ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

بعد سنتين من الانقلاب العسكري... وتفاقم أعمال العنف ضد الأقليات

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
TT

ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)

تعتمل دولة ميانمار (المعروفة كذلك باسم بورما) بأحداث مشتعلة، مع وقوع عدة معارك بين الجيش ومجموعات مسلحة. في واقع الأمر، لا يعد هذا بالأمر الجديد، فميانمار دولة تتسم بتاريخ مضطرب وعنيف. نالت هذه الدولة الواقعة بين شبه الجزيرة الهندية وشبه جزيرة الهند الصينية استقلالها عن بريطانيا عام 1948، إلا أنها عانت من صراعات داخلية واسعة وانقلابات عسكرية متكررة بين عامي 1962 و1988. وفي موجة جديدة من الهجمات ضد المدنيين، شنّ جيش ميانمار واحدة من أعنف الغارات الجوية، يقال إنها أسقطت أكثر من 170 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال غير مسلحين، في خضم الحرب الأهلية المستعرة. والأسبوع الماضي، ألقت القوات المسلحة عدة قنابل على تجمع داخل قرية بازيغي بمنطقة ساغاينج، عندما تجمع مئات الأشخاص، في وقت مبكر من الصباح، في المنطقة، للمشاركة في فعالية نظمها الخصوم المحليون للجيش.
عصفت بميانمار اضطرابات عنيفة منذ أن أطاح جيشها بالحكومة المنتخبة التي ترأستها أونغ سان سو تشي، الناشطة السياسية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، في الأول من فبراير (شباط) 2021. ولقد حال استيلاء الجيش على السلطة دون تولي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية»، بقيادة زعيمته سو تشي، رئيسة الحكومة، التي هي أيضاً ابنة أونغ سان، بطل الاستقلال، قيادة البلاد لفترة ثانية.
من ناحيته، ادعى الجيش أن انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، التي فازت بها «الرابطة» بغالبية ساحقة، جرى «تزويرها»، ولكن من دون تقديم أي دليل على ذلك. وبالتالي، أعلن الجيش حالة الطوارئ واعتقل مستشار الدولة، داو أونغ سان سو تشي، والرئيس وين ميينت، بجانب عدد من الزعماء الديمقراطيين الآخرين.
وأيضاً صدر حكم ضد سو تشي بالسجن 6 سنوات، بناءً على اتهامات واهية، بجانب اتهامات أخرى لم تصدر الأحكام النهائية بخصوصها بعد، قد يصل مجموع أحكامها إلى 164 سنة في السجن.
- انقلاب... ومعارضة
على هذه الأحداث، علّق غوتام موخوبادهايا، السفير الهندي السابق لدى ميانمار، شارحاً: «كانت للجيش قبضة محكمة على ميانمار، لأن الدستور يضمن له 25 في المائة من مقاعد البرلمان والسيطرة على أقوى الوزارات. إذ تتمتع المؤسسة العسكرية فعلياً بالحق في نقض أي محاولة لتغيير اللعبة السياسية بالبلاد. وفي الانتخابات العامة الأخيرة، كان أداء الحزب المدعوم من الجيش (حزب الاتحاد للتضامن والتنمية) ضعيفاً، بينما جاء أداء (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) أفضل مما كان عليه عام 2015... وهذا الأمر خلق توتراً بين المؤسسة العسكرية والحكومة. أما السبب المباشر وراء الانقلاب فكان الخوف من أن الحزب الذي فاز في الانتخابات سيعيد كتابة دستور 2008، ليجرّد الجيش من سلطاته. ولذلك، أطاح الجيش بالحكومة المنتخبة وعاد إلى السلطة».

أونغ سان سو تشي (رويترز)

لاقى استيلاء الجيش معارضة قوية واسعة النطاق، قمعتها قوات الأمن بقوة، وتحولت منذ ذلك الحين إلى مقاومة مسلحة على نطاق واسع. واليوم، يسعى جنرالات الجيش جهدهم من أجل توطيد سلطتهم، والقتال على جبهات متعددة ضد متمردي الأقليات العرقية، وحركة المقاومة المؤيدة للديمقراطية. هذا، في حين لم تحرز الجهود الخارجية للتوسط من أجل السلام أي نجاح، حتى عندما جاءت من أطراف متعاطفة مع الحكومة العسكرية، مثل «رابطة دول جنوب شرق آسيا» (آسيان)، المؤلفة من 10 أعضاء.
محللون سياسيون يرون أن ما يجري اليوم في ميانمار يمثل أسوأ موجات العنف التي تعرضت لها البلاد على الإطلاق منذ نيلها استقلالها، مع امتدادها إلى أكثر المناطق التي تنبذ بطبيعتها العنف، المعروفة باسم «المنطقة الجافة». ويذكر هنا أن «المنطقة الجافة» مصطلح يشير إلى منطقة تهيمن عليها غالبية البامار البوذية الموالية للعسكر. وتقليدياً، ظلت هذه المنطقة بمعزل عن أي شكل من أشكال العنف الإثني.
هذا، وأفادت تقارير إعلامية إلى أن غالبية البامار وأقليات عرقية مثل الكارين والتشين والكاشين والراخين والكاريني تعمل على توحيد صفوفها اليوم بمواجهة الحكم العسكري. وفي المقابل، زاد المجلس العسكري إنفاقه السنوي على الجيش إلى ما يقدر بنحو 2.7 مليار دولار، أكثر من 25 في المائة من الميزانية الوطنية، بهدف قمع السكان.
- حرب أهلية أزلية
جدير بالذكر أنه بعد الحصار الذي فرضه الجيش، اشتعلت حرب أهلية دامية في معظم أرجاء ميانمار، وتحول الصراع المنخفض الحدة إلى حرب أهلية شاملة. فداخل المدن، تحولت الاحتجاجات إلى صدامات مسلحة بين المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية وقوات الأمن. وفي الأدغال، تعاونت الجماعات المناهضة للمجلس العسكري مع متمردين من أجل تلقي تدريب عسكري. وبلغ الوضع درجة من الخطورة، دفعت المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتحذير من أن ميانمار قد انزلقت نحو حرب أهلية. أيضاً، وثقت منظمات دولية، مثل «اليونيسيف»، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك قصف مدارس دونما رحمة.
حتى الآن، ألقيت على القوات العسكرية الحكومية، المعروفة باسم «تاتمادو»، المسؤولية عن مقتل قرابة 3240 مدنياً، وسجن 18000 آخرين، بينهم أعضاء في أحزاب معارضة وصحافيون وغيرهم من منتقدي النظام، تبعاً لجمعية مساعدة السجناء السياسيين.
وفي المجمل، هناك 3 أطراف متصارعة على الأقل في إطار هذه الحرب الأهلية. وبينما تطلق الحكومة العسكرية على نفسها اسم «مجلس إدارة الدولة»، تتألف المعارضة من «حكومة الوحدة الوطنية» والبرلمان بالمنفى و«قوات الدفاع الشعبي». وتقود «حكومة الوحدة الوطنية» المقاومة السياسية في وجه المجلس العسكري، وتطلق على نفسها اسم «حكومة ميانمار الحقيقية»، وهي تملك ميليشيات مدنية مسلحة داعمة للديمقراطية كجناح مسلح لها. بيد أن المجلس العسكري اعتبر هذه الجماعات «تنظيمات إرهابية».
عودة إلى الهند، «جارة» ميانمار من الشمال الغربي، يرى المحلل السياسي أنغشومان تشودري أن «أكثر من ثلث ميانمار لا يخضع الآن لسيطرة الجيش، حسبما اعترف مسؤول رفيع المستوى بالمجلس العسكري في وقت قريب». ثم إنه جرى توسيع نطاق قوانين الأحكام العرفية لتشمل 37 بلدة أخرى، وغدا بمقدور المحاكم العسكرية محاكمة «الجناة» بتهم تتراوح من الخيانة إلى نشر «أخبار كاذبة». إلا أن اللافت أن الحرب الأهلية في ميانمار مستمرة فعلياً منذ عام 1948، ولم يتوقف القتال بين الحكومة المركزية، التي تهيمن عليها غالبية البامار، وتنظيمات عرقية مسلحة في 7 ولايات عرقية، بشكل كامل مطلقاً منذ نيل البلاد استقلالها منذ عقود قبل انقلاب عام 2021.
- اللا استقرار... متجذر
للأسف، لا تُعد الانقلابات العسكرية أمراً غريباً على ميانمار. فعلى سبيل المثال، قضى انقلاب عام 1962، بقيادة الجنرال ني وين، على الديمقراطية التمثيلية للبلاد، وأقرّ مكانها 26 سنة من الحكم العسكري. وأنكر الجيش كذلك الانتصار الانتخابي الساحق الذي حققته أونغ سان سو تشي و«الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بانتخابات عام 1990، فاحتفظ بالسلطة لمدة 25 سنة أخرى حتى فازت «الرابطة» مرة أخرى في الانتخابات العامة عام 2015. وهنا توضح الصحافية الهندية نيروباما سوبرامانيام أنه «رغم ذلك، جاءت طريقة إدارة السياسة البورمية (أي الميانمارية) بعد انقلاب 2021 مختلفة تماماً. فقبل الانقلاب تذوّق الشعب البورمي طعم الديمقراطية والحرية وانفتح على العالم الخارجي والتدفق الحر للأفكار والمعلومات والأشخاص والفرص الاقتصادية في ظل حكومة ديمقراطية. واليوم، ببساطة، يرفض الشعب العودة إلى عقود الحكم العسكري، بغض النظر عن أن الجيش البورمي يعدّ الحكم العسكري امتيازاً طبيعياً له والوضع الطبيعي للبلاد. وعليه، تحوّلت معارضة الانقلاب ورفض الحكم العسكري إلى أقوى العوامل الموحدة لصفوف باقي فئات الشعب. والأهم عن ذلك، دفع هذا الوضع قوى المقاومة المختلفة بعضها باتجاه بعض».
- التفاعل الدولي
من جانب آخر، في مواجهة هذه الوحشية، تُقسم اعتبارات الجغرافيا السياسية المجتمع الدولي، وتعيقه عن طرح استجابة دولية متناغمة.
جغرافياً، تقع ميانمار على حدود أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان... أي الصين والهند. وهذا ما يجعل من موقعها نقطة استراتيجية لـ«مبادرة الحزام والطريق الصينية» التي توفر وصولاً عبر أعماق البحار إلى المحيط الهندي. بيد أنها، في الوقت ذاته، تشكل الممرّ الخاص بالهند إلى بحر الصين الجنوبي. ومع هذا وذاك، كما تقول الصحافية سوبرامانيام «لدى دول أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة مصالح اقتصادية قوية في ميانمار».
ولكن في هذه الأثناء، تمضي كلٌّ من روسيا والصين والهند في التعاون مع المجلس العسكري، ما يضفي عليه درجة من التقدير الدولي. أما مجموعة «الآسيان» فلا تبذل مجهوداً يذكر لإعادة ميانمار إلى المسار الديمقراطي.
وراهناً، تكشف الأرقام أن روسيا ثاني مورِّد للأسلحة لميانمار، بعد الصين. وعليه، ليس من المستغرب أن تعمد روسيا والصين إلى عرقلة محاولات مجلس الأمن الدولي لفرض حظر على بيع أسلحة لميانمار. وبينما تبدي الصين حرصها العلني على حماية مصالحها الاستراتيجية في البلاد، واصفةً الانقلاب بأنه «تعديل حكومي كبير»، تصرّ روسيا من جانبها على أنه «شأن داخلي» محض.
السفير موخوبادهايا، من حصيلة خبرته بميانمار، يعتقد أن «الوضع في ميانمار معقد بسبب النسيج العرقي الشديد التنوّع والتعدد... فهناك 135 عرقية معترف بها داخل حدود البلاد، بل إن بعضها، مثل الروهينجا، لم يُعترف بهم أساساً. أضف إلى ذلك الصراع المستمر بين الأقليات العرقية والحكومة المركزية منذ الاستقلال».
ويضيف السفير أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة كانت بمثابة ملحمة حزينة لسو تشي. ويتابع: «بعكس فترات الاعتقال السابقة التي تعرضت لها حتى عام 2011، تخلّى المجتمع الدولي هذه المرة عن تشي، بعدما كان ينظر إليها باعتبارها ممثلة للديمقراطية، وكان السبب موقفها من قضية الروهينجا، الأمر الذي حرم ميانمار من زعيم طبيعي كان يمكن للمجتمع الدولي أن يلتف حوله».
وقبل فترة قصيرة، قام الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون بزيارة مفاجئة إلى ميانمار، نيابة عن مجموعة «الحكماء» من زعماء العالم، التي أسسها نيلسون مانديلا، والتي تعمل على تعزيز السلام ونزع فتيل الصراعات.
وكان بان إبان فترة عمله بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة من 2007 إلى 2016 قد بنى تاريخاً طويلاً من المشاركة في شؤون ميانمار. ولقد ذهب إلى هناك للضغط على الجنرالات الذين كانوا يحكمون البلاد في حينه من أجل السماح بتدفق المساعدات الأجنبية والخبراء دون عوائق، وذلك لتقديم العون للناجين من الإعصار «نرجس» عام 2008، الذي أودى بحياة قرابة 134000 شخص. وحثّ بان كذلك الجيش على إرساء الديمقراطية.
- جهود التسوية
تشكل جهود السلام عبر منظمة «الآسيان» العملية الدبلوماسية الرسمية الوحيدة المرتبطة بميانمار. والواضح أن المجلس العسكري الحاكم غير مستعد لتنفيذ ما يسمى بـ«إجماع النقاط الخمس» الذي اتفق عليه مع «الآسيان» عام 2021.
الاتفاق يتضمن وضع نهاية فورية للعنف، وعقد حوار بين جميع الأطراف المعنية، وتعيين مبعوث خاص، وتقديم مساعدات إنسانية من جانب «الآسيان»، وزيارة مبعوث خاص ميانمار لعقد لقاءات مع جميع الأطراف. وبالمناسبة، أيدت الأمم المتحدة خطة «الآسيان».
ولكن، في المقابل، اتهمت الحكومة العسكرية أعضاء «الآسيان» ممن ينتقدونها بـ«التدخل في الشأن الداخلي» للبلاد. وحذّرتهم من التعامل مع «حكومة الوحدة الوطنية». واتهمت أيضاً معارضيها بمحاولة تخريب خطة «الآسيان»، وبرّرت الهجمات العسكرية بأنها ضرورية لتأمين البلاد وتمكين المباحثات السياسية.
في الوقت ذاته، من المقرر أن تستضيف الهند جلسة عصف ذهني حول كيفية إيجاد «مصالحة» في ميانمار، وإنهاء الأزمة التي ضربتها منذ الانقلاب العسكري في فبراير (شباط) 2021. وستعقد جلسات حوار «المسار 1.5» الثاني، الذي أطلقته تايلاند، داخل مقر المجلس الهندي للشؤون العالمية، وهو مؤسسة فكرية مستقلة تمولها وزارة الشؤون الخارجية.
وتتضمّن قائمة الدول المشاركة؛ ميانمار والصين وتايلاند ولاوس وبنغلاديش، ورئيسي «الآسيان» السابق والحالي؛ كمبوديا وإندونيسيا. وأيضاً سيشارك أكاديميون وأعضاء في مؤسسات الفكر والرأي من هذه البلدان.
- الهند تتأثر وتؤثر
ما يستحق الذكر أن تايلاند والهند تأثرتا كثيراً بالحرب الأهلية الدائرة في ميانمار. وتفيد التقديرات بأن حوالي 20000 لاجئ عبروا الحدود إلى تايلاند بعد الانقلاب العسكري عام 2021، في حين لجأ عشرات الآلاف من اللاجئين هناك منذ الثمانينات.
ورغم ارتباط رئيس الوزراء التايلاندي، برايوت تشان أو تشا، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 2014، بعلاقات ودية مع قادة المجلس العسكري في ميانمار، يعيش الحكم التايلاندي في بانكوك كوابيس لا تنتهي بسبب لاجئي ميانمار الذين يعبرون الحدود السهلة الاختراق بين البلدين، التي تمتد لمسافة 2400 كيلومتر. وبالفعل، وصف كاتب عمود بصحيفة «بانكوك بوست» التايلاندية ذلك التدفق بأنه «أكبر مصدر قلق إقليمي لتايلاند» بعد الحرب الروسية - الأوكرانية.
أما داخل الهند، فتستضيف ولايتا ميزورام ومانيبور، الحدوديتان شمال شرق البلاد، آلاف اللاجئين، معظمهم من ولاية تشين الشرقية في ميانمار، وكذلك من ساجينغ، وكلا الولايتين من معاقل المقاومة الداعمة للديمقراطية، حيث تدور معارك شرسة.
ومن المتوقع أن تعرض المائدة المستديرة نتائج مداولاتها أمام كبار المسؤولين لاتخاذ مزيد من الإجراءات. بوجه عام، جاء التقدم في تنفيذ خطة سلام «الآسيان» بطيئاً، بينما لا تزال الأطراف المتصارعة تتقاتل على الأرض.
- موجات نزوح ضخمة
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن 17.6 مليون شخص، أي ما يقرب من ثلث سكان ميانمار، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن حوالي 1.3 مليون شردوا منذ الانقلاب.
بيد أن هذه الأرقام المروّعة لا تتضمن ما يقرب من 330000 نازح داخلياً من الصراعات التي سبقت الانقلاب. كما أنها لا تشمل المليون لاجئ من الروهينجا الموجودين في مخيمات بنغلاديش المجاورة، الذين أحيوا مرور 5 سنوات على المذبحة الأخيرة للجيش بحقهم، ويجدون اليوم أنفسهم منسيين من قبل المجتمع الدولي. من جانبه، يحاول النظام استئناف عمليات الإعادة إلى الوطن، لكن جماعات المقاومة تعارضها، وترى أنها تهدف فحسب إلى تخفيف الضغط الدولي.
- الروهينجا
أخيراً، وسط الصراع الأهلي الدامي، الذي استهدف الجيش في إطاره السكان المدنيين (الأقليات العرقية على وجه الخصوص)، ما زال مجتمع الروهينجا المُسلم، الموجود في شمال ولاية راخين بغرب ميانمار، في طليعة ضحايا هذه الوحشية. ويُذكر أنه خلال عامي 2016 و2017، استهدف الجيش، تحت ذريعة «عمليات تطهير»، الأقليات باستخدام مستويات غير عادية من العنف. وجراء ذلك، فرّ حوالي 800000 من الروهينجا من ميانمار لاجئين إلى بنغلاديش المجاورة. وعام 2018، خلص تقرير نشره فريق تقصّي حقائق تابع للأمم المتحدة إلى أن الحملات العسكرية كانت لها «نية الإبادة الجماعية»... والمفارقة أن هذا الجيش نفسه هو الذي يدعي أنه يحكم البلاد بشكل شرعي اليوم.

الجيش يسعى لـ«شرعنة انقلابه» عبر الانتخابات

> بعد سنتين من الانقلاب العسكري الذي نفذه جيش ميانمار، أعلن الجيش أخيراً أنه سيعقد انتخابات «نزيهة وحرة»، من المعتقد أنها ستُجرى في وقت لاحق من العام.
وبالفعل، أمر الجيش «لجنة الانتخابات»، التي شكلها المجلس العسكري، بالإعداد لانتخابات جديدة، يقول معارضو الجيش إنه لا يمكن أن تكون حرة أو نزيهة. وللتذكير، خلال الشهر الماضي، حلت «اللجنة» هذه حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بزعامة سو تشي بحجة أنه لم يسجّل رسمياً بموجب القواعد الانتخابية الصارمة الجديدة التي أقرها الجيش.

معاناة الروهينجا (إ.ب.أ)

في هذا الصدد، قال المحلل الهندي سوراب شارما: «السبب وراء اتخاذ ميانمار ما يسمى بالخطوات المتواضعة نحو نظام ديمقراطي أن الجيش أراد تجنّب اعتراض المجتمع الدولي على القيادة الاستبدادية في ميانمار. إذ ينظر المجلس العسكري إلى هذا الإجراء باعتباره وسيلة لإضافة قشرة شرعية لحكمه بالقوة. ومن ناحيتها، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ميانمار طيلة عقود. وسعياً لإنهاء هذه العزلة الاقتصادية والسياسية، قررت ميانمار إجراء بعض التغييرات في صورتها».
وأضاف شارما: «من الواضح بالفعل أن الانتخابات لن تكون حرة ولا نزيهة. ومن المتعذر إجراؤها في جميع أنحاء البلاد. وتتألف لجنة الانتخابات من 15 عضواً يختارهم القائد العسكري. وداخل المناطق المتنازع عليها بشدة، سيكون من المستحيل عملياً السماح للسكان بالتصويت. علاوة على أنه سيجري تعديل النظام الانتخابي بطريقة تميل لصالح الجيش بقوة، مع حجز 25 في المائة من جميع المقاعد في جميع البرلمانات لصالحه، وفقاً للدستور».
وسط كل هذا، قتل ضابط من لجنة الانتخابات في بلدة ثينغانغيون، إلى الشرق من يانغون، كبرى مدن البلاد وعاصمتها السابقة، على يد جماعات المقاومة. والملاحظ أن العناصر المتطرفة تهاجم الضباط ذوي الرتب المنخفضة في المجلس العسكري على مدار العامين الماضيين.
وأيضاً، في أبريل (نيسان) من العام الماضي، أطلق مهاجمون مجهولون النار على نائبة محافظ البنك المركزي في ميانمار، التي عيّنها الجيش بعد أيام من استيلاء على السلطة، داخل منزلها في يانغون. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قُتل مسؤول تنفيذي كبير بشركة «ميتيل»، وهي شركة اتصالات أسّسها الجيش بالتعاون مع شركة «فيتيل» الفيتنامية، وذلك خارج منزله في يانغون.


مقالات ذات صلة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

العالم الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

أسفر الهجوم الجوي الذي شنّته المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار (بورما)على منطقة ساغاينغ في وسط البلاد الثلاثاء، عن مقتل ما لا يقل عن 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة، بينما «أدانته بشدّة» رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) الخميس. ولم تقدّم السلطات حتى الآن أي حصيلة لهذا الهجوم. ورداً على سؤال وكالة الصحافة الفرنسية، الخميس، قال قروي شارك في أعمال الإغاثة مشترطاً عدم كشف اسمه: «جارٍ إحصاء 130 جثة والتعرّف عليها».

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الولايات المتحدة​ واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

نددت واشنطن، أمس (الأربعاء)، بقرار المجلس العسكري الحاكم في ميانمار حل حزب الزعيمة المدنية المسجونة أونغ سان سو تشي التي أطاحها انقلاب للجيش، وحذرت من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وأعلنت لجنة الانتخابات التي شكّلها المجلس العسكري، الثلاثاء، أنه سيتم حل حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بعد فشله في إعادة التسجيل بموجب القانون الانتخابي الجديد. وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي يستعد فيه المجلس العسكري لإجراء انتخابات يعتقد معارضون أنها تهدف فقط إلى تعزيز قوة الجيش الذي أطاح بحكومة سو تشي المنتخبة في فبراير (شباط) 2021. وقال المتحدث باسم الخارجي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

أعلن التلفزيون الرسمي في ميانمار (بورما) أنّ اللجنة الانتخابية التي شكّلتها المجموعة العسكرية الحاكمة قرّرت، اليوم الثلاثاء، حلّ «الرابطة الوطنية للديمقراطية»، الحزب الذي تتزعّمه أونغ سانغ سو تشي. وقالت اللجنة، بحسب التلفزيون، إنّه «تقرّر في الحال نزع صفة الحزب السياسي» عن الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الحزب الذي فاز بنسبة كبيرة من الأصوات في دورتي الانتخابات التشريعية اللتين أُجريتا في 2015 و2020. وأضافت اللجنة أنّها اتّخذت هذا القرار لفشل الحزب في تأمين الشروط اللازمة لتسجيل نفسه وفقاً لقانون الانتخابات الجديد الذي أقرّته المجموعة الحاكمة ويتضمّن بنوداً صارمة. وتشهد ميانمار حالة من الف

«الشرق الأوسط» (رانغون)
الولايات المتحدة​ واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

أعلنت الولايات المتّحدة، اليوم، عن مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 26 مليون دولار للاجئين الروهينغا في بنغلادش ومناطق أخرى مجاورة. ويعيش حوالي مليون لاجئ من هذه الأقلية البورمية المسلمة في أوضاع مزرية في مخيّمات ببنغلادش، ولجأ أغلبهم إلى بنغلادش المجاورة هرباً من حملة قمع قادها الجيش البورمي في 2017. وتسبّبت هذه الحملة العسكرية بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، إنّ «هذا التمويل الجديد يتيح لشركائنا في العمل الإنساني مواصلة توفير مساعدة منقذة للحياة لمجتمعات متضرّرة على جانبي الحدود بين بورما وبنغلادش». وأوضح أنّ المبلغ المعلن عنه ير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للقائد العام للقوات المسلحة في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ (ا.ب)

واشنطن تندّد بتمديد حالة الطوارئ في بورما

نددت الولايات المتحدة، الأربعاء، بتمديد المجلس العسكري الحاكم في بورما حالة الطوارئ، معتبرة أن ذلك يفاقم المعاناة في البلاد بعد مرور عامين على الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس: «تعارض الولايات المتحدة بشدة قرار النظام العسكري في بورما تمديد حالة الطوارئ، ما يطيل أمد الحكم غير الشرعي للجيش والمعاناة التي يلحقها بالبلاد». وأعلن المجلس العسكري الحاكم في ذكرى الانقلاب الثانية، تمديد حالة الطوارئ ستة أشهر، وبالتالي إرجاء إجراء انتخابات عامة وفق ما ينص الدستور. وأضاف برايس، أن الولايات المتحدة مصممة على العمل مع المجتمع الدولي «لحرمان النظا

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».