ما سيناريوهات التفاعل الدولي مع تجدد العنف في دارفور؟

مخاوف دولية من فتح جبهة جديدة للصراع بعد اشتباكات قبلية راح ضحيتها 90 قتيلاً

من اشتباكات سابقة في غرب دارفور (غيتي)
من اشتباكات سابقة في غرب دارفور (غيتي)
TT

ما سيناريوهات التفاعل الدولي مع تجدد العنف في دارفور؟

من اشتباكات سابقة في غرب دارفور (غيتي)
من اشتباكات سابقة في غرب دارفور (غيتي)

لم يحتمل الوضع الأمني الهش في «دارفور» سوى أقل من أسبوعين، حتى دخل الإقليم، الذي شهد صراعات دامية على مدى عقدين، على خط الأزمة، فاتحا جبهة جديدة للصراع المحتدم منذ منتصف الشهر الحالي في السودان، إلا أن اشتعال المواجهات في «دارفور» ربما يكون - وفق مراقبين - هو الأخطر والأكثر تعقيدا وتأثيرا على المستوى السوداني والإقليمي.
وأفاد بيان للناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية (الخميس) بأن الموقف العسكري داخل وخارج الخرطوم «مستقر جدا عدا ولاية غرب دارفور التي شهدت صراعا قبليا يجري معالجته بواسطة السلطات المحلية».
وكانت تقارير إعلامية سودانية ذكرت (الأربعاء) أن 90 قتيلا على الأقل سقطوا في اشتباكات قبلية بولاية غرب دارفور منذ الاثنين الماضي.
وكشف تقرير لصحيفة «سودان تربيون» أن قتالا عنيفا اندلع (الاثنين) بين الجيش وقوات الدعم السريع تحوّل إلى نزاع بين قبيلة «المساليت» الأفريقية والقبائل العربية استُخدمت فيه أسلحة ثقيلة. وأوضح شهود عيان ومسؤولون محليون للصحيفة أن أعدادا كبيرة من الجثامين ملقاة على الطرقات ولم يتم نقلها بسبب صعوبة الأوضاع الأمنية، وانتشار المسلحين القبليين في أجزاء واسعة من مدينة الجنينة، وأن أعدادا كبيرة من المواطنين فروا نحو الأراضي التشادية رغم إغلاق الحكومة هناك للحدود.
في وقت سابق، عبر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، فولكر بيرتس، عن «قلقه العميق» إزاء التقارير عن وقوع أعمال عنف في «الجنينة» بغرب دارفور، وقال إنه «يبدو أنها تتخذ أبعادا قبلية بين المجتمعات المحلية في ظل شن هجمات على المدنيين وأعمال نهب وتوزيع الأسلحة بين المجتمعات المحلية». وأضاف بيرتس أن الأحداث في «الجنينة» أسفرت عن عمليات نهب واسعة النطاق، بما في ذلك مباني الأمم المتحدة.
وتصاعدت على مدى الأيام الماضية المخاوف لدى سكان إقليم «دارفور» من أن يؤدي القتال الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى إيقاظ الصراع في المنطقة الصحراوية، التي تعادل مساحة فرنسا تقريبا، ويعيش فيها نحو 1.5 مليون نازح في مخيمات تعاني أوضاعا إنسانية صعبة، وفق تقارير لمنظمات إنسانية دولية. وقالت منظمة العفو الدولية (الثلاثاء) إنه مع تصاعد العنف بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في جميع أنحاء السودان «لا يزال المدنيون في دارفور يعانون بسبب إخفاق سلطات البلاد في توفير الأمن، وعدم قدرتها على تحقيق العدالة والمساءلة عن جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات بعد مرور 20 عاما على بدء الصراع في دارفور».
واندلع الصراع في الإقليم عام 2003 بين مجموعة من المتمردين وبين القوات الحكومية المدعومة من ميليشيات «الجنجويد»، التي تمثل حاليا القوام الرئيسي لقوات الدعم السريع، وأدت تلك المواجهات، وفق تقارير دولية، لمقتل نحو 300 ألف شخص وتشريد الملايين.
