مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة

أطباء قالوا إن رائحة الجثث والرصاص تفوح في كل المكان

مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة
TT

مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة

مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة

في 15 أبريل (نيسان)، أفاق السودانيون على أصوات اشتباكات عنيفة بين الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي». وخلال 10 أيام من الاشتباكات حوّلت هذه المعارك التي لم تفلح معها محاولات التهدئة، العاصمة الخرطوم ومدناً أخرى إلى ميادين حرب مفتوحة، وأعاقت تقديم الرعاية الصحية وعمل الأطباء، حتى تحول كثير من مستشفيات الخرطوم إلى ما يشبه مدافن مفتوحة، فضلاً عن وضع الكوادر الطبية تحت ضغوط إضافية في بلد عانى من النزاعات والعقوبات على مدى عقود.
في العاصمة التي يقطنها زهاء 8 ملايين نسمة، يروي أطباء ومرضى قصصاً مروّعة عن وضع مستشفيات باتت عاجزة عن إنجاز أحد أبسط المبادئ الإنسانية: إكرام الميت دفنه. فوجئ الشاب إبراهيم محمد عندما أدرك أن الشخص الذي يتلقى العلاج إلى جانبه في أحد مستشفيات الخرطوم، بات جثة هامدة، لكن ضراوة المعارك في العاصمة السودانية حالت لأيام دون نقل جثمانه.
كان محمد (25 عاماً) يتلقى العلاج من سرطان الدم في «مستشفى الخرطوم التعليمي»، وفق ما قال والده إبراهيم (62 عاماً) الذي كان يعوده باستمرار. وقال الوالد لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «بسبب القتال العنيف، لم يتم نقل الشخص المتوفى ليتم دفنه» بعد وفاته.
- رائحة الموت والرصاص
بقي محمد في الغرفة حيث تنبعث رائحة الموت شيئاً فشيئاً، في مدينة تُعرف بحرارة مناخها حتى في هذه الفترة من العام، وبعد ثلاثة أيام خرج الأب وابنه من المستشفى، والجثة في مكانها. وبحسب مصادر طبية، بات هذا المشهد مألوفاً في السودان منذ بدء المعارك. وقال أمين عام نقابة أطباء السودان عطية عبد الله، إن في مستشفيات عدة «تبقى الجثث المتحللة في العنابر»، كما قال أطباء إن رائحة الجثث والرصاص تفوح في كل المكان. وأشار عبد الله إلى أن المعارك تسبّبت في «انهيار كامل وشامل لنظام الرعاية الصحية» في البلاد، وأدت إلى امتلاء «المشارح والشوارع بالجثث».
وقبل مغادرة المستشفى، كان إبراهيم ونجله أمام خيارين أحلاهما مرّ، وقال الأب: «لقد ملأت الرائحة الكريهة الغرفة»، وفاقمها انقطاع التيار الكهربائي لثلاثة أيام وارتفاع حرارة الطقس، فكان الخيار «إما أن نبقى في غرفة ذات رائحة عفنة، أو نخرج ونواجه طلقات الرصاص». وأكد إبراهيم محمد أن «المستشفى كان يتعرض للقصف»، وتبادل الأعيرة النارية كان يحدث «خارج المستشفى مباشرة»، مشيراً إلى أن بعض المرضى الذين غادروا آنذاك أصيبوا بالرصاص.
- مستشفيات تحت القصف
