فريدريك مال لـ («الشرق الأوسط»): العود أكبر كذبة في صناعة العطور حاليًا

المايسترو الذي أخرج العطارين من الظل وحوَّلهم إلى نجوم

فريديريك مال
فريديريك مال
TT

فريدريك مال لـ («الشرق الأوسط»): العود أكبر كذبة في صناعة العطور حاليًا

فريديريك مال
فريديريك مال

عندما تُذكر أسماء عطارين أتحفونا بعطور فاخرة، فإن أسماء كثيرة تتبادر إلى الذهن من جون كلود إلينا، بيير بوردون، ودومينيك روبيون إلى إدوارد فليشيير، وأوليفيا جياكوبيتي، وموريس روسيل، مرورا بإدمون رودنيتسكا، وآخرين، لكن عندما يُذكر اسم خبير عطور بمرتبة مايسترو أمين على صناعتها وحريص على الحفاظ على تميزها، فهناك اسم واحد في الساحة العالمية حاليًا وهو فريدريك مال، مؤسس دار «إيديشن دو بارفان» Editions de Parfums.
عندما أسس هذه الدار في عام 2000، كانت فكرته تتلخص في الارتقاء بهذه الصناعة إلى مستوى فني بعيد عن الابتذال التجاري. اختار عشرة من أكبر العطارين واقترح على كل واحد منهم ابتكار عطر لا تنازلات فيه من ناحية الخامات أو الوقت الذي يستغرقه أو التكاليف، على شرط أن تأتي النتيجة بالمستوى الذي يطمح إليه. كان مقتنعًا بأنه: «عندما تختار أحسن عطار وأفضل الخلاصات فإن المتعة تكتمل».
ما قام به فريدريك مال أيضًا أنه رد لهؤلاء العطارين الاعتبار، بكتابة أسمائهم بالبنط العريض على ابتكاراتهم، عوض بقائهم في الظل كما كان الحال في السابق عندما كانت مهمتهم تنتهي بمجرد توصلهم للخلطة التي تبيع لبيوت الأزياء وشركات التجميل الكبيرة. وبالفعل راقت الفكرة لهم، ولم يترددوا في التعاون معه، ما كان ثمرته حتى الآن عطورًا لا مثيل لها مثل «كارنال فلاور»، و«بورتريت أوف ألايدي»، و«لو بارفان دو تيريز»، و«إين فلور دو كاسي»، و«فتيفير إكسترا أوردينير»، وأخيرا وليس آخرًا «ليل»، العطر المستوحى من الشرق وموجه إليه.
غني عن القول إن هذه الخطوة أثارت الانتباه والإعجاب، واقتدت بها شركات العطور وبيوت الأزياء. فالآن أصبح للعطارين اسم وصورة، ولا يكتمل حفل إطلاق أي عطر من دون حضور «الأنف» المبتكر، لما يعطيه حضوره من ثقل للعطر. وهذا يعني أن فريدريك مال أخرجهم من الظل وحوَّلهم إلى نجوم.
في لقاء خص به «الشرق الأوسط» مؤخرًا، بمحله الجديد بـ«14 بيرلينغتون أركايد» 14 Burlington Arcade بمنطقة مايفير، تحدث مال عن علاقته بالشرق الأوسط وفلسفته في صناعة العطور عمومًا، مؤكدًا أنه يرى أن مهمته تتلخص في إعادة الحميمية والتميز لهذه الصناعة بعد أن أصبحت تجارية إلى أقصى حد، وأصبح الكل يستسهلها جريًا وراء الكسب، موضحًا: «عندما يكون طموحك إغراء كل الناس، فإنك تصبح مملاً وتفقد روحك وشخصيتك».
ما تجدر الإشارة إليه أن فريدريك ليس عطارًا بالمعنى المتعارف عليه، فهو لا يخلطها ويبتكرها، لكنه يفهم كل تقنياتها وأسرار مكوناتها، وكأنها كتاب مفتوح حفظه عن ظهر قلب منذ ولادته، بحكم أنه ولد في أسرة تتقن لغة العطور، وبيت تفوح من بين جدرانه روائحها الغنية. فجده هو سيرج هيفتلر، مؤسس عطور كريستيان ديور، ووالدته كانت مديرة فنية في نفس الدار، كما كانت الشقة التي ولد ونشأ فيها ملكًا في فترة من الفترات لجون بول غيرلان، العطار المشهور، وهو ما يعلق عليه مبتسمًا: «كنت أشم العطور في الجدران».
أول ما يواجهك عندما تدخل محله في رواق «بيرلينغتون» بمايفير، إلى جانب القارورات المرصوصة على الأرفف الخشبية، صور بالأبيض والأسود لكل العطارين الذين تعاون معهم حتى الآن. يشرح بأن العلاقة التي تربطه بهم، مبنية على مفهوم المشاركة والاحترام أكثر منها مجرد علاقة عمل تنتهي بانتهاء العمل، مشبهًا نفسه برئيس تحرير «عطور»، يقترح فكرته، ويترك للمحررين أو «المؤلفين» مطلق الحرية في صياغتها حسب رؤيتهم. ولأنه مقتنع تمامًا بقدراتهم الإبداعية، فهو لا يتدخل إلا في بعض الحالات النادرة جدًا. وطبعًا هذه العطور المتميزة، تحتاج إلى محلات تليق بها وتتوجه إلى زبائن أكبر، لهذا بعد باريس، افتتح محلاً في نيويورك، صممه المهندس ستيفن هال، وأخيرًا وليس آخرًا وصل إلى لندن، معترفًا بأنه تردد طويلاً قبل أن يتخذ هذه الخطوة، لأنه لم يكن متحمسًا للندن، لأنها أصبحت وجهة متوقعة بالنسبة للكل وهو يختلف عن الكل. يشرح: «كنت أفكر في روما، لكن لم يتحقق الأمر، وعندما أصبحت لندن خيارًا لا بديل عنه، كان لا بد أن تتم العملية بشروطي وبمنظوري الخاص، بأن يكون المحل في موقع مميز بمعماره وجيرانه، وأصدقك القول إنني عندما زرت رواق (بيرلينغتون) هذا شعرت أن وقت النقلة قد حان»، مضيفا أن «التسوق والتسرع لا يتماشيان مع بعض.. فللتسوق متعة يجب تذوقها ببطء، وهذا ما يوحي به هذا الرواق.. كل ما أتمناه ألا يخضع لتغييرات عصرية جذرية، وأن تبقى فيه محلات الجواهر لأنها تضفي عليه بريقًا». تجدر الإشارة هنا إلى أن الرواق قد يتحول قريبًا إلى وجهة لعشاق العطور، فبعد «شانيل» و«بينغهاليون» و«فريدريك مال» ستُفتتح فيه قريبًا محلات لكل من «روجا داف» و«باي كيليان».
عندما تدخل محل «فريدريك مال» حضر نفسك بألا تتفاجأ بمساحته الصغيرة، رغم أنه يمتد على ثلاثة طوابق، ولا ببساطة ديكوره الذي تغلب عليه ألوان الخشب الدافئة وعلب العطور الحمراء والسوداء المتراصة جنب بعض، والتي أضفت عليها صور بالأبيض والأسود لكل العطارين الذين تعاون معهم حتى الآن واحتلت جدارًا بالكامل، لمسة فنية، فسرعان ما ستكتشف أن المحل مثل قارورة ثمينة ما إن تفتحها حتى تدهشك بما تكتنزه بداخلها. صغر المكان وديكوره المرتب، يجعل نصبًا أنبوبيًا مستديرًا في الوسط يمتد من الأرض إلى السقف تقريبًا، يبدو نشازًا للوهلة الأولى خصوصًا إذا اعتقدت، مثلي، أنه قطعة فنية معاصرة مستوحاة من مسلسل «ستار تريك»، لكنك ستغير رأيك سريعًا عندما يضخ مدير المحل، عطرًا بداخله ويسألك أن تدخل رأسك من خلال باب جانبي لشمها. فهذه طريقة جديدة للتعرف على العطر الذي اخترته من دون حاجة إلى تجربته على بشرتك.
بمجرد صعودنا إلى الطابق الأول وجلوسنا يعود فريدريك مال للحديث عن سبب اختياره لهذا الموقع بالذات موضحًا أنه كان بإمكانه الاكتفاء بباريس لا يخرج منها، وخصوصًا أن اسمه انتشر بين النخبة، لكن العصر يتطلب افتتاح محلات جديدة وربط علاقات مع زبائن جدد من أسواق بعيدة، وهو ما اضطر إلى احترامه، لكن بشروطه الخاصة حتى يحافظ على شخصيته وروحه.
يقول إن بدايته كانت في منطقة «سان جيرمان» الباريسية، وليس في شارع سانت هونوريه أو جادة «الشانزاليزيه»، حيث يتقاطر السياح، إلا أن لكل مرحلة استراتيجياتها، حسب رأيه: «فعندما تكون في بداية الطريق، يكون لك زبائن من النوع الفضولي الذي يكون منفتحًا على الاستكشاف، وهو أمر رائع جدًا، لكن عندما تكبر شركتك، يصبح الوجود في موقع يسهل وصول الزبائن من كل النوعيات إليه أمرًا ضروريًا.. لحسن الحظ أن لا أحد سيصاب بخيبة الأمل عندما يأتي إلى هذا الرواق لأنه سيستمتع بمعماره المميز وما يقدمه من منتجات فريدة».
لم تكن فكرة افتتاح محل في منطقة «نايتسبريدج»، مثلاً، مطروحة بالنسبة له لأنها «تفتقد إلى الحميمية»، كما لم تكن واردة في «سلوان ستريت»، لأنه «كلاسيكيًا إلى حد الملل ولا يتمتع بأي جاذبية»، حسب قوله. فكر في مناطق أخرى مثل «بورتوبيلو» و«نوتينهيل غايت»، لكنه وجدها «إنجليزية محضة ذات طابع محلي، بينما لندن عاصمة عالمية، لهذا كان الخيار الأمثل هو منطقة مايفير، التي خضعت لعمليات تجميل ناجحة جدًا في السنوات الأخيرة جعلتها منطقة جذب لصناع المنتجات الفاخرة».
عندما أشير إلى أن كل العطارين تقريبًا يحلمون بدخول محلات «هارودز» كونها البيت الثاني للعرب، يقاطعني قائلاً: «لا تفهميني خطأ، هناك فرق بين أن أوجد بداخل (هارودز) أو في منطقة (نايتسبريدج). الكل يعتقدون أنهم عندما يفتتحون محلات في المنطقة، سينالهم بعض من النجاح التجاري، والحقيقة أن الزبون الذي نستهدف، يستقل سيارته الخاصة أو تاكسي ويذهب إلى وجهة أخرى من دون أن يلتفت إلى المحلات المجاورة، بمجرد خروجه من (هارودز)». يسكت لبضع ثوانٍ وهو يفكر قبل أن يضيف: «ثم إنني لو اخترت تلك المنطقة، لكنت كمن يقول إنني هناك من أجل السياح والربح السريع، وهو ما أرى فيه بعض الابتذال وعدم الاحترام للذات وللزوار في آنٍ واحد».
نفس الأمر ينطبق على موضة «العود»، التي ركبها معظم العطارين، إن لم نقل كلهم، في محاولة واضحة لجذب المتسوق العربي تحديدًا.
هذا التودد المبالغ فيه لا يناسب حسه الباريسي الرفيع، لما فيه من استسهال يرفضه بكل جوارحه، مع أنه كرر مرارًا خلال المقابلة، أنه يحترم الذوق العربي ويريد أن يلبيه، بدليل أنه استعمل العود في عطره الأخير، لكنه أكد أنه وضع شرطًا مهمًا نصب عينيه، وهو أن يبتكره بطريقة مختلفة تمامًا عما هو متوفر في السوق.
فعلاقته بمنطقة الشرق الأوسط ليست وليدة الساعة، بل بدأت منذ أكثر من 12 سنة تقريبًا عندما كانت «دبي مجرد مشروع على ورق تقريبًا، وحركة البناء فيها لا تتوقف، حيث تظهر شوارع ممتدة بلا نهاية على تلال من الرمل.. أتذكر مجمعات التسوق وكيف كانت أكبر وأفضل من المجمعات الأميركية، لكنها تبقى في نظري مجرد مجمعات ضخمة تفتقد إلى الحميمية. كنت مبهورًا بطموح المشروع، ومع ذلك رفضت عندما عرضت علي فرصة كبيرة للعمل هناك. لقد خفت على نفسي أن أدمن على الربح السهل، كما هو الحال بالنسبة لبعض من قاموا بهذه الخطوة في ذلك الحين. فما اعتبره البعض مكانًا بعيدًا عن أوروبا آنذاك، يمكن أن يبيعوا فيه أي شيء، أصبح مفتوحًا على كل العالم، والوصول إليه سهلاً كما أن سكانه يسافرون إلى كل البقاع في الصيف بما فيها باريس ولندن».
كان فريدريك حينها شابًا يحلم بتأسيس دارًا راقية مبنية على الترف أولاً قبل أن يفكر في التوجه إلى دبي أو غيرها، واستغرقه الأمر 12 عامًا، لكنه حقق هدفه بطريقة عضوية، وبمساعدة أفراد من عائلة الطاير، الذين فتحوا له أبواب هارفي نيكولز بـ«مال الإمارات» و«بلوميندايل» بـ«دبي مال».
يبدو أن الحديث عن دبي فتح شهيته للحديث عن منطقة الشرق الأوسط، ومدى افتتانه بثقافتها الساحرة وغموضها، لأنه سارع بالإشارة إلى أنه كان حريصًا على ألا يطرح لها عطرًا عاديًا يكون موضة عابرة، وخصوصًا أنه لا علاقات جيدة بأفضل العطارين في العالم، ويمكنه الوصول إلى أجود الخلاصات والمكونات.
وبالفعل وقع اختياره على العطار المحترف دومينيك روبيون، الذي رحب بالمهمة ورافقه إلى الشرق الأوسط للتعرف على الثقافة عن قرب، أو كما قال فريدريك «لدراسة لغة العطور». استغرقهما الأمر عدة سنوات، وبعد أن تيقنا بأنهما أتقنا هذه اللغة، قررا البدء في عملية الابتكار. يشير: «نعم استغرقت العملية سنوات، قضيناها في التعرف على الروائح في الأسواق وكيفية خلطها وتقطيرها، فضلاً عن البحث عن أفضل أنواع العود». يعلق ضاحكًا: «يمكنك تشبيه عملية شراء العود الجيد في هذه الأسواق بشراء المخدرات، لما تكتنفها من سرية ومناقشات عن أصفى الأنواع وأكثرها ندرة». وحتى يختلف، قرر استعمال العود كأساس فقط، لهذا لم ير داعيًا للإشارة إليه في الاسم بشكل مباشر، عدا أن «إضافة كلمة عود إهانة لذكاء الزبون»، حسب رأيه، أي طريقة رخيصة للتسويق.
كان مهمًا بالنسبة له أن ينطلق من فكرة عربية رومانسية، ولم يجد أقوى من صورة الليل جمالاً وشاعرية في المخيلة العربية «ففي الليل تبدأ حياة جديدة مليئة بالغموض والسحر، حيث تتلألأ السماء بالنجوم ويحلو السهر والسمر»، ما أوحى له بإطلاق «ليل» على عطره العربي. عطر يشكل فيه العود نسبة الربع، وهو ما يعتبر نسبة عالية عندما يكون صافيًا وبجودة عالية، وأضاف إليه كمية وافرة من الورود، تم تقطيرها بعناية كبيرة، لترقى به إلى مستوى غير عادي، سواء تعلق الأمر بخلاصة الورد التركي، أو بورد بلغاريا، الذي يتمتع برائحة مثل التبغ، وفي الأخير جعل كل هذه المكونات ترقص على نغمات من المسك والعنبر ما زاد من قوة وسحر «ليل».
في لحظة صراحة، يتبرع فريدريك مال بالقول إن أغلب العطارين لا يستعملون العود الحقيقي، وفي أحسن الحالات يستعملونه بنسب قليلة جدًا: «95 في المائة منهم يكذبون أو يبالغون عندما يقولون العكس.. هناك الكثير من الكذب في هذه الصناعة، فمرة قال لي أحدهم إنه صنع عطرًا لدوق ويندسور، رغم أني تابعت ولادة هذا العطر، وأعرف جيدًا أنه لم يصنع إلا بعد 10 سنوات من وفاة الدوق. هذا يعني أنه بإمكان أي أحد أن يقول أي شيء للتسويق، ومن دون متابعة، وهو ما يحدث كثيرًا للأسف. نفس الشيء بالنسبة للعود، فهو أكبر كذبة في صناعتنا حاليًا، لأنه كلمة السحر بالنسبة للدعاة، وهذا ما جعلني أتجنب استعماله في العنوان، وفضلت عليها (ليل). والحقيقة، إني سعيد جدًا باختياري، لأنه يجعلني أحلم ويأخذني بعيدًا، وهذا هو دور العطر أساسًا». وربما هذا ما يفسر أنه مع الوقت وجد أن أكبر تحدٍ أمامه ليس منافسة كبار العطارين العالميين، بل الدخول في منافسة مع العطارين المحليين في الأسواق الشعبية، لأنهم يفهمون لغة العطور عمومًا والعود خصوصًا بشكل يشد الأنفاس.
ينتهي اللقاء، وتمشي في الرواق المظلل بسقفه العالي، وأنت منتش بروائح العود والورد التي تتبعك أينما توجهت وتلح عليك إلحاح فريدريك مال أنه يرفض الدخول في منافسة مع أي من الشركات الكبيرة، وأنه عندما فكر في عطر للعرب، أراد أن يتحدى هؤلاء العطارين الشعبيين، الذين احتك بهم لفترات طويلة وتعلم منهم الكثير، وكانت النتيجة أنه بعطره هذا انطلق من الشرق الأوسط إلى العالمية، وليس العكس.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.