ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

بعد سنتين من الانقلاب العسكري... وتفاقم أعمال العنف ضد الأقليات

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
TT

ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)

تعتمل دولة ميانمار (المعروفة كذلك باسم بورما) بأحداث مشتعلة، مع وقوع عدة معارك بين الجيش ومجموعات مسلحة. في واقع الأمر، لا يعد هذا بالأمر الجديد، فميانمار دولة تتسم بتاريخ مضطرب وعنيف. نالت هذه الدولة الواقعة بين شبه الجزيرة الهندية وشبه جزيرة الهند الصينية استقلالها عن بريطانيا عام 1948، إلا أنها عانت من صراعات داخلية واسعة وانقلابات عسكرية متكررة بين عامي 1962 و1988. وفي موجة جديدة من الهجمات ضد المدنيين، شنّ جيش ميانمار واحدة من أعنف الغارات الجوية، يقال إنها أسقطت أكثر من 170 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال غير مسلحين، في خضم الحرب الأهلية المستعرة. والأسبوع الماضي، ألقت القوات المسلحة عدة قنابل على تجمع داخل قرية بازيغي بمنطقة ساغاينج، عندما تجمع مئات الأشخاص، في وقت مبكر من الصباح، في المنطقة، للمشاركة في فعالية نظمها الخصوم المحليون للجيش.
عصفت بميانمار اضطرابات عنيفة منذ أن أطاح جيشها بالحكومة المنتخبة التي ترأستها أونغ سان سو تشي، الناشطة السياسية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، في الأول من فبراير (شباط) 2021. ولقد حال استيلاء الجيش على السلطة دون تولي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية»، بقيادة زعيمته سو تشي، رئيسة الحكومة، التي هي أيضاً ابنة أونغ سان، بطل الاستقلال، قيادة البلاد لفترة ثانية.
من ناحيته، ادعى الجيش أن انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، التي فازت بها «الرابطة» بغالبية ساحقة، جرى «تزويرها»، ولكن من دون تقديم أي دليل على ذلك. وبالتالي، أعلن الجيش حالة الطوارئ واعتقل مستشار الدولة، داو أونغ سان سو تشي، والرئيس وين ميينت، بجانب عدد من الزعماء الديمقراطيين الآخرين.
وأيضاً صدر حكم ضد سو تشي بالسجن 6 سنوات، بناءً على اتهامات واهية، بجانب اتهامات أخرى لم تصدر الأحكام النهائية بخصوصها بعد، قد يصل مجموع أحكامها إلى 164 سنة في السجن.
- انقلاب... ومعارضة
على هذه الأحداث، علّق غوتام موخوبادهايا، السفير الهندي السابق لدى ميانمار، شارحاً: «كانت للجيش قبضة محكمة على ميانمار، لأن الدستور يضمن له 25 في المائة من مقاعد البرلمان والسيطرة على أقوى الوزارات. إذ تتمتع المؤسسة العسكرية فعلياً بالحق في نقض أي محاولة لتغيير اللعبة السياسية بالبلاد. وفي الانتخابات العامة الأخيرة، كان أداء الحزب المدعوم من الجيش (حزب الاتحاد للتضامن والتنمية) ضعيفاً، بينما جاء أداء (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) أفضل مما كان عليه عام 2015... وهذا الأمر خلق توتراً بين المؤسسة العسكرية والحكومة. أما السبب المباشر وراء الانقلاب فكان الخوف من أن الحزب الذي فاز في الانتخابات سيعيد كتابة دستور 2008، ليجرّد الجيش من سلطاته. ولذلك، أطاح الجيش بالحكومة المنتخبة وعاد إلى السلطة».

أونغ سان سو تشي (رويترز)

