ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

بعد سنتين من الانقلاب العسكري... وتفاقم أعمال العنف ضد الأقليات

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
TT

ميانمار: بقاء الوضع الراهن يخدم مصالح اللاعبين الدوليين الكبار

عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)
عرض عسكري نظمه أخيراً المجلس الحاكم في ميانمار (أ.ف.ب)

تعتمل دولة ميانمار (المعروفة كذلك باسم بورما) بأحداث مشتعلة، مع وقوع عدة معارك بين الجيش ومجموعات مسلحة. في واقع الأمر، لا يعد هذا بالأمر الجديد، فميانمار دولة تتسم بتاريخ مضطرب وعنيف. نالت هذه الدولة الواقعة بين شبه الجزيرة الهندية وشبه جزيرة الهند الصينية استقلالها عن بريطانيا عام 1948، إلا أنها عانت من صراعات داخلية واسعة وانقلابات عسكرية متكررة بين عامي 1962 و1988. وفي موجة جديدة من الهجمات ضد المدنيين، شنّ جيش ميانمار واحدة من أعنف الغارات الجوية، يقال إنها أسقطت أكثر من 170 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال غير مسلحين، في خضم الحرب الأهلية المستعرة. والأسبوع الماضي، ألقت القوات المسلحة عدة قنابل على تجمع داخل قرية بازيغي بمنطقة ساغاينج، عندما تجمع مئات الأشخاص، في وقت مبكر من الصباح، في المنطقة، للمشاركة في فعالية نظمها الخصوم المحليون للجيش.
عصفت بميانمار اضطرابات عنيفة منذ أن أطاح جيشها بالحكومة المنتخبة التي ترأستها أونغ سان سو تشي، الناشطة السياسية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، في الأول من فبراير (شباط) 2021. ولقد حال استيلاء الجيش على السلطة دون تولي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية»، بقيادة زعيمته سو تشي، رئيسة الحكومة، التي هي أيضاً ابنة أونغ سان، بطل الاستقلال، قيادة البلاد لفترة ثانية.
من ناحيته، ادعى الجيش أن انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، التي فازت بها «الرابطة» بغالبية ساحقة، جرى «تزويرها»، ولكن من دون تقديم أي دليل على ذلك. وبالتالي، أعلن الجيش حالة الطوارئ واعتقل مستشار الدولة، داو أونغ سان سو تشي، والرئيس وين ميينت، بجانب عدد من الزعماء الديمقراطيين الآخرين.
وأيضاً صدر حكم ضد سو تشي بالسجن 6 سنوات، بناءً على اتهامات واهية، بجانب اتهامات أخرى لم تصدر الأحكام النهائية بخصوصها بعد، قد يصل مجموع أحكامها إلى 164 سنة في السجن.
- انقلاب... ومعارضة
على هذه الأحداث، علّق غوتام موخوبادهايا، السفير الهندي السابق لدى ميانمار، شارحاً: «كانت للجيش قبضة محكمة على ميانمار، لأن الدستور يضمن له 25 في المائة من مقاعد البرلمان والسيطرة على أقوى الوزارات. إذ تتمتع المؤسسة العسكرية فعلياً بالحق في نقض أي محاولة لتغيير اللعبة السياسية بالبلاد. وفي الانتخابات العامة الأخيرة، كان أداء الحزب المدعوم من الجيش (حزب الاتحاد للتضامن والتنمية) ضعيفاً، بينما جاء أداء (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) أفضل مما كان عليه عام 2015... وهذا الأمر خلق توتراً بين المؤسسة العسكرية والحكومة. أما السبب المباشر وراء الانقلاب فكان الخوف من أن الحزب الذي فاز في الانتخابات سيعيد كتابة دستور 2008، ليجرّد الجيش من سلطاته. ولذلك، أطاح الجيش بالحكومة المنتخبة وعاد إلى السلطة».

أونغ سان سو تشي (رويترز)

