تصاعُد الجدل بين المعارضة والسلطة في السنغال

بعد دعوة سونكو لـ«عصيان مدني» ضد القضاء

أأنصار عثمان سونكو يتظاهرون أمام محكمة في داكار (رويترز)
أأنصار عثمان سونكو يتظاهرون أمام محكمة في داكار (رويترز)
TT

تصاعُد الجدل بين المعارضة والسلطة في السنغال

أأنصار عثمان سونكو يتظاهرون أمام محكمة في داكار (رويترز)
أأنصار عثمان سونكو يتظاهرون أمام محكمة في داكار (رويترز)

قبل أشهر من إجراء انتخابات رئاسية، يزداد الجدل الذي يثيره المعارض السنغالي البارز عثمان سونكو، الذي دعا إلى «عصيان مدني وطني» ضد القضاء، وسط نقاش متصاعد حول فرص المعارضة في التنافس في الانتخابات بعد تحالف مختلف قواها ضد ترشح الرئيس الحالي ماكي سال لعهدة ثالثة.
وهذا الأسبوع، دعا عثمان سونكو، لعصيان مدني ضد القضاء، رافضاً «أي حوار مع الرئيس سال»، كما ندد سونكو بـ«ادّعاءات أنه يقوّض نظام العدالة».
يأتي ذلك بعد أن ادّعى سونكو سابقاً أن «حياته في خطر وأن لديه أدلة تُظهر أنه تعرض لمحاولة اغتيال» في 16 مارس (آذار) الماضي، وهو في طريقه إلى المحكمة لمواجهة اتهامات بالاغتصاب.
وكانت محكمة سنغالية في 30 مارس قد أصدرت ضده حكماً بالسجن شهرين مع وقف التنفيذ بتهمة التشهير بأحد الوزراء، في محاكمة رأى محاموه أنها «لن تُبعده عن خوض الانتخابات الرئاسية عام 2024».
ويزعم سونكو، الذي جاء في المركز الثالث في الانتخابات الرئاسية عام 2019، وأنصاره، أن «الحكومة تستخدم القضاء للتخلص منه سياسياً بمنعه من الترشح للرئاسة في فبراير (شباط) 2024، وتمهيد الطريق أمام سال». في المقابل يتهم الحزب الحاكم سونكو بالرغبة في «شل البلاد واستخدام الشارع للفرار من العدالة».
ولم يعلن الرئيس سال، الذي يتولى السلطة منذ 2012، عزمه تقديم أوراق ترشحه، لكنه رفض الادّعاء بأن «ترشحه لولاية ثالثة أمر غير دستوري». وأجرى سال استفتاءً عام 2016 قلّص فترة الرئاسة من 7 إلى 5 أعوام، وبينما ولايته الأولى لمدة 7 أعوام، فاز في انتخابات 2019 بولاية ثانية مدتها 5 أعوام.
وفي محاولة لإيقاف ترشّح محتمل لولاية ثالثة، حشدت المعارضة السنغالية، الشهر الماضي، أكثر من 120 حزباً وجماعة سياسية ومنظمة مجتمع مدني، ووقّعوا ميثاق حركة «إف 24» ضد ترشح سال، وكان سونكو من أبرز خصوم الرئيس الذين حضروا إطلاق التحالف.
وعثمان سونكو سياسي سنغالي ومؤسس حزب الوطنيين (باستيف) المعارض. ويروّج سونكو لنفسه على أنه «ضد الفساد»، ويتبنى مشروعاً سياسياً يتمحور حول التوجه إلى «الاستقلال الوطني ومناهضة فرنسا، الحليف التقليدي للسنغال، وهو ما يجد صدى لدى الأوساط المدنية والشبابية والطلابية على نطاق واسع».
وتُعرَف السنغال بكونها نموذجاً للاستقرار والتداول السلمي للسلطة في أفريقيا طيلة 60 عاماً أعقبت استقلالها. ولم تشهد البلاد نزاعات إلا نادراً، لكنّ الأمر تغيّر منذ أن جرت الانتخابات التشريعية في السنغال، في يوليو (تموز) 2022، حيث بدأت الأوساط السياسية بمناقشة سباق الانتخابات الرئاسية في 2024، بعدما تسربت أنباء عن نية سال الترشح لولاية ثالثة، وبعدها أعلن سونكو نيته الترشح للرئاسة.
وشهدت الانتخابات التشريعية السابقة، إعلان فوز الحزب الحاكم، لكن بأغلبية ضئيلة جداً، في اقتراع ادّعت قوى المعارضة، ومن بينها ائتلاف قاده سونكو، أنها «فازت به، وأن النتائج الرسمية تم تزويرها».
ويعتقد المحلل السياسي السنغالي عبده باغ، أنه «قد يستجيب بعض القطاعات خصوصاً من أوساط الشباب لدعوة سونكو للعصيان ضد القضاء، لكنها ستكون محدودة لأن الدولة تعهدت بمعاقبة الموظفين الذين يفكرون في الاستجابة، وبسبب تراجع بعض الأحزاب السياسية عن التحالف مع سونكو، لكنه يبقى ذا شعبية كبيرة في أوساط الشباب».
وقال باغ لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك قوى سياسية بدأت تنفضّ عن سونكو بسبب منهجه القائم على المواجهة مع مؤسسات الدولة طوال الوقت، وأن بعض القوى استجابت لدعوة أطلقها الرئيس مؤخراً للحوار».
وكان سال قد دعا الشهر الماضي إلى الحوار والتشاور. وقال في خطاب بمناسبة «عيد الاستقلال»: «أظل منفتحاً على الحوار والتشاور مع جميع القوى الحية للأمة فيما يتعلق بسيادة القانون ومؤسسات الجمهورية من أجل سنغال موحدة وسلام واستقرار وتماسك وطني».
ورفض تحالف المعارضة الرئيسي المعروف باسم «يوي أسكان وي (YAW) »، (أنقذوا الشعب)، الشهر الماضي، الدعوة التي وُجهت إليهم لحضور الاحتفال بعيد الاستقلال. وقال التحالف في بيان: «بالنظر إلى أن رئيس الدولة لم يتخذ بعد أي إجراء مهم لتهدئة التوتر السياسي والاجتماعي الذي تعيشه السنغال، فإن مؤتمر القادة يأسف لرفض دعوته».
ويرى الصحافي السنغالي عبد الأحد أمبينغ، أن «المعارضة السنغالية قوية جداً وتتحرك بشكل فعال وغالباً ستنجح في مساعيها في الفوز بالانتخابات القادمة حال ترشح الرئيس الحالي أو في الحد الأدنى ستنجح في إقناعه بعدم الترشح». ووصف دعوة الرئيس للحوار بـ«غير الجادة» وتهدف على الأرجح «إلى شق صف المعارضة للتمهيد لعهدة ثالثة للرئيس».
وقال أمبينغ إن دعوة سونكو للعصيان المدني لم «تلق استجابة كبيرة حتى الآن لكنها أثارت حملة اعتقالات من جانب النظام للمعارضين». ورأى أمبينغ أن «شعبية سونكو آخذة في الازدياد»، متوقعاً أن «تستبق المعارضة الانتخابات المقبلة بحراك جماهيري في الشارع إذا أعلن الرئيس ساكي الترشح رسمياً للانتخابات».


مقالات ذات صلة

هل ينجح رئيس السنغال في الترشح لولاية ثالثة؟

العالم هل ينجح رئيس السنغال في الترشح لولاية ثالثة؟

هل ينجح رئيس السنغال في الترشح لولاية ثالثة؟

قبل نحو 10 أشهر على موعد الانتخابات الرئاسية، تشهد السنغال غرب أفريقيا، جدلاً سياسياً ودستورياً، حول أحقية الرئيس الحالي ماكي سال في الترشح لولاية ثالثة، تمتد حتى 2029. ولم يعلن الرئيس سال، الذي يتولى السلطة منذ 2012، عزمه تقديم أوراق ترشحه، لكنه رفض الادعاء بأن «ترشحه لولاية ثالثة أمر غير دستوري». وأجرى سال استفتاء عام 2016 قلّص فترة الرئاسة من 7 إلى 5 أعوام، وبينما ولايته الأولى لمدة 7 أعوام، فاز في انتخابات 2019 بولاية ثانية مدتها 5 أعوام. وفي تصريح سابق، قال إن «هذا التعديل يلغي بشكل فعلي ولايته الأولى»، بحيث تبدأ فترتان جديدتان. وفي محاولة لإيقاف ترشّح محتمل لولاية ثالثة، حشدت المعارضة ال

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم تقرير: السنغال تدفع باتجاه توسيع صناعاتها التعدينية

تقرير: السنغال تدفع باتجاه توسيع صناعاتها التعدينية

تعمل السنغال على أن تصبح الصناعة التعدينية أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني. ,تمنح الحكومة نفسها وسائل واسعة لتحقيق هذه الرؤية؛ إذ تطمح إلى جعل البلاد مركزاً للصناعة في غرب أفريقيا. ولتحقيق ذلك، قامت، بداية من منتصف فبراير (شباط)، بعملية تقييم لقطاع الصناعة التعدينية. وفق تقرير نشرته اليوم مجلة «أفريقيا الشابة» (جون أفريك)، فإن السنغال مثل العديد من الدول في القارة لديها موارد طبيعية مثل الحديد، الزركون، الأسمدة، ومواد البناء، تحتاج إلى استغلال أكبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي الملك محمد السادس (ماب)

نزلة برد تحول دون زيارة ملك المغرب للسنغال

حالت نزلة برد دون قيام العاهل المغربي الملك محمد بزيارة رسمية للسنغال.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم صدامات وأعمال نهب في السنغال على خلفية توتر يسبق الانتخابات

صدامات وأعمال نهب في السنغال على خلفية توتر يسبق الانتخابات

جرت صدامات وعمليات نهب مساء الجمعة في مدينة وسط غرب السنغال منعت فيها السلطات تجمعاً للمعارض عثمان سونكو، المرشح للاقتراع الرئاسي الذي سيجرى في 2024، كما كشفت صور نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. وتحدثت مواقع إلكترونية إخبارية عن اشتباكات بين أنصار سونكو وقوات الأمن بعد ظهر الجمعة في بلدة توبا - مباكي.

«الشرق الأوسط» (دكار)
الرياضة حصد المنتخب السنغالي لقبه الأول لكأس أمم أفريقيا لكرة القدم للاعبين المحليين (ا.ف.ب)

أمم أفريقيا للمحليين: الجزائر تخفق على أرضها والسنغال تجمع اللقبين القاريين

فشل المنتخب الجزائري في حصد لقب كأس أمم إفريقيا لكرة القدم للاعبين المحليين، بعدما خسر في المباراة النهائية 4-5 بركلات الترجيح (الوقتان الأصلي والإضافي 0-0)، السبت، على ملعب "نيلسون مانديلا" في براقي بضواحي العاصمة الجزائرية أمام أكثر من أربعين ألف متفرج. وجمعت السنغال اللقبين القاريين بعدما كان منتخبها الأول بقيادة ساديو مانيه، قد توج بلقب كأس أمم إفريقيا التي أقيمت في الكاميرون على حساب نظيره المصري بركلات الترجيح قبل نحو عام. وهذا اللقب الأول للمنتخب السنغالي، الذي أوقف الهيمنة المغربية على اللقب بعدما توج "اسود الأطلس" بالنسختين السابقتين (2018 و2020)، كما توجت الكونغو الديموقراطية في نسخت

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

من الدلافين إلى السلاحف... هل تحوّلت الحيوانات البحرية إلى أدوات استخباراتية؟

الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
TT

من الدلافين إلى السلاحف... هل تحوّلت الحيوانات البحرية إلى أدوات استخباراتية؟

الجاسوسية وصلت إلى الأعماق
الجاسوسية وصلت إلى الأعماق

حذّرت الصين من تصاعد ما وصفته بـ«حرب سرية غير مرئية» تدور في البحار المحيطة بها، مشيرةً إلى أن جهات استخباراتية أجنبية تلجأ إلى وسائل غير تقليدية لجمع معلومات حساسة من المياه الصينية، من بينها استخدام حيوانات بحرية مزوّدة بأجهزة استشعار متطورة، وفقاً لصحيفة «الغارديان».

وقالت وزارة أمن الدولة الصينية، في منشور نشرته عبر منصة «ويتشات»، إن أجهزة استخبارات أجنبية باتت تعتمد أساليب مبتكرة لمراقبة البيئة البحرية الصينية، تشمل ما أطلقت عليه «سلاحف التجسس» و«أسماك التجسس»، في إطار جهود تستهدف جمع بيانات استراتيجية عن البحار والمناطق الساحلية.

ووفقاً للوزارة، فإن تلك الجهات تجهز حيوانات بحرية كبيرة، من بينها السلاحف والأسماك، بأجهزة استشعار متقدمة قادرة على رصد مجموعة واسعة من المعلومات المتعلقة بالبيئة البحرية، بما في ذلك درجات حرارة المياه، ومستويات الملوحة، واتجاهات التيارات البحرية، قبل إرسالها بشكل فوري إلى جهات خارجية عبر الأقمار الاصطناعية.

وأضافت الوزارة أن هذه البيانات تُستخدم في إعداد خرائط تفصيلية لقاع البحار، الأمر الذي عدّته تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني، نظراً لما قد توفره من معلومات ذات أهمية عسكرية واستراتيجية.

ورغم خطورة المزاعم التي طرحتها بكين، فإن الوزارة لم تكشف المواقع التي عُثر فيها على تلك الحيوانات، ولم تُحدد الجهات أو الدول التي تقف وراء تجهيزها وتشغيلها.

الدلفين حيوان مائي ذكيّ (أ.ف.ب)

وليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها ملف استخدام الحيوانات في مهام ذات طابع أمني أو استخباراتي، ففي عام 2023، أشارت تقارير استخباراتية بريطانية إلى أن روسيا عززت إجراءات الحماية في قاعدة أسطولها بمدينة سيفاستوبول على البحر الأسود عبر نشر دلافين مدربة لرصد الغواصين المعادين والتعامل معهم. وذكرت التقارير أن تلك الدلافين من نوع «قاروري الأنف» كانت تُحتجز داخل أحواض عائمة في الميناء وتُستخدم لأغراض أمنية.

وفي سياق متصل، قالت وزارة أمن الدولة الصينية إنها ضبطت عوامات بحرية نشرتها، حسب وصفها، مؤسسة أجنبية للأبحاث البحرية، وكانت مزوّدة بمجموعة من أجهزة الاستشعار الجوية والبحرية المتطورة. وأوضحت أن تلك العوامات قادرة على تتبع البصمات الصوتية للغواصات الصينية في الوقت الحقيقي، ما يمنح مشغليها قدرة كبيرة على مراقبة التحركات البحرية.

كما لفتت الوزارة إلى ما يُعرف بـ«الطائرة الشراعية الموجية» (Wave Glider)، وهي مركبة بحرية غير مأهولة تعمل بالطاقة الشمسية وطاقة الأمواج، مؤكدةً أن جهات أجنبية تستخدم هذه التقنية لجمع ونقل معلومات بحرية ذات طبيعة عسكرية، إضافة إلى بيانات مرتبطة بحركة السفن والأنشطة البحرية المختلفة.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواصل فيه بكين التعبير عن مخاوفها إزاء الأنشطة الاستخباراتية في مناطق بحرية حساسة، تشمل بحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي ومضيق تايوان، وهي مناطق تشهد تنافساً استراتيجياً متصاعداً ونزاعات إقليمية مستمرة.

وكانت السلطات الصينية قد أعلنت خلال عام 2024 عن اكتشاف ما وصفته بـ«منارات بحرية» مخفية في قاع المحيط، قالت إنها قد تُستخدم لتوجيه الغواصات الأجنبية أثناء تنقلها، وربما للمساعدة في تهيئة مسرح العمليات لأي مواجهة عسكرية محتملة.

وفي إطار تعزيز الرقابة على المياه الإقليمية، تقدم الحكومة الصينية مكافآت مالية للصيادين الذين يعثرون على معدات أو أجهزة يُشتبه في استخدامها لأغراض تجسسية.

ووفقاً لوسائل إعلام محلية، تتراوح قيمة هذه المكافآت بين 50 ألفاً و500 ألف يوان، أي ما يعادل نحو 6 آلاف إلى 60 ألف دولار، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من تنامي أنشطة المراقبة البحرية في المنطقة.


مسؤول أممي يحذر من جوع يحدق بـ300 مليون نسمة حول العالم

 كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)
كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)
TT

مسؤول أممي يحذر من جوع يحدق بـ300 مليون نسمة حول العالم

 كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)
كارل سكاو المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي» (تصوير: تركي العقيلي)

حذر كارل سكاو، المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي»، من جوع حاد يحدق بنحو 300 مليون شخص حول العالم، وقال إن العدد في ارتفاع مستمر.

ومع استمرار الأزمة الحالية وارتفاع أسعار الوقود لأكثر من 100 دولار، حتى شهر يوليو (تموز) 2026، فسيُدفع 45 مليون شخص آخرون لمواجهة انعدام الأمن الغذائي.

سكاو، الذي يزور السعودية حالياً، قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن الرياض «تلعب دوراً قيادياً محورياً بصفتها شريكاً أساسياً في دعم الاستقرار الإقليمي وتمكين العمل الإنساني حيث تشتد الحاجة إليه».

وحدد مدير «البرنامج» ارتفاع التكاليف، والتمويل المحدود، وصعوبة الوصول إلى المحتاجين، بوصفها أبرز التحديات التي تواجهها منظمات العالم؛ حيث أصبح شراء الغذاء وإيصاله أعلى تكلفة، و«في الوقت نفسه، نواجه فجوة تمويلية غير مسبوقة تعرقل عملنا».

وأضاف سكاو: «بالكاد استطعنا الحفاظ على عملياتنا؛ لأنه ببساطة لا توجد لدينا الموارد الكافية. وهذا يعني أن ملايين الأشخاص يُحرمون من الدعم لأنه لا توجد مساعدات متاحة، بينما يعيش 75 في المائة من هؤلاء الأشخاص في مناطق تشهد نزاعات، وفي كثير من السياقات، مثل السودان وغزة، حيث يشكّل الوصول أحد أبرز القيود والتحديات. وعملياً؛ يعني ذلك أننا مضطرون إلى تقليص المساعدات في بعض من أشد الأزمات».

وفي أماكن مثل السودان وقطاع غزة وسوريا، يقول سكاو، «يقف الملايين بالفعل على حافة الهاوية، ولذلك؛ فإن أي اضطراب - حتى لو كان بسيطاً - يحدث في التمويل أو إمكانية الوصول ربما يدفع الأسر سريعاً إلى مستويات أعمق من الجوع الحاد، مع عواقب فورية ربما يصعب أو يستحيل تداركها فيما بعد، وإذا لم نتحرّك الآن، فلن تقتصر عاقبة ذلك على ارتفاع مستويات الجوع فحسب، بل ستتمثل أيضاً في فقدان الأرواح وزيادة عدم الاستقرار، بما يؤثر على المنطقة بأسرها».

وقال سكاو: «أزور حالياً السعودية؛ بهدف تعزيز الشراكة الاستراتيجية لـ(برنامج الأغذية العالمي) التابع للأمم المتحدة مع المملكة، في وقت يشهد فيه الإقليم تصاعداً في عدم الاستقرار، وتحديات كبيرة. وقد بحثنا سبل توسيع نطاق الدعم للاستجابات للأزمات الكبرى - لا سيما في السودان وغزة واليمن وسوريا - إلى جانب دعم الجهود الدبلوماسية الإنسانية لضمان الوصول إلى المحتاجين في البيئات شديدة التعقيد».

وأضاف: «حريصون للغاية على تعزيز هذه الشراكة؛ إذ تضطلع السعودية بدور قيادي بالغ الأهمية؛ ليس فقط بصفتها جهة مانحة رئيسية، بل أيضاً بصفتها شريكاً محورياً في دعم الاستقرار الإقليمي وتمكين العمل الإنساني أينما دعت الحاجة. ومنذ عام 2002، كان دعم المملكة، ولا يزال، عنصراً أساسياً في إنقاذ الأرواح وضمان مواصلة عمليات البرنامج».

التحديات والأولويات

وبشأن خطة «برنامج الأغذية العالمي» لمواجهة التحديات الماثلة، قال سكاو: «وجدنا أنفسنا مضطرين إلى اتخاذ قرارات بالغة الصعوبة بشأن من يمكننا الوصول إليهم ودعمهم. فنحن نعطي الأولوية للفئات التي تحتاج بشدة إلى المساعدات الغذائية الطارئة، لكن ذلك يعني عملياً حرمان الأشخاص الذين يعانون الجوعَ من الغذاءِ لنعطيه لأولئك الذين يواجهون خطر الموت جوعاً».

وتابع: «في الأماكن التي تشهد أخطر مستويات الجوع، نركّز على الاستجابة الطارئة، حيث نُعطي الأولوية للأشخاص الأعلى عرضة لخطر الموت جوعاً، بمن فيهم من يعيشون في مناطق النزاع، أو الذين نزحوا، أو الذين يمرّون بأزمات حادة. كما نواصل البحث عن سبل للوصول إليهم. ويملك (برنامج الأغذية العالمي)، التابع للأمم المتحدة، إحدى كبرى وأقوى شبكات سلاسل الإمداد في العالم، ولدينا القدرة على الوصول إلى المحتاجين عند توفر إمكانية الوصول والموارد المناسبة، لكننا بحاجة إلى الموارد اللازمة لتحقيق ذلك».

وأضاف: «نراجع أساليب عملنا، ونواصل البحث عن سبل لخفض تكاليفنا باستمرار، ونعمل أيضاً بشكل وثيق مع شركائنا، مثل السعودية، على تعزيز الدبلوماسية الإنسانية والدعوة إلى ضمان الوصول، وتعزيز الابتكار، وزيادة الدعم».

تداعيات التوترات الإقليمية

قال سكاو إن «التصعيدات والاضطرابات في المنطقة أدت إلى ارتفاع كبير في تكاليف الوقود؛ مما جعل عملياتنا، وكذلك أسعار الغذاء عالمياً، أعلى تكلفة، وتنعكس هذه الزيادات في تكاليف الوقود مباشرةً في ارتفاع أسعار الغذاء حول العالم. فعندما ترتفع أسعار الغذاء بنسبة 20 في المائة، فإنه غالباً ما يقل استهلاك الناس الغذاء بنسبة مماثلة. وفي المناطق التي نعمل فيها، يعيش كثير من الأشخاص أصلاً على وجبة واحدة يومياً؛ مما يعني أن لهذه الزيادات أثراً فورياً وخطيراً».

وتابع: «أصبحت تكلفة شراء الغذاء وتوفيره أعلى بكثير. فقد ارتفعت تكاليف الشحن بنحو 25 في المائة؛ نتيجة اضطرارنا إلى استخدام طرق أطول وأعلى تكلفة، وتتجلى آثار هذه الصدمات العالمية بشكل أكبر لدى الأشخاص الذين يواجهون أزمات أصلاً، مثلما في اليمن، الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات، أو قطاع غزة؛ حيث كان الوصول محدوداً بالفعل والبنية التحتية مدمّرة ويعتمد السكان على ما يدخل عبر الحدود».

وعلى الصعيد السوداني، قال سكاو: «في السودان، من المتوقع أن تكون لهذه التطورات آثار طويلة الأمد، حيث إن الأسمدة اللازمة للزراعة خلال الموسم عالقة ولا يمكن إيصالها. وهذا يعني أن المزارعين لن يتمكنوا من إنتاج غذائهم، في وقت نواجه فيه صعوبات في توفير المساعدات».

وزاد: «يأتي كل ذلك في وقت نواجه فيه فجوة تمويلية غير مسبوقة؛ مما يزيد من تقييد قدرتنا على الاستجابة. ونحن مضطرون إلى اتخاذ قرارات بالغة الصعوبة بشأن من يمكننا الوصول إليهم؛ إذ نُعطي الأولوية لبعض الفئات للحصول على المساعدات الطارئة، وهذا يعني عملياً حرمان الأشخاص الذين يعانون الجوعَ من الغذاءِ لنعطيه إلى أولئك الذين يواجهون خطر الموت جوعاً».

الوضع المأساوي بالسودان واليمن وسوريا وفلسطين

وبشأن الوضع المأساوي في السودان واليمن وسوريا وفلسطين، قال سكاو: «تُعد هذه الأزمات من بين أشد أزمات الجوع حدةً في العالم اليوم. وخلال زياراتي هذا العام قطاع غزة والسودان ولبنان، رأيت بنفسي التدهور السريع في الأوضاع على الأرض. ولم يكن هذا المستوى من النزاع والأزمات قائماً في أي من هذه البلدان قبل 5 سنوات».

ووفق سكاو، فإن «السودان يمثل حالياً أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يواجه أكثر من 19 مليون شخص مستويات شديدة من الوضع المأساوي، فقد جرى تأكيد حدوث المجاعة في أجزاء من البلاد، فيما توجد مناطق أخرى معرضة لخطرها»، مبينا أنه «في كل من اليمن وسوريا، يعجز أكثر من نصف السكان عن تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية؛ بسبب النزاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع الأسعار».

أما في قطاع غزة، وفق سكاو، فـ«بعد مرور 7 أشهر على وقف إطلاق النار، فإن الأسر لا تزال مستضعفة إلى حد كبير، حيث تكافح لإعادة بناء حياتها بعد عامين من الحرب. ويعتمد كثير من الأسر على وجبة واحدة يومياً، فيما تظل أسعار الغذاء مرتفعة إلى حد يصعُب تحمّله. وتبقى الأوضاع بالغة الهشاشة».

حدود استجابة «البرنامج»

أوضح سكاو أن «برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، يعمل على نطاق واسع في جميع هذه الأزمات، «حيث يوفّر الغذاء والدعم التغذوي والمساعدات النقدية، لملايين الأشخاص كل شهر. كما نحافظ على استمرارية سلاسل الإمداد الأساسية، وندعم النظم الغذائية المحلية، ونُعطي الأولوية للأشخاص الأعلى عرضة للخطر».

ومع ذلك، فإن الواقع، وفق سكاو، يشير إلى أنه «من دون توفير تمويل عاجل وضمان وصول إنساني مستدام، فإننا نواجه احتمالاً حقيقياً يتمثل في تقليص المساعدات في وقت بلغت فيه الاحتياجات أعلى مستوياتها».

ولهذا السبب؛ والحديث للمسؤول الأممي، فإن «الشراكات تظل - لا سيما مع دول مثل السعودية - بالغة الأهمية لضمان قدرتنا على مواصلة توفير المساعدة ومنع مزيد من التدهور في الأوضاع. نحن حريصون للغاية على تعزيز هذه الشراكة؛ إذ تؤدي السعودية دوراً قيادياً محورياً، ليس فقط بصفتها جهة مانحة رئيسية، بل أيضاً بصفتها شريكاً أساسياً في دعم الاستقرار الإقليمي وتمكين العمل الإنساني حيث تشتد الحاجة إليه».


العالم يشهد ثاني أكثر «مايو» حرّاً على الإطلاق

امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)
TT

العالم يشهد ثاني أكثر «مايو» حرّاً على الإطلاق

امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل هواية يدوية في أثناء سيرها خلال موجة حر ربيعية في مدريد بإسبانيا خلال مايو 2026 (رويترز)

سجّل العالم ثاني أكثر أشهر مايو (أيار) حرّاً على الإطلاق منذ بدء تسجيل البيانات، وفقاً لما أعلنه مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، اليوم (الأربعاء)، في حين شهدت أوروبا موجة حر مبكرة واستثنائية، في مؤشر إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة باتت تمثّل «الوضع الطبيعي الجديد» في القارة الأوروبية.

وسُجّلت معدلات حرارة قياسية جديدة في بريطانيا وفرنسا وآيرلندا والبرتغال خلال الشهر الماضي، حيث دفعت كتلة هوائية دافئة من شمال أفريقيا درجات الحرارة إلى مستويات أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية في مختلف أنحاء غرب أوروبا، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» لتغير المناخ، في تقريره الشهري لمايو، بأن هذا الشهر شهد تحولاً سريعاً من طقس أبرد بكثير من المتوسط إلى واحدة من أشدّ موجات الحر المسجلة في أوروبا الغربية خلال هذه الفترة المبكرة من العام.

وقالت عالمة المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانتا بورغيس: «تُظهر موجة الحرّ المبكرة والشديدة بشكل غير معتاد مدى سرعة تحوّل الظواهر المناخية المتطرفة إلى الوضع الطبيعي الجديد بدلاً من كونها حالة استثنائية».

وأفاد «كوبرنيكوس» بأن درجات الحرارة المحسوسة تراوحت بين 35 و40 درجة مئوية في أجزاء واسعة من أوروبا.

وأضاف: «من المرجح أن هذا التحول السريع قد زاد من تأثيراته على السكان، ما لم يترك وقتاً كافياً للناس أو للمحاصيل والنظم البيئية خلال موسم النمو للتأقلم مع درجات الحرارة المرتفعة جداً».

وبلغ متوسط درجة حرارة الهواء السطحي عالمياً 15.18 درجة مئوية، ليُسجّل بذلك ثاني أعلى مستوى لمايو على الإطلاق، حسب «كوبرنيكوس».

كما سجل متوسط درجة حرارة سطح البحر ثاني أعلى مستوى مسجل بعد مايو 2024، مع تحوّل الظروف نحو ظاهرة «إل نينيو» المناخية الدافئة.

وحذرت التوقعات من أن ظاهرة «إل نينيو» المقبلة قد تكون من أقوى الظواهر المسجلة، مما قد يدفع درجات الحرارة العالمية إلى مستويات قياسية في عام 2027.

وأشار «كوبرنيكوس» إلى أن درجات الحرارة ظلت عند «مستويات مرتفعة بشكل استثنائي» في مساحة واسعة من المحيط الهادئ الاستوائي.