لاقى استيلاء الجيش معارضة قوية واسعة النطاق، قمعتها قوات الأمن بقوة، وتحولت منذ ذلك الحين إلى مقاومة مسلحة على نطاق واسع. واليوم، يسعى جنرالات الجيش جهدهم من أجل توطيد سلطتهم، والقتال على جبهات متعددة ضد متمردي الأقليات العرقية، وحركة المقاومة المؤيدة للديمقراطية. هذا، في حين لم تحرز الجهود الخارجية للتوسط من أجل السلام أي نجاح، حتى عندما جاءت من أطراف متعاطفة مع الحكومة العسكرية، مثل «رابطة دول جنوب شرق آسيا» (آسيان)، المؤلفة من 10 أعضاء.
محللون سياسيون يرون أن ما يجري اليوم في ميانمار يمثل أسوأ موجات العنف التي تعرضت لها البلاد على الإطلاق منذ نيلها استقلالها، مع امتدادها إلى أكثر المناطق التي تنبذ بطبيعتها العنف، المعروفة باسم «المنطقة الجافة». ويذكر هنا أن «المنطقة الجافة» مصطلح يشير إلى منطقة تهيمن عليها غالبية البامار البوذية الموالية للعسكر. وتقليدياً، ظلت هذه المنطقة بمعزل عن أي شكل من أشكال العنف الإثني.
هذا، وأفادت تقارير إعلامية إلى أن غالبية البامار وأقليات عرقية مثل الكارين والتشين والكاشين والراخين والكاريني تعمل على توحيد صفوفها اليوم بمواجهة الحكم العسكري. وفي المقابل، زاد المجلس العسكري إنفاقه السنوي على الجيش إلى ما يقدر بنحو 2.7 مليار دولار، أكثر من 25 في المائة من الميزانية الوطنية، بهدف قمع السكان.
- حرب أهلية أزلية
جدير بالذكر أنه بعد الحصار الذي فرضه الجيش، اشتعلت حرب أهلية دامية في معظم أرجاء ميانمار، وتحول الصراع المنخفض الحدة إلى حرب أهلية شاملة. فداخل المدن، تحولت الاحتجاجات إلى صدامات مسلحة بين المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية وقوات الأمن. وفي الأدغال، تعاونت الجماعات المناهضة للمجلس العسكري مع متمردين من أجل تلقي تدريب عسكري. وبلغ الوضع درجة من الخطورة، دفعت المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتحذير من أن ميانمار قد انزلقت نحو حرب أهلية. أيضاً، وثقت منظمات دولية، مثل «اليونيسيف»، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك قصف مدارس دونما رحمة.
حتى الآن، ألقيت على القوات العسكرية الحكومية، المعروفة باسم «تاتمادو»، المسؤولية عن مقتل قرابة 3240 مدنياً، وسجن 18000 آخرين، بينهم أعضاء في أحزاب معارضة وصحافيون وغيرهم من منتقدي النظام، تبعاً لجمعية مساعدة السجناء السياسيين.
وفي المجمل، هناك 3 أطراف متصارعة على الأقل في إطار هذه الحرب الأهلية. وبينما تطلق الحكومة العسكرية على نفسها اسم «مجلس إدارة الدولة»، تتألف المعارضة من «حكومة الوحدة الوطنية» والبرلمان بالمنفى و«قوات الدفاع الشعبي». وتقود «حكومة الوحدة الوطنية» المقاومة السياسية في وجه المجلس العسكري، وتطلق على نفسها اسم «حكومة ميانمار الحقيقية»، وهي تملك ميليشيات مدنية مسلحة داعمة للديمقراطية كجناح مسلح لها. بيد أن المجلس العسكري اعتبر هذه الجماعات «تنظيمات إرهابية».
عودة إلى الهند، «جارة» ميانمار من الشمال الغربي، يرى المحلل السياسي أنغشومان تشودري أن «أكثر من ثلث ميانمار لا يخضع الآن لسيطرة الجيش، حسبما اعترف مسؤول رفيع المستوى بالمجلس العسكري في وقت قريب». ثم إنه جرى توسيع نطاق قوانين الأحكام العرفية لتشمل 37 بلدة أخرى، وغدا بمقدور المحاكم العسكرية محاكمة «الجناة» بتهم تتراوح من الخيانة إلى نشر «أخبار كاذبة». إلا أن اللافت أن الحرب الأهلية في ميانمار مستمرة فعلياً منذ عام 1948، ولم يتوقف القتال بين الحكومة المركزية، التي تهيمن عليها غالبية البامار، وتنظيمات عرقية مسلحة في 7 ولايات عرقية، بشكل كامل مطلقاً منذ نيل البلاد استقلالها منذ عقود قبل انقلاب عام 2021.
- اللا استقرار... متجذر
للأسف، لا تُعد الانقلابات العسكرية أمراً غريباً على ميانمار. فعلى سبيل المثال، قضى انقلاب عام 1962، بقيادة الجنرال ني وين، على الديمقراطية التمثيلية للبلاد، وأقرّ مكانها 26 سنة من الحكم العسكري. وأنكر الجيش كذلك الانتصار الانتخابي الساحق الذي حققته أونغ سان سو تشي و«الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بانتخابات عام 1990، فاحتفظ بالسلطة لمدة 25 سنة أخرى حتى فازت «الرابطة» مرة أخرى في الانتخابات العامة عام 2015. وهنا توضح الصحافية الهندية نيروباما سوبرامانيام أنه «رغم ذلك، جاءت طريقة إدارة السياسة البورمية (أي الميانمارية) بعد انقلاب 2021 مختلفة تماماً. فقبل الانقلاب تذوّق الشعب البورمي طعم الديمقراطية والحرية وانفتح على العالم الخارجي والتدفق الحر للأفكار والمعلومات والأشخاص والفرص الاقتصادية في ظل حكومة ديمقراطية. واليوم، ببساطة، يرفض الشعب العودة إلى عقود الحكم العسكري، بغض النظر عن أن الجيش البورمي يعدّ الحكم العسكري امتيازاً طبيعياً له والوضع الطبيعي للبلاد. وعليه، تحوّلت معارضة الانقلاب ورفض الحكم العسكري إلى أقوى العوامل الموحدة لصفوف باقي فئات الشعب. والأهم عن ذلك، دفع هذا الوضع قوى المقاومة المختلفة بعضها باتجاه بعض».
- التفاعل الدولي
من جانب آخر، في مواجهة هذه الوحشية، تُقسم اعتبارات الجغرافيا السياسية المجتمع الدولي، وتعيقه عن طرح استجابة دولية متناغمة.
جغرافياً، تقع ميانمار على حدود أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان... أي الصين والهند. وهذا ما يجعل من موقعها نقطة استراتيجية لـ«مبادرة الحزام والطريق الصينية» التي توفر وصولاً عبر أعماق البحار إلى المحيط الهندي. بيد أنها، في الوقت ذاته، تشكل الممرّ الخاص بالهند إلى بحر الصين الجنوبي. ومع هذا وذاك، كما تقول الصحافية سوبرامانيام «لدى دول أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة مصالح اقتصادية قوية في ميانمار».
ولكن في هذه الأثناء، تمضي كلٌّ من روسيا والصين والهند في التعاون مع المجلس العسكري، ما يضفي عليه درجة من التقدير الدولي. أما مجموعة «الآسيان» فلا تبذل مجهوداً يذكر لإعادة ميانمار إلى المسار الديمقراطي.
وراهناً، تكشف الأرقام أن روسيا ثاني مورِّد للأسلحة لميانمار، بعد الصين. وعليه، ليس من المستغرب أن تعمد روسيا والصين إلى عرقلة محاولات مجلس الأمن الدولي لفرض حظر على بيع أسلحة لميانمار. وبينما تبدي الصين حرصها العلني على حماية مصالحها الاستراتيجية في البلاد، واصفةً الانقلاب بأنه «تعديل حكومي كبير»، تصرّ روسيا من جانبها على أنه «شأن داخلي» محض.