لاقى استيلاء الجيش معارضة قوية واسعة النطاق، قمعتها قوات الأمن بقوة، وتحولت منذ ذلك الحين إلى مقاومة مسلحة على نطاق واسع. واليوم، يسعى جنرالات الجيش جهدهم من أجل توطيد سلطتهم، والقتال على جبهات متعددة ضد متمردي الأقليات العرقية، وحركة المقاومة المؤيدة للديمقراطية. هذا، في حين لم تحرز الجهود الخارجية للتوسط من أجل السلام أي نجاح، حتى عندما جاءت من أطراف متعاطفة مع الحكومة العسكرية، مثل «رابطة دول جنوب شرق آسيا» (آسيان)، المؤلفة من 10 أعضاء.
محللون سياسيون يرون أن ما يجري اليوم في ميانمار يمثل أسوأ موجات العنف التي تعرضت لها البلاد على الإطلاق منذ نيلها استقلالها، مع امتدادها إلى أكثر المناطق التي تنبذ بطبيعتها العنف، المعروفة باسم «المنطقة الجافة». ويذكر هنا أن «المنطقة الجافة» مصطلح يشير إلى منطقة تهيمن عليها غالبية البامار البوذية الموالية للعسكر. وتقليدياً، ظلت هذه المنطقة بمعزل عن أي شكل من أشكال العنف الإثني.
هذا، وأفادت تقارير إعلامية إلى أن غالبية البامار وأقليات عرقية مثل الكارين والتشين والكاشين والراخين والكاريني تعمل على توحيد صفوفها اليوم بمواجهة الحكم العسكري. وفي المقابل، زاد المجلس العسكري إنفاقه السنوي على الجيش إلى ما يقدر بنحو 2.7 مليار دولار، أكثر من 25 في المائة من الميزانية الوطنية، بهدف قمع السكان.
- حرب أهلية أزلية
جدير بالذكر أنه بعد الحصار الذي فرضه الجيش، اشتعلت حرب أهلية دامية في معظم أرجاء ميانمار، وتحول الصراع المنخفض الحدة إلى حرب أهلية شاملة. فداخل المدن، تحولت الاحتجاجات إلى صدامات مسلحة بين المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية وقوات الأمن. وفي الأدغال، تعاونت الجماعات المناهضة للمجلس العسكري مع متمردين من أجل تلقي تدريب عسكري. وبلغ الوضع درجة من الخطورة، دفعت المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتحذير من أن ميانمار قد انزلقت نحو حرب أهلية. أيضاً، وثقت منظمات دولية، مثل «اليونيسيف»، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك قصف مدارس دونما رحمة.
حتى الآن، ألقيت على القوات العسكرية الحكومية، المعروفة باسم «تاتمادو»، المسؤولية عن مقتل قرابة 3240 مدنياً، وسجن 18000 آخرين، بينهم أعضاء في أحزاب معارضة وصحافيون وغيرهم من منتقدي النظام، تبعاً لجمعية مساعدة السجناء السياسيين.
وفي المجمل، هناك 3 أطراف متصارعة على الأقل في إطار هذه الحرب الأهلية. وبينما تطلق الحكومة العسكرية على نفسها اسم «مجلس إدارة الدولة»، تتألف المعارضة من «حكومة الوحدة الوطنية» والبرلمان بالمنفى و«قوات الدفاع الشعبي». وتقود «حكومة الوحدة الوطنية» المقاومة السياسية في وجه المجلس العسكري، وتطلق على نفسها اسم «حكومة ميانمار الحقيقية»، وهي تملك ميليشيات مدنية مسلحة داعمة للديمقراطية كجناح مسلح لها. بيد أن المجلس العسكري اعتبر هذه الجماعات «تنظيمات إرهابية».
عودة إلى الهند، «جارة» ميانمار من الشمال الغربي، يرى المحلل السياسي أنغشومان تشودري أن «أكثر من ثلث ميانمار لا يخضع الآن لسيطرة الجيش، حسبما اعترف مسؤول رفيع المستوى بالمجلس العسكري في وقت قريب». ثم إنه جرى توسيع نطاق قوانين الأحكام العرفية لتشمل 37 بلدة أخرى، وغدا بمقدور المحاكم العسكرية محاكمة «الجناة» بتهم تتراوح من الخيانة إلى نشر «أخبار كاذبة». إلا أن اللافت أن الحرب الأهلية في ميانمار مستمرة فعلياً منذ عام 1948، ولم يتوقف القتال بين الحكومة المركزية، التي تهيمن عليها غالبية البامار، وتنظيمات عرقية مسلحة في 7 ولايات عرقية، بشكل كامل مطلقاً منذ نيل البلاد استقلالها منذ عقود قبل انقلاب عام 2021.
- اللا استقرار... متجذر
للأسف، لا تُعد الانقلابات العسكرية أمراً غريباً على ميانمار. فعلى سبيل المثال، قضى انقلاب عام 1962، بقيادة الجنرال ني وين، على الديمقراطية التمثيلية للبلاد، وأقرّ مكانها 26 سنة من الحكم العسكري. وأنكر الجيش كذلك الانتصار الانتخابي الساحق الذي حققته أونغ سان سو تشي و«الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بانتخابات عام 1990، فاحتفظ بالسلطة لمدة 25 سنة أخرى حتى فازت «الرابطة» مرة أخرى في الانتخابات العامة عام 2015. وهنا توضح الصحافية الهندية نيروباما سوبرامانيام أنه «رغم ذلك، جاءت طريقة إدارة السياسة البورمية (أي الميانمارية) بعد انقلاب 2021 مختلفة تماماً. فقبل الانقلاب تذوّق الشعب البورمي طعم الديمقراطية والحرية وانفتح على العالم الخارجي والتدفق الحر للأفكار والمعلومات والأشخاص والفرص الاقتصادية في ظل حكومة ديمقراطية. واليوم، ببساطة، يرفض الشعب العودة إلى عقود الحكم العسكري، بغض النظر عن أن الجيش البورمي يعدّ الحكم العسكري امتيازاً طبيعياً له والوضع الطبيعي للبلاد. وعليه، تحوّلت معارضة الانقلاب ورفض الحكم العسكري إلى أقوى العوامل الموحدة لصفوف باقي فئات الشعب. والأهم عن ذلك، دفع هذا الوضع قوى المقاومة المختلفة بعضها باتجاه بعض».
- التفاعل الدولي
من جانب آخر، في مواجهة هذه الوحشية، تُقسم اعتبارات الجغرافيا السياسية المجتمع الدولي، وتعيقه عن طرح استجابة دولية متناغمة.
جغرافياً، تقع ميانمار على حدود أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان... أي الصين والهند. وهذا ما يجعل من موقعها نقطة استراتيجية لـ«مبادرة الحزام والطريق الصينية» التي توفر وصولاً عبر أعماق البحار إلى المحيط الهندي. بيد أنها، في الوقت ذاته، تشكل الممرّ الخاص بالهند إلى بحر الصين الجنوبي. ومع هذا وذاك، كما تقول الصحافية سوبرامانيام «لدى دول أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة مصالح اقتصادية قوية في ميانمار».
ولكن في هذه الأثناء، تمضي كلٌّ من روسيا والصين والهند في التعاون مع المجلس العسكري، ما يضفي عليه درجة من التقدير الدولي. أما مجموعة «الآسيان» فلا تبذل مجهوداً يذكر لإعادة ميانمار إلى المسار الديمقراطي.
وراهناً، تكشف الأرقام أن روسيا ثاني مورِّد للأسلحة لميانمار، بعد الصين. وعليه، ليس من المستغرب أن تعمد روسيا والصين إلى عرقلة محاولات مجلس الأمن الدولي لفرض حظر على بيع أسلحة لميانمار. وبينما تبدي الصين حرصها العلني على حماية مصالحها الاستراتيجية في البلاد، واصفةً الانقلاب بأنه «تعديل حكومي كبير»، تصرّ روسيا من جانبها على أنه «شأن داخلي» محض.
السفير موخوبادهايا، من حصيلة خبرته بميانمار، يعتقد أن «الوضع في ميانمار معقد بسبب النسيج العرقي الشديد التنوّع والتعدد... فهناك 135 عرقية معترف بها داخل حدود البلاد، بل إن بعضها، مثل الروهينجا، لم يُعترف بهم أساساً. أضف إلى ذلك الصراع المستمر بين الأقليات العرقية والحكومة المركزية منذ الاستقلال».
ويضيف السفير أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة كانت بمثابة ملحمة حزينة لسو تشي. ويتابع: «بعكس فترات الاعتقال السابقة التي تعرضت لها حتى عام 2011، تخلّى المجتمع الدولي هذه المرة عن تشي، بعدما كان ينظر إليها باعتبارها ممثلة للديمقراطية، وكان السبب موقفها من قضية الروهينجا، الأمر الذي حرم ميانمار من زعيم طبيعي كان يمكن للمجتمع الدولي أن يلتف حوله».
وقبل فترة قصيرة، قام الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون بزيارة مفاجئة إلى ميانمار، نيابة عن مجموعة «الحكماء» من زعماء العالم، التي أسسها نيلسون مانديلا، والتي تعمل على تعزيز السلام ونزع فتيل الصراعات.
وكان بان إبان فترة عمله بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة من 2007 إلى 2016 قد بنى تاريخاً طويلاً من المشاركة في شؤون ميانمار. ولقد ذهب إلى هناك للضغط على الجنرالات الذين كانوا يحكمون البلاد في حينه من أجل السماح بتدفق المساعدات الأجنبية والخبراء دون عوائق، وذلك لتقديم العون للناجين من الإعصار «نرجس» عام 2008، الذي أودى بحياة قرابة 134000 شخص. وحثّ بان كذلك الجيش على إرساء الديمقراطية.
- جهود التسوية
تشكل جهود السلام عبر منظمة «الآسيان» العملية الدبلوماسية الرسمية الوحيدة المرتبطة بميانمار. والواضح أن المجلس العسكري الحاكم غير مستعد لتنفيذ ما يسمى بـ«إجماع النقاط الخمس» الذي اتفق عليه مع «الآسيان» عام 2021.
الاتفاق يتضمن وضع نهاية فورية للعنف، وعقد حوار بين جميع الأطراف المعنية، وتعيين مبعوث خاص، وتقديم مساعدات إنسانية من جانب «الآسيان»، وزيارة مبعوث خاص ميانمار لعقد لقاءات مع جميع الأطراف. وبالمناسبة، أيدت الأمم المتحدة خطة «الآسيان».
ولكن، في المقابل، اتهمت الحكومة العسكرية أعضاء «الآسيان» ممن ينتقدونها بـ«التدخل في الشأن الداخلي» للبلاد. وحذّرتهم من التعامل مع «حكومة الوحدة الوطنية». واتهمت أيضاً معارضيها بمحاولة تخريب خطة «الآسيان»، وبرّرت الهجمات العسكرية بأنها ضرورية لتأمين البلاد وتمكين المباحثات السياسية.
في الوقت ذاته، من المقرر أن تستضيف الهند جلسة عصف ذهني حول كيفية إيجاد «مصالحة» في ميانمار، وإنهاء الأزمة التي ضربتها منذ الانقلاب العسكري في فبراير (شباط) 2021. وستعقد جلسات حوار «المسار 1.5» الثاني، الذي أطلقته تايلاند، داخل مقر المجلس الهندي للشؤون العالمية، وهو مؤسسة فكرية مستقلة تمولها وزارة الشؤون الخارجية.
وتتضمّن قائمة الدول المشاركة؛ ميانمار والصين وتايلاند ولاوس وبنغلاديش، ورئيسي «الآسيان» السابق والحالي؛ كمبوديا وإندونيسيا. وأيضاً سيشارك أكاديميون وأعضاء في مؤسسات الفكر والرأي من هذه البلدان.
- الهند تتأثر وتؤثر
ما يستحق الذكر أن تايلاند والهند تأثرتا كثيراً بالحرب الأهلية الدائرة في ميانمار. وتفيد التقديرات بأن حوالي 20000 لاجئ عبروا الحدود إلى تايلاند بعد الانقلاب العسكري عام 2021، في حين لجأ عشرات الآلاف من اللاجئين هناك منذ الثمانينات.
ورغم ارتباط رئيس الوزراء التايلاندي، برايوت تشان أو تشا، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 2014، بعلاقات ودية مع قادة المجلس العسكري في ميانمار، يعيش الحكم التايلاندي في بانكوك كوابيس لا تنتهي بسبب لاجئي ميانمار الذين يعبرون الحدود السهلة الاختراق بين البلدين، التي تمتد لمسافة 2400 كيلومتر. وبالفعل، وصف كاتب عمود بصحيفة «بانكوك بوست» التايلاندية ذلك التدفق بأنه «أكبر مصدر قلق إقليمي لتايلاند» بعد الحرب الروسية - الأوكرانية.
أما داخل الهند، فتستضيف ولايتا ميزورام ومانيبور، الحدوديتان شمال شرق البلاد، آلاف اللاجئين، معظمهم من ولاية تشين الشرقية في ميانمار، وكذلك من ساجينغ، وكلا الولايتين من معاقل المقاومة الداعمة للديمقراطية، حيث تدور معارك شرسة.
ومن المتوقع أن تعرض المائدة المستديرة نتائج مداولاتها أمام كبار المسؤولين لاتخاذ مزيد من الإجراءات. بوجه عام، جاء التقدم في تنفيذ خطة سلام «الآسيان» بطيئاً، بينما لا تزال الأطراف المتصارعة تتقاتل على الأرض.
- موجات نزوح ضخمة
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن 17.6 مليون شخص، أي ما يقرب من ثلث سكان ميانمار، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن حوالي 1.3 مليون شردوا منذ الانقلاب.
بيد أن هذه الأرقام المروّعة لا تتضمن ما يقرب من 330000 نازح داخلياً من الصراعات التي سبقت الانقلاب. كما أنها لا تشمل المليون لاجئ من الروهينجا الموجودين في مخيمات بنغلاديش المجاورة، الذين أحيوا مرور 5 سنوات على المذبحة الأخيرة للجيش بحقهم، ويجدون اليوم أنفسهم منسيين من قبل المجتمع الدولي. من جانبه، يحاول النظام استئناف عمليات الإعادة إلى الوطن، لكن جماعات المقاومة تعارضها، وترى أنها تهدف فحسب إلى تخفيف الضغط الدولي.
- الروهينجا
أخيراً، وسط الصراع الأهلي الدامي، الذي استهدف الجيش في إطاره السكان المدنيين (الأقليات العرقية على وجه الخصوص)، ما زال مجتمع الروهينجا المُسلم، الموجود في شمال ولاية راخين بغرب ميانمار، في طليعة ضحايا هذه الوحشية. ويُذكر أنه خلال عامي 2016 و2017، استهدف الجيش، تحت ذريعة «عمليات تطهير»، الأقليات باستخدام مستويات غير عادية من العنف. وجراء ذلك، فرّ حوالي 800000 من الروهينجا من ميانمار لاجئين إلى بنغلاديش المجاورة. وعام 2018، خلص تقرير نشره فريق تقصّي حقائق تابع للأمم المتحدة إلى أن الحملات العسكرية كانت لها «نية الإبادة الجماعية»... والمفارقة أن هذا الجيش نفسه هو الذي يدعي أنه يحكم البلاد بشكل شرعي اليوم.

الجيش يسعى لـ«شرعنة انقلابه» عبر الانتخابات

> بعد سنتين من الانقلاب العسكري الذي نفذه جيش ميانمار، أعلن الجيش أخيراً أنه سيعقد انتخابات «نزيهة وحرة»، من المعتقد أنها ستُجرى في وقت لاحق من العام.
وبالفعل، أمر الجيش «لجنة الانتخابات»، التي شكلها المجلس العسكري، بالإعداد لانتخابات جديدة، يقول معارضو الجيش إنه لا يمكن أن تكون حرة أو نزيهة. وللتذكير، خلال الشهر الماضي، حلت «اللجنة» هذه حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بزعامة سو تشي بحجة أنه لم يسجّل رسمياً بموجب القواعد الانتخابية الصارمة الجديدة التي أقرها الجيش.

معاناة الروهينجا (إ.ب.أ)

في هذا الصدد، قال المحلل الهندي سوراب شارما: «السبب وراء اتخاذ ميانمار ما يسمى بالخطوات المتواضعة نحو نظام ديمقراطي أن الجيش أراد تجنّب اعتراض المجتمع الدولي على القيادة الاستبدادية في ميانمار. إذ ينظر المجلس العسكري إلى هذا الإجراء باعتباره وسيلة لإضافة قشرة شرعية لحكمه بالقوة. ومن ناحيتها، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ميانمار طيلة عقود. وسعياً لإنهاء هذه العزلة الاقتصادية والسياسية، قررت ميانمار إجراء بعض التغييرات في صورتها».
وأضاف شارما: «من الواضح بالفعل أن الانتخابات لن تكون حرة ولا نزيهة. ومن المتعذر إجراؤها في جميع أنحاء البلاد. وتتألف لجنة الانتخابات من 15 عضواً يختارهم القائد العسكري. وداخل المناطق المتنازع عليها بشدة، سيكون من المستحيل عملياً السماح للسكان بالتصويت. علاوة على أنه سيجري تعديل النظام الانتخابي بطريقة تميل لصالح الجيش بقوة، مع حجز 25 في المائة من جميع المقاعد في جميع البرلمانات لصالحه، وفقاً للدستور».
وسط كل هذا، قتل ضابط من لجنة الانتخابات في بلدة ثينغانغيون، إلى الشرق من يانغون، كبرى مدن البلاد وعاصمتها السابقة، على يد جماعات المقاومة. والملاحظ أن العناصر المتطرفة تهاجم الضباط ذوي الرتب المنخفضة في المجلس العسكري على مدار العامين الماضيين.
وأيضاً، في أبريل (نيسان) من العام الماضي، أطلق مهاجمون مجهولون النار على نائبة محافظ البنك المركزي في ميانمار، التي عيّنها الجيش بعد أيام من استيلاء على السلطة، داخل منزلها في يانغون. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، قُتل مسؤول تنفيذي كبير بشركة «ميتيل»، وهي شركة اتصالات أسّسها الجيش بالتعاون مع شركة «فيتيل» الفيتنامية، وذلك خارج منزله في يانغون.


مقالات ذات صلة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

العالم الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

الهجوم الجوي في ميانمار أسفر عن مقتل 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة

أسفر الهجوم الجوي الذي شنّته المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار (بورما)على منطقة ساغاينغ في وسط البلاد الثلاثاء، عن مقتل ما لا يقل عن 130 شخصاً وفقاً لتقديرات جديدة، بينما «أدانته بشدّة» رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) الخميس. ولم تقدّم السلطات حتى الآن أي حصيلة لهذا الهجوم. ورداً على سؤال وكالة الصحافة الفرنسية، الخميس، قال قروي شارك في أعمال الإغاثة مشترطاً عدم كشف اسمه: «جارٍ إحصاء 130 جثة والتعرّف عليها».

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الولايات المتحدة​ واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

واشنطن تندد بقرار المجلس العسكري في ميانمار حلّ حزب سو تشي

نددت واشنطن، أمس (الأربعاء)، بقرار المجلس العسكري الحاكم في ميانمار حل حزب الزعيمة المدنية المسجونة أونغ سان سو تشي التي أطاحها انقلاب للجيش، وحذرت من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وأعلنت لجنة الانتخابات التي شكّلها المجلس العسكري، الثلاثاء، أنه سيتم حل حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بعد فشله في إعادة التسجيل بموجب القانون الانتخابي الجديد. وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي يستعد فيه المجلس العسكري لإجراء انتخابات يعتقد معارضون أنها تهدف فقط إلى تعزيز قوة الجيش الذي أطاح بحكومة سو تشي المنتخبة في فبراير (شباط) 2021. وقال المتحدث باسم الخارجي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

المجموعة العسكرية الحاكمة في ميانمار تحلّ حزب أونغ سانغ سو تشي

أعلن التلفزيون الرسمي في ميانمار (بورما) أنّ اللجنة الانتخابية التي شكّلتها المجموعة العسكرية الحاكمة قرّرت، اليوم الثلاثاء، حلّ «الرابطة الوطنية للديمقراطية»، الحزب الذي تتزعّمه أونغ سانغ سو تشي. وقالت اللجنة، بحسب التلفزيون، إنّه «تقرّر في الحال نزع صفة الحزب السياسي» عن الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الحزب الذي فاز بنسبة كبيرة من الأصوات في دورتي الانتخابات التشريعية اللتين أُجريتا في 2015 و2020. وأضافت اللجنة أنّها اتّخذت هذا القرار لفشل الحزب في تأمين الشروط اللازمة لتسجيل نفسه وفقاً لقانون الانتخابات الجديد الذي أقرّته المجموعة الحاكمة ويتضمّن بنوداً صارمة. وتشهد ميانمار حالة من الف

«الشرق الأوسط» (رانغون)
الولايات المتحدة​ واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

واشنطن تعلن عن مساعدات إضافية للروهينغا بـ26 مليون دولار

أعلنت الولايات المتّحدة، اليوم، عن مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 26 مليون دولار للاجئين الروهينغا في بنغلادش ومناطق أخرى مجاورة. ويعيش حوالي مليون لاجئ من هذه الأقلية البورمية المسلمة في أوضاع مزرية في مخيّمات ببنغلادش، ولجأ أغلبهم إلى بنغلادش المجاورة هرباً من حملة قمع قادها الجيش البورمي في 2017. وتسبّبت هذه الحملة العسكرية بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، إنّ «هذا التمويل الجديد يتيح لشركائنا في العمل الإنساني مواصلة توفير مساعدة منقذة للحياة لمجتمعات متضرّرة على جانبي الحدود بين بورما وبنغلادش». وأوضح أنّ المبلغ المعلن عنه ير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للقائد العام للقوات المسلحة في ميانمار الجنرال مين أونغ هلاينغ (ا.ب)

واشنطن تندّد بتمديد حالة الطوارئ في بورما

نددت الولايات المتحدة، الأربعاء، بتمديد المجلس العسكري الحاكم في بورما حالة الطوارئ، معتبرة أن ذلك يفاقم المعاناة في البلاد بعد مرور عامين على الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس: «تعارض الولايات المتحدة بشدة قرار النظام العسكري في بورما تمديد حالة الطوارئ، ما يطيل أمد الحكم غير الشرعي للجيش والمعاناة التي يلحقها بالبلاد». وأعلن المجلس العسكري الحاكم في ذكرى الانقلاب الثانية، تمديد حالة الطوارئ ستة أشهر، وبالتالي إرجاء إجراء انتخابات عامة وفق ما ينص الدستور. وأضاف برايس، أن الولايات المتحدة مصممة على العمل مع المجتمع الدولي «لحرمان النظا

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
TT

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006 من «قواعد اشتباك» غير مكتوبة نجحت في ضبط إيقاع الصراع طوال نحو 17 سنةً، يبدو أنه انهار مع الحرب الأخيرة، التي أعادت رسم البيئة العملياتية على الجبهة الجنوبية، وفرضت معادلات جديدة تقوم على المنطقة العازلة، والسيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. وبين حربين تفصل بينهما 20 سنة، لا تقتصر المقارنة على تطوّر الأسلحة أو تبدّل موازين القوى، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية التي حكمت الصراع. ففي حين قامت قواعد ما بعد عام 2006 على الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين، أفرزت «حرب 2026» نموذجاً مختلفاً، تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعطيل قدرات «حزب الله» قبل استخدامها، مستفيدة من التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي، ومن الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

لا يقتصر التحوّل في الوضع العسكري بين لبنان وإسرائيل على الأدوات العسكرية، بل يشمل أيضاً فلسفة إدارة الصراع؛ إذ بعدما كان الهدف الأساسي خلال السنوات التي أعقبت «حرب 2006» منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة واسعة، أصبحت المواجهة اليوم تُدار وفق قواعد مختلفة تقوم على المبادرة والضربات الاستباقية، ومحاولة فرض الوقائع الميدانية قبل أن تتحول إلى تهديد.

قواعد 2006... كيف وُلدت؟

لفهم طبيعة التحول الذي شهدته الجبهة الجنوبية، يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن العودة إلى حرب يوليو (تموز) 2006 وحدها لا تكفي؛ لأن جذور قواعد الاشتباك تعود إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب». قال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً إن «الاستهداف كان يقتصر على العسكريين، وإذا جرى استهداف المدنيين من أحد الطرفين كان يُقابَل باستهداف مماثل للمدنيين من الطرف الآخر».

وأردف أن هذه القواعد «تكرّست بصورة أوضح بعد حرب 2006؛ إذ أصبحت عمليات (حزب الله) العسكرية محصورة بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بينما كان الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية يجري غالباً ضمن هذا الإطار، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة».

شحيتلي أوضح أيضاً «أن مرحلة ما بعد حرب 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فالحزب التزم بما نص عليه القرار 1701 لناحية سحب أسلحته الثقيلة والصاروخية من جنوب الليطاني، فيما بدأ الطرفان، الإسرائيلي و(حزب الله)، مباشرة التحضير للمواجهة التالية».

وتابع: «إسرائيل كانت تتحضر للحرب المقبلة، وكذلك الحزب، وكان كل طرف يراقب تحركات الآخر. الإسرائيليون كانوا يتحدثون عن إنشاء تحصينات أو رصد أعمال ميدانية للحزب، فيما كان لبنان يعتبر أن كل ما يجري داخل أراضيه يدخل ضمن الإجراءات الدفاعية ولا يبرر أي تدخل إسرائيلي». ومن ثم «خلال تلك المرحلة، تشكلت منظومة ردع غير معلنة، قوامها أن أي تصعيد واسع سيقود إلى رد واسع، وهو ما أفرز معادلات مثل (بيروت مقابل تل أبيب) و«الضاحية مقابل حيفا). ولم تكن هذه المعادلات تعني تكافؤاً في القدرات العسكرية، بقدر ما كانت تعكس تكافؤاً في كلفة الحرب؛ إذ امتلك كل طرف القدرة على إلحاق أضرار يصعب على الطرف الآخر تحملها سياسياً وعسكرياً».

وهنا يلفت اللواء شحيتلي إلى أن «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعبت خلال تلك المرحلة دوراً محورياً في منع التصعيد... وأي حادث ميداني، مهما كان محدوداً، كان يُعالج عبر قنوات الارتباط بين الجيش اللبناني و(اليونيفيل) والجيش الإسرائيلي، مع تدخلات أميركية حالت دون تحول الحوادث الموضعية إلى حرب واسعة». ويستطرد، من ثم، ليشير إلى أن هذه المنظومة بقيت تحكم الحدود لسنوات طويلة، إلى أن بدأت تتآكل تدريجياً مع تبدل البيئة الإقليمية والعسكرية، قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار مع الحرب الأخيرة، التي لم تغيّر حجم العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً طبيعة قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2006.

لماذا انهارت قواعد الاشتباك التي كرّستها حرب 2006؟

إذا كانت قواعد الاشتباك التي أرستها حرب يوليو (تموز) 2006 قد نجحت في ضبط المواجهة على مدى سنوات طويلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي أدى إلى انهيارها؟

العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال قال، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الإجابة لا ترتبط بنتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل بمجموعة تحوّلات استراتيجية وعسكرية تراكمت تدريجياً، قبل أن تبلغ ذروتها مع الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أفرزت بيئة عملياتية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت بعد عام 2006.

وبحسب حلّال: «حرب 2006 أفرزت منظومة ردع متبادل استندت إلى أربعة مرتكزات أساسية، هي: الردع المتبادل، ومعادلة بيروت مقابل تل أبيب، ومعادلة الضاحية مقابل حيفا، إضافة إلى احترام نسبي للقرار 1701 الذي أبقى الحدود البرية مستقرة نسبياً رغم الخروقات الجوية الإسرائيلية».

وأوضح أن «معادلة بيروت مقابل تل أبيب كرّست توازناً يقوم على أن أي استهداف واسع للعاصمة اللبنانية قد يقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما فيه تل أبيب، فيما قامت معادلة الضاحية مقابل حيفا على أن أي تدمير واسع للضاحية الجنوبية سيُقابل باستهداف المدن الإسرائيلية الكبرى، وفي مقدمها حيفا، الأمر الذي رفع كلفة أي تصعيد وجعل الطرفين أكثر حذراً في استخدام القوة».

ثم شرح أن «إسرائيل كانت تمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي، فيما امتلك (حزب الله) قدرة صاروخية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، ما جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين، ورسّخ معادلات ردع حالت دون اندلاع مواجهة واسعة لسنوات».

لبنان: 5 قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة

ووفق حلال، هذه المنظومة لم تسقط بفعل عامل واحد، بل نتيجة «خمسة متغيرات استراتيجية رئيسة، هي: تغير البيئة الإقليمية بعد هجوم السابع من أكتوبر، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، واتساع استخدام المسيّرات الدقيقة، والتطوّر غير المسبوق في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع فاعلية الردع التقليدي مع استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة».

واستطرد مشدداً على أن «هذه المتغيرات لم تبدّل شكل العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً فلسفة إدارة الصراع. فبدلاً من أن يكون الردع المتبادل هو الآلية الأساسية لمنع الحرب، أصبحت الأولوية لدى إسرائيل تتمثّل في منع تشكل التهديد أصلاً، من خلال المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، وحرمان الخصم من إعادة بناء قدراته».

وهنا حدّد حلّال خمس قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة؛ إذ قال إن «القاعدة الأولى تتمثل في إنشاء منطقة عازلة بالنار، بحيث لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها على الحدود، بل على الاستطلاع الدائم والمسيّرات والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، وهكذا أصبحت المنطقة العازلة منطقة نارية أكثر منها منطقة احتلال».

أما القاعدة الثانية، وفق حلاّل، فهي «توسيع حرية العمل الإسرائيلي داخل لبنان بهدف منع تراكم القدرات العسكرية قبل استخدامها... أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي».

وأما القاعدة الثالثة «فتقوم على السيطرة بالنار عبر الاستطلاع المستمر ثم اكتشاف الأهداف واستهدافها فوراً، بما يعني الانتقال من الردع إلى الهيمنة العملياتية بالنار». ثم استأنف كلامه ليقول إن «القاعدة الرابعة تقوم على الضربات الاستباقية؛ إذ لم يعد العمل العسكري ينتظر وقوع التهديد، بل أصبح التهديد المحتمل مبرراً كافياً لتنفيذ الضربة. وأخيراً... تتمثل القاعدة الخامسة في اعتماد ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد، بدلاً من الردود الاستراتيجية الواسعة التي كانت سائدة بعد حرب 2006».وهكذا، يعتبر حلّال أن التحول العملياتي الأبرز يتمثل في انتقال مركز الثقل «من توازن القوة إلى توازن المعلومات، حيث أصبحت الاستخبارات وسرعة كشف الأهداف العامل الحاسم، كما انتقلت المبادرة العملياتية بدرجة أكبر إلى الطرف القادر على فرض إيقاع الاشتباك من خلال الضربات الاستباقية والسيطرة على المجال الجوي»، ويؤكد أن «الردع لم يعد قائماً فقط على التهديد بتدمير المدن، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على تعطيل القدرات العسكرية للطرف المقابل قبل استخدامها، وهو ما يقترب من مفهوم الردع بالحرمان إلى جانب الردع بالعقاب».

ومن هنا، فإن الفارق الجوهري، بحسب العميد والمحلل العسكري اللبناني، بين مرحلتي 2006 و2026، يتمثل في أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها على الطرفين، بينما تقوم القواعد الحالية على إدارة التصعيد بصورة مستمرة، وفرض السيطرة بالنار، والمحافظة على حرية العمل العسكري، مع السعي إلى منع الخصم من استعادة قدراته قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

من الردع المتبادل إلى قواعد جديدة

في صعيد موازٍ، إذا كان انهيار قواعد الاشتباك التي كرستها حرب يوليو 2006 يفسّر التحوّل الذي شهدته الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما القواعد التي تحكم المواجهة اليوم؟

عن هذا السؤال، أجاب العميد الركن المتقاعد فادي داود بـ«أن الحرب الأخيرة لم تبدّل قواعد الاشتباك فحسب، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها، بعدما انتقلت إسرائيل من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تهدف إلى فرض قواعدها الميدانية مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي».

وأضاف داود في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «قواعد الاشتباك التي سادت بين إسرائيل و(حزب الله) بعد حرب يوليو 2006 لم تعد قائمة... والمواجهة دخلت عام 2026 مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تفوّق عسكري إسرائيلي يسمح بفرض قواعد ميدانية جديدة، بعدما كانت العلاقة سابقاً تستند إلى ردع متبادل يفرض قيوداً على الطرفين». وتابع أن معادلة عام 2006 كانت تقوم على مبدأ «بيروت مقابل تل أبيب»، بحيث كان أي استهداف إسرائيلي للبنان يقابله استهداف من «حزب الله» للعمق الإسرائيلي، ما أوجد مستوى من الردع المتبادل؛ إذ امتلك الحزب منظومة صاروخية قادرة على تهديد شمال إسرائيل، فيما كانت إسرائيل تتردد في تنفيذ اجتياحات برية واسعة خشية الاستنزاف والخسائر. غير أن هذه المعادلة تبدلت جذرياً؛ إذ لم تعد قواعد اللعبة قائمة على تفاهم غير مباشر بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إيلام الآخر، «بل باتت إسرائيل تفرض قواعد الاشتباك مستندة إلى تفوقها العسكري الكاسح، في حين يسعى الطرف المقابل إلى تجنب الانهيار الكامل والمحافظة على ما تبقى من قدراته».

تحولات رئيسة

وبالنسبة للتحوّلات، فثمة خمسة تحولات، حسب رأي داود، هي:

1 - الانتقال من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار؛ إذ إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى احتلال المناطق ميدانياً لإخضاعها، بل تعتمد بصورة متزايدة على القوة النارية، ولا سيما سلاح الجو، لتدمير المواقع وفرض السيطرة عليها من دون وجود بري دائم.

2 - انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم التي استمرت سنوات بعد حرب 2006، لتحل محلها مرحلة تقوم على الضربات الاستباقية في العمق، بحيث أصبحت إسرائيل تعتمد سياسة المبادرة العسكرية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات، وتسعى إلى تعطيل مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر مباشر.

3 - الانتقال من المواجهة التقليدية المتكافئة نسبياً إلى الحرب غير المتماثلة... ذلك أن الاشتباكات في السابق كانت تقوم على عمليات خاصة متبادلة، سواء عبر تسلل مجموعات أو تنفيذ عمليات محدودة على جانبي الحدود، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة القتال، وباتت الطائرات المسيّرة، والقدرات التكنولوجية، والضربات الدقيقة، تشكل أدوات المواجهة الرئيسة، بما يعكس انتقال الحرب إلى نمط مختلف تحكمه التكنولوجيا أكثر مما تحكمه الكثافة العددية للقوات.

4 - تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»؛ إذ انتقل من الردع المسبق الذي كان يقوم على التهديد برد فوري يمنع إسرائيل من الإقدام على الهجوم، إلى ردع استنزافي مؤجل، حيث لم يعد الرد المباشر والفوري هو القاعدة، بل بات يعتمد على استنزاف الخصم مع مرور الوقت، بدلاً من الرد العسكري المتزامن مع الضربة الإسرائيلية.

5 - تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار نفسه. فبعد حرب 2006 كان وقف النار يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أما اليوم فأصبح وقف إطلاق النار إطاراً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً؛ إذ تستمر العمليات العسكرية والضربات الإسرائيلية رغم وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في طبيعة إدارة الصراع مقارنة بما كان سائداً بعد عام 2006».

ختاماً، بحسب داود، «هذه التحولات مجتمعة تعكس انتقالاً من مرحلة كانت تقوم على توازن الردع وفرض القيود المتبادلة، إلى مرحلة باتت إسرائيل فيها تسعى إلى فرض قواعدها العملياتية عبر السيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، والتفوّق في مجالات الاستخبارات والاستطلاع، بما يجعل إدارة الصراع مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها الجبهة اللبنانية طوال السنوات التي أعقبت حرب يوليو 2006».


جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو
TT

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً. إذ قال ساخراً في تجمع بمدينة سان أنطونيو إن الجمهوريين وصفوه بأشياء كثيرة، «حتى إنهم قالوا إنني نباتي، وهذه كلمات قتال في تكساس». لم تكن النكتة تفصيلاً عابراً؛ فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ يواجه حملة تتهمه بالضعف و«قلة الرجولة»، وتلاحق جسده وحالته الاجتماعية وعقيدته قبل برنامجه. إلا أنه لا يرد بأسلوب راعي البقر الذي يريد خصومه جرّه إليه، بل بحكاية أبيه الذي كان يجزّ عشب جارته الأرملة من دون طلب منها، ليقول إن «العظمة ليست في الإخضاع والإهانة، بل في خدمة الآخرين». هذه المواجهة تختصر الرهان كله.

يسعى جيمس تالاريكو، النائب المحلي البالغ 37 سنة والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، لينتزع تعريفات الرجولة والإيمان والشعبوية من حركة «ماغا» الجمهورية المتشددة يميناً، ويعيد تقديم الديمقراطيين حزباً للعمل والأسرة لا حزباً للمواعظ الثقافية.

والواقع، أنه إذا نجح تالاريكو في إلحاق الهزيمة بمنافسه المدعي العام الجمهوري كين باكستون، سيصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لمجلس الشيوخ منذ لويد بنتسن - الوزير السابق - عام 1988، وسيقلب تحديداً مقعداً ظلّ جمهورياً منذ فوز جون تاور التاريخي عام 1961. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن عليه أن يثبت أن القصص التي صنعت نجوميته كفيلة بتحريك ولاية أعطت الرئيس دونالد ترمب تقدّماً بنحو 14 نقطة عام 2024.

سيرة تُروى كعظة

يقدم تالاريكو نفسه بصفته «تكساسياً من الجيل الثامن»، بيد مركز قصته ليس نسباً عريقاً، بل غرفة متواضعة في فندق. فوفق روايته الانتخابية، غادرت أمه، وهي ابنة واعظ من مدينة لاريدو، أباه المدمن والعنيف عندما كان جيمس رضيعاً، وانتقلت به إلى الفندق الذي كانت تعمل فيه.

يومذاك، لم يكن في شقتهما مكان لغرفة طفل، فوضعت سريره في خزانة وزيّنتها بالصور والألعاب.

هذه الحكاية تمنحه لغة سياسية عن الحب الذي «لا يتسامح مع الإساءة»، وتربط حديثه عن الأجر والسكن والرعاية الصحية بخبرة عائلية لا ببيانات مستشارين.

درس تالاريكو العلوم السياسية في جامعة تكساس - أوستن، ثم نال شهادة الماجستير في سياسات التعليم من جامعة هارفارد، وبينهما درّس اللغة لطلاب الصف السادس في حي مكسيكي - أميركي فقير بسان أنطونيو.

عام 2018 طرق متطوِّعو حملته الانتخابية 95 ألف باب، وسار هو على امتداد دائرته، وقلب مقعداً كان ترمب قد فاز به قبل سنتين بنحو ألفي صوت، ليصبح أصغر أعضاء مجلس نواب تكساس. ولكن أثناء ذلك المشي، أصابه دوار قاده إلى المستشفى وإلى تشخيص إصابته بالسكري؛ وبعد انتخابه شارك في تمرير قانون خصص سقفاً مقداره 25 دولاراً للمدفوعات الشخصية للإنسولين.

هنا تتصل الإصابة الشخصية مباشرة بفكرته عن السياسة: تحويل جرح فردي إلى قانون.

لم يكن تالاريكو مجرد خطيب معارض داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون. إذ عمل معهم لتمرير تشريعات تتصل بالمدارس والأدوية ورعاية الأطفال والإسكان، واشتهر في الوقت نفسه باستجواب أصحاب مشاريع عرض «الوصايا العشر» في الصفوف وحظر كتب المكتبات.

وبعد انسحاب ديمقراطيي الولاية إلى واشنطن عام 2021 لمنع سَن قانون انتخابي، عاد خائباً من عجز قيادة الحزب الوطنية عن إقرار حماية اتحادية للتصويت. وسقط ذات ليلة على درج نصب لنكولن وكسر إبهامه، ثم قرّر، كما روى لصحيفة الـ«نيويوركر»، أن يدخل مدرسة لاهوت كي يوازن إغراء القوة ببوصلة أخلاقية.

يسار... ولكن بلكنة تكساسية

الدين عند جيمس تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة اليمين الإنجيلي، بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً. ثم إنه يصف «القومية المسيحية» بأنها تحويل للمسيح إلى أداة سلطة، ويقول إن الإيمان يقوده إلى ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان. وحقاً، جعلته مقاطع مواجهاته في المجلس ووعظه ضد توظيف الدين، نجماً رقمياً يتابعه الملايين، وقادته إلى برنامج جو روغان، مقدم «البودكاست» المحافظ الشهير، الذي بقي في الربع الثاني من 2026 الأكثر استماعاً أسبوعياً في الولايات المتحدة. وللعلم، قال له روغان في نهاية حواره الطويل: «عليك أن تترشح للرئاسة».

لكن «الواعظ التقدمي» سياسي عملي أيضاً. وجوهر رسالته أن الانقسام الحقيقي ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع. ويضيف: «المليارديرات يريدون أن ينشغل الناس ببعضهم كي لا ينظروا إليهم».

ثم إن تالاريكو يعرض برنامجاً تفصيلياً لزيادة ضرائب الأثرياء والشركات، ورفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور إلى 15 دولاراً، ومنع شركات وول ستريت من شراء المنازل والتلاعب بالإيجارات، ويعمل لخفض تكلفة الدواء، وإلغاء رسوم ترمب الجمركية. كذلك، يرفض أموال «لجان العمل السياسي» (اللوبيات) المرتبطة بالشركات، ويعِد بحزمة لمكافحة الفساد وحظر تداول أعضاء الكونغرس للأسهم وإعادة رسم الدوائر بواسطة لجان مستقلة.

وحتى الحدود، التي يعدّها ترمب والجمهوريون إحدى أهم القضايا لاستقطاب الناخبين، يصوغها تالاريكو باستعارة تكساسية؛ إذ يقول: «يجب أن تكون شرفة أمامية عليها بساط ترحيب وقفل في الباب»، مع تشديد التصدي للعصابات والمهرّبين، مع اتباع مسارات قانونية للمهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منذ زمن.

الدين عند تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة

اليمين الإنجيلي... بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً

ضد الانعزال والحروب

وفي السياسة الخارجية يرفض تالاريكو الانعزال والحروب غير الضرورية، ويدعم الدفاع عن أوكرانيا، ويقرّ «بحق إسرائيل في حماية شعبها»، لكنه يرفض قصف المدنيين والتجويع والعقاب الجماعي في غزة واستخدام المال الأميركي لإيذائهم. بذا يحاول الإجابة عن أزمة الحزب الديمقراطي... ليس بالهروب من الدين والحدود والأمن، بل بإعادة تعريف هذه القضايا أخلاقياً واقتصادياً.

في المقابل، نقطة ضعفه أن اللغة التي تمنحه التميز قد تبدو أكاديمية أو متكلفة، حسب «بوليتيكو». فقد اعترف بأن قوله عام 2021 إن «الله غير ثنائي» كان استفزازياً و«محرجاً»، موضحاً أن قصده أن الله يتجاوز التصنيفات البشرية. والحال، أن بعض خطاباته المحفوظة بإتقان تبدو مصنوعة، كما أن وعده «بشفاء» الاستقطاب يمكن أن يصطدم بعصر يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ المصالحة.

«الرجولة» ساحة قتال

باكستون والجمهوريون يرون في هذه الثغرة مدخلاً واسعاً، فيسمونه «توفو تالاريكو» و«لو-تي تالاريكو»، في إشارة سلبية إلى رجولته، ويستحضرون قوله عن جنس الله ودفاعه السابق عن حقوق المتحوّلين. ويلمّحون إلى أن نحول جسمه وبقاءه عازباً «دليلان» على الضعف، في حين روّج بعض أنصارهم ادعاءات كاذبة بأنه مثلي أو متحوّل. وأنتجت لجنة محافظة شريطاً بالذكاء الاصطناعي يصوّره في هيئة جولي أندروز، بطلة فيلم «صوت الموسيقى»، وهي تغني عن إعطاء الهرمونات للأطفال، مع أن حملته تؤكد أنه يعارض رعاية تأكيد النوع للقاصرين.

بالطبع، الهدف أكبر من السخرية الشخصية. فقد انتقل شبان لاتينيون وسود إلى اليمين بانتخابات 2024، وبات كثير منهم يربط الجمهوريين بالاستقلال المالي وتكوين الأسرة، والديمقراطيين بصراعات الهوية. وأظهر استطلاع لمركز «ثيرد واي» (الطريق الثالث) أن 49 في المائة من الرجال يرون تالاريكو يسارياً جداً. وفي تكساس، حيث للرجل القوي مكانة ثقافية خاصة، يريد الجمهوريون تحويل الانتخاب من استفتاء على فساد باكستون وتكلفة المعيشة إلى اختبار لهوية تالاريكو.

لكن رد الأخير لم يكن التجاهل. فقد بات يأكل الشواء أمام الكاميرات، وقدّم رسائل معلنة خلال مباريات كأس العالم ونهائيات كرة السلة، وهو يسعى إلى تكرار ظهوره الناجح مع روغان، ويتحدى باكستون إلى مناظرات متلفزة «رجلاً لرجل». وحين سماه خصمه «تالافريكو»، فإنه طبع اللقب على قمصان وباعها. لكنه يرفض أن يقلد استعراض ترمب؛ فتعريفه لـ«الرجل الحقيقي» هو من يكون صادقاً ويحمي أسرته ويخدم جيرانه، أما الضعيف فهو من يخدم نفسه.

باكستون... أفضل فرصة وأخطر فخ

من جهة ثانية، لم يختر الديمقراطيون خصم تالاريكو، لكنهم حصلوا على المرشح الذي تمنّونه. فقد أطاح باكستون السيناتور المخضرم جون كورنين في جولة الإعادة الجمهورية بنسبة تقارب 64 في المائة، بعد تأييد متأخر من ترمب، في انتصار لجناح يعتبر القتال ضد اليسار أهم من التسويات. غير أن الرجل الذي يقدم نفسه «محارباً محافظاً» يحمل سجلاً ثقيلاً: أحاله مجلس نواب تكساس ذو الغالبية الجمهورية عام 2023 إلى محاكمة برلمانية باتهامات إساءة المنصب والرشوة، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ؛ وأُسقطت اتهامات احتيال بالأوراق المالية بعد اتفاق تضمن نحو 300 ألف دولار تعويضاً من دون إقرار بالذنب، كما امتنع القضاء الاتحادي عن توجيه اتهامات إليه. ثم طلبت زوجته الطلاق «لأسباب إنجيلية».

وبالفعل، أثبت باكستون ثلاث مرات أنه قادر على الفوز على مستوى الولاية رغم الفضائح، وأن أنصاره يرون التحقيقات دليلاً على أنه مقاتل مضطهد لا سبباً لإسقاطه. وهذه هي خطورة بناء حملة تالاريكو كلها على فساد الخصم. لكن الفارق هذه المرة هو المال والبيئة الوطنية. فقد أفادت صحيفة «تكساس تريبيون» بأن حملة تالاريكو جمعت منذ مطلع 2025 نحو 72 مليون دولار، مقابل 16.8 مليون لباكستون، وأنها أنهت يونيو (حزيران) بأكثر من ثلاثة أضعاف سيولته.

مع ذلك، تمنح الاستطلاعات تالاريكو أملاً... لا ضماناً. ولقد وضعه مسح «تكساس بابليك أوبينيون ريسيرتش» في يوليو (تموز) متقدماً 45 إلى 40 في المائة، ومسح جامعة تكساس الجنوبية المنشور في 4 أغسطس (آب) متقدماً 47 إلى 45، وكلا الفارقين ضمن هامش الخطأ أو قريب منه.

كذلك، ما زالت النشرة السياسية المستقلة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصصة في تحليل الانتخابات، تصنّف السباق بأنه «يميل للجمهوريين». فالاستطلاع كان محطة وجاء بعد إنفاق تالاريكو التلفزيوني الكبير وقبل اكتمال اتحاد الجمهوريين، وليس إلغاءً لثلاثة عقود من الهزائم الديمقراطية.

مرشح أمام أزمة حزبين

كما سبق، اختار الناخبون الجمهوريون باكستون، المدعوم من ترمب، على حساب كورنين الذي عدّته قيادات في الحزب أكثر قدرة على خوض الانتخابات العامة، في حين ركزت حملة باكستون على قضايا النوع الاجتماعي بالتزامن مع تصاعد قلق الناخبين من أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.

ولكن استطلاع «رويترز/إبسوس» مطلع أغسطس بيّن تراجع شعبية ترمب إلى 35 في المائة، وتقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد بنقطة واحدة فقط في الثقة بإدارة الاقتصاد؛ أي أن أفضلية الجمهوريين تآكلت، لا أن الناخب اقتنع تماماً بالبديل.

في أي حال، الديمقراطيون أكثر شعبية في الصحة والتعليم والإجهاض، لكنهم فقدوا لغة الرجال والطبقة العاملة، وضعفت قاعدتهم الريفية، وما عادوا ضامنين ولاء ناخبيهم السود. إذ هزم تالاريكو، منافسته جاسمين كروكيت في تمهيدية مشحونة عرقياً، ويدعي 77 في المائة من الناخبين السود في تكساس أن الحزب يأخذهم أمراً مسلماً به، وإن كان استطلاع حديث قد وجد أن 79 في المائة منهم معه مقابل 12 لباكستون.ختاماً، الديمقراطيون يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة مجلس الشيوخ؛ وتكساس يمكن أن تكون طريقاً إلى الغالبية، لكنها قبل ذلك اختبار لما إذا كان تالاريكو قصة وطنية جميلة أم بداية اصطفاف سياسي جديد.


كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)
TT

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

لكن الانشقاق الحديث بدأ عام 1961، عندما فاز الجمهوري جون تاور في انتخابات خاصة لمجلس الشيوخ، أول جمهوري تنتخبه الولاية على مستوى عام منذ حقبة إعادة الإعمار. ومع انتقال البيض المحافظين والإنجيليين وأصحاب الأعمال تدريجياً إلى الجمهوريين، وتسارع الاستقطاب حول الحقوق المدنية والضرائب والطاقة، حافظت تكساس لمدة ثلاثة عقود على سيناتور من كل حزب، قبل أن يكتمل التحوّل.

لويد بنتسن كان آخر ديمقراطي ينتخب لمجلس الشيوخ عام 1988، وكان بوب كروغر آخر ديمقراطي يشغل مقعداً فيه بالتعيين خمسة أشهر عام 1993. كذلك فاز ديمقراطيون بمناصب الولاية للمرة الأخيرة عام 1994، ثم اكتسح الجمهوريون المناصب التنفيذية في 1998. ومنذ ذلك الحين عزّزت قبضتهم الضواحي المحافظة، وصناعة النفط والغاز، والكنائس الإنجيلية، والريف الشاسع في شرق وغرب وشمال تكساس. ولا تزال المقاطعات الريفية تمنحهم هوامش قد تتجاوز 70 نقطة، فيما أظهرت دراسة أكاديمية أن أكثر من ربع المقاطعات الريفية كان بلا رئيس محلي ديمقراطي عام 2022، مقابل وجود رئيس محلي جمهوري في كل منها.

السناتور لويد بنتسن (وزارة الخزانة الأميركية)

قوة الديمقراطيين تتركّز في قلب المدن الكبرى: مقاطعة هاريس حول هيوستن، ودالاس، وترافيس حول أوستن عاصمة الولاية، وبيكسار حول سان أنطونيو، وإل باسو، إضافة إلى هايز وبعض الضواحي المتنوعة مثل فورت بيند. لكن الفوز بهذه الجزر لا يكفي إذا لم يرفعوا المشاركة ويقلّصوا خسائر الضواحي والريف.

عام 2024، فاز ترمب بالولاية بنحو 14 نقطة، واستعاد مقاطعة تارانت، وتقدم بقوة في وادي ريو غراندي؛ حتى مقاطعة ستار على الحدود مع المكسيك ذات الغالبية اللاتينية الساحقة صوتت جمهورياً للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

لذا، ليست تكساس «زرقاء مؤجلة» بفعل الديموغرافيا وحدها. إنها ولاية شابة ومتنوعة ومنخفضة المشاركة، لكن اللاتينيين والآسيويين والوافدين لا يصوّتون ككتلة واحدة. لهذا فطريق تالاريكو يمرّ بهوامش ضخمة في المدن، واستعادة اللاتينيين في الجنوب، واجتذاب المستقلين في الضواحي، وتقليص الانهيار الريفي. وتلك عملية تنظيمية، لا معجزة حسابية.