ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

بعد سنتين من الانقلاب العسكري... وتفاقم أعمال العنف ضد الأقليات

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
TT

ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)

تعتمل دولة ميانمار (المعروفة كذلك باسم بورما) بأحداث مشتعلة، مع وقوع عدة معارك بين الجيش ومجموعات مسلحة. في واقع الأمر، لا يعد هذا بالأمر الجديد، فميانمار دولة تتسم بتاريخ مضطرب وعنيف. نالت هذه الدولة الواقعة بين شبه الجزيرة الهندية وشبه جزيرة الهند الصينية استقلالها عن بريطانيا عام 1948، إلا أنها عانت من صراعات داخلية واسعة وانقلابات عسكرية متكررة بين عامي 1962 و1988. وفي موجة جديدة من الهجمات ضد المدنيين، شنّ جيش ميانمار واحدة من أعنف الغارات الجوية، يقال إنها أسقطت أكثر من 170 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال غير مسلحين، في خضم الحرب الأهلية المستعرة. والأسبوع الماضي، ألقت القوات المسلحة عدة قنابل على تجمع داخل قرية بازيغي بمنطقة ساغاينج، عندما تجمع مئات الأشخاص، في وقت مبكر من الصباح، في المنطقة، للمشاركة في فعالية نظمها الخصوم المحليون للجيش.
عصفت بميانمار اضطرابات عنيفة منذ أن أطاح جيشها بالحكومة المنتخبة التي ترأستها أونغ سان سو تشي، الناشطة السياسية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، في الأول من فبراير (شباط) 2021. ولقد حال استيلاء الجيش على السلطة دون تولي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية»، بقيادة زعيمته سو تشي، رئيسة الحكومة، التي هي أيضاً ابنة أونغ سان، بطل الاستقلال، قيادة البلاد لفترة ثانية.
من ناحيته، ادعى الجيش أن انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، التي فازت بها «الرابطة» بغالبية ساحقة، جرى «تزويرها»، ولكن من دون تقديم أي دليل على ذلك. وبالتالي، أعلن الجيش حالة الطوارئ واعتقل مستشار الدولة، داو أونغ سان سو تشي، والرئيس وين ميينت، بجانب عدد من الزعماء الديمقراطيين الآخرين.
وأيضاً صدر حكم ضد سو تشي بالسجن 6 سنوات، بناءً على اتهامات واهية، بجانب اتهامات أخرى لم تصدر الأحكام النهائية بخصوصها بعد، قد يصل مجموع أحكامها إلى 164 سنة في السجن.
- انقلاب... ومعارضة
على هذه الأحداث، علّق غوتام موخوبادهايا، السفير الهندي السابق لدى ميانمار، شارحاً: «كانت للجيش قبضة محكمة على ميانمار، لأن الدستور يضمن له 25 في المائة من مقاعد البرلمان والسيطرة على أقوى الوزارات. إذ تتمتع المؤسسة العسكرية فعلياً بالحق في نقض أي محاولة لتغيير اللعبة السياسية بالبلاد. وفي الانتخابات العامة الأخيرة، كان أداء الحزب المدعوم من الجيش (حزب الاتحاد للتضامن والتنمية) ضعيفاً، بينما جاء أداء (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) أفضل مما كان عليه عام 2015... وهذا الأمر خلق توتراً بين المؤسسة العسكرية والحكومة. أما السبب المباشر وراء الانقلاب فكان الخوف من أن الحزب الذي فاز في الانتخابات سيعيد كتابة دستور 2008، ليجرّد الجيش من سلطاته. ولذلك، أطاح الجيش بالحكومة المنتخبة وعاد إلى السلطة».

أونغ سان سو تشي (رويترز)