السفير موخوبادهايا، من حصيلة خبرته بميانمار، يعتقد أن «الوضع في ميانمار معقد بسبب النسيج العرقي الشديد التنوّع والتعدد... فهناك 135 عرقية معترف بها داخل حدود البلاد، بل إن بعضها، مثل الروهينجا، لم يُعترف بهم أساساً. أضف إلى ذلك الصراع المستمر بين الأقليات العرقية والحكومة المركزية منذ الاستقلال».
ويضيف السفير أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة كانت بمثابة ملحمة حزينة لسو تشي. ويتابع: «بعكس فترات الاعتقال السابقة التي تعرضت لها حتى عام 2011، تخلّى المجتمع الدولي هذه المرة عن تشي، بعدما كان ينظر إليها باعتبارها ممثلة للديمقراطية، وكان السبب موقفها من قضية الروهينجا، الأمر الذي حرم ميانمار من زعيم طبيعي كان يمكن للمجتمع الدولي أن يلتف حوله».
وقبل فترة قصيرة، قام الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون بزيارة مفاجئة إلى ميانمار، نيابة عن مجموعة «الحكماء» من زعماء العالم، التي أسسها نيلسون مانديلا، والتي تعمل على تعزيز السلام ونزع فتيل الصراعات.
وكان بان إبان فترة عمله بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة من 2007 إلى 2016 قد بنى تاريخاً طويلاً من المشاركة في شؤون ميانمار. ولقد ذهب إلى هناك للضغط على الجنرالات الذين كانوا يحكمون البلاد في حينه من أجل السماح بتدفق المساعدات الأجنبية والخبراء دون عوائق، وذلك لتقديم العون للناجين من الإعصار «نرجس» عام 2008، الذي أودى بحياة قرابة 134000 شخص. وحثّ بان كذلك الجيش على إرساء الديمقراطية.
- جهود التسوية
تشكل جهود السلام عبر منظمة «الآسيان» العملية الدبلوماسية الرسمية الوحيدة المرتبطة بميانمار. والواضح أن المجلس العسكري الحاكم غير مستعد لتنفيذ ما يسمى بـ«إجماع النقاط الخمس» الذي اتفق عليه مع «الآسيان» عام 2021.
الاتفاق يتضمن وضع نهاية فورية للعنف، وعقد حوار بين جميع الأطراف المعنية، وتعيين مبعوث خاص، وتقديم مساعدات إنسانية من جانب «الآسيان»، وزيارة مبعوث خاص ميانمار لعقد لقاءات مع جميع الأطراف. وبالمناسبة، أيدت الأمم المتحدة خطة «الآسيان».
ولكن، في المقابل، اتهمت الحكومة العسكرية أعضاء «الآسيان» ممن ينتقدونها بـ«التدخل في الشأن الداخلي» للبلاد. وحذّرتهم من التعامل مع «حكومة الوحدة الوطنية». واتهمت أيضاً معارضيها بمحاولة تخريب خطة «الآسيان»، وبرّرت الهجمات العسكرية بأنها ضرورية لتأمين البلاد وتمكين المباحثات السياسية.
في الوقت ذاته، من المقرر أن تستضيف الهند جلسة عصف ذهني حول كيفية إيجاد «مصالحة» في ميانمار، وإنهاء الأزمة التي ضربتها منذ الانقلاب العسكري في فبراير (شباط) 2021. وستعقد جلسات حوار «المسار 1.5» الثاني، الذي أطلقته تايلاند، داخل مقر المجلس الهندي للشؤون العالمية، وهو مؤسسة فكرية مستقلة تمولها وزارة الشؤون الخارجية.
وتتضمّن قائمة الدول المشاركة؛ ميانمار والصين وتايلاند ولاوس وبنغلاديش، ورئيسي «الآسيان» السابق والحالي؛ كمبوديا وإندونيسيا. وأيضاً سيشارك أكاديميون وأعضاء في مؤسسات الفكر والرأي من هذه البلدان.
- الهند تتأثر وتؤثر
ما يستحق الذكر أن تايلاند والهند تأثرتا كثيراً بالحرب الأهلية الدائرة في ميانمار. وتفيد التقديرات بأن حوالي 20000 لاجئ عبروا الحدود إلى تايلاند بعد الانقلاب العسكري عام 2021، في حين لجأ عشرات الآلاف من اللاجئين هناك منذ الثمانينات.
ورغم ارتباط رئيس الوزراء التايلاندي، برايوت تشان أو تشا، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 2014، بعلاقات ودية مع قادة المجلس العسكري في ميانمار، يعيش الحكم التايلاندي في بانكوك كوابيس لا تنتهي بسبب لاجئي ميانمار الذين يعبرون الحدود السهلة الاختراق بين البلدين، التي تمتد لمسافة 2400 كيلومتر. وبالفعل، وصف كاتب عمود بصحيفة «بانكوك بوست» التايلاندية ذلك التدفق بأنه «أكبر مصدر قلق إقليمي لتايلاند» بعد الحرب الروسية - الأوكرانية.
أما داخل الهند، فتستضيف ولايتا ميزورام ومانيبور، الحدوديتان شمال شرق البلاد، آلاف اللاجئين، معظمهم من ولاية تشين الشرقية في ميانمار، وكذلك من ساجينغ، وكلا الولايتين من معاقل المقاومة الداعمة للديمقراطية، حيث تدور معارك شرسة.
ومن المتوقع أن تعرض المائدة المستديرة نتائج مداولاتها أمام كبار المسؤولين لاتخاذ مزيد من الإجراءات. بوجه عام، جاء التقدم في تنفيذ خطة سلام «الآسيان» بطيئاً، بينما لا تزال الأطراف المتصارعة تتقاتل على الأرض.
- موجات نزوح ضخمة
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن 17.6 مليون شخص، أي ما يقرب من ثلث سكان ميانمار، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن حوالي 1.3 مليون شردوا منذ الانقلاب.
بيد أن هذه الأرقام المروّعة لا تتضمن ما يقرب من 330000 نازح داخلياً من الصراعات التي سبقت الانقلاب. كما أنها لا تشمل المليون لاجئ من الروهينجا الموجودين في مخيمات بنغلاديش المجاورة، الذين أحيوا مرور 5 سنوات على المذبحة الأخيرة للجيش بحقهم، ويجدون اليوم أنفسهم منسيين من قبل المجتمع الدولي. من جانبه، يحاول النظام استئناف عمليات الإعادة إلى الوطن، لكن جماعات المقاومة تعارضها، وترى أنها تهدف فحسب إلى تخفيف الضغط الدولي.
- الروهينجا
أخيراً، وسط الصراع الأهلي الدامي، الذي استهدف الجيش في إطاره السكان المدنيين (الأقليات العرقية على وجه الخصوص)، ما زال مجتمع الروهينجا المُسلم، الموجود في شمال ولاية راخين بغرب ميانمار، في طليعة ضحايا هذه الوحشية. ويُذكر أنه خلال عامي 2016 و2017، استهدف الجيش، تحت ذريعة «عمليات تطهير»، الأقليات باستخدام مستويات غير عادية من العنف. وجراء ذلك، فرّ حوالي 800000 من الروهينجا من ميانمار لاجئين إلى بنغلاديش المجاورة. وعام 2018، خلص تقرير نشره فريق تقصّي حقائق تابع للأمم المتحدة إلى أن الحملات العسكرية كانت لها «نية الإبادة الجماعية»... والمفارقة أن هذا الجيش نفسه هو الذي يدعي أنه يحكم البلاد بشكل شرعي اليوم.

الجيش يسعى لـ«شرعنة انقلابه» عبر الانتخابات

> بعد سنتين من الانقلاب العسكري الذي نفذه جيش ميانمار، أعلن الجيش أخيراً أنه سيعقد انتخابات «نزيهة وحرة»، من المعتقد أنها ستُجرى في وقت لاحق من العام.
وبالفعل، أمر الجيش «لجنة الانتخابات»، التي شكلها المجلس العسكري، بالإعداد لانتخابات جديدة، يقول معارضو الجيش إنه لا يمكن أن تكون حرة أو نزيهة. وللتذكير، خلال الشهر الماضي، حلت «اللجنة» هذه حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بزعامة سو تشي بحجة أنه لم يسجّل رسمياً بموجب القواعد الانتخابية الصارمة الجديدة التي أقرها الجيش.

معاناة الروهينجا (إ.ب.أ)

في هذا الصدد، قال المحلل الهندي سوراب شارما: «السبب وراء اتخاذ ميانمار ما يسمى بالخطوات المتواضعة نحو نظام ديمقراطي أن الجيش أراد تجنّب اعتراض المجتمع الدولي على القيادة الاستبدادية في ميانمار. إذ ينظر المجلس العسكري إلى هذا الإجراء باعتباره وسيلة لإضافة قشرة شرعية لحكمه بالقوة. ومن ناحيتها، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ميانمار طيلة عقود. وسعياً لإنهاء هذه العزلة الاقتصادية والسياسية، قررت ميانمار إجراء بعض التغييرات في صورتها».
وأضاف شارما: «من الواضح بالفعل أن الانتخابات لن تكون حرة ولا نزيهة. ومن المتعذر إجراؤها في جميع أنحاء البلاد. وتتألف لجنة الانتخابات من 15 عضواً يختارهم القائد العسكري. وداخل المناطق المتنازع عليها بشدة، سيكون من المستحيل عملياً السماح للسكان بالتصويت. علاوة على أنه سيجري تعديل النظام الانتخابي بطريقة تميل لصالح الجيش بقوة، مع حجز 25 في المائة من جميع المقاعد في جميع البرلمانات لصالحه، وفقاً للدستور».
وسط كل هذا، قتل ضابط من لجنة الانتخابات في بلدة ثينغانغيون، إلى الشرق من يانغون، كبرى مدن البلاد وعاصمتها السابقة، على يد جماعات المقاومة. والملاحظ أن العناصر المتطرفة تهاجم الضباط ذوي الرتب المنخفضة في المجلس العسكري على مدار العامين الماضيين.
وأيضاً، في أبريل (نيسان) من العام الماضي، أطلق مهاجمون مجهولون النار على نائبة محافظ البنك المركزي في ميانمار، التي عيّنها الجيش بعد أيام من استيلاء على السلطة، داخل منزلها في يانغون. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قُتل مسؤول تنفيذي كبير بشركة «ميتيل»، وهي شركة اتصالات أسّسها الجيش بالتعاون مع شركة «فيتيل» الفيتنامية، وذلك خارج منزله في يانغون.


مقالات ذات صلة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

العالم الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

أسفر الهجوم الجوي الذي شنّته المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار (بورما)على منطقة ساغاينغ في وسط البلاد الثلاثاء، عن مقتل ما لا يقل عن 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة، بينما «أدانته بشدّة» رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) الخميس. ولم تقدّم السلطات حتى الآن أي حصيلة لهذا الهجوم. ورداً على سؤال وكالة الصحافة الفرنسية، الخميس، قال قروي شارك في أعمال الإغاثة مشترطاً عدم كشف اسمه: «جارٍ إحصاء 130 جثة والتعرّف عليها».

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الولايات المتحدة​ واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

نددت واشنطن، أمس (الأربعاء)، بقرار المجلس العسكري الحاكم في ميانمار حل حزب الزعيمة المدنية المسجونة أونغ سان سو تشي التي أطاحها انقلاب للجيش، وحذرت من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وأعلنت لجنة الانتخابات التي شكّلها المجلس العسكري، الثلاثاء، أنه سيتم حل حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بعد فشله في إعادة التسجيل بموجب القانون الانتخابي الجديد. وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي يستعد فيه المجلس العسكري لإجراء انتخابات يعتقد معارضون أنها تهدف فقط إلى تعزيز قوة الجيش الذي أطاح بحكومة سو تشي المنتخبة في فبراير (شباط) 2021. وقال المتحدث باسم الخارجي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

أعلن التلفزيون الرسمي في ميانمار (بورما) أنّ اللجنة الانتخابية التي شكّلتها المجموعة العسكرية الحاكمة قرّرت، اليوم الثلاثاء، حلّ «الرابطة الوطنية للديمقراطية»، الحزب الذي تتزعّمه أونغ سانغ سو تشي. وقالت اللجنة، بحسب التلفزيون، إنّه «تقرّر في الحال نزع صفة الحزب السياسي» عن الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الحزب الذي فاز بنسبة كبيرة من الأصوات في دورتي الانتخابات التشريعية اللتين أُجريتا في 2015 و2020. وأضافت اللجنة أنّها اتّخذت هذا القرار لفشل الحزب في تأمين الشروط اللازمة لتسجيل نفسه وفقاً لقانون الانتخابات الجديد الذي أقرّته المجموعة الحاكمة ويتضمّن بنوداً صارمة. وتشهد ميانمار حالة من الف

«الشرق الأوسط» (رانغون)
الولايات المتحدة​ واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

أعلنت الولايات المتّحدة، اليوم، عن مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 26 مليون دولار للاجئين الروهينغا في بنغلادش ومناطق أخرى مجاورة. ويعيش حوالي مليون لاجئ من هذه الأقلية البورمية المسلمة في أوضاع مزرية في مخيّمات ببنغلادش، ولجأ أغلبهم إلى بنغلادش المجاورة هرباً من حملة قمع قادها الجيش البورمي في 2017. وتسبّبت هذه الحملة العسكرية بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، إنّ «هذا التمويل الجديد يتيح لشركائنا في العمل الإنساني مواصلة توفير مساعدة منقذة للحياة لمجتمعات متضرّرة على جانبي الحدود بين بورما وبنغلادش». وأوضح أنّ المبلغ المعلن عنه ير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للقائد العام للقوات المسلحة في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ (ا.ب)

واشنطن تندّد بتمديد حالة الطوارئ في بورما

نددت الولايات المتحدة، الأربعاء، بتمديد المجلس العسكري الحاكم في بورما حالة الطوارئ، معتبرة أن ذلك يفاقم المعاناة في البلاد بعد مرور عامين على الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس: «تعارض الولايات المتحدة بشدة قرار النظام العسكري في بورما تمديد حالة الطوارئ، ما يطيل أمد الحكم غير الشرعي للجيش والمعاناة التي يلحقها بالبلاد». وأعلن المجلس العسكري الحاكم في ذكرى الانقلاب الثانية، تمديد حالة الطوارئ ستة أشهر، وبالتالي إرجاء إجراء انتخابات عامة وفق ما ينص الدستور. وأضاف برايس، أن الولايات المتحدة مصممة على العمل مع المجتمع الدولي «لحرمان النظا

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف من التعامل معه بصوت مرتفع. وفي غضون «الأيام المائة» التي أكملتها الحكومة أخيراً، تضمّن برنامجها المتضمّن أهم فقرتين وضعهما رئيس الوزراء ضمن أولى أولوياته، وهما: حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد. والواقع أن هذا الوضع بات يهدد كيان الدولة نفسه مع وضعها على حافة الإفلاس. من جهة ثانية، في حين يبدو ملف مكافحة الفساد شأناً داخلياً فإن ملف حصر السلاح، بقدر ما هو شأن داخلي يتمثل في العلاقة المتشنجة بين الحكومة وقوى السلاح المنفلت، فله بُعدان؛ أولهما إقليمي يتعلق بطبيعة العلاقة بين العراق وإيران. وثانيهما دولي يتمثل في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وبالطبع يبقى هناك قاسم مشترك بين ملف السلاح وطبيعة العلاقة المركّبة العراقية - الأميركية - الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

يبدو علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، في وضع مريح على صعيد إيفائه بوعده في البدء بتطبيق فقرتي محاربة الفساد وحصر السلاح من برنامجه الحكومي، إلا أنه بعد تجاوز حكومته فترة «الـ100 يوم» لا يزال يعاني من حصار المواعيد السياسية. والقضية الرئيسة هنا أن الحكومة لا تزال ناقصة 9 حقائب وزارية تدار حالياً بالوكالة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية على حصصها من هذه الوزارات.

ومع أن الزيدي لا يبدو مسؤولاً عن إكمال «الكابينة» (التشكيلة) الحكومية التي تحتاج إلى توافق سياسي بين القوى التي فازت بالانتخابات، وحازت على مقاعد برلمانية تؤهلها للحصول على حقائب، تكمن الإشكالية في أن تأخر إكمال «الكابينة» يبقي الحكومة على الحافة؛ إذ إن استقالة أي وزيرين منها، تحت أي ظرف، يفقدها شرعية البقاء، ويبقي رئيس الوزراء محاصراً من القوى السياسية التي يرفض بعضها إكمال الحقائب المتبقية لكي يبقى الزيدي رهينة لضغطه.

من ثم تتبقى القضيتان المتصلتان بفقرتي الفساد والسلاح.

محاربة الفساد

إجراءات محاربة الفساد بدأت منذ أربعة شهور عبر ما سُمي بـ«صولة الفجر» التي اعتقل خلالها عددٌ كبير من النواب والمسؤولين الكبار، كما فرّ وزراء ونواب ومسؤولون كبار آخرون. إلا أنه مع تأخر فتح ملف الموقوفين حالياً، أو إحالتهم إلى المحاكم، فإن بقاءهم خلف القضبان من دون محاكمة بات يُشعر بعض الناس بأن ثمة «مشروع» تسوية مالية معهم.

والواقع، يتزامن مع هذا الحال، مع بدء إجراءات حكومية على صعيد إلقاء القبض على مسؤولين بدرجات متدنّية وإحالتهم إلى القضاء. وهو يعطي انطباعاً بأن حملة محاربة الفساد تحوّلت من محاربة الفساد كـ«منظومة متكاملة»، إلى محاربة الرّشى التي هي أحد أوجه الفساد لا أكثر.

حصر السلاح

أما مسألة حصر السلاح بيد الدولة فقد تحوّلت إلى ملف شائك بعدما تمكّنت إيران ومَن معها من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من احتواء الأمر عبر تمديد مهلة التعامل مع ملف السلاح، بدلاً من حصره نهائياً بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الحالي إلى ما بعد هذا التاريخ.

العصا والعجلة

وسط هذه الوقائع، تسعى الأطراف السياسية إلى وضع مزيد من العِصّي في عجلة رئيس الوزراء الباحث عن إنجاز يحقّقه وسط دعم شعبي قوي من عدد كبير من القوى السياسية والجماهيرية. وبين أبرز الخطوات الهادفة إلى احتواء خطوات الزيدي، محاولات إيجاد ذرائع لتعطيل حملة محاربة الفساد، بحيث تقتصر على الحلقات الوسطى في الدولة.

ومن جهة أخرى، فإن الدخول الإيراني القويّ على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وجعله ملفاً إقليمياً مرتبطاً بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أدى إلى تمديد المهلة المقرّرة لحصر السلاح. وهذه محاولة يراد منها إفراغ خطوات الزيدي من محتواها الحقيقي. وللتذكير، كانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن موعد حصر السلاح بيد الدولة سيكون يوم 30 سبتمبر (الحالي)، وهو الموعد المقرر لانسحاب التحالف الدولي. لكن إيران دخلت على خط الموقف من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأبرزها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«حركة أنصار الله الأوفياء»، التي سبق لها أن أعلنت أن «لديها ارتباطاً عقائدياً» مع إيران. وبالتالي، فإن سلاحها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول، كونه سلاح «مقاومة»، وفق السردية التي تعتمدها في خطابها السياسي.

نوري المالكي (آ ف ب)

زيارات سريّة ومعلنة

هذا الدخول الإيراني لصالح هذه الفصائل، وتجاهل موعد 30 سبتمبر، تجسّد أولاً في زيارة سرّية – كما هي العادة - لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، تلتها بعد أقل من أسبوع زيارة مُعلنة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف امتدت لأيام. ثم تبعتها زيارة سرّية أخرى لممثل المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي جرى خلالها «تحديد طبيعة العلاقة» بين العراق وإيران، عبر الضغط على قوى «الإطار التنسيقي» لتبني سياسة أخرى، تختلف عن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء الزيدي للتخلص من النفوذ الأجنبي في العراق.

زيارة قاليباف، وفق مصادر عراقية مطلعة، لم تحقق كل أهدافها، وبالأخص، لجهة «تليين موقف الزيدي من مسألة حصر السلاح بيد الدولة». وطبقاً لما كُشف عنه من كواليس اللقاءات والاجتماعات التي عقدها قاليباف، سواءً مع رئيس الوزراء العراقي أو مع قيادات «الإطار التنسيقي»، بحضور الزيدي، فإن الأخير بقي متمسكاً بموعد 30 سبتمبر بسبب؛ كونه ملتزماً مع الجانب الأميركي بهذا الشأن.

بحسب التقديرات المتداولة، فإن الزيدي خلال لقاءات خاصة جمعته مع نواب ومسؤولين، ليس في وارد أي تنازل عن تلك المهلة. بل بالعكس، يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد مما تتصوّره القوى السياسية التي تضغط عليه من أجل المهادنة. ثم إنه ليس في وارد تقديم استقالته، على نقيض ما تتمناه بعض القوى المتورطة في الفساد بأمل «خلط الأوراق» من جديد. بل يرجّح المراقبون أن يلجأ رئيس الوزراء إلى الشعب في خطاب صريح، آملاً أن يضعف موقف هذه القوى، وخصوصاًـ إذا دخل على خط دعمه مقتدى الصدر، زعيم «التيار الوطني الشيعي» أكبر كتلة شيعية في البلاد.

الزيدي ليس في وارد أي تنازل عن المهلة الزمنية لحصر السلاح... ولا يفكّر بتقديم استقالته

عالي المقام

إيران، من جهتها، كثّفت ضغوطها على «الإطار التنسيقي»، وعلى الزيدي معاً، وبالأخص، بعد إعادة ترتيب «الإطار التنسيقي» بإضافة عضو جديد لقيادته هو شبل الزيدي، زعيم فصيل «الإمام علي» ورئيس كتلة «خدمات» في البرلمان العراقي، وذلك في أعقاب هروب أحمد الأسدي وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق والقيادي في «الإطار» إثر اتهامه بملفات فساد، واستقالة أبو الولاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء».

وفي هذا السياق، دخل المرشد مجتبى خامنئي، شخصياً، على الخط، حين أرسل ممثله الخاص، محسن قمّي، بهدف احتواء التداعيات الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء العراقي. وفي الوقت عينه، حث مبعوث خامنئي قوى «الإطار التنسيقي» على تحاشي وقوع أي صدام بين قوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة مع نهاية المهلة المقررة.

إيران لا تريد ذرائع للتصادم

الهدف الذي ترمي إليه إيران من خلال اتباع هذه السياسة الجديدة هو عدم منح الحكومة أي ذريعة للتصادم مع الفصائل، وذلك بتشكيل لجان، وبدء مباحثات، ووضع آليات لغرض تسليم السلاح، وتحديد أي سلاح، وما هو المقابل.

هذا يعني التلاعب بالمهلة، ولكن بما لا يؤدي إلى إغضاب الحكومة المرتبطة بتفاهم مع واشنطن، ولا أن يؤدي إلى استفزاز واشنطن التي لا أحد يعرف حدود رد فعلها في حال لم تفِ الحكومة العراقية بمهلة حصر السلاح.

... مخاوف عند «الإطار التنسيقي»

في هذا السياق، يقول الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الإطار التنسيقي) يشعر بالمخاطر المترتبة على حصر السلاح، كما يعرف مدى جدية واشنطن في هذا الملف، الأمر الذي جعلها تحاول قدر الإمكان البحث عن منفذ أو طريقة ما للامتناع عن تطبيق حصر السلاح مائة في المائة، لكن في الوقت نفسه يحقق الرضا الأميركي عن العراق».

وأضاف الدعمي أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعرف جيداً أيضاً أن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد يصبّان في النهاية في مصلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، بينما لا يريد (الإطار التنسيقي) لأي رئيس وزراء أن يحقق نجاحاً كبيراً. وبالتالي مسموح له أن يحقق نجاحاً محدوداً؛ لكيلا يتفرعن عليهم... بل يظل تحت سيطرتهم».

ثم أوضح أن «(الإطار)، في هذه الحالة، وبقدر ما يريد تجنب تأجيج الوضع مع أميركا فهو في الوقت نفسه لا يريد لرئيس الوزراء أن يبدو بطلاً شعبياً أمام الناس»، مؤكداً أن «هذا السلوك الذي تنتهجه القوى الشيعية ليس مقتصراً على معاملة الزيدي فقط، بل هو سياسة ثابتة اتبعتها مع كل رؤساء الوزراء السابقين، مع أن الفرصة الآن تختلف... حيث الكفة تميل الآن لصالح الزيدي كونه يحظى بدعم شعبي كبير يصعب مقاومته، ومع هذا تجري محاولات للالتفاف عليه».

لا لإسقاط الحكومة

من جانبه، حذّر نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى، من محاولات لإشعال «حرائق» في المشهد السياسي وإرباك الواقع العراقي.

وأكد المالكي، في تصريحات صحافية، دعم «الإطار التنسيقي» لاستمرار الحكومة ورفض تغييرها أو إسقاطها. وقال طبقاً لبيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن العراق «يمرّ بمرحلة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية»، مشيراً إلى وجود محاولات لإرباك المشهد السياسي، في وقت يواصل فيه «الإطار التنسيقي» دعمه للحكومة حرصاً على استقرار البلاد ومصالحها العليا.

ثم شدد رئيس الحكومة الأسبق على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، «بعيداً عن التصعيد أو المواجهة»، محذراً من «تحوّل هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه. وأن من يتصوّر أن أي صراع محتمل سيكون «شيعياً - شيعياً» فهو واهم؛ لأن تداعياته ستطال الدولة والمجتمع وجميع المكونات.

وتابع أن الحكومة و«الإطار التنسيقي» لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى اقتتال داخلي، داعياً إلى «بلورة رؤية وطنية وإقليمية واضحة تحول دون تعرض العراق للمخاطر، وتمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الصراعات أو تنازع المصالح الإقليمية والدولية، بما يحفظ أمنه وسيادته واستقراره».

«مجلس قيادة» شيعي

في هذه الأثناء، في سياق الترتيبات الجديدة التي «هندستها» إيران، فإن همام حمودي القيادي البارز في «الإطار التنسيقي» وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» - الذي جعلته إيران صلة الوصل بينها وبين باقي قيادات «الإطار» - أعلن عن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي لتفادي اندلاع حرب شيعية - شيعية.

حمودي حذر مما أسماه مسعى لإشعال حرب «شيعية - شيعية»، بالقول إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها - بحسب وصفه - في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وأضاف حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، إن «وجود المرجعية العليا والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة (بحسب وصفه) - ستحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية... ولن يفلحوا».


هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
TT

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في شعبية العائلة المالكة متأثرة بعدد من الفضائح، مع أن هذه الشعبية على يبدو تعافت أخيراً. فلقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البثّ العام «إن آر كا» بعد وفاة الملك هارالد، قبل أسبوع، أن شعبية العائلة المالكة وصلت إلى 72 في المائة في ارتفاع عن مايو (أيار) الماضي، عندما انخفض التأييد للعائلة إلى أدنى مستوياته، فبلغ 54 في المائة فقط! وطوال فترة حكمه التي امتدت 35 سنة، حظي الملك هارالد الراحل بشعبية عالية بين النرويجيين، وكان ينظر إليه على أنه «جدّ الأمة»، كما وصفه معلقون في النرويج. ومع أن الملك في النرويج لا سلطات فعلية له، فقد نجح بتوحيد البلاد، وكان دائماً يجد الكلام المناسب، حتى في أصعب الأوقات. أكثر من هذا، لم يتنازل هارالد عن العرش رغم أنه عانى في السنوات العشر الأخيرة من عدد من الأمراض المتتالية أثّرت بشكل كبير على صحته. وفي السنوات الأخيرة، هزّت العائلة المالكة عدة فضائح مرتبطة بزوجة ابنه هاكون، الملك الجديد، وابنته الأميرة مارتا لويز، التي تكبر هاكون سناً، لكنها لم ترث والدها على العرش بسبب قوانين قديمة، ما كانت تسمح إلا بتولي الذكور العرش. إلا أنه جرى تغيير القوانين تلك عام 1990 للسماح بالابن أو الابنة الكبرى بأن تصبح ولي العهد، ولكن بقي القانون القديم مطبقاً على أبناء هارالد. وبعد وفاة والده، تولّى هاكون العرش في مراسم متواضعة ألقى خلالها القسم، من دون حفل تتويج بعد إلغائه في النرويج قبل عقد من الزمن.

كان لافتاً غياب زوجة الملك هاكون («هوكون» كما يلفظ الاسم محلياً) عن حفل أدائه القسم غداة وفاة والده. عوضاً عن ميته ماريت، كانت ابنته إنغريد ألكسندرا حاضرة إلى جانبه، وأدّت القسم لتصبح وريثته على العرش.

العائلة الملكية برّرت غياب ميته ماريت بأنها تعاني من مضاعفات بعد إجراء عملية زرع رئة في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي. وبالفعل، شوهدت الملكة الجديدة تصل إلى مستشفى أوسلو برفقة زوجها الملك، بعيد حفل أدائه القسم، في سيارة «رينج روفر»، قادها هو بنفسه... ومكث معها قرابة الساعة ليغادر ويعود بعد وقت قليل ليأخذها معه.

فضائح «ميته ميريت»

بيد أن غياب الأميرة قد يكون أيضاً مناسباً للعائلة المالكة لإبعاد الأضواء عنها بسبب الفضائح الكثيرة المرتبطة بها منذ سنوات، التي تسببت بدعوات لتجريدها من ألقابها الملكية لأنها «غير جديرة بها». فمنذ سنوات، واسم ميته ماريت بات مرتبطاً بالمليونير الأميركي جيفري إبستين الذي وجد ميتاً في السجن بعد توقيفه بتهم تتعلق الاتجار بالقاصرين لأغراض جنسية من بين تهم أخرى. ولقد كشفت صحف نرويجية منذ عام 2019 عن علاقة صداقة تجمع بين ميته ماريت وإبستين.

وعلى الرغم من أن الملكة أعلنت مراراً أنها قطعت علاقتها به عام 2013، بعد سنتين من تعرفها عليه، فإن المراسلات التي كشف عنها الكونغرس الأميركي أخيراً أظهرت أنها لم تكن تقول الحقيقة. إذ أكّدت تلك الوثائق وجود علاقة صداقة قويّة بينهما وتبادلهما لرسائل شخصية خاصة لسنوات استمرت حتى عام 2014.

وللعلم، اعتذرت ميته ماريت لاحقاً عن علاقتها بإبستين، لكنها نفت علمها بأنه كان مُداناً بجرائم جنسية على الرغم من اعترافها في واحدة من المراسلات التي بعثتها له بأنها بحثت عن اسمه في محرّك «غوغل» وأن النتائج «لم تكن جيدة». وللعلم، أدين إبستين بجرائم جنسية وجرائم احتيال منذ عام 2005، واعتقل كذلك وحكم عليه بالسجن لأشهر عام 2008 مع أنه لم يعتقل في ملف كبير إلا في عام 2019.

فضيحة ثانية...هذه المرة لابنها

وتسببت علاقة ميته ماريت بإبستين بدعوات في الصحافة النرويجية لتجريدها من منصبها ولقبها، أسوة بالأمير أندرو في بريطانيا. واقترح البعض أن يبقى زوجها ملكاً بعد تتويجه، ولكن شرط ألا تُمنح هي اللقب ولا تُمنح أي واجبات ملكية. غير أن ارتباط الملكة الجديد بإبستين جاء وسط فضيحة أخرى ارتبطت بابنها من زوجها الأول قبل زواجها من هارالد. إذ كان ابنها داريوس يخضع لمحاكمة في جرائم اغتصاب وعنف وتهريب مخدرات، أدين فيها لاحقاً وحكم عليه بالسجن لـ4 سنوات... يخدمها الآن في الحبس المنزلي بعد إجباره على ارتداء سوار تعقُّب.

وسط كل هذه الفضائح، اختار هاكون الوقوف إلى جانب زوجته، مقدماً لها كل الدعم. وفي الواقع، فإن تلك الفضائح تعكس تاريخ الزوجين والمشاكل التي أحاطت بهما قبل زواجهما. فهي تنتمي إلى عامة الشعب، وليست ابنة عائلة أرستقراطية، ولكن تلك لم تكن العقبة الأساسية. ذلك أن الملكة سونيا، أم الملك هاكون، وزوجة الملك هارالد، كانت هي أيضاً من عامة الشعب. وكانت الأولى من العامة التي تدخل العائلة المالكة النرويجية.

غير أن تاريخ ميته ماريت، وعلاقاتها السابقة، أثبتت منذ البداية أنها تشكّل تحدّياً لولي العهد آنذاك. فقد تعارفا عام 1999، وتزوّجا بعد ذلك بـ3 سنوات، علماً بأنهما كانا يعيشان معاً قبل زواجهما، ما تسبّب كذلك بانتقادات داخل الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها العائلة المالكة النرويجية.

حياة غير عادية

للعلم، كان للملكة ميته ماريت ابن يدعى ماريوس، يبلغ من العمر 4 سنوات، عندما تعرّفت على هاكون، أنجبته من رجل أُدين بحيازة مخدرات. وعُرفت ميته ماريت أيضاً بماضيها الصاخب وحياتها المتقلّبة وتعاطيها المخدرات واختلاطها بأشخاص أدينوا لاحقاً بجرائم. بيد أنها قبل زواجها من هاكون، اعتذرت علناً عن ماضيها وأعلنت إدانتها للمخدرات.

وبالنسبة لهاكون، فإنه ظل على إعجابه بها رغم ماضيها الصاخب وانتقادات الصحافة لها، وأعلن قبل زواجهما أنهما حظيا بموافقة والديه، مضيفاً: «ما وجدناه معاً كان قوياً للغاية لدرجة لم أتمكن من التخلي عنه». ومن ثم، رزُق الزوجان بإنغريد ألكسندرا عام 2004، ثم بشقيقها سفيري ماغنوس في العام التالي.

فضلاً عما سبق، ووسط الفضائح الأخيرة، عادت صحة ميته ماريت إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت العائلة المالكة عام 2018 عن إصابتها بالتليّف الرئوي المُزمن. وساءت حالتها منذ مطلع العام، ما استوجب إجراء عملية زرع رئة لها خلال يونيو (حزيران) الماضي، يبدو أنها ما زالت تعاني من تبعاتها. وجاء الإعلان عن تدهور صحة ميته ماريت في وقت كانت تجري محاكمة ابنها داريوس وسط تغطية إعلامية كبيرة في النرويج.

الأميرة مارتا لويز... والتنجيم!

من جهة ثانية، يرى متابعون أن ميته ماريت ليست وحدها مصدر القلق بالنسبة للملك هاكون أو تراجع شعبيته، بل أيضاً شقيقته مارتا لويز كذلك. فهي الأخرى تسبب بمتاعب للعائلة المالكة كان آخرها ارتباطها بدوريك فيريت، وهو معلم روحي أميركي، أفريقي الأصل، ومن المؤمنين بنظريات المؤامرة.

ويصف الإعلام النرويجي فيريت بأنه «محتال»، لكن الأميرة مارتا نفسها تتهم الإعلام بأنه «عنصري» ويهاجم زوجها لأنه أسود. وبالفعل، تخلت الأميرة عن لقبها «صاحبة السمو» عام 2022 لكي تتمكن من متابعة مشاريعها التجارية، ولكنها واصلت استخدام لقب «أميرة»، وما زالت في ترتيب ولاية العرش بعد ابنة الملك هاكون.

بل يضاف إلى ما تقدّم، أن مارتا لويز نفسها تتسبب بجدل بسبب تعريفها نفسها بأنها «منجّمة» وتزعم القدرة على الاستبصار والتكلّم مع الملائكة (!)

بالتالي، في عام 2024، أظهر استطلاع للرأي حول مستوى التأييد الشعبي للملكية تراجعه إلى 68 في المائة مقارنة بـ81 في المائة عام 2017، وسمّى المُستطلعة آراؤهم الأميرة مارتا لويز وداريوس ابن ميته ماريت، السببين الرئيسين في تراجع تأييدهم للعائلة المالكة.

هاكون... الاستثناء

في ظل كل ذلك، نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده، بالوحدة والتواضع. وحقاً، تعهّد الملك هاكون نفسه في أول خطاب وجّهه للشعب، بأنه سيتبع طريقه الخاص كما فعل والده قبله، مع التأكيد على الأسس التي بُنيت عليها الملكية الدستورية في النرويج. وأعلن أنه سيبقي على شعار والده «كل شيء للنرويج». وعلّق رئيس الوزراء النرويجي على تولي الملك هاكون العرش بالقول إنه يتشارك كثيراً من الصفات مع والده، خاصة «قدرته على خلق مناخ من الوحدة» بين النرويجيين.

مسؤوليات متزايدة ... ودور منتظر

من ناحية ثانية، مع أن هاكون توجّ ملكاً في ظروف صعبة وتراجع في شعبية العائلة المالكة، فقد ولد وكبر بانتظار يوم يغدو فيه ملكاً. ولقد تحمل في السنوات الأخيرة مسؤوليات متزايدة مع غياب والده كثيراً بداعي المرض، ما جعله متمرّساً أكثر بالدور الأكبر، رغم تشكيك البعض بقدرته على ملء مكان والده الذي كان يحظى بشعبيته كبيرة. واليوم ها هو هاكون الملك الرابع في النرويج بعد إعادة الملكية عام 1905عندما استقلت البلاد عن السويد.

وهاكون هو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد وزوجته سونيا، وقد سمي على اسم جده الأكبر هاكون السابع، وهو أيضاً حفيد بعيد للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا السابقة. ومثل معظم الرجال في العائلة المالكة، لهاكون خلفية عسكرية؛ فقد خدم في البحرية النرويجية بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية عام 1995.

ولكن خلافاً لوالده وجدّه، فإن هاكون لم يدرس في جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، بل اختار عوضاً عن ذلك جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية، ثم حصل على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

ومع أن هاكون كان يعي منذ صغره أنه وريث للعرش النرويجي، فقد وجد مسؤولياته الملكية صعبة في البداية، وكتب في مذكراته التي نشرت عام 2023: «نعم أنا من العائلة المالكة، ولكنني في المدرسة لم أشأ الحديث بالأمر، فقد كان ذلك يشعرني بالقلق». وفعلاً، بخلاف أولاد العائلة المالكة، أرتاد مدرسة عامة من مدارس الدولة في الثمانينات، ما عكس إرادة والديه آنذاك بإعطاء ولديهما نشأة عادية قدر المستطاع. وسريعاً صار هاكون ولي العهد وهو في سن الـ17 فقط عند وفاة جده الملك أولاف الخامس وتتويج أبيه هارالد ملكاً عام 1991.

تفاصيل من حياته العائلية

التقى هاكون بزوجته ميته ماريت عام 1999 في حفل موسيقي بمدينة كريستيانستاند من حيث تتحدر هي. ووصفتها الصحافة آنذاك بـ«سندريلا كريستيانستاند» نظراً لنشأتها المتواضعة هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بارتباط الأمير بفتاة من العامة لديها ابن يبلغ من العمر 4 سنوات، تزوج هاكون من ميته ماريت عام 2001. وشبّه معلّقون في النرويج علاقتهما بعلاقة الملك إدوارد الثامن الذي تخلى عن العرش البريطاني كي يرتبط بواليس سيمبسون، السيدة الأميركية المطلقة.

آنذاك، تنبأ كثيرون بأن هذا الزواج قد يحمل نهاية العائلة المالكة. وتساءل كثيرون عما إذا كانت حياة ميته ماريت الصاخبة - قبل تعرفها على هاكون - مناسبة لحياة العائلة الملكية. لكنها نجحت بكسب ودّ النرويجيين عندما قدّمت اعتذاراً علنياً عن ماضيها وطلبت فتح صفحة جديدة. ومنذ زواجهما ينظر إليهما على أنهما يمثلان العائلة الملكية الحديثة، ويجيدان التواصل مع النرويجيين العاديين. ولكن شعبيتها عادت للتراجع، تحديداً مع تورط ابنها بقضايا اغتصاب، نفاها كلها، ثم تورّطها هي بعلاقة صداقة مع إبستين. ورغم تكرار العائلة الملكية بأن ماريوس لا يحمل أي ألقاب ملكية، فإن تلك الفضائح عادت وسلّطت الضوء بشكل سلبي على العائلة. وبالتالي، فالتحدّي الماثل أمام الملك هاكون اليوم هو مدى قدرته على إبعاد نفسه عن هذه الفضائح وإعادة الثقة وخلق مناخ وحدة بين النرويجيين كما فعل والده.


رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
TT

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

جدير بالذكر أن الملك في النرويج لا يتمتع بسلطات سياسية تنفيذية ولكنه يعتبر رمزاً للبلاد ووحدتها، وبالتالي يعد دوره بروتوكولياً أشبه بدور الملك في بريطانيا.

كان أول ملوك النرويج بعد الاستقلال هاكون السابع الذي تولّى العرش بين العامين 1905 و1957. وتميّز عهده الطويل بترسيخ أركان النظام الملكي الدستوري، وتعزيز الهوية الوطنية النرويجية. وكان من أبرز مفاصل حكمه إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التعاون مع الاحتلال النازي، وغادر بلاده إلى بريطانيا مع الحكومة النرويجية، ليغدو رمزاً للمقاومة والوحدة الوطنية.

خلف هاكون السابع ابنه أولاف الخامس الذي تولى العرش بين العامين 1957 و1991. عُرف بشخصيته المتواضعة والقريبة من الشعب. وشهد عهده مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي، بالتزامن مع اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ما ساهم في تحوّل النرويج إلى واحدة من أغنى دول العالم. وفضلاَ عن ذلك اشتهر الملك أولاف بحبه للرياضة والتزلج وبأسلوب حياته البسيط الذي جعله يحظى بشعبية واسعة.

هارالد الخامس، ابن أولاف، الذي توفي قبل أسبوع، ثالث ملوك النرويج. ولقد تولى العرش عام 1991 بعد وفاة والده وبقي في منصبه نحو 35 سنة حتى وفاته. وخلال سنوات عهده واجهت النرويج قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، بينما عزّز هارالد صورة الملكية باعتبارها مؤسّسة جامعة للنرويجيين. وكان زواجه من الملكة سونيا، وهي من عامة الشعب، علامة على تغيّر المجتمع والملكية النرويجية. ومثل أبيه قبله، عرف هارالد بشخصيّته القريبة من الشعب وكان يتمتع بروح فكاهة جعلته واسع الشعبية. وبالأمس، بعد وفاته خلفه ابنه هاكون الثامن بعدما أمضى عقوداً ولياً للعهد يتأهب لدوره الملكي. وعلى الرغم من أن عهده بدأ للتو، فإن الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها العائلة المالكة تراجعت أخيراً إلى حد ما.

الملك الجديد معروف باهتمامه بقضايا البيئة والشباب والتنمية وبخبرته الدولية الواسعة، بجانب كونه أول عاهل نرويجي يتلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة، بخلاف أبيه وجده اللذين درسا في جامعة أوكسفورد البريطانية، وهذا على الرغم من الروابط العائلية التي تجمع العائلتين الملكيتين النرويجية والبريطانية.