من جانبها، أفادت منظمة الصحة العالمية بسقوط «ثمانية قتلى واثنين من الجرحى» من الأطقم الطبية المعالِجة. وبحسب نقابة الأطباء السودانية، تعرّض 13 مستشفى للقصف وتم إخلاء 19 منشأة طبية أخرى خلال أيام من القتال. بالنسبة إلى الطواقم الطبية، كان السماح لنزلاء المستشفيات بالمغادرة عوضاً عن البقاء للعلاج، خياراً صعباً للغاية، خصوصاً مع استمرار الاشتباكات. وقال عبد الله: «وجدنا أنفسنا مضطرين للسماح للمرضى بالمغادرة... إذا بقوا فسيُقتلون».
وإضافة إلى خطر الإصابة جراء المعارك، تضع مغادرة المستشفى المرضى أمام مخاطر صحية أخرى. وأوضح محمد أنه اضطر للسير هو ونجله خارج المستشفى، وتطلّب وصولهما إلى المنزل زهاء خمس ساعات، وأكد أن «صحة ابني تدهورت منذ ذلك الحين»، ولا سيما أنه لم يتمكن من نقله إلى مركز طبي آخر لاستكمال العلاج، قائلاً: «أريد فقط أن يتوقف كل هذا حتى أتمكن من معالجة ابني».
وأشار عبد الله إلى أن نحو ثلاثة أرباع المستشفيات أغلقت أبوابها، والمنشآت الطبية باتت تكتفي بتقديم خدمات الطوارئ وعلاج المصابين جراء المعارك.
- طواقم منهكة
وتسببت الاشتباكات بمقتل أكثر من 420 شخصاً وإصابة 3700 بجروح، ودفعت عشرات الآلاف للنزوح من مناطق الاشتباكات نحو ولايات أخرى، أو في اتجاه تشاد ومصر ودول أخرى، إلا أن التقديرات ترجّح أن يكون العدد الفعلي للقتلى أعلى بكثير، مع عدم تمكّن الأطباء والعاملين في المجال الإنساني من الوصول إلى المحتاجين. وحتى المنشآت التي أبقت أبوابها مفتوحة «معرّضة لخطر الإغلاق في أي لحظة» جراء الوضع، وفق ما قال عبد الله الذي يؤكد أنها تعاني أيضاً نقصاً حاداً في المستلزمات الطبية، لا سيما أكياس الدم والمعدات الجراحية الكافية، وكذلك الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية وحتى سيارات الإسعاف.
أما الطواقم، فباتت عرضة للإنهاك؛ لأن «الفريق الطبي نفسه يعمل في بعض المستشفيات» لمدة ثمانية أيام متواصلة، وفق عبد الله الذي يشير إلى أن «البعض لديه جرّاح واحد فقط، والجميع منهك للغاية». وجّه المسعفون نداءات يومية لوقف إطلاق النار للسماح بوصول المساعدات الإنسانية، ونقل الجرحى ودفن الموتى، ولكن أي هدنة فعلية وثابتة لم تتحقق بعد زهاء عشرة أيام من المعارك.
وفي حين يسعى سودانيون عبر منصات التواصل الاجتماعي لتوفير أدوية للذين يعانون من الأمراض المزمنة، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود يعرّضان مخزوناً من اللقاحات وجرعات «الأنسولين» بقيمة أكثر من 40 مليون دولار، لخطر التلف. ودفع الوضع الحالي نقابة الأطباء لتقديم نصائح للمدنيين حول كيفية التعامل مع الجثث المتحللة وطرق تكفينها ودفنها.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الخارجية المصرية»: بن فرحان وعبد العاطي يناقشان هاتفياً تحضيرات مجلس التنسيق المشترك

الأمير فيصل بن فرحان والوزير بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق في الرياض (واس)
الأمير فيصل بن فرحان والوزير بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق في الرياض (واس)
TT

«الخارجية المصرية»: بن فرحان وعبد العاطي يناقشان هاتفياً تحضيرات مجلس التنسيق المشترك

الأمير فيصل بن فرحان والوزير بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق في الرياض (واس)
الأمير فيصل بن فرحان والوزير بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق في الرياض (واس)

تستعد المملكة العربية السعودية ومصر لعقد الاجتماع الأول لـ«مجلس التنسيق الأعلى» بين البلدين، ما عدّه خبراء «تأكيداً على عمق العلاقات بين القاهرة والرياض، وإعلاء للتشاور بينهما في مواجهة التحديات الإقليمية».

وبحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، التحضيرات الجارية لعقد الاجتماع الأول لـ«مجلس التنسيق الأعلى المصري - السعودي»، بحسب إفادة رسمية لـ«الخارجية المصرية»، الجمعة.

وكان الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، شهدا في ختام محادثاتهما بالقاهرة، منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2024، التوقيع على تشكيل «مجلس التنسيق الأعلى المصري - السعودي»، بهدف «تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في جميع المجالات، وبخاصة السياسية والأمنية، والاقتصادية، والتجارية، والاستثمارية والتعليمية والصحية، والزراعية والبيئية، والثقافية والصناعية، والتقنية، والاتصالات، والتعاون الرقمي، والبنى التحتية، والطاقة».

وأكد المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي السعودي، اللواء محمد الحربي لـ«الشرق الأوسط»، أن «التحضير لعقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق السعودي - المصري، يمثل منعطفاً استراتيجياً في مسار العلاقات بين البلدين، وخطوة تتجاوز الإطار البروتوكولي إلى تأسيس مرحلة جديدة من التنسيق العميق والممنهج».

وقال إن «هذا الاجتماع ليس مجرد لقاء افتتاحي؛ بل هو منصة لإعادة صياغة آليات التعاون بما يتناسب مع حجم التحديات والفرص، ويضع أسساً عملية لتسريع المشاريع المشتركة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتوحيد المواقف تجاه الملفات الإقليمية ذات الحساسية العالية».

محادثات الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبد الفتاح السيسي في جدة فبراير الحالي (الرئاسة المصرية)

وعدّ مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، التحضير لانعقاد «المجلس الأعلى للتنسيق المصري - السعودي»، بمثابة «تأكيد على عمق العلاقات بين القاهرة والرياض»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انعقاد الاجتماع في هذا التوقيت، «لا سيما مع ما تواجهه المنطقة من تحديات وتوترات».

وخلال الاتصال الهاتفي، أكد عبد العاطي وبن فرحان «عمق الروابط الأخوية التي تجمع مصر والسعودية في شتى المجالات، والحرص المتبادل على مواصلة تطوير التعاون والبناء على الزخم الإيجابي الذي تشهده العلاقات»، مشيرين في هذا الصدد، إلى زيارة الرئيس المصري الأخيرة للمملكة، في 23 فبراير (شباط) الحالي، ولقائه وولي العهد السعودي.

كما تبادل الوزيران الرؤى إزاء التطورات الإقليمية، حيث شددا على «أولوية خفض التصعيد واحتواء التوترات في المنطقة، وتغليب لغة الحوار والمسارات الدبلوماسية في ظل الظرف الإقليمي الراهن».

وبحث الوزيران مستجدات الأوضاع في كل من السودان وقطاع غزة وليبيا ومنطقة القرن الأفريقي، والجهود المبذولة للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

وقال حجازي إن «المشهد الإقليمي المضطرب يستدعي تنسيق المواقف بين القاهرة والرياض»، مشدداً على «أهمية التشاور والتعاون الإقليمي بين أكبر دولتين في المنطقة؛ السعودية ومصر».

وكان عبد العاطي قد أكد في حواره مع «الشرق الأوسط»، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن «مصر والمملكة هما جناحا الأمتين العربية والإسلامية، ولن ينصلح حالهما إلا بالتنسيق والتعاون الكاملين بينهما»، مشيراً إلى «قرب انعقاد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق الأعلى المصري - السعودي».

استقبال الأمير محمد بن سلمان للرئيس عبد الفتاح السيسي في جدة فبراير الحالي (الرئاسة المصرية)

فيما أوضح الحربي أن «اجتماع مجلس التنسيق الأعلى السعودي - المصري سيركز على تحديد أولويات واضحة تعكس المصالح المشتركة بين البلدين، إضافة إلى صياغة مسارات تنفيذية قابلة للقياس والمتابعة، وتعزيز الربط المؤسسي بين الجهات التنفيذية في البلدين، وإطلاق مبادرات نوعية تعكس قوة الشراكة وعمقها».

وقال إن «نجاح هذا الاجتماع سوف يشكل إشارة انطلاق قوية نحو مرحلة أكثر فاعلية في التعاون السعودي - المصري، ويعزز الدور المحوري للبلدين في صياغة توازنات المنطقة وصناعة مستقبل واعد».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استقبل الرئيس المصري، وزير الخارجية السعودي، وأكد السيسي «حرص بلاده على تعزيز علاقات التعاون مع السعودية في مختلف المجالات»، مرحباً بالجهود الجارية «لترتيب الانعقاد الأول لمجلس التنسيق الأعلى المصري - السعودي»، وفق إفادة للمتحدث باسم الرئاسة المصرية آنذاك.

وأصدر الرئيس المصري، منتصف العام الماضي، قراراً حمل رقم 55 لعام 2025، بشأن الموافقة على محضر تشكيل «مجلس التنسيق الأعلى المصري - السعودي»، برئاسة الأمير محمد بن سلمان والسيسي.

الرئيس المصري خلال لقاء وزير الخارجية السعودي في القاهرة يناير الماضي (الرئاسة المصرية)

و«يتألف المجلس، إضافة إلى رئيسي الجانبين، من عدد من الوزراء في المجالات ذات الصلة بالمهمات المسندة إليه، ويقوم كل جانب بتزويد الجانب الآخر بأسماء ممثليه في المجلس، ويكون لكل جانب أمين يتولى التنسيق مع نظيره في الجانب الآخر، واتخاذ ما يلزم لتنفيذ المهمات المنصوص عليها في هذا المحضر»، بحسب نص القرار.

ويهدف المجلس إلى «تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في جميع المجالات، وبخاصة السياسية والأمنية، والاقتصادية، والتجارية، والاستثمارية، والتعليمية، والصحية، والزراعية، والبيئية، والثقافية، والصناعية، والتقنية، والاتصالات، والبنى التحتية، والطاقة».

ونص القرار على أن «يعقد المجلس اجتماعاته دورياً وبالتناوب في البلدين، وللمجلس أن يعقد اجتماعات استثنائية كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وله تشكيل لجان تحضيرية لمساندته في إنهاء المهمات المسندة إليه».

ووفق القرار، «يعدّ أمينا الجانبين محضراً مشتركاً يتضمن حوكمة لأعمال المجلس ولجانه ومهماتها وآليات التنسيق والتواصل بما يكفل تحقيق الغايات المنشودة من تشكيل المجلس، وتعتمد الحوكمة بموافقة رئيسي الجانبين».


أحزاب مصرية تكسر صيامها السياسي في رمضان بمبادرات مجتمعية

جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)
جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)
TT

أحزاب مصرية تكسر صيامها السياسي في رمضان بمبادرات مجتمعية

جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)
جانب من توزيع كراتين المساعدات الرمضانية على الأسر في مصر (حزب مستقبل وطن)

تتسابق الأحزاب المصرية، صاحبة الأغلبية في البرلمان (بغرفتيه النواب والشيوخ)، في تقديم مبادرات مجتمعية واسعة تستهدف الأسر الأكثر احتياجاً، وأنشطة رياضية وثقافية خلال شهر رمضان، فيما وصفه مراقبون بـ«كسر الصيام السياسي» في رمضان.

ويرى المراقبون أن هذا الحراك، الذي يتزامن مع هدوء نسبي في وتيرة التنافس السياسي خلال شهر الصيام، يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الحضور الميداني في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة، كما يمنح هذه الأحزاب زخماً مجتمعياً قد يمتد أثره إلى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات المحