الجيش اليمني الموالي للشرعية يسيطر على حضرموت رغم وجود «القاعدة»

عناصر التنظيم الإرهابي تفرج عن معتقلين في المكلا

الجيش اليمني الموالي للشرعية يسيطر على حضرموت رغم وجود «القاعدة»
TT

الجيش اليمني الموالي للشرعية يسيطر على حضرموت رغم وجود «القاعدة»

الجيش اليمني الموالي للشرعية يسيطر على حضرموت رغم وجود «القاعدة»

تعيش مناطق وادي حضرموت وصحراؤها جنوب اليمن حالة من الاستقرار الأمني النسبي في ظل سيطرة الجيش الموالي لشرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، والذي استطاع حماية وتأمين حدود ما يسمى بالمنطقة العسكرية الأولى باليمن، والتي تخضع لقيادة اللواء الركن عبد الرحمن عبد الله الحليلي، وتتكون من سبع وحدات قتالية، تضم آلاف الجنود، يتوزعون على أكثر من مائة كيلومتر مربع، وتتخذ من سيئون عاصمة وادي وصحراء حضرموت مقرا لقيادتها.
ورغم الانتشار الأمني المكثف لوحدات الجيش اليمني على الطرقات الرئيسية الواصلة بين مدن وقرى وادي حضرموت؛ فإنه لا تزال هناك خلايا تابعة لتنظيم القاعدة في اليمن تتمركز ببعض المناطق، فعلى بعد أقل من كيلومترين من مدينة القطن، يقع وادي سر، الذي يضم أكبر تجمع لمقاتلي «القاعدة» في محافظة حضرموت بحسب إفادة مصادر أمنية رفيعة في الجيش اليمني.
كما قالت مصادر أمنية محلية بمدينة القطن لـ«الشرق الأوسط»: «إن عناصر (القاعدة) جعلوا من وادي سر منطقة لإدارة وتسيير عملياتهم بالمنطقة، مستخدمين الطرقات الجبلية في تنقلاتهم بين مدن وقرى وادي حضرموت، وعبرها استطاعوا نقل الأسلحة والمتفجرات، كذلك كبار قادتهم من المطلوبين أمنيًا بعيدًا عن نقاط الجيش».
مصادر أخرى قبلية أكدت لـ«الشرق الأوسط» رفضت قبائل وادي حضرموت وسكانه لأي تواجد لـ«القاعدة»، مبينة أن تواجدهم بأي منطقة سيعكر صفوها، ويدخلها في جو الحرب، ويلقي بويلاتها على سكانها، كذلك رفضت أي مظاهر عسكرية مشددة من قبل وحدات الجيش اليمني على مداخل ومخارج المدن والقرى، الأمر الذي من شأنه التضييق على حياة المواطنين، خصوصا أن «القاعدة» لا يستخدم الطرق الرئيسية بكثرة بقدر ما يستخدم الطرق الوعرة، والغير مستخدمة من قبل عامة الناس.
وقال مواطنون محليون لـ«الشرق الأوسط» إنهم يشاهدون دوريات مسلحة للجيش اليمني تجوب الطرق الرئيسية التي تربط مدن وقرى وادي حضرموت بين الحين والآخر، وتتكون من عدد من الأطقم العسكرية المدرعة تتراوح أعدادها في كل دورية ما بين الخمسة إلى الثمانية أطقم، كما أن بعض هذه الدوريات مر على قرى لا يتواجد بها الجيش، وعزز الجيش كذلك من حراسات بعض المنشئات التي تقع ضمن نطاق تواجد قواته.
وكانت عمليات «القاعدة» ضد الجيش اليمني بوادي وصحراء حضرموت قد قلت بشكل ملحوظ مقارنة بالأربع سنوات الأخيرة، فقد تعرضت خلالها المقار الأمنية للمنطقة العسكرية الأولى لعدة هجمات انتحارية، وتفجيرات بواسطة عبوات ناسفة، قتل على أثرها الكثير من الجنود وعناصر التنظيم، فعند سيطرة التنظيم على مدينة المكلا بساحل حضرموت في 2 أبريل (نيسان) الماضي، والتي تقع على بعد أكثر من 300 كيلومتر، جعل التنظيم منها أكبر مركز قيادة لعملياته التي يواجه بها الجيش اليمني على 11 جبهة متفرقة بأنحاء اليمن، كما استطاع التنظيم خلال الأشهر الماضية نقل كبار قادته إلى المدينة ومن بينهم زعيم التنظيم أبو بصير ناصر الوحيشي، الذي قتل بالمدينة بضربة طائرة من دون طيار «درون» أميركية في 9 يونيو (حزيران) الماضي، ليتولى قيادة التنظيم من بعده قاسم الريمي، الذي تواجد هو الآخر بالمدينة، إضافة إلى قادة آخرين بالتنظيم.
كما يتواجد بمدينة سيئون عاصمة وادي وصحراء حضرموت قائد المنطقة العسكرية الثانية بمدينة المكلا المعين حديثًا اللواء الركن عبد الرحيم أحمد عتيق، خلفًا للواء الركن محسن ناصر الشاعري، الذي غادر المدينة بعد سيطرة «القاعدة» عليها، ومحاصرته هو ورفاقه من كبار ضباط المنطقة العسكرية بمعسكر اللواء 27 ميكا شرق المدينة ليومين، استطاع بعدها الخروج بحرًا عبر ميناء الضبة النفطي القريب من المعسكر. ويشرف اللواء عتيق من مقر إقامته بمدينة سيئون على مراحل تجهيز قوة عسكرية تقدر بـ3000 مقاتل تابعة للجيش اليمني، كذلك بإشراف من دول التحالف العربي، ومساعدة قوى مجتمعية وقبلية مثل حلف قبائل حضرموت، تجهز لاستعادة السيطرة على مدينة المكلا، وجميع مناطق المنطقة العسكرية الثانية، وطرد أو اعتقال عناصر تنظيم القاعدة المتواجد فيها.
وتقع أجزاء من صحراء حضرموت بمحاذاة الحدود اليمنية السعودية، ويوجد بها منفذ الوديعة الحدودي، وهو المنفذ الوحيد البري الذي لا يزال يستقبل المسافرين بين البلدين، بعد إغلاق بقية المنافذ البرية منذ اليوم الأول لعمليات عاصفة الحزم، مما أدى لتزاحم المسافرين، وحتى أعضاء الجهاز الحكومي اليمني الذين استضافتهم المملكة العربية السعودية بعد تزايد ضغوط جماعة الحوثي الانقلابية عليهم، ويؤمن المنفذ على الجانب اليمني قوات من الجيش اليمني الموالي لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، تحت قيادة هيئة الأركان العامة بوزارة الدفاع اليمنية، وقيادة المنطقة العسكرية الأولى، مما جعل الحدود اليمنية السعودية المحاذية لمحافظة حضرموت من أكثر المناطق الحدودية أمنا بين البلدين وأبعدها عن التواجد الحوثي، وعملياتهم التخريبية عبر إطلاق مقذوفات من الجانب اليمني على الحدود المشتركة بين البلدين تسقط على الحدود السعودية وتخلف بعض الأضرار، كذلك هجمات بعض أفراد الميليشيات الانقلابية ومحاولة تخطيهم الحدود السعودية.
أما على الجانب الإنساني فمدن وقرى وادي وصحراء حضرموت قد لا تختلف ظروفها المعيشية كثيرًا عن باقي المحافظات اليمنية، خصوصًا في ظل الظروف العامة التي تمر بها البلاد، والأزمات الداخلية التي أنهكت اقتصادها، وقضت على سياحتها، ومنعت الاستثمار، وقضت على كل ما هو جميل، وحل الخراب بدلاً عنه.
فبرغم استمرار الكثير من الدوائر والمقار الحكومية في أعمالها تحت الغطاء الأمني الذي يوفره الجيش؛ فإن نقص السيولة المالية، وارتباط الكثير من الدوائر ومكاتب الوزارات بالمركزية في صنعاء قد أجبرها على تدني مستوى خدماتها، إن لم يكن إيقافها بشكل كامل، فالمدارس مغلقة، والجامعة كذلك، بالإضافة لسوء الخدمات المالية لدى مكاتب فروع البريد بمدن وادي حضرموت وصحرائها، علاوة على ذلك الكهرباء تنقطع لساعات طويلة قد تصل إلى 8 ساعات يوميًا، بسبب عدم توفر كميات كافية من المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل مولدات الكهرباء.
ومن جهة ثانية أفرجت عناصر أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة مساء الخميس، عن عدد من المعتقلين الذين كانوا بقبضتها في مدينة المكلا التابعة لمحافظة حضرموت شرقي اليمن. وذكرت مصادر صحافية مطلعة من المكلا – حسب وكالة الأنباء الألمانية - أن عناصر التنظيم أفرجوا عن عدد من المعتقلين الذين اعُتقلوا لديهم منذ أربعة أشهر. وقالت: إن أولئك الأشخاص اعتقلوا من قبل التنظيم بتهمة التجسس ضد عناصرها في المدينة.
وفي ذات السياق، أكدت المصادر «أن هناك انسحابا تدريجيا لبعض عناصر التنظيم من المكلا الذين كانوا منتشرين بكثرة في شوارع المدينة، وذلك لتهيئة تسليمها للمجلس الأهلي حتى يتولى هو إدارة شؤونها». ويتكون المجلس الأهلي في مدينة المكلا من شخصيات بارزة في المدينة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.