لاقى استيلاء الجيش معارضة قوية واسعة النطاق، قمعتها قوات الأمن بقوة، وتحولت منذ ذلك الحين إلى مقاومة مسلحة على نطاق واسع. واليوم، يسعى جنرالات الجيش جهدهم من أجل توطيد سلطتهم، والقتال على جبهات متعددة ضد متمردي الأقليات العرقية، وحركة المقاومة المؤيدة للديمقراطية. هذا، في حين لم تحرز الجهود الخارجية للتوسط من أجل السلام أي نجاح، حتى عندما جاءت من أطراف متعاطفة مع الحكومة العسكرية، مثل «رابطة دول جنوب شرق آسيا» (آسيان)، المؤلفة من 10 أعضاء.
محللون سياسيون يرون أن ما يجري اليوم في ميانمار يمثل أسوأ موجات العنف التي تعرضت لها البلاد على الإطلاق منذ نيلها استقلالها، مع امتدادها إلى أكثر المناطق التي تنبذ بطبيعتها العنف، المعروفة باسم «المنطقة الجافة». ويذكر هنا أن «المنطقة الجافة» مصطلح يشير إلى منطقة تهيمن عليها غالبية البامار البوذية الموالية للعسكر. وتقليدياً، ظلت هذه المنطقة بمعزل عن أي شكل من أشكال العنف الإثني.
هذا، وأفادت تقارير إعلامية إلى أن غالبية البامار وأقليات عرقية مثل الكارين والتشين والكاشين والراخين والكاريني تعمل على توحيد صفوفها اليوم بمواجهة الحكم العسكري. وفي المقابل، زاد المجلس العسكري إنفاقه السنوي على الجيش إلى ما يقدر بنحو 2.7 مليار دولار، أكثر من 25 في المائة من الميزانية الوطنية، بهدف قمع السكان.
- حرب أهلية أزلية
جدير بالذكر أنه بعد الحصار الذي فرضه الجيش، اشتعلت حرب أهلية دامية في معظم أرجاء ميانمار، وتحول الصراع المنخفض الحدة إلى حرب أهلية شاملة. فداخل المدن، تحولت الاحتجاجات إلى صدامات مسلحة بين المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية وقوات الأمن. وفي الأدغال، تعاونت الجماعات المناهضة للمجلس العسكري مع متمردين من أجل تلقي تدريب عسكري. وبلغ الوضع درجة من الخطورة، دفعت المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتحذير من أن ميانمار قد انزلقت نحو حرب أهلية. أيضاً، وثقت منظمات دولية، مثل «اليونيسيف»، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك قصف مدارس دونما رحمة.
حتى الآن، ألقيت على القوات العسكرية الحكومية، المعروفة باسم «تاتمادو»، المسؤولية عن مقتل قرابة 3240 مدنياً، وسجن 18000 آخرين، بينهم أعضاء في أحزاب معارضة وصحافيون وغيرهم من منتقدي النظام، تبعاً لجمعية مساعدة السجناء السياسيين.
وفي المجمل، هناك 3 أطراف متصارعة على الأقل في إطار هذه الحرب الأهلية. وبينما تطلق الحكومة العسكرية على نفسها اسم «مجلس إدارة الدولة»، تتألف المعارضة من «حكومة الوحدة الوطنية» والبرلمان بالمنفى و«قوات الدفاع الشعبي». وتقود «حكومة الوحدة الوطنية» المقاومة السياسية في وجه المجلس العسكري، وتطلق على نفسها اسم «حكومة ميانمار الحقيقية»، وهي تملك ميليشيات مدنية مسلحة داعمة للديمقراطية كجناح مسلح لها. بيد أن المجلس العسكري اعتبر هذه الجماعات «تنظيمات إرهابية».
عودة إلى الهند، «جارة» ميانمار من الشمال الغربي، يرى المحلل السياسي أنغشومان تشودري أن «أكثر من ثلث ميانمار لا يخضع الآن لسيطرة الجيش، حسبما اعترف مسؤول رفيع المستوى بالمجلس العسكري في وقت قريب». ثم إنه جرى توسيع نطاق قوانين الأحكام العرفية لتشمل 37 بلدة أخرى، وغدا بمقدور المحاكم العسكرية محاكمة «الجناة» بتهم تتراوح من الخيانة إلى نشر «أخبار كاذبة». إلا أن اللافت أن الحرب الأهلية في ميانمار مستمرة فعلياً منذ عام 1948، ولم يتوقف القتال بين الحكومة المركزية، التي تهيمن عليها غالبية البامار، وتنظيمات عرقية مسلحة في 7 ولايات عرقية، بشكل كامل مطلقاً منذ نيل البلاد استقلالها منذ عقود قبل انقلاب عام 2021.
- اللا استقرار... متجذر
للأسف، لا تُعد الانقلابات العسكرية أمراً غريباً على ميانمار. فعلى سبيل المثال، قضى انقلاب عام 1962، بقيادة الجنرال ني وين، على الديمقراطية التمثيلية للبلاد، وأقرّ مكانها 26 سنة من الحكم العسكري. وأنكر الجيش كذلك الانتصار الانتخابي الساحق الذي حققته أونغ سان سو تشي و«الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بانتخابات عام 1990، فاحتفظ بالسلطة لمدة 25 سنة أخرى حتى فازت «الرابطة» مرة أخرى في الانتخابات العامة عام 2015. وهنا توضح الصحافية الهندية نيروباما سوبرامانيام أنه «رغم ذلك، جاءت طريقة إدارة السياسة البورمية (أي الميانمارية) بعد انقلاب 2021 مختلفة تماماً. فقبل الانقلاب تذوّق الشعب البورمي طعم الديمقراطية والحرية وانفتح على العالم الخارجي والتدفق الحر للأفكار والمعلومات والأشخاص والفرص الاقتصادية في ظل حكومة ديمقراطية. واليوم، ببساطة، يرفض الشعب العودة إلى عقود الحكم العسكري، بغض النظر عن أن الجيش البورمي يعدّ الحكم العسكري امتيازاً طبيعياً له والوضع الطبيعي للبلاد. وعليه، تحوّلت معارضة الانقلاب ورفض الحكم العسكري إلى أقوى العوامل الموحدة لصفوف باقي فئات الشعب. والأهم عن ذلك، دفع هذا الوضع قوى المقاومة المختلفة بعضها باتجاه بعض».
- التفاعل الدولي
من جانب آخر، في مواجهة هذه الوحشية، تُقسم اعتبارات الجغرافيا السياسية المجتمع الدولي، وتعيقه عن طرح استجابة دولية متناغمة.
جغرافياً، تقع ميانمار على حدود أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان... أي الصين والهند. وهذا ما يجعل من موقعها نقطة استراتيجية لـ«مبادرة الحزام والطريق الصينية» التي توفر وصولاً عبر أعماق البحار إلى المحيط الهندي. بيد أنها، في الوقت ذاته، تشكل الممرّ الخاص بالهند إلى بحر الصين الجنوبي. ومع هذا وذاك، كما تقول الصحافية سوبرامانيام «لدى دول أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة مصالح اقتصادية قوية في ميانمار».
ولكن في هذه الأثناء، تمضي كلٌّ من روسيا والصين والهند في التعاون مع المجلس العسكري، ما يضفي عليه درجة من التقدير الدولي. أما مجموعة «الآسيان» فلا تبذل مجهوداً يذكر لإعادة ميانمار إلى المسار الديمقراطي.
وراهناً، تكشف الأرقام أن روسيا ثاني مورِّد للأسلحة لميانمار، بعد الصين. وعليه، ليس من المستغرب أن تعمد روسيا والصين إلى عرقلة محاولات مجلس الأمن الدولي لفرض حظر على بيع أسلحة لميانمار. وبينما تبدي الصين حرصها العلني على حماية مصالحها الاستراتيجية في البلاد، واصفةً الانقلاب بأنه «تعديل حكومي كبير»، تصرّ روسيا من جانبها على أنه «شأن داخلي» محض.
السفير موخوبادهايا، من حصيلة خبرته بميانمار، يعتقد أن «الوضع في ميانمار معقد بسبب النسيج العرقي الشديد التنوّع والتعدد... فهناك 135 عرقية معترف بها داخل حدود البلاد، بل إن بعضها، مثل الروهينجا، لم يُعترف بهم أساساً. أضف إلى ذلك الصراع المستمر بين الأقليات العرقية والحكومة المركزية منذ الاستقلال».
ويضيف السفير أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة كانت بمثابة ملحمة حزينة لسو تشي. ويتابع: «بعكس فترات الاعتقال السابقة التي تعرضت لها حتى عام 2011، تخلّى المجتمع الدولي هذه المرة عن تشي، بعدما كان ينظر إليها باعتبارها ممثلة للديمقراطية، وكان السبب موقفها من قضية الروهينجا، الأمر الذي حرم ميانمار من زعيم طبيعي كان يمكن للمجتمع الدولي أن يلتف حوله».
وقبل فترة قصيرة، قام الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون بزيارة مفاجئة إلى ميانمار، نيابة عن مجموعة «الحكماء» من زعماء العالم، التي أسسها نيلسون مانديلا، والتي تعمل على تعزيز السلام ونزع فتيل الصراعات.
وكان بان إبان فترة عمله بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة من 2007 إلى 2016 قد بنى تاريخاً طويلاً من المشاركة في شؤون ميانمار. ولقد ذهب إلى هناك للضغط على الجنرالات الذين كانوا يحكمون البلاد في حينه من أجل السماح بتدفق المساعدات الأجنبية والخبراء دون عوائق، وذلك لتقديم العون للناجين من الإعصار «نرجس» عام 2008، الذي أودى بحياة قرابة 134000 شخص. وحثّ بان كذلك الجيش على إرساء الديمقراطية.
- جهود التسوية
تشكل جهود السلام عبر منظمة «الآسيان» العملية الدبلوماسية الرسمية الوحيدة المرتبطة بميانمار. والواضح أن المجلس العسكري الحاكم غير مستعد لتنفيذ ما يسمى بـ«إجماع النقاط الخمس» الذي اتفق عليه مع «الآسيان» عام 2021.
الاتفاق يتضمن وضع نهاية فورية للعنف، وعقد حوار بين جميع الأطراف المعنية، وتعيين مبعوث خاص، وتقديم مساعدات إنسانية من جانب «الآسيان»، وزيارة مبعوث خاص ميانمار لعقد لقاءات مع جميع الأطراف. وبالمناسبة، أيدت الأمم المتحدة خطة «الآسيان».
ولكن، في المقابل، اتهمت الحكومة العسكرية أعضاء «الآسيان» ممن ينتقدونها بـ«التدخل في الشأن الداخلي» للبلاد. وحذّرتهم من التعامل مع «حكومة الوحدة الوطنية». واتهمت أيضاً معارضيها بمحاولة تخريب خطة «الآسيان»، وبرّرت الهجمات العسكرية بأنها ضرورية لتأمين البلاد وتمكين المباحثات السياسية.
في الوقت ذاته، من المقرر أن تستضيف الهند جلسة عصف ذهني حول كيفية إيجاد «مصالحة» في ميانمار، وإنهاء الأزمة التي ضربتها منذ الانقلاب العسكري في فبراير (شباط) 2021. وستعقد جلسات حوار «المسار 1.5» الثاني، الذي أطلقته تايلاند، داخل مقر المجلس الهندي للشؤون العالمية، وهو مؤسسة فكرية مستقلة تمولها وزارة الشؤون الخارجية.
وتتضمّن قائمة الدول المشاركة؛ ميانمار والصين وتايلاند ولاوس وبنغلاديش، ورئيسي «الآسيان» السابق والحالي؛ كمبوديا وإندونيسيا. وأيضاً سيشارك أكاديميون وأعضاء في مؤسسات الفكر والرأي من هذه البلدان.
- الهند تتأثر وتؤثر
ما يستحق الذكر أن تايلاند والهند تأثرتا كثيراً بالحرب الأهلية الدائرة في ميانمار. وتفيد التقديرات بأن حوالي 20000 لاجئ عبروا الحدود إلى تايلاند بعد الانقلاب العسكري عام 2021، في حين لجأ عشرات الآلاف من اللاجئين هناك منذ الثمانينات.
ورغم ارتباط رئيس الوزراء التايلاندي، برايوت تشان أو تشا، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 2014، بعلاقات ودية مع قادة المجلس العسكري في ميانمار، يعيش الحكم التايلاندي في بانكوك كوابيس لا تنتهي بسبب لاجئي ميانمار الذين يعبرون الحدود السهلة الاختراق بين البلدين، التي تمتد لمسافة 2400 كيلومتر. وبالفعل، وصف كاتب عمود بصحيفة «بانكوك بوست» التايلاندية ذلك التدفق بأنه «أكبر مصدر قلق إقليمي لتايلاند» بعد الحرب الروسية - الأوكرانية.
أما داخل الهند، فتستضيف ولايتا ميزورام ومانيبور، الحدوديتان شمال شرق البلاد، آلاف اللاجئين، معظمهم من ولاية تشين الشرقية في ميانمار، وكذلك من ساجينغ، وكلا الولايتين من معاقل المقاومة الداعمة للديمقراطية، حيث تدور معارك شرسة.
ومن المتوقع أن تعرض المائدة المستديرة نتائج مداولاتها أمام كبار المسؤولين لاتخاذ مزيد من الإجراءات. بوجه عام، جاء التقدم في تنفيذ خطة سلام «الآسيان» بطيئاً، بينما لا تزال الأطراف المتصارعة تتقاتل على الأرض.
- موجات نزوح ضخمة
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن 17.6 مليون شخص، أي ما يقرب من ثلث سكان ميانمار، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن حوالي 1.3 مليون شردوا منذ الانقلاب.
بيد أن هذه الأرقام المروّعة لا تتضمن ما يقرب من 330000 نازح داخلياً من الصراعات التي سبقت الانقلاب. كما أنها لا تشمل المليون لاجئ من الروهينجا الموجودين في مخيمات بنغلاديش المجاورة، الذين أحيوا مرور 5 سنوات على المذبحة الأخيرة للجيش بحقهم، ويجدون اليوم أنفسهم منسيين من قبل المجتمع الدولي. من جانبه، يحاول النظام استئناف عمليات الإعادة إلى الوطن، لكن جماعات المقاومة تعارضها، وترى أنها تهدف فحسب إلى تخفيف الضغط الدولي.
- الروهينجا
أخيراً، وسط الصراع الأهلي الدامي، الذي استهدف الجيش في إطاره السكان المدنيين (الأقليات العرقية على وجه الخصوص)، ما زال مجتمع الروهينجا المُسلم، الموجود في شمال ولاية راخين بغرب ميانمار، في طليعة ضحايا هذه الوحشية. ويُذكر أنه خلال عامي 2016 و2017، استهدف الجيش، تحت ذريعة «عمليات تطهير»، الأقليات باستخدام مستويات غير عادية من العنف. وجراء ذلك، فرّ حوالي 800000 من الروهينجا من ميانمار لاجئين إلى بنغلاديش المجاورة. وعام 2018، خلص تقرير نشره فريق تقصّي حقائق تابع للأمم المتحدة إلى أن الحملات العسكرية كانت لها «نية الإبادة الجماعية»... والمفارقة أن هذا الجيش نفسه هو الذي يدعي أنه يحكم البلاد بشكل شرعي اليوم.

الجيش يسعى لـ«شرعنة انقلابه» عبر الانتخابات

> بعد سنتين من الانقلاب العسكري الذي نفذه جيش ميانمار، أعلن الجيش أخيراً أنه سيعقد انتخابات «نزيهة وحرة»، من المعتقد أنها ستُجرى في وقت لاحق من العام.
وبالفعل، أمر الجيش «لجنة الانتخابات»، التي شكلها المجلس العسكري، بالإعداد لانتخابات جديدة، يقول معارضو الجيش إنه لا يمكن أن تكون حرة أو نزيهة. وللتذكير، خلال الشهر الماضي، حلت «اللجنة» هذه حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بزعامة سو تشي بحجة أنه لم يسجّل رسمياً بموجب القواعد الانتخابية الصارمة الجديدة التي أقرها الجيش.

معاناة الروهينجا (إ.ب.أ)

في هذا الصدد، قال المحلل الهندي سوراب شارما: «السبب وراء اتخاذ ميانمار ما يسمى بالخطوات المتواضعة نحو نظام ديمقراطي أن الجيش أراد تجنّب اعتراض المجتمع الدولي على القيادة الاستبدادية في ميانمار. إذ ينظر المجلس العسكري إلى هذا الإجراء باعتباره وسيلة لإضافة قشرة شرعية لحكمه بالقوة. ومن ناحيتها، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ميانمار طيلة عقود. وسعياً لإنهاء هذه العزلة الاقتصادية والسياسية، قررت ميانمار إجراء بعض التغييرات في صورتها».
وأضاف شارما: «من الواضح بالفعل أن الانتخابات لن تكون حرة ولا نزيهة. ومن المتعذر إجراؤها في جميع أنحاء البلاد. وتتألف لجنة الانتخابات من 15 عضواً يختارهم القائد العسكري. وداخل المناطق المتنازع عليها بشدة، سيكون من المستحيل عملياً السماح للسكان بالتصويت. علاوة على أنه سيجري تعديل النظام الانتخابي بطريقة تميل لصالح الجيش بقوة، مع حجز 25 في المائة من جميع المقاعد في جميع البرلمانات لصالحه، وفقاً للدستور».
وسط كل هذا، قتل ضابط من لجنة الانتخابات في بلدة ثينغانغيون، إلى الشرق من يانغون، كبرى مدن البلاد وعاصمتها السابقة، على يد جماعات المقاومة. والملاحظ أن العناصر المتطرفة تهاجم الضباط ذوي الرتب المنخفضة في المجلس العسكري على مدار العامين الماضيين.
وأيضاً، في أبريل (نيسان) من العام الماضي، أطلق مهاجمون مجهولون النار على نائبة محافظ البنك المركزي في ميانمار، التي عيّنها الجيش بعد أيام من استيلاء على السلطة، داخل منزلها في يانغون. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قُتل مسؤول تنفيذي كبير بشركة «ميتيل»، وهي شركة اتصالات أسّسها الجيش بالتعاون مع شركة «فيتيل» الفيتنامية، وذلك خارج منزله في يانغون.


مقالات ذات صلة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

العالم الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

أسفر الهجوم الجوي الذي شنّته المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار (بورما)على منطقة ساغاينغ في وسط البلاد الثلاثاء، عن مقتل ما لا يقل عن 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة، بينما «أدانته بشدّة» رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) الخميس. ولم تقدّم السلطات حتى الآن أي حصيلة لهذا الهجوم. ورداً على سؤال وكالة الصحافة الفرنسية، الخميس، قال قروي شارك في أعمال الإغاثة مشترطاً عدم كشف اسمه: «جارٍ إحصاء 130 جثة والتعرّف عليها».

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الولايات المتحدة​ واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

نددت واشنطن، أمس (الأربعاء)، بقرار المجلس العسكري الحاكم في ميانمار حل حزب الزعيمة المدنية المسجونة أونغ سان سو تشي التي أطاحها انقلاب للجيش، وحذرت من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وأعلنت لجنة الانتخابات التي شكّلها المجلس العسكري، الثلاثاء، أنه سيتم حل حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بعد فشله في إعادة التسجيل بموجب القانون الانتخابي الجديد. وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي يستعد فيه المجلس العسكري لإجراء انتخابات يعتقد معارضون أنها تهدف فقط إلى تعزيز قوة الجيش الذي أطاح بحكومة سو تشي المنتخبة في فبراير (شباط) 2021. وقال المتحدث باسم الخارجي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

أعلن التلفزيون الرسمي في ميانمار (بورما) أنّ اللجنة الانتخابية التي شكّلتها المجموعة العسكرية الحاكمة قرّرت، اليوم الثلاثاء، حلّ «الرابطة الوطنية للديمقراطية»، الحزب الذي تتزعّمه أونغ سانغ سو تشي. وقالت اللجنة، بحسب التلفزيون، إنّه «تقرّر في الحال نزع صفة الحزب السياسي» عن الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الحزب الذي فاز بنسبة كبيرة من الأصوات في دورتي الانتخابات التشريعية اللتين أُجريتا في 2015 و2020. وأضافت اللجنة أنّها اتّخذت هذا القرار لفشل الحزب في تأمين الشروط اللازمة لتسجيل نفسه وفقاً لقانون الانتخابات الجديد الذي أقرّته المجموعة الحاكمة ويتضمّن بنوداً صارمة. وتشهد ميانمار حالة من الف

«الشرق الأوسط» (رانغون)
الولايات المتحدة​ واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

أعلنت الولايات المتّحدة، اليوم، عن مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 26 مليون دولار للاجئين الروهينغا في بنغلادش ومناطق أخرى مجاورة. ويعيش حوالي مليون لاجئ من هذه الأقلية البورمية المسلمة في أوضاع مزرية في مخيّمات ببنغلادش، ولجأ أغلبهم إلى بنغلادش المجاورة هرباً من حملة قمع قادها الجيش البورمي في 2017. وتسبّبت هذه الحملة العسكرية بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، إنّ «هذا التمويل الجديد يتيح لشركائنا في العمل الإنساني مواصلة توفير مساعدة منقذة للحياة لمجتمعات متضرّرة على جانبي الحدود بين بورما وبنغلادش». وأوضح أنّ المبلغ المعلن عنه ير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للقائد العام للقوات المسلحة في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ (ا.ب)

واشنطن تندّد بتمديد حالة الطوارئ في بورما

نددت الولايات المتحدة، الأربعاء، بتمديد المجلس العسكري الحاكم في بورما حالة الطوارئ، معتبرة أن ذلك يفاقم المعاناة في البلاد بعد مرور عامين على الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس: «تعارض الولايات المتحدة بشدة قرار النظام العسكري في بورما تمديد حالة الطوارئ، ما يطيل أمد الحكم غير الشرعي للجيش والمعاناة التي يلحقها بالبلاد». وأعلن المجلس العسكري الحاكم في ذكرى الانقلاب الثانية، تمديد حالة الطوارئ ستة أشهر، وبالتالي إرجاء إجراء انتخابات عامة وفق ما ينص الدستور. وأضاف برايس، أن الولايات المتحدة مصممة على العمل مع المجتمع الدولي «لحرمان النظا

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.