وأكد الدكتور محمد يوسف الحسن، المحلل السياسي التشادي، أن اندلاع أعمال العنف في إقليم دارفور «كان متوقعا»، مشيرا إلى أن الإقليم «يعاني وضعا أمنيا وقبليا معقدا»، وأنه «كان من الطبيعي أن تنعكس الاشتباكات التي جرت في الخرطوم سريعا على الأوضاع في دارفور».
وأوضح الحسن لـ«الشرق الأوسط» أن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «يتمتع بحاضنة شعبية في دارفور»، وأن كل التوقعات كانت «تشير إلى استعانته بحلفائه في الإقليم لحسم الصراع مع قيادة القوات المسلحة، أو اللجوء للإقليم في حال ساءت الأمور بالنسبة له، في محاولة لإعادة ترتيب صفوف قواته والحصول على مزيد من التعزيزات».
وأشار المحلل السياسي التشادي إلى أن الموقع الجغرافي لإقليم دارفور والمحاذي لحدود 4 دول، هي ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان «يفرض وضعا إقليميا بالغ الأهمية، ويزيد من مخاوف الدول المجاورة للإقليم من تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية به»، مشيرا إلى «عجز المبادرات الدولية على مدى العقدين الماضيين عن تقديم أي إنجازات على الأرض لصالح سكان الإقليم».
وأضاف أن هذه الدول المجاورة للسودان من جهة إقليم دارفور، ترتبط بعلاقات قبلية عميقة مع المكونات السكانية للإقليم، فضلا عن أن أي تدهور للوضع الأمني والإنساني سيدفع بمزيد من النازحين نحو حدود تلك الدول، خصوصا تشاد، التي لا يزال يعيش على أراضيها آلاف النازحين السودانيين منذ سنوات الصراع في دارفور، وهو ما يضاعف من الضغوط على تلك الدول، التي تعاني أزمات اقتصادية وسياسية عميقة.
يُشار إلى أن اتفاقات السلام الكثيرة التي تم توقيعها على مدى السنوات الماضية، برعاية إقليمية ودولية، لم تفلح في إنهاء الصراعات بالإقليم، الذي تندلع فيه أعمال عنف من حين إلى آخر، وقد زادت وتيرتها خلال العامين الماضيين.
من جانبه، قال السفير علي الحفني، نائب وزير الخارجية المصري السابق للشؤون الأفريقية، إن امتداد الصراع إلى جبهات جديدة، ومنها إقليم دارفور، يلقي بظلال قاتمة على الوضع في الداخل السوداني، وكذلك على دول جوار السودان.
وأضاف الحفني لـ«الشرق الأوسط» أن «خطورة الموقف في إقليم دارفور وغيره من المناطق السودانية الشاسعة، بل وفي كثير من دول منطقة الساحل والصحراء، تكمن في أن هناك نشاطا مثيرا للقلق الإقليمي والدولي لكثير من الميليشيات والتنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وكذلك عصابات الجريمة المنظمة التي تعمل في جرائم تهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر»، لافتا إلى أن تلك الجماعات تستفيد من حالة انعدام الاستقرار، وهو ما سيضاعف الآثار السلبية للصراع الراهن في السودان.
وأوضح الحفني، أنه «ليس من مصلحة أي طرف إعادة إشعال الصراعات القديمة في الإقليم الهش أمنيا»، مضيفا أن من شأن إحياء تلك الصراعات أن «يؤثر على النسيج الاجتماعي بالكامل في الإقليم، ويعيد بعث مشاريع التقسيم والتجزئة»، وهو ما يعتبره «خطرا حقيقيا على السودان والإقليم والقارة الأفريقية بكاملها».
وتابع نائب وزير الخارجية المصري السابق للشؤون الأفريقية، أنه «لا يمكن التعويل على دور كبير للقوى الدولية»، خصوصا أن التدخلات الخارجية «تأتي في مقدمة عوامل إشعال الأزمات في السودان وفي أفريقيا عموما»، مضيفا أن «هناك أطرافا لا ترغب في استقرار السودان، وتحاول إبقاءه في حالة نزاع وفوضى مستمرة».


مقالات ذات صلة

مخاوف دولية من إطالة أمد الصراع في السودان

شمال افريقيا مخاوف دولية من إطالة أمد الصراع في السودان

مخاوف دولية من إطالة أمد الصراع في السودان

يخوض فصيلان متناحران صراعاً في السودان منذ أسبوعين، وسط مؤشرات على أنه لا يمكن لأي منهما أن يحقق نصراً حاسماً، مما يثير مخاوف دولية من أن تؤدي حرب طويلة الأمد بين قوات الدعم السريع والجيش النظامي إلى زعزعة استقرار منطقة مضطربة بالفعل.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا ما سيناريوهات التفاعل الدولي مع تجدد العنف في دارفور؟

ما سيناريوهات التفاعل الدولي مع تجدد العنف في دارفور؟

لم يحتمل الوضع الأمني الهش في «دارفور» سوى أقل من أسبوعين، حتى دخل الإقليم، الذي شهد صراعات دامية على مدى عقدين، على خط الأزمة، فاتحا جبهة جديدة للصراع المحتدم منذ منتصف الشهر الحالي في السودان، إلا أن اشتعال المواجهات في «دارفور» ربما يكون - وفق مراقبين - هو الأخطر والأكثر تعقيدا وتأثيرا على المستوى السوداني والإقليمي. وأفاد بيان للناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية (الخميس) بأن الموقف العسكري داخل الخرطوم وخارجها «مستقر جدا عدا ولاية غرب دارفور التي شهدت صراعا قبليا يجري معالجته بواسطة السلطات المحلية». وكانت تقارير إعلامية سودانية ذكرت (الأربعاء) أن 90 قتيلا على الأقل سقطوا في اشتباك

شمال افريقيا مقتل 3 من برنامج الأغذية العالمي في دارفور

مقتل 3 من برنامج الأغذية العالمي في دارفور

أعلن برنامج الأغذية العالمي، في بيان اليوم الأحد، تعليق كافة عملياته في السودان مؤقتا بعد مقتل ثلاثة من موظفيه. وقُتل أمس (السبت)، ثلاثة عاملين في برنامج الأغذية العالمي في إقليم دافور بغرب السودان، بحسب ما أعلن الممثل الخاص للأمم المتحدة للسودان فولكر بيرتس الذي «أدان بشدة الهجوم على موظفي الأمم المتحدة» ومنشآت المنظمات الإنسانية في دارفور. وقال بيان صادر عن مكتب فولكر إن الموظفين الأمميين الثلاثة قتلوا في اشتباكات وقعت في كبكابيه بشمال دارفور «أثناء قيامهم بواجبهم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أ.ب)

«حميدتي» في دارفور لتنفيذ قرارات التحقيق في أحداث «بليل»

تشهد ولاية جنوب دارفور اجتماعات مهمة تتعلق بتنفيذ قرارات لجان التحقيق في أحداث العنف القبلي الدامي الذي شهدته ولاية جنوب كردفان في الأشهر الماضية، وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى وآلاف النازحين، وهي الأحداث التي يواجه بعض الجنود التابعين لقوات «الدعم السريع» اتهامات بالضلوع فيها، أو بعدم التدخل لوقف نزف الدم بها. ووصل نائب رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى حاضرة الإقليم، نيالا، وبرفقته عضو «مجلس السيادة»، الهادي إدريس، ووفد عدلي مكوَّن من وزير العدل المكلف محمد سعيد الحلو، والنائب العام المكلف خليفة أحمد خليفة، ومن ممثلين عن جهازي الشرطة والمخابرات الوطنية، وممثل عن

أحمد يونس (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة أرشيفية لنازحين في إقليم دارفور بالسودان (رويترز)

منظمة غير حكومية: مقتل 8 أشخاص باشتباكات قبلية في إقليم دارفور السوداني

قُتل ثمانية أشخاص في اشتباكات قبلية جديدة في دارفور، المنطقة الواقعة في غرب السودان التي تشهد أعمال عنف بشكل منتظم، حسبما أفادت منظمة غير حكومية، الخميس. وأفاد شهود بأن الاشتباكات اندلعت في ساعة متقدمة من ليل الأربعاء، بعد مقتل رجل من قبيلة الفور الأفريقية في خلاف مع أحد أفراد قبيلة الرزيقات العربية في زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور. وفي وقت لاحق، هاجم أفراد من قبيلة الرزيقات على دراجات نارية ومسلّحون، أفراداً من قبيلة الفور يقطنون في مخيّم للنازحين في زالنجي، حسبما أفاد المتحدث باسم التنسيقية العامة للاجئين والنازحين في دارفور آدم ريغال الذي قال: «حتى الآن، قُتل ثمانية أشخاص وأصيب 11 آخرون بجر

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

«الجيش الوطني» ينهي عملية نوعية بالجنوب الليبي ضد «مارقين»

مدرعات عسكرية تابعة لـ«اللواء 604 مشاة» (الجيش الوطني)
مدرعات عسكرية تابعة لـ«اللواء 604 مشاة» (الجيش الوطني)
TT

«الجيش الوطني» ينهي عملية نوعية بالجنوب الليبي ضد «مارقين»

مدرعات عسكرية تابعة لـ«اللواء 604 مشاة» (الجيش الوطني)
مدرعات عسكرية تابعة لـ«اللواء 604 مشاة» (الجيش الوطني)

أعلن «الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، «نجاح مهمته القتالية داخل الأراضي النيجرية»، ضد من وُصفوا بـ«قوى الإرهاب والعصابات المارقة».

وقال المكتب الإعلامي لـ«اللواء 604 مشاة» التابع للجيش، في بيان ليل السبت - الأحد، إن قواته «تمكنت من تحرير الأسرى وتوجيه ضربات مباشرة لمقر قوات وردقو»، مشدداً على أن هذه العملية استهدفت «وأد أي محاولة مسبقة لزعزعة أمن الجنوب الليبي»، لتنهي بذلك عملية نوعية تستهدف الحفاظ على الحدود الجنوبية.

و«وردقو» هو آمر ما يسمى بـ«غرفة تحرير الجنوب»، التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية في الجنوب الليبي المحاذي للنيجر، خاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

ونعى الفريق صدام حفتر نجل ونائب حفتر، وحكومة «الاستقرار» برئاسة أسامة حماد، في بيانين منفصلين، «شهداء قوات الجيش الذين ارتقوا خلال مواجهات مع قوى الإرهاب والعصابات المارقة» في الجنوب، وأكدا «الالتزام بحماية الحدود وتطهير الأرض».

دورية أمنية على الحدود الجنوبية الليبية (الجيش الوطني)

وقالت حكومة حماد إن «الشهداء قدموا أرواحهم فداءً للوطن، وسطّروا بدمائهم أسمى معاني الشجاعة والفداء»، وذلك أثناء مواجهة «قوى الإرهاب والعصابات المارقة» خلال دفاعهم عن الحدود الليبية.

وكانت قوات «النخبة» بـ«الجيش الوطني» قادت عملية عسكرية «نوعية ودقيقة» على الحدود الجنوبية منتصف الأسبوع، «أسفرت عن تحييد عدد من الإرهابيين وأسر آخرين، كما صادرت كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي كانت بحوزتهم».

وكان «وردقو»، الذي تلا بيان العناصر المسلحة من أمام «منفذ التوم» الشهر الماضي، قال في مقطع فيديو، إن هؤلاء سيواصلون عملياتهم ضد قوات «الجيش الوطني»، مضيفاً: «لسنا عصابات بل نحن من أبناء الجنوب».

وطوّر «الجيش الوطني» الليبي علاقته العسكرية مع تشاد عبر تشكيل «قوة مشتركة» لحماية الحدود الجنوبية، ليعزز بذلك سيطرته على الشريط الممتد بين البلدين على مساحة تقارب 1050 كيلومتراً.

ويأتي هذا التطور على خلفية صراعات يشهدها الجنوب الليبي باعتباره ساحة خلفية لصراعات السلطة والمعارضة التشادية، ما أدى خلال السنوات التي تلت الانفلات الأمني في بعض دول الجوار الأفريقي، إلى ازدياد عمليات «اختراق الحدود» من قبل جماعات وُصفت بـ«المتمردة».

صدام حفتر مع رئيس «لجنة الإسكان العسكري» (القيادة العامة)

إلى ذلك، بحث الفريق صدام حفتر مع رئيس «لجنة الإسكان العسكري»، اللواء علي القطعاني، مساء السبت، سير العمل في «مشروع الإسكان العسكري»، مشدداً على ضرورة «تكثيف الجهود لتحسين الأوضاع المعيشية لمنتسبي المؤسسة العسكرية ورفع المعاناة عنهم، تقديراً لتضحياتهم الوطنية في مختلف المدن الليبية».


تهديدات بإغلاق منشآت نفطية في الزاوية الليبية احتجاجاً على احتجاز متظاهرين

جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
TT

تهديدات بإغلاق منشآت نفطية في الزاوية الليبية احتجاجاً على احتجاز متظاهرين

جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)
جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

هدد محتجون ونشطاء في مدينة الزاوية الليبية بغلق منشآت نفطية حال عدم إطلاق الأجهزة الأمنية، التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، سراح ثلاثة متظاهرين كانت قد احتجزتهم مساء الجمعة، وحمّلوها المسؤولية الكاملة عن سلامتهم.

وطالب المحتجون الذين تجمعوا في شوارع الزاوية في الساعات الأولى من صباح الأحد، الحكومة بإطلاق المحتجزين الثلاثة وهم: عبد الله صلاح، ونادر النايلي، وجمعة محمد؛ مهددين بغلق مصفاة الزاوية و«مجمع مليتة النفطي»، والطريق الساحلي، مؤكدين أنه إذا لم تلبّ مطالبهم، فسوف يتوجهون إلى مقري الحكومة والبعثة الأممية في طرابلس وجنزور.

وكانت العاصمة طرابلس، ومدن عدة بغرب ليبيا، شهدت موجة احتجاجات عارمة، بدأت مساء الجمعة حتى فجر السبت ، للتنديد بغلاء المعيشة وانهيار العملة المحلية بشكل غير مسبوق أمام الدولار، وتدهور الخدمات الحكومية، غير أن مجموعات مسلحة تصدت للمتظاهرين واعتقلت بعضهم.

وعلى أثر هذه التوقيفات، شهدت الزاوية وقفات احتجاجية مساء السبت تندد بحكومة «الوحدة»، وسط تهديدات جديدة من نشطاء بتعطيل خطوط الغاز إلى إيطاليا في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.

مظاهرة لمواطنين في «ميدان الشهداء» بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

وسبق أن أضرت الاشتباكات المسلحة، خزانات النفط في محيط «مصفاة الزاوية للتكرير»، وأوقعت قتيلاً و15 جريحاً على الأقل، وهو ما اضطر «المؤسسة الوطنية للنفط» حينها إلى إعلان «القوة القاهرة» .

ودعت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» في ليبيا، السلطات إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين الذين شاركوا في المظاهرات السلمية التي شهدتها مدينة طرابلس، وقالت، إنها «تلقت كثيراً من التقارير التي تزعم وقوع اعتقالات تعسفية نفذتها قوات الأمن».

وقالت المؤسسة في بيان لها مساء السبت، إن أعضاءً منتسبين لجهاز الأمن الداخلي، ووزارة الداخلية، و«قوة التدخل والتحكم» بالحكومة، «متورطون في احتجاز المواطنين الذين شاركوا في الاحتجاجات التي جرت في العاصمة».

وتُطالب المؤسسة الأجهزة الأمنية «المتورطة في استهداف المتظاهرين السلميين بالاعتقال التعسفي، بالإفراج الفوري عن كل المعتقلين ووقف الممارسات القمعية التي تهدف إلى تكميم الأفواه، ومصادرة حق التظاهر المكفول دستورياً وقانونياً وفقاً للمواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».

كما تُحمّل المؤسسة، حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة ،«المسؤولية القانونية الكاملة، عن سلامة وحياة المتظاهرين المحتجزين لدى أجهزتها، وتدعوها إلى ضمان احترام حرية الرأي والتعبير، والكفّ عن قمع الحريات العامة المكفولة للمواطنين بموجب الإعلان الدستوري».

وكان ما يُسمّى «حراك انتفاضة شباب مدن غرب طرابلس»، قد دعا المواطنين يوم الجمعة الماضي، إلى الخروج والمشاركة في المظاهرة للمطالبة بإسقاط الأجسام السياسية، عادّين إياها «جمعة الحسم، وساعة الحقيقة» للتخلص من جميع الساسة المتحكمين في المشهد السياسي.

وتحاول ليبيا إعادة تنشيط إنتاج النفط والغاز، إذ تستهدف السلطات أن يصل إنتاج النفط إلى مليوني برميل يومياً قبل عام 2030، وهو مستوى يتجاوز ذروة الإنتاج عند 1.75 مليون برميل في عام 2006.

إنتاج النفط الليبي تعطل مراراً خلال العقد الماضي (أ.ف.ب)

وتقع «مصفاة الزاوية» على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتبلغ طاقتها الإنتاجية 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بـ«حقل الشرارة النفطي» الذي ينتج 300 ألف برميل يومياً.

ويتخوف متابعون من إقدام المحتجين في الزاوية وغيرها من المدن، على غلق حقول أو منشآت نفطية، ما يؤثر على موارد البلاد، لا سيما مع ارتفاعات كبيرة متوقعة في أسعار النفط؛ تأثراً بالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ويتوقع مصدر مقرب من حكومة «الوحدة»، إطلاق سراح المعتقلين «خلال يومين»، تبعاً لما تعانيه من ضغوط وغضب شعبي من تردي مستوى المعيشة، وتراجع القيمة الشرائية بسبب تدني سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية.

في السياق ذاته، قالت «المؤسسة الوطنية للنفط»، الأحد، إن «حقل المبروك» النفطي التابع لشركة «المبروك للعمليات النفطية»، استأنف عمليات الزيادة في معدلات الإنتاج رسمياً السبت، وذلك عقب تشغيل وحدة الإنتاج المبكر الجديدة بنجاح، لتبدأ معدلات الضخ الأولية ما بين 25 ألفاً إلى 30 ألف برميل يومياً .


الجزائر: «مأساة حرائق القبائل» أمام القضاء مجدداً... وتطلعات إلى «محاكمة عادلة»

جانب من النيران في منطقة القبائل صيف 2021(أرشيفية- متداولة)
جانب من النيران في منطقة القبائل صيف 2021(أرشيفية- متداولة)
TT

الجزائر: «مأساة حرائق القبائل» أمام القضاء مجدداً... وتطلعات إلى «محاكمة عادلة»

جانب من النيران في منطقة القبائل صيف 2021(أرشيفية- متداولة)
جانب من النيران في منطقة القبائل صيف 2021(أرشيفية- متداولة)

في أجواء من القلق والترقب، بدأت «الغرفة الجنائية» بـ«مجلس قضاء الجزائر» (محكمة الاستئناف)، الأحد، محاكمة 92 متهماً (52 موقوفاً و40 في حالة سراح) فيما يُعرَف بـ«ملف حرائق القبائل 2021»، بعدما نقضت «المحكمة العليا»، أحكاماً قاسية جداً صدرت عام 2022، في ظرف بالغ التصعيد، ضد عشرات المشتبه بهم في أحداث مروعة.

تتفرع عن «أحداث القبائل» ثلاث قضايا: إضرام النار في الغطاء النباتي؛ ما أسفر عنه هلاك 65 شخصاً، من بينهم مدنيون وعسكريون، وإتلاف أملاك عقارية وحقول وبساتين وأراضٍ زراعية تابعة لسكان المنطقة التي تقع شرق العاصمة، وقَتْل شاب ثلاثيني يدعى جمال بن سماعيل، والتنكيل به بشبهة إشعال النار، و«تلقي توجيهات من حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل وزعيمها فرحات مهني، بهدف إشعار النيران فيها».

وأكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، أن المحكمة أجَّلت الجلسة إلى «الدورة الجنائية» المقبلة (تبدأ أواخر مارس/ آذار وتختتم في نهاية يونيو/حزيران)، بناء على طلب محامين أشاروا إلى «غياب عدة أوراق تخص الملف»، من دون أن يقدم المصدر تفاصيل أخرى.

مؤشرات محاكمة عادلة

في تقدير المحامين وعائلات المتهمين، وكذلك في أوساط السياسة والإعلام، يُعدّ نقض الأحكام ومعاودة المحاكمة، مؤشراً قوياً على استعداد القضاء للنظر في القضية من زوايا أخرى؛ ما يبعث على ارتياح بشأن إمكانية إجراء محاكمة عادلة أخيراً.

وعشية المحاكمة، أصدر المتهمون، وهم: نشاك ياسين، وحجاز أزواو، وقداش يوسف، ولعسكري محمد، بياناً عن طريق محاميهم، أعلنوا فيه أنهم يطعنون في الوقائع المنسوبة إليهم، وأعلنوا: «نؤكد أننا لم نشارك، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر، في حرائق الغابات التي مسَّت المنطقة، ولا في الأفعال التي أدَّت إلى الوفاة المأساوية لجمال بن إسماعيل. ويعود للجهة القضائية المختصة أن

تُقيّم، بكل سيادة، عناصر الإثبات المدرجة في الملف، وأن تُحدد المسؤوليات المحتملة».

بلدة بمنطقة القبائل بعد اخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالاعلام الاجتماعي)

وفيما يخص تهمة «الانتماء لحركة (ماك)» (اسم مختصر لحركة الحكم الذاتي في القبائل)، أفاد البيان بأن المتهمين «أنهوا كل صلة بها سنة 2019. وقد غادرنا هياكلها بسبب توجهها الانفصالي، وكذلك لتمسُّكنا العميق بنضال يكون في إطار لا يمسّ بالأمة ولا بوحدتها ولا بالمصلحة الوطنية. ومنذ ذلك التاريخ، لم نقم بأي نشاط أو التزام من شأنه أن يربطنا بالوقائع محل المتابعة».

كما عبَّروا عن «تعاطفهم العميق مع عائلة جمال بن إسماعيل، ومع جميع عائلات ضحايا الحرائق؛ فقد تسببت هذه الأحداث في ألم عظيم لا يسعنا إلا أن نُحييه بكل احترام وخشوع. ونجدد تمسكنا باحترام قوانين ومؤسسات الجمهورية، كما نؤكد ثقتنا في سير محاكمة عادلة، قائمة على المبدأ الأساسي لقرينة البراءة وعلى التمحيص بدقة في الأدلة».

من جهته، قال حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، الذي يملك أهم قواعده النضالية في منطقة القبائل، في بيان، إن القضية «كانت محاطة منذ البداية بشحنات سياسية وإعلامية، ومحاولات لاستغلال الألم لأهداف تتجاوز البحث عن الحقيقة».

وشدد على أن «العدالة في دولة القانون تُمارس بهدوء، مع احترام حقوق الدفاع، والسعي الدقيق للحقيقة».

الغرفة الجنائية بمجلس قضاء العاصمة الجزائر(متداولة)

وحضّ الحزب، المحكمة، على «إظهار استقلال وعدالة القضاء الجزائري، وإصدار حكم يحقق الإنصاف، ويعيد الحق للضحايا وعائلاتهم، وللمتهمين، وفق الوقائع»، مشيراً إلى أن «الألم يجب ألّا يولّد الظلم، والمأساة يجب ألّا تتحول إلى ذريعة للتعسف. الطريق الشريف للأمة هو الحقيقة والعدل والقانون».

خلفية الأحداث

تعود أحداث القضية إلى 21 أغسطس (آب) 2021، حين اجتاحت حرائق مدمِّرة منطقة القبائل، وأتت على عدة قرى، مخلِّفة عشرات القتلى. وفي ظلّ جهود التضامن، توجه الفنان التشكيلي جمال بن سماعيل، من مكان سكنه في مليانة (120 كلم غرب العاصمة) للمساعدة في إخماد الحرائق.

بعد قضاء ليلة أولى، اتهمه السكان بإشعال الحرائق. أثناء توجهه مع شابين آخرين، اعترضتهم حشود غاضبة، ففرّ الثلاثة. تمكنت الشرطة من حمايته، لكن جمعاً كبيراً توجه إلى مقر الاحتجاز، حيث سُحب جمال من مركبة الشرطة وجُرّ إلى ساحة البلدة، حيث تعرَّض للتعذيب ثم أُحرق حياً وقُطع رأسه، في مشهد صدم الرأي العام.

الشاب جمال بن سماعيل الذي قتل في حرائق القبائل(من حسابه الخاص بالاعلام الاجتماعي)

بعد 15 شهراً، أُحيل 102 شخص إلى محكمة الجنايات بتهم، منها «أفعال إرهابية وتخريبية»، و«القتل العمد مع سبق الإصرار»، و«التحريض على العنف وخطاب الكراهية»، و«الانتماء إلى حركة انفصال مصنفة إرهابية».

في الدرجة الأولى، حُكِم بإعدام 49 متهماً، والسجن من سنتين إلى 10 سنوات على 28 آخرين، والبراءة لـ17 شخصاً. وطُعِن في الحكم، لتعود القضية إلى «غرفة الجنايات» لدى «مجلس قضاء الجزائر العاصمة» في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، حيث صدر حكم نهائي بإعدام 36 متهماً، والسجن 20 سنة لستة آخرين، و10 سنوات لمتهم واحد، وتبرئة 26 آخرين، إضافة إلى أحكام أخرى بالسجن تتراوح بين 3 و7 سنوات، وفرض تعويض 20 مليون دينار لعائلة الضحية.

أثار الحكم، يومها، غضب عائلات المتهمين الذين كانوا متجمعين أمام المحكمة؛ إذ توقعوا قراراً «أكثر رحمة»، خصوصاً بحق المحكوم عليهم بالإعدام. وقبل أيام من النطق بالحكم، أرسلت العائلات رسالة إلى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تطلب فيها مراجعة القرار، بينما استدعى صراخ المتهمين وبكاء الحاضرين تدخُّل قوات الأمن وإخلاء القاعة أثناء الجلسة.