نفوذ «فاغنر» في السودان... من مناجم الذهب إلى الدعم العسكري

غموض وتكتم يحيطان مواقع انتشار المجموعة المسلحة ونشاطها

مركز مجموعة «فاغنر» في سان بطرسبرغ لدى افتتاحه في 4 نوفمبر 2022 (رويترز)
مركز مجموعة «فاغنر» في سان بطرسبرغ لدى افتتاحه في 4 نوفمبر 2022 (رويترز)
TT

نفوذ «فاغنر» في السودان... من مناجم الذهب إلى الدعم العسكري

مركز مجموعة «فاغنر» في سان بطرسبرغ لدى افتتاحه في 4 نوفمبر 2022 (رويترز)
مركز مجموعة «فاغنر» في سان بطرسبرغ لدى افتتاحه في 4 نوفمبر 2022 (رويترز)

سلطت المواجهة الدموية في السودان الأنظار على تنامي دور خفي لأطراف أجنبية في هذا البلد، ساهم مع عوامل أخرى في تأجيج التنافس بين الطرفين المتقاتلين، ودفع الأمور نحو محاولات الحسم العسكري. وخلال السنوات الماضية تسربت تقارير كثيرة تتحدث عن زيادة النفوذ الروسي في السودان عبر مجموعات شركة «فاغنر» العسكرية، لكن الغموض والتكتم أحاطا دائماً بتحركات عناصر هذه المجموعة ومواقع انتشارها ومستوى تسليحها.
قبل اندلاع المواجهة الأخيرة مباشرة، تفجرت قضية تهريب الذهب من مناجم غنية في السودان بكميات كبرى، واتجهت أصابع الاتهام إلى مواطنين روس بعد اعتقال رئيس جهاز الأمن في شركة تمارس التنقيب واستخراج الذهب. وفقاً لمعطيات التحقيق الذي تسارعت وتيرته في فبراير (شباط) الماضي، واستمر إلى منتصف مارس (آذار) تقريباً، فقد استجوب المحققون قرابة 60 شخصاً في قضية تهريب ذهب، ووجهت اتهامات مباشرة إلى رئيس جهاز الأمن في شركة «الصولج للتعدين»، وهو مواطن روسي اتهم بتهريب 5 كيلوغرامات من الذهب المستخرج من المناجم. كانت تلك البداية التي سرعان ما وجدت تطوراً خلال استجواب المحققين لـ58 موظفاً في الشركة (منهم نحو 36 روسياً)، لكن وُجهت التهم إلى واحد منهم فقط.
كان لافتاً أن شبكة «بلومبرغ» نشرت تقريراً حول مجريات التحقيق في فبراير، ورأت أن «تصرفات السلطات السودانية كانت تهدف جزئياً إلى استرضاء الدول الغربية، التي عبرت عن قلقها من تنامي نفوذ روسيا على الدولة». لكن اللافت أكثر أن الاستجوابات حول الموضوع جرت قبل وبعد زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى السودان وهي الزيارة التي جرت في ذلك الشهر.

يفغيني بريغوجين مؤسس «فاغنر» (رويترز)

بعد أسابيع على الحادث، تفجرت المواجهة العسكرية على الأرض السودانية، وبدأت الأوساط الغربية تتحدث بنشاط عن دور روسي واسع في تأجيج الموقف وعن تدخل مباشر لموسكو في الصراع الدائر. الأهم من نفي تلك الاتهامات على المستوى الرسمي الروسي، أن الصراع الدائر حالياً سلط الضوء مجدداً على مصالح الشركات الروسية في السودان، وخصوصاً في مجال استغلال مناجم الذهب عبر اتفاقات مع جزء من النخبة الحاكمة في البلاد.
نقلت تقارير إعلامية بعد ذلك، معطيات عن نشاط «فاغنر» التي تدير عدداً من الشركات بأسماء مختلفة وتنشط في قطاع التعدين في السودان. وفقاً لمعطيات قدمها عمال مناجم في مدينة العبيدية، بشمال شرقي السودان، لوسائل إعلام غربية قبل أسابيع من الصراع الحالي بين القوات المسلحة السودانية وأكبر ميليشيا في البلاد، فإن «الروس نشطوا بقوة في الفترة الماضية وهم يشترون كل شيء تقريباً».
دلت الشهادات على تنامي نشاط «فاغنر» في مناجم الذهب في العبيدية، وهي مدينة على ضفاف النيل تقع على بعد نحو 412 كيلومتراً شمال الخرطوم، حيث يتم استخراج الذهب باستخدام تفاعلات كيميائية باستخدام مواد سامة. مثل السيانيد والزئبق. وهذه الطريقة تضر عمال المناجم والبيئة.
لكن معظم الذهب المستخرج بهذه الطريقة ينتهي به المطاف في مصفاة تقع على بعد 16 كيلومتراً من العبيدية، والتي تديرها شركة يفغيني بريغوجين مؤسس «فاغنر». ووفقاً لبعض الشهادات «يمكن للروس دفع ما يقرب من 4000 دولار مقابل حمولة شاحنة من الذهب المستخرج».
ظهرت وحدات تابعة لشركة «فاغنر» للمرة الأولى في السودان في عام 2017 بدعوة من الرئيس آنذاك عمر البشير، الذي كان قد عاد لتوه من زيارة إلى موسكو طلب خلالها المساعدة الأمنية والعسكرية من الرئيس فلاديمير بوتين، وتعهد في المقابل بمنح روسيا قاعدة عسكرية بحرية في بورتسودان.
في ذلك الوقت تم تأسيس شركة «ميروي غولد» التي تولت الإشراف على استخراج الذهب من المناجم، وهي شركة قالت تقارير إنها تدخل ضمن إمبراطورية بريغوجين المنتشرة في الدول الأفريقية، والتي تنشط بالدرجة الأولى في حماية مناجم الذهب والماس، وتستولي على حصة كبرى من إنتاجها في المقابل.
وتتهم أوساط المجموعة العسكرية الخاصة ببناء علاقات خاصة مع الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي»، وقوات الدعم السريع التي يقودها. وأفادت تقارير نسبت إلى سكان محليين في العبيدية بأن أفراداً من قوات الدعم السريع قدموا الحماية للتجار الروس، الذين حاولوا شراء الذهب من عمال المناجم أثناء حكم البشير في السودان.
يُزعم أيضاً أن مصنع معالجة الذهب المملوك لروسيا خضع لحراسة عناصر قوات الدعم السريع، الذين عملوا عن كثب مع المقاتلين الروس. لكن بريغوجين نفى في وقت لاحق أكثر من مرة صحة هذه المعطيات، ووصفها بأنها «أكاذيب لا دليل على صحتها».
في هذا السياق، أوضح عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة «التيار» السودانية، لشبكة «فرانس24» قبل أسابيع أن نشاط قوات «فاغنر» في السودان اقتصر في البداية على تدريب قوات الدعم السريع، ثم تطور إلى الاستثمارات النوعية أو تحديث القوات والسلاح والمعدات، نافياً أن يكون لدى هذه المجموعة وجود عسكري فعلي في الصراع الحالي، سوى ذلك المتعلق بالاستثمار في مجال الذهب.
اللافت هنا أن تقارير أشارت إلى أن «فاغنر» نجحت في أن تبقى بعيدة عن الأضواء في السودان، لأن اعتماد البلاد على المساعدات الأمنية كان أقل منه في مالي أو جمهورية أفريقيا الوسطى، وأن الحاجة الأساسية برزت فقط عبر الجهد المبذول لدعم نشاط استخراج الذهب، والقيام بخطوات محددة لتقديم العون العسكري لقوات الدعم السريع.
لكن هذا لا يعني أن نشاط المجموعة العسكري كان بعيداً عن تحقيقات مؤسسات إعلامية غربية، عملت على تسليط الضوء على تنامي النفوذ الروسي في السودان عموماً خلال العامين الماضيين. ونشرت قناة «سي إن إن» الأميركية في يوليو (تموز) الماضي تقريراً عن «نهب موسكو» لكميات هائلة من الذهب تجاوزت قيمتها مليارات الدولارات ساعدتها على تضخيم احتياطاتها من المعدن الأصفر. وأشار التقرير إلى أن «16 رحلة جوية سرّية تمت من الخرطوم وبورتسودان إلى اللاذقية في سوريا حيث تمتلك روسيا قاعدة جوية رئيسية».
يلحظ أن السجل الفرنسي لتجميد الأصول، وهو تابع للمديرية العامة للخزينة ووزارة الاقتصاد، كشف في قرار خاص بتجميد أصول شركة «مروي غولد» نشره على موقعه الإلكتروني، بأن هذه الشركة ومقرها الخرطوم «هي كيان يغطي عمليات مجموعة (فاغنر) في السودان. ترتبط ارتباطاً وثيقاً بيفغيني بريغوجين... تعمل على استغلال الذهب السوداني وتصديره إلى روسيا».
إلا أن الشراكة بين أطراف في النخبة السودانية ومجموعة «فاغنر» لم تتوقف عند التعدين والموارد الطبيعية. ومع توفير المجموعة الروسية شبه العسكرية التدريب العسكري لقوات الدعم السريع، فقد ظهرت تقارير تحدثت عن دور قامت به المجموعة خلال الأحداث الدامية لموقعة فض اعتصام المحتجين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم في يونيو (حزيران) 2019، والتي أودت بحياة 128 متظاهراً مؤيداً للديمقراطية.
ووفقاً لمعطيات إعلامية، فإنه بعد يومين من تلك المأساة الراسخة في نفوس السودانيين، استوردت شركة «مروي غولد» 13 طناً من دروع مكافحة الشغب إضافة للخوذات والهراوات. كانت هذه الشحنة حسب المصادر نفسها مخصصة لشركة تسيطر عليها قوات الدعم السريع التي «تهيأت للعب دور جديد على الساحة السودانية بعد أن كانت تمارس مهمة محورية في عهد البشير».
في 2022، كشف تحقيق آخر أجراه مشروع «الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد» لمجموعة من الصحافيين الاستقصائيين، عن روابط وثيقة بين «فاغنر» وأجهزة أمنية سودانية. بحسب هذا التحقيق، دفعت شركة «إم إنفست» الروسية التي يملكها أيضاً مؤسس «فاغنر»، مئات الآلاف من الدولارات لشركة تسيطر عليها أجهزة أمنية، في مقابل الوصول إلى قواعد جوية في البلاد.
لكن الطرفين الروسي والسوداني شددا في تصريحات رسمية على نفي صحة المعطيات الغربية، وكانت وزارة الخارجية السودانية نفت في مارس (آذار) من العام الماضي، اتهامات مباشرة صادرة عن دبلوماسيين غربيين لـ«فاغنر» بممارسة «أنشطة غير قانونية» في السودان مرتبطة بالتنقيب عن الذهب، وفنّدت الوزارة حتى وجود المرتزقة الروس في البلاد. كما اتهمت دبلوماسيين من النرويج وبريطانيا والولايات المتحدة «بمحاولة التدخل في الشؤون السودانية وإقحام البلاد في الصراع الدائر في أوكرانيا بصورة اعتباطية وجزافية».


مقالات ذات صلة

تصاعد النقاش حول نشاط «فاغنر» في أفريقيا

أفريقيا تصاعد النقاش حول نشاط «فاغنر» في أفريقيا

تصاعد النقاش حول نشاط «فاغنر» في أفريقيا

دحض مؤسس مجموعة «فاغنر» يفغيني بريغوجين، معطيات تداولتها وسائل إعلام حول تكبد قواته في مالي خسائر فادحة إثر هجوم تفجيري استهدف قاعدة روسية.

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ بلينكن يعبّر عن «قلق بالغ» لوجود مجموعة «فاغنر» في السودان

بلينكن يعبّر عن «قلق بالغ» لوجود مجموعة «فاغنر» في السودان

أعرب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، اليوم (الاثنين)، عن قلقه لوجود مجموعة «فاغنر» الروسية في السودان، حيث تتواصل المعارك منذ عشرة أيام بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، مخلفةً مئات القتلى. وحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال بلينكن في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الكيني: «نشعر بقلق بالغ لوجود مجموعة (يفغيني) بريغوجين، مجموعة فاغنر، في السودان». وأضاف أن قوافل تحاول مغادرة الخرطوم تواجه مشاكل عديدة منها السطو والنهب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم روسيا تحاول السيطرة على المناطق الغربية من باخموت

روسيا تحاول السيطرة على المناطق الغربية من باخموت

أعلنت روسيا اليوم (الجمعة) أنّ قوّاتها تخوض معارك للسيطرة على المناطق الغربية من باخموت، حيث يحتدم القتال منذ أشهر، في حين أفادت مصادر وكالة الصحافة الفرنسية بأنّ أوكرانيا تواصل استقدام مزيد من القوات للدفاع عن المدينة. وتسعى موسكو للسيطرة على باخموت منذ الصيف الماضي في معركة أصبحت الأطول أمدا والأفدح، من حيث حصيلة القتلى، منذ بدأ الغزو الروسي للبلاد قبل أكثر من عام. والجمعة، قالت وزارة الدفاع الروسية إنّ مقاتلين من مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية يتقدّمون تجاه داخل المدينة بإسناد من سلاح الجوّ الروسي. وجاء في بيان وزارة الدفاع الروسية أنّ «وحدات فاغنر الهجومية تخوض عمليات قتالية مكثّفة للسيطرة عل

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم «فاغنر» تعلن سيطرة مقاتليها على 80 % من باخموت الأوكرانية

«فاغنر» تعلن سيطرة مقاتليها على 80 % من باخموت الأوكرانية

قال يفغيني بريغوجين، قائد مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة، في مقطع فيديو نُشر اليوم (الثلاثاء)، إن قواته تسيطر الآن على أكثر من 80 في المائة من مدينة باخموت في شرق أوكرانيا. وفي مقطع فيديو نشره مدون عسكري روسي على تطبيق «تلغرام»، ظهر بريغوجين وهو يعرض خريطة للمنطقة تكشف عن كيف أن قواته تواصل حصار المدينة المدمرة حالياً والتي كان يقطنها زهاء 70 ألف نسمة. وقال بريغوجين إن «الجزء الأكبر من باخموت؛ أكثر من 80 في المائة منها، تحت سيطرتنا الآن، بما في ذلك المركز الإداري بالكامل والمصانع والمستودعات وإدارة المدينة». واستخدم قلماً أحمر اللون لتحديد منطقة صغيرة نسبياً معظمها أحياء سكنية في المدي

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم «فاغنر» تبحث عن متطوعين للقتال في أوكرانيا

«فاغنر» تبحث عن متطوعين للقتال في أوكرانيا

أعلنت مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة اليوم (الاثنين)، عن حاجتها إلى متطوعين تتراوح أعمارهم بين (21 و60 عاماً) سيتم نشرهم في مناطق الحرب في أوكرانيا. وأكد قائد قوات «فاغنر» يفغيني بريغوجين أن من يسجلون أسماءهم سيحصلون على 240 ألف روبل (2939 دولاراً) شهرياً، مع وعود بتسليم مكافآت للنجاح. كما أن الأجور التي تدفعها «فاغنر» أعلى بكثير من مبلغ الـ195 ألف روبل التي عرضتها وزارة الدفاع الروسية، كونها تدفع للمناصب القيادية ما يصل إلى 243 ألف روبل شهرياً. وفقدت «فاغنر» مؤخراً الكثير من المقاتلين في معركة باخموت شرقي أوكرانيا، ومن ثَمَّ فهي في حاجة ماسة إلى تجنيد أفراد جدد. وأعلن بريغوجين أيضاً ف

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)
TT

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)

قال نافع ‌العريبي، محامي الصحافي التونسي زياد الهاني، إنَّ النيابة العامة أمرت، اليوم (الجمعة)، بالتحفظ على موكله، في خطوة أثارت غضب حقوقيين، ووصفها منتقدون للسلطات بأنها تصعيد لحملة ​أوسع على الأصوات المستقلة والمعارضة، في ظل حكم الرئيس قيس سعيد، بحسب تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

واعتاد الهاني، المعروف بمعارضته للنظام، على توجيه انتقادات لاذعة لحكم الرئيس قيس سعيد. وقال أمس إنه تلقى استدعاء للتحقيق، اليوم (الجمعة)، أمام فرقة متخصصة في جرائم تكنولوجيا المعلومات، تتبع الحرس الوطني، بصفة ذي شبهة.

الصحافي التونسي زياد الهاني (من حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وقالت نقابة الصحافيين لاحقاً إن الهاني يواجه شبهة إزعاج الغير عبر شبكات الاتصال العمومية، بحسب قانون الاتصالات. ووصفت في بيان تنديد لها قرار إيقافه بـ«مواصلة سياسة تكميم الأفواه، وضرب حرية التعبير وحرية الصحافة». ويأتي التحفظ على الهاني بينما تحذِّر منظمات حقوقية ونشطاء من ازدياد المحاولات لتضييق الخناق على ما تبقَّى من الأصوات المستقلة، منذ أن حلَّ سعيد البرلمان المنتخب في 2021، وبدأ الحكم بالمراسيم، في خطوة وصفتها المعارضة بأنها انقلاب. في المقابل، قال محاميه إنَّ الهاني احتُجز بسبب نشره ‌مقالاً انتقد فيه القضاء، وندَّد ‌بحكم ⁠قضائي ​على ضابط ⁠أمن، وصحافي قضى 3.5 سنة في السجن، بينما قال الهاني إن الضابط توفي في سجنه، وبرأت محكمة التعقيب لاحقاً الرجلين.

وقال الهاني في المقال الذي أورد محتواه قبل ذلك في مداخلة بكلية الحقوق بتونس: «ضحيتهم الصحافي خليفة القاسمي، وضابط بالحرس... قضاة... لكنهم مجرمون». من جهته، قال رئيس نقابة الصحافيين، زياد دبار، لوكالة «رويترز» إن التحفظ على الهاني «أمر عبثي، وهو خطوة أخرى تهدف إلى ترهيب الصحافيين»، مضيفاً أن عدداً من الصحافيين ‌«يقبعون حالياً في السجن، وأنَّ ما لا يقل عن 15 آخرين يواجهون ملاحقات قضائية».

وزادت ⁠حرية التعبير ⁠في تونس بعد انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأطلقت شرارة ما عُرف بـ«الربيع العربي». لكن منتقدين يقولون إنَّ تركيز الرئيس سعيد للسلطات في يده منذ 2021، والمراسيم التي أصدرها منذ ذلك الحين، أدت إلى تفكيك الضمانات الديمقراطية، وسهَّلت ملاحقة الصحافيين. ويقبع عدد من قادة الأحزاب المعارضة الرئيسية بتونس في السجن، إلى جانب عشرات السياسيين والصحافيين والنشطاء ورجال الأعمال، بتهم تتعلق بالتآمر على الدولة وغسل الأموال والفساد.

في سياق قريب، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة فرع تونس، ليل الخميس، عن قلقها من التدهور الخطير للوضع الصحي للمعارض جوهر بن مبارك، الذي يقبع في السجن منذ 3 أعوام في قضية التآمر على أمن الدولة. ويخوض بن مبارك، وهو قيادي بارز في «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة وأستاذ متخصص في القانون الدستوري، إضراباً عن الطعام في السجن منذ 27 يوماً.

جوهر بن مبارك (متداولة)

ويحتج بن مبارك ضد ظروف اعتقاله، وضد المحاكمات في قضية التآمر على أمن الدولة، بدعوى افتقارها لشروط المحاكمة العادلة، كما تقول المعارضة إنها تقوم على تهم ملفقة. وقالت المنظمة إنَّ جوهر بن مبارك يواجه ظروف اعتقال من شأنها أن تهدِّد سلامته الجسدية والنفسية وحياته.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي نقلت إدارة السجون بن مبارك من سجنه بولاية نابل إلى سجن آخر في ولاية الكاف، التي تبعد نحو 170 كيلومتراً عن العاصمة، ما فاقم من متاعب والده البالغ من العمر 80 عاماً في تنقله لزيارة ابنه. وطالبت منظمة العفو الدولية، في بيان لها، السلطات التونسية بتحمُّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية كاملة، وضمان حمايته الفورية، وتوفير الرعاية الطبية المستقلة والملائمة له، واحترام حقوقه الأساسية دون تأخير. وصدرت أحكام مُشدَّدة من محكمة الاستئناف ضد بن مبارك، والعشرات من قياديي المعارضة في قضية التآمر، تصل أقصاها إلى أكثر من 40 عاماً.


«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
TT

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

تسعى القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي إلى توسيع قاعدتها الشعبية والأمنية والعسكرية بجنوب البلاد في مواجهة القوات التابعة لسلطات العاصمة طرابلس، مستهدفة بذلك إحكام قبضتها على الحدود الجنوبية المترامية، والقضاء على تمرد تقوده «غرفة تحرير الجنوب»، التي يقودها محمد وردقو.

قيادات أمنية من «التبو» خلال لقائهم خالد حفتر (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

وأمام تحديات عديدة في الصحراء الجنوبية المترامية، اتجه «الجيش الوطني» إلى تعزيز علاقته مع بعض المكونات الاجتماعية، من بينها قبائل «التبو»، وإزالة أي شوائب قد علقت بعلاقتهما خلال السنوات الماضية.

وقالت رئاسة الأركان العامة للجيش إن رئيسها الفريق خالد حفتر، الذي التقى عدداً من قيادات «التبو»، شدد على «أهمية التنسيق المستمر، والتعاون بين القوى الأمنية والوحدات العسكرية بمناطق الجنوب».

ونقلت رئاسة الأركان أن خالد حفتر ثمّن جهود رجال الأمن من مختلف القبائل التي تساهم في ذلك، ومن بينهم أبناء «التبو»، وقال إنهم «لم يتأخروا في الدفاع عن الوطن وتقديم أرواحهم دونه، وقارعوا الإرهاب وساهموا في الانتصار عليه».

وخلال فبراير (شباط) الماضي تفجرت الأوضاع على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن «لغم» أعاد التوتر الأمني إلى هذا الشريط الممتد على قرابة 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاء عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.

ويتمثل هذا «اللغم» فيما يسمى «غرفة تحرير الجنوب»، التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية في الجنوب الليبي المحاذي للنيجر، والخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

أحد أعيان قبيلة «أولاد سليمان» الليبية متحدثاً خلال لقاء صدام حفتر في سبتمبر 2025 (إعلام القيادة العامة)

وهذه النقاط الحدودية هي منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، الواقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود.

ومع تعاظم التحديات أمام «الجيش الوطني» بعمق الصحراء الجنوبية، بدأت قياداته في إذابة «خلافات الماضي» مع قبائل «التبو» والاهتمام بمشاكلها وأزماتها، من خلال لقاءات عديدة مع مشايخها.

وخلال لقائه بوزير الشؤون الأفريقية المفوض، عيسى عبد المجيد، وعدد من القيادات الأمنية من مكون «التبو» في مقر القيادة العامة بالرجمة، شدد خالد حفتر على أن الجيش «يثمّن تضحيات أهل الجنوب»، وقال بهذا الخصوص: «نعمل راهناً على حلحلة أي معوقات بهذه المنطقة الحيوية، حتى تزدهر وتتقدم وتنال نصيبها من الإعمار والأمن، وخصوصاً أنها مستهدفة».

ورغم تحدث خالد حفتر عن «صعوبة المهمة»، فإنه قال «إنها ليست مستحيلة؛ فبالإرادة والعزم والصدق يتحقق ما نريد، ويجب أن نكون يقظين وجاهزين دائماً لقطع الطريق على من يحاول النيل من قبائلنا، والزج بأبنائهم في صراعات وفتن لا تخدم الوطن، وتضر باستقراره».

ومن وقت لآخر، تطلّ ما تسمى قيادة «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على الليبيين ببيان، تتحدث فيه عن «انتصارات جديدة»؛ إذ ادعت مؤخراً أن قواتها المرابطة على الثغور «تمكنت من تطهير كامل الشريط الحدودي مع دولة النيجر الشقيقة، وفرض السيطرة النارية الكاملة على جميع المنافذ، والمعابر الحدودية في هذا القطاع الواسع»، وهي الرواية التي دحضها الجيش.

وكانت قبائل «التبو» قد أعلنت في نهاية فبراير الماضي تبرؤها من العناصر، التي انضمت إلى صفوف من وصفتهم بـ«المرتزقة» التابعين لـ«غرفة تحرير الجنوب»، وشددت على رفضها جر أبناء «التبو» إلى ما وصفتها بـ«محرقة عبثية»، أو صدام داخلي مع «مكونات فزان الأخرى».

وحدات من «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي في فبراير الماضي (رئاسة الأركان البرية)

وحمّلت القبائل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مسؤولية الزج بأبنائها في هذه الأحداث، وأكدت «التزامها بأمن واستقرار الجنوب الليبي ورفض الاقتتال».

وفي 24 أغسطس (آب) 2023 اشتكت قبائل «التبو» من اعتقالات تعسفية، طالت المئات من أبنائها على يد عناصر مسلحة شبه عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني»، احتجزتهم في قاعدة عسكرية في ظروف غير إنسانية، لكن القيادة العامة نفت الأمر في حينه.

ومنذ تصعيد خالد وصدام، نجلَي القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، إلى قيادة المؤسسة العسكرية، وهما يعملان على تعزيز النفوذ في الأوساط الاجتماعية، ومن بينها قبائل «التبو»، و«أولاد سليمان»، و«الدرسة»، و«أولاد علي».


اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
TT

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك»، وفق ما أعلن الجيش الموريتاني في برقية إخبارية.

وقال الجيش الموريتاني في برقية عبر صفحته على «فيسبوك»، إن الاجتماع كان هو «اللقاء الأمني التنسيقي الأول لسنة 2026»، وذلك في إشارة إلى الاجتماعات الأمنية، التي يعقدها قادة المؤسسة العسكرية في البلدين.

الوفدان العسكريان بحثا سبل «تطوير التنسيق الأمني المشترك» بين البلدين (الجيش الموريتاني)

وأضاف الجيش أن اللقاء شارك فيه وفد من الجيش الموريتاني، يرأسه العقيد الشيخ سيدي بوي السالك؛ قائد المنطقة العسكرية الثانية، وهي المنطقة المحاذية للحدود مع الجزائر، كما شارك فيه وفد من الجيش الوطني الشعبي الجزائري، برئاسة اللواء مراجي كمال؛ قائد القطاع العملياتي الجنوبي بتندوف، المنطقة المحاذية للحدود مع موريتانيا.

وأوضح الجيش الموريتاني أن الجانبين ناقشا خلال اللقاء «سبل تطوير آليات التنسيق الأمني المشترك، القائم بين جيشي البلدين الشقيقين في المنطقة الحدودية المشتركة».

ويأتي هذا الاجتماع في وقت يواجه البلدان تحديات مشتركة، تتمثل في خطر التنظيمات الإرهابية المسيطرة على مناطق من دول الساحل القريبة، خصوصاً دولة مالي المحاذية لكل من الجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى خطر شبكات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وشبكات تهريب المخدرات والبشر والسلاح، التي تنشط في منطقة الصحراء الكبرى.

تحية العلم الجزائري قبيل بدء الاجتماع (الجيش الموريتاني)

ومنذ 2016 ظهرت عمليات التنقيب الأهلي عن الذهب في موريتانيا، وأصبحت تستقطب عشرات آلاف الشبان، الذين يخاطرون بدخول مناطق عسكرية مغلقة، وتجاوز الحدود بين الجزائر وموريتانيا للتنقيب داخل أراضي الجزائر، وهو ما عرّض بعضاً منهم للاعتقال على يد الجيش الجزائري.

ويشكل التنقيب الأهلي عن الذهب واحداً من أهم الملفات التي تدار بحذر على طرفي الحدود بين البلدين، وذلك في ظل مخاوف من دخول تنظيمات متطرفة أو شبكات إجرامية على الخط، واستغلال نشاط التنقيب من أجل تمويل أنشطتها.

ولمواجهة هذا التحدي، وقع البلدان منذ أبريل (نيسان) 2021 بنواكشوط، مذكرة تفاهم لإنشاء لجنة حدودية مشتركة، تعني بتنسيق وتطوير التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد، والثقافة وتسيير الأزمات بالمناطق الحدودية.

وأعلن آنذاك أن الهدف من هذه اللجنة هو تعزيز التبادلات الاقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية بين المناطق الحدودية، إلى جانب تأمين الحدود المشتركة، ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، في إطار مواجهة التحديات الأمنية والتنموية.

من جهة أخرى، يأتي هذا اللقاء الأمني بعد انعقاد اللجنة الثنائية للتعاون بين البلدين، مطلع أبريل الحالي في الجزائر، حيث ناقش البلدان ملفات التعاون المشترك، التي يعد من أهمها الطريق البري الرابط بين مدينة تندوف الجزائرية ومدينة أزويرات الموريتانية.

ويوصف هذا المشروع بأنه واحد من أهم المشاريع التنموية التي تربط البلدين، وتسعى الجزائر من ورائه للوصول إلى السوق في دول غرب أفريقيا عبر موريتانيا، كما ترغب نواكشوط في تنويع وارداتها المحلية عبر الانفتاح أكثر على السوق الجزائرية.

ويمتد الطريق على مسافة تصل إلى 850 كيلومتراً، وسط صحراء وعرة وغير مأهولة، ويتولى تنفيذه أكثر من 10 شركات جزائرية، ورغم أن الأشغال مستمرة في الطريق، فإنه يواجه تحديات كبيرة بسبب صعوبة البيئة التي يشيد فيها.

وأكدت السلطات الجزائرية العام الماضي، أنها تسعى لإكمال الأشغال في الطريق في أجل أقصاه شهر يوليو (تموز) من العام الحالي؛ أي في غضون 3 أشهر فقط، فيما تشير التوقعات إلى إمكانية تأخر موعد التسليم.