكرر اليوم، بل كان منهجه منذ بواكير طلعته، إبان رئاسته لتحرير «الأهرام»، ذا توجهات تتحدى القيادة السعودية في عهد الراحل الملك سعود. وفي ما بعد تجاهل دور الملك فيصل رحمه الله بعد «نصر أكتوبر»، وكذلك دور المملكة الحاسم في تحرير الكويت، معتبرًا آنذاك أن السعودية تقود «حربًا صليبية»، لكن الصحافة المصرية فسرت خلفيات هجومه بالقول إنه «يزعجه أن تظل السعودية آمنة ومستقرة وصانعة تنمية».
هيكل عاش أزمنة الحضور الأولى التي اشتعل بريقه خلالها في ظل عبد الناصر. وكان ذراعًا إعلامية في زمن «الانتكاسة» وفشل الوحدة العربية. يشابه زمن النصر الصوتي، وبالصوت يحضر حاليًا، بأراجيف الحكواتية، فلا يزال يحاول النيل من كل وحدة عربية أو وقفات جادة لإعادة بلورتها ما لم تكن ناصرية المكان والهوى، رغم خسارتها فكرًا ومشروعًا آنذاك. وهذا بينما تسعى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، اليوم إلى لمّ الصف العربي، لمواجهة التحديات والاضطرابات، وعلى وجه الخصوص الشرق الأوسط.
من جهة أخرى، علّق السياسي المصري مصطفى الزهار، لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن ما يعاب على محمد حسنين هيكل ومسانديه أخذ تصريحاته التي تجانب بعضها الحقيقة وكأنها رأي رسمي، مشددًا على أن هيكل يحمل الكثير من المغالطات التي لا تدعم وجود بلاده وتحدياته منذ الماضي وحتى اليوم، وأن «هيكل غير جيد للحديث عن التاريخ المصري وليس العربي فقط».

* قضية التسميم المزعوم لعبد الناصر
واستشهد الزهار باتهام هيكل للرئيس السادات والتلميح إلى أنه «سمّم الرئيس جمال عبد الناصر» وفق حديثه في قناة «الجزيرة». وقال عن ذلك الاتهام إنه وبعدما رفعت عائلة السادات دعوى على هيكل تراجع عن اتهامه، واعتبر أن ما قاله أحاديث يتحدث بها المجتمع المصري، لكن الحقيقة وفق حديث الزهار أن هيكل جعلها مثار حديث رغم عدم وجود أي أدلة. ومن ثم شرح الزهار الكثير من الإشكاليات التي ترافق مقالات وحوارات هيكل، أبرزها «غياب الموضوعية في تناول الشؤون التاريخية، ومحاولته إثبات أنه يمتلك وثائق في مسيرته تغيب عن وثائق الدولة، إضافة إلى إيقاع خلافات سياسية بين الدول، وهذا أمر يحتاج إلى الدراسة والبحث لا مجرد نقل، أساء إلى كثير من الدول العربية».
وعن سر اتهاماته لدول الخليج وكيل الاتهامات لها، قال الزهار إن «مشروع هيكل لم يتخل عنه منذ ثورة الخميني في إيران ودعمه للمشروع الفارسي، الذي يحاول إلغاء المحيط بها وتعزيز العلاقة مع مصر، وكذلك تركيا»، نظرا لأسبقية هيكل في العمل مستشارا لقيادات الثورة في إيران، وهو ما عده سعيا إيرانيا لتوظيف عدد من الإعلاميين والسياسيين المصريين.
وكانت لهيكل مشاركة في صياغة كتاب معمّر القذافي «الكتاب الأخضر» الذي تحوّل منذ صدوره وحتى اليوم إلى كتاب تتقاذفه السخريات في كل البلدان العربية، لكن، ورغم الاسم الذي صنعه هيكل لنفسه في العالم العربي، يبدو أن مقولة جوزيف غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر، تروق له ويطبق مضمونها، عندما قال «الدعاية الجيدة أن تكذب وتكذب حتى يصدقك الناس». ورغم قرب هيكل من جمال عبد الناصر، فحتى الأخير لم يسلم من هجوم هيكل عليه في مقالات عديدة، ويورد المحامي المصري الراحل طلعت السادات، نجل شقيق الرئيس أنور السادات، أن هيكل كان يتوقع بعد النكسة (1967) أن يكون نائبا للرئيس عبد الناصر، وهو ما حاول تسويقه عبر علاقاته بالإعلام الغربي.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.