كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد

«ملاذ آمن» لمختلف القوميات والطوائف في المنطقة

كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد
TT

كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد

كردستان العراق بين ناري الانتخابات والتجاذبات مع بغداد

يتميّز إقليم كردستان العراق من حيث التركيبة الجغرافية والسياسية والسكانية والقبلية عن باقي مناطق العراق الأخرى. ومن أبرز ميزاته التنوّع القومي والديني الكبير، بالمقارنة مع مناطق وسط العراق وغربه وجنوبه، ولقد أسهم هذا التنوّع في أن تكون هذه البقعة من العراق ملاذًا آمنًا لعدد هائل من القوميات والطوائف والأقليات التي هجرت مناطقها واستقرت فيها.
من ناحية أخرى، عاش الشعب الكردي في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 كثيرا من الحروب والويلات في عهود الحكومات المتعاقبة، التي شنّ عدد منها هجمات على الشعب الكردي لقمع انتفاضاته. وكان من نتائج هذه السياسة حرمان أبناء القومية الكردية طويلاً من استعمال لغتهم الأم، كما تعرّض كثيرون منهم للتهجير القسري إلى مناطق في وسط البلاد وجنوبها.
كانت أعنف الحملات التي يصفها أكراد العراق بـ«حملات الإبادة الجماعية» التي شنتها عليهم سلطات بغداد تلك التي شنها نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين (1979 - 2003), وتمثّلت في «حملات الأنفال».
إذ تٌتهم القوات العراقية بدفن أكثر من 182 ألف كرديًا وهم أحياء في صحارى الجنوب العراقي، وارتكاب مجزرة جماعية بحق 8000 كردي، وقصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية ما نتج عنه مقتل أكثر من خمسة آلاف شخص وإصابة أكثر من عشرة آلاف بجروح ما زالوا يعانون من آثارها حتى الآن، إضافة إلى فقدان الآلاف من الأطفال وتدمير أكثر من 4500 قرية.
بعد الغزو العراقي للكويت في أغسطس (آب) من 1990، شنت قوات التحالف الدولي هجومًا على القوات العراقية فأرغمت صدام حسين على الانسحاب من الكويت، وفرضت حصارًا اقتصاديًا على العراق. وفي ربيع عام 1991 انتفض أكراد العراق بوجه الحكومة، وتمكنت قوات البيشمركة الكردية من إخراج الجيش العراقي الأجهزة الأمنية التابعة للنظام من المدن الكردية، لكن الجيش سرعان ما عاد مرة أخرى إلى الإقليم، واستؤنفت الحرب، واضطر آلاف المدنيين الكرد إلى الهروب نحو المناطق الحدودية مع إيران وتركيا. وتوفي كثيرون منهم جراء ظروف النزوح الصعبة المتمثلة بقسوة الطرق والجوع والعطش والبرد الشديد وانتشار الأمراض، وكان الأطفال والنساء والشيوخ في مقدمة الضحايا.

* تطوّر الحكم الذاتي الكردي
غير أن المجتمع الدولي أجبر نظام صدام حسين في ما بعد على سحب قواته من كردستان العراق، وأعلن التحالف الدولي «منطقة حظر طيران» في المناطق الكردية المحرّرة من جيش النظام، بينما ظل في المناطق التي يصفها الأكراد بـ«المناطق المتنازع عليها» بين سلطات الإقليم والحكومة المركزية في بغداد. وفي عام 1992 أسست أول حكومة لإقليم كردستان العراق، كما أسس برلمان الإقليم بعد إجراء انتخابات شارك فيها المواطنون الكرد. ومع أن السنوات التي تلت عام 1992 كانت فترة عرفت بـ«سنوات الحرب الداخلية» بين الحزبين الرئيسين، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، استمرت حتى عام 1998، فإنها انتهت بـ«اتفاقية واشنطن للسلام». وحقًا استطاع الإقليم بعد تلك السنوات أن ينهض من جديد ويمحو آثار الحروب التي نكبته، ويباشر بناء مجتمع ديمقراطي مدني. ثم بعد إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين شارك القادة الأكراد في بناء العراق الجديد متطلعين لأن تكون حقوق الشعب الكردي محفوظة في العهد الجديد، لكنهم لا يبدون اليوم راضين عمّا تحقق، وهم يتهمون الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003، وحتى الآن، بأنها لم تفِ بأي التزام اتجاه الشعب الكردي، ويرون أن سلطات بغداد ما زالت تحاول «إثارة المشكلات لإقليم كردستان ومواطنيه».
من ناحية ثانية، استطاع رئيس الإقليم مسعود بارزاني عام 2005، بعد توليه منصبه، «توحيد البيت الكردي» بالتعاون مع الأطراف الكردية الأخرى، فشُكلت أول حكومة موحّدة بعد الحرب الأهلية في الإقليم بقيادة رئيس الحكومة الحالي نيجيرفان بارزاني في العام ذاته. ويمكن القول إنه خلال السنوات الـ24 الماضية استطاع الإقليم أن يؤسس لنموذج ناجح من الديمقراطية في المنطقة رغم المشكلات والضغوط الإقليمية.

* الطبيعة الجغرافية لكردستان العراق
تمتاز التركيبة الجغرافية لإقليم كردستان بتنوع غني. وعن هذا التنوع يقول البروفسور خليل إسماعيل، الخبير في الجغرافية السياسية وأستاذ قسم الجغرافية في جامعة صلاح الدين بمدينة أربيل، لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «تمثل مرتفعات حمرين وابتداءً من مناطق جنوب قصبة مندلي وبدرة وجسّان التي تمتد إلى حدود جنوب كركوك، وتحادد حدود محافظة كركوك، ثم تخترق منطقة الفتحة وتتجه إلى الشمال الغربي من مدينة الموصل، إلى أن تصل إلى مرتفعات سنجار، الحدود الطبيعية لإقليم كردستان العراق. وأهم ما يمكن أن نشير له بهذا الصدد هو التقرير الذي قدّمته لجنة عصبة الأمم عام 1924 إلى عصبة الأمم يوم ذاك في إطار مشكلة ولاية الموصل. هذا التقرير أكد على أن العراق يتميز بثلاثة أقاليم، هي: إقليم العراق وإقليم كردستان وإقليم الجزيرة، وأشار التقرير إلى أن إقليم كردستان ينفصل عن إقليم العراق من خلال مرتفعات حمرين ومكحول إلى مرتفعات سنجار. وبالتالي فهذه المنطقة تختلف تماما من الناحية الطبيعية عن المناطق الواقعة جنوب مرتفعات حمرين».
وعن تضاريس إقليم كردستان، أوضح إسماعيل: «ليس غريبا أن تأخذ هذه المنطقة اسم الإقليم، لأن الإقليم هو المنطقة المتميزة عن المناطق المجاورة، فإقليم كردستان يتميّز عن المناطق المجاورة الأخرى من حيث ارتفاع الأرض وانخفاضها. ذلك أن الأرض ترتفع من مرتفعات حمرين باتجاه الشمال والشمال الشرقي إلى الحدود العراقية الإيرانية والحدود العراقية التركية، في حين تتميز المناطق الواقعة جنوب حمرين بانبساطها ولذا سميت من القديم باسم إقليم السواد. وكذلك من حيث نسبة الأمطار، يختلف إقليم كردستان تماما عن مناطق وسط العراق وجنوبه، إذ إن المناطق الواقعة في شمال حمرين تتميز بكونها ذات أمطار نسبية أعلى بكثير من نسبة الأمطار في المناطق الواقعة جنوب حمرين، وبالتالي يتميز إقليم كردستان باكتفاء مائي لافت، بل إن إقليم كردستان العراق يمثل المصدر الرئيس لموارد المياه بالنسبة لوسط العراق وجنوبه. وأما من ناحية درجات الحرارة فإن إقليم كردستان يتميز باعتدال درجات الحرارة في الصيف، ولذا يعد كثير من مناطق الجبال مراكز سياحية ليس فقط للعراقيين بل لكثير من السياح من دول الجوار ودول الخليج العربي».

* التركيبة السكانية
وعن تفاصيل التركيبة السكانية للإقليم، قال إسماعيل: «يتميز التوزيع السكاني لإقليم كردستان بأنه منتشر جغرافيًا، بعكس حال مناطق وسط العراق وجنوبه، حيث تتركز الكثافة السكانية في حوضي نهري دجلة والفرات وفروعهما. كذلك من ناحية التركيب القومي أو الإثني، يتميّز إقليم كردستان بتنوع قومي/ إثني يختلف عن حال باقي مناطق العراق الأخرى، فهو يجمع بين قوميات متنوعة، فبالإضافة إلى الكرد الذين يمثلون الغالبية العظمى من سكانه، فهناك التركمان والعرب كذلك».
وعن التركيبة الدينية والطائفية – المذهبية في الإقليم، يشرح البروفسور قائلاً: «التركيبة الدينية هي الأخرى متنوعة في الإقليم، فإلى جانب المسلمين الذين يشكلون غالبية سكانه، هناك المسيحيون والإيزيديون والأرمن والصابئة والكاكائيون. ثم هناك تنوّع طائفي – مذهبي غني. هذا الوضع الذي يندر وجود مثيل له في أي منطقة أخرى من العالم، جعل سكان إقليم كردستان العراق، بصفة عامة، أكثر حرية وتسامحًا من كثرة من مواطني هذه المنطقة، ويعتبر الإقليم الملتقى لكثيرين من الأقليات والطوائف التي ظلمت واضطهدت خلال الفترات السابقة سواءً من المسيحيين أو العرب أو غيرهم. كل هؤلاء وجدوا في الإقليم الملاذ الآمن لحين الفرج والعودة إلى بلادهم». وتابع: «ثم إن موقع إقليم كردستان الذي تحده من الشرق إيران ومن الشمال تركيا ومن الغرب سوريا ومن الجنوب باقي مناطق العراق الأخرى، أتاح له أن يحتضن الآلاف من الأكراد الهاربين من إيران وتركيا وسوريا بسبب السياسات التي تنتهجها حكومات هذه الدول ضد مواطنيها الأكراد».

* الأحزاب الكردية
في ما يخص الحياة الحزبية في إقليم كردستان العراق، تنشط في الإقليم عشرات من الأحزاب والحركات السياسية التي مرت - بحسب المتخصصين السياسيين - بعدة مراحل من العمل السياسي، أبرزها مرحلة سبقت انتفاضة عام 1991 ومرحلة أخرى بدأت بعد الانتفاضة اتسمت بعد مرور عدة سنوات بولادة أحزاب المعارضة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور صباح صبحي، رئيس قسم العلوم السياسية في كلية القانون والسياسة بجامعة صلاح الدين، لـ«الشرق الأوسط» موضحًا: «من الناحية التاريخية مرّت الأحزاب السياسية في الإقليم بعدة مراحل: المرحلة الأولى منها تتمثل بالمرحلة التي سبقت انتفاضة عام 1991، فالتركيبة الحزبية في ذلك الوقت كانت مختلفة عما هي عليه الآن. ذلك أن مصالح الأحزاب الكردية آنذاك كانت الوصول إلى هدف واحد ألا وهو تحرير كردستان، وتشكيل تحالفات من أجل الوصول إلى حقوق الشعب الكردي في الإقليم. بعد تلك البداية جاءت مرحلة التنافس على السلطة، التي تمثل المرحلة الثانية من مراحل عمل هذه الأحزاب. وبالفعل فتشكلت أحزاب جديدة، وظهرت الأحزاب الإسلامية المعتدلة في الإقليم. واعتمد العمل الحزبي على المكاسب التي سبقت عام 1991، ولمن سيكون الأولوية للوصول إلى السلطة. واستمرت هذه المرحلة حتى عام 2009. عند هذا المفصل حدث تغيّر في الحالة الحزبية، فالحالة التي ظهرت منذ عام 2009 كانت تختلف تمامًا عما سبقها، وكان من أهم سماتها ظهور أحزاب المعارضة. هذه الأحزاب ظاهرة جديدة في المجتمع السياسي الكردي، ولقد بدأت أحزاب المعارضة استغلال سخط الفئات الشعبية غير الراضية عن أداء السلطة، والتعهد لها بتحقيق مطالبها وأمانيها. ومن ثم ساهمت الحالة الجديدة في إضفاء تغيير على مسار الائتلافات الحزبية ومسار سياسات الأحزاب، وبعدما كانت السياسات العامة الحزبية في السابق تعتمد على الاتفاقيات المبرمة بين الأحزاب السياسية، صار الوضع بعد 2009 يعتمد على أي الأحزاب هي الأكثر شعبية وقدرة بالوصول إلى الجمهور. وهكذا نما الجمهور المسيّس أكثر فأكثر، وأصبح الناس أكثر وعيًا بما يريدون ومن يحاسبون، وصاروا يولون اهتماما أكبر بالسياسة، ويقدرون أكثر أهمية أصواتهم في الإقليم. ولكن التركيبة الحزبية الحالية في الإقليم يجوز وصفها من الناحية العلمية بالتركيبة الضبابية، إذ إننا لا نستطيع الزعم بأن لدينا أحزابا يمينية ويسارية كالأوروبيين، بل لدينا فسيفساء واسعة على خريطة الأحزاب في الإقليم. لدينا أحزاب قومية وأحزاب دينية وأحزاب علمانية، كما أن الأحزاب الإسلامية على نوعين: إسلامية معتدلة وإسلامية تمثل الوسط بين المعتدل والمتطرف».
وأضاف صبحي: «الأحزاب السياسية الكردية لا تعتمد تقليديًا على السياسات، والسياسات لديها ليس مهمة بقدر أهمية التاريخ والمبادئ والبرامج، لكن الاهتمام بالسياسة بدأ أخيرًا يظهر شيئًا فشيئًا، لذا نرى إن الموقف السياسي لكل حزب أصبح ذا أهمية خاصة للوصول إلى الجمهور. ويجري حاليًا على الساحة السياسية في الإقليم تنافس قوي حول مسألة الرئاسة لعله أحسن دليل على هذا، فالأحزاب الكردية تعبّر عن مواقفها للوصول إلى الجمهور».
واستطرد الدكتور صبحي: «يبلغ عدد الأحزاب السياسية المجازة رسميًا في إقليم كردستان العراق حاليًا 36 حزبًا، وبحسب قانون ميزانية الأحزاب، الصادر عام 2015 الحالي، فإن ميزانية الأحزاب تعتمد على عدد مقاعدها في البرلمان وعدد أصواتها في الانتخابات وتاريخ هذه الأحزاب. وعليه، يمكننا أن نصنف أحزاب الإقليم إلى أحزاب صغيرة وأحزاب متوسطة وأحزاب كبيرة،، وتتحرك الأحزاب الصغيرة حول الأحزاب المتوسطة والكبيرة، بينما تبحث الأحزاب المتوسطة عن أقطاب خاصة بها لتؤثر على الشارع والسياسة في الإقليم. وعمومًا، تتجه الأحزاب الصغيرة نحو الزوال، بحكم قانون ميزانية الأحزاب إذا جرى تطبيقه بشكل فعلي، وكذلك ففشل هذه الأحزاب بدخول البرلمان سيساهم في انكماشها أكثر فأكثر، وبناءً عليه أرى أن مجتمعنا السياسي لا يتجه نحو التعددية المتطرفة، بل نحن نتجه إلى عدد معين الأحزاب الرئيسية التي تتنافس في ما بينها». واستطرد لافتًا: «التشكيلة الثامنة لحكومة إقليم كردستان تشكلت في يونيو (حزيران) من عام 2014 الماضي، وهي المعروفة بـ(حكومة القاعدة الواسعة) لأنها تضم أحزاب المعارضة وأحزاب السلطة معا. إنها تتكوّن من خمسة أحزاب رئيسة في إقليم كردستان متمثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب الأغلبية الذي يتزعمه رئيس الإقليم مسعود بارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (الذي يتزعمه الرئيس العراقي السابق جلال طالباني) اللذين كانا يقودان حكومة الإقليم قبل تشكيل هذه الحكومة. أما الأحزاب الثلاثة الأخرى الرئيسة المشاركة في الحكومة، فهي عبارة عن أحزاب المعارضة المتمثلة بـ(حركة التغيير) التي انشقت عن الاتحاد الوطني الكردستاني وأعلنت عن نفسها رسميًا عام 2009 والاتحاد الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية الكردستانية».
وأوضح صبحي أن «الأحزاب المعارضة الآن تمتلك حقائب وزارية في الحكومة، وفي الوقت ذاته تلعب دور المعارضة في البرلمان وفي الشارع. وهي الآن تحمل صفة السلطة والمعارضة معًا، وهذه صفة سياسية غير صحية، لأن المفترض بأحزاب المعارضة أن تبقى خارج السلطة التي يشكلها حزب الأغلبية مع الأحزاب المتآلفة معه، وتقوم بتعيين نواقص الحكومة للعمل عليها بعد أربع سنوات من أجل الحصول على مكاسب، وتشكل شخصية سياسية خاصة بهما لكي يستطيع الناخب الذي يصوت للمعارضة التعرّف على سياساتها».

* التركيبة القبلية
القسم الآخر المهم من تركيبة إقليم كردستان هي التركيبة القبلية، فالإقليم يضم المئات من القبائل الكردية التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ. ولمعرفة تفاصيل هذه التركيبة المتنوعة من القبائل، التقت «الشرق الأوسط» الصحافي هيمن صالح، الباحث الاجتماعي مدير تحرير جريدة «باس» الأسبوعية الكردية الذي شرح قائلاً: «التركيبة الاجتماعية لإقليم كردستان تتكوّن من مجموعة من القبائل، التي تتوزّع على المناطق التي كان آبائها وأجدادها يسكنونها في الماضي. ومن ثم توزعت هذه القبائل على مدن الإقليم حسب قربها من القرى والمناطق التي كان أبناؤها يعيشون فيها»، وأردف: «هناك عدد كبير من القبائل في الإقليم، من أبرزها البارزانيون والجاف والزيباريون والسورجيون والخيلانيون والكوران والكلهر والدلو والزنكنة والسندي والسليفاني والشمديناني والشمزيناني والشيروان والمزوري والهركي والكردي والأركوازي ولسورميري ولجمور وقبائل أخرى كثيرة. ولقد استطاع الشعب الكردي المحافظة على نفسه من خلال هذه القبائل عبر مراحل التاريخ المختلفة. وكانت القبائل الكردية في الماضي ضرورة للحفاظ على الهوية الكردية للمواطن في الإقليم، لكن بمرور الوقت وتطور العالم لم تبقَ هذه القبائل في مناطقها الأصلية، بل نزحت باتجاه المدن. مع هذا، لحد الآن نلاحظ أن الطابع القبلي ما زال سمة من السمات البارزة في إقليم كردستان، فلو سألت أي شخص في الإقليم فسيعرف نفسه عن طريق قبيلته».

* الوضع الاقتصادي في الإقليم
أخيرًا، من الناحية الاقتصادية، يشهد إقليم كردستان العراق الآن مرحلة الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي عن السلطة المركزية العراقية في بغداد. ووفق المصادر الكردية فإن هذا الاستقلال الاقتصادي بات ضروريًا بعدما مارست سياسة حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وحكومة بغداد الحالية برئاسة حيدر العبادي تهميش الكرد العودة لمعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية.
وتتهم المصادر الكردية حكومتي المالكي والعبادي بـ«شن حرب اقتصادية» على الإقليم أثرت على مجمل مجالات الحياة فيه، «إذ مضى أكثر من سنة ونصف السنة على قطع موازنة الإقليم من قبل حكومة بغداد، الأمر الذي دفع بالإقليم – وفق المصادر – إلى إيجاد حل للخروج من الأزمة الاقتصادية، عبر تصدير نفطه بشكل مستقل عبر تركيا إلى دول العالم، والاستفادة من واردته في صرف رواتب موظفيه ودفع الديون المترتبة عليه. ومن ثم إعادة بناء البنى التحتية التي توقفت غالبية مشاريعها بسبب الأزمة المالية، وبالتالي الحصول على نقطة قوة رئيسية يعتمد عليها الإقليم مستقبلاً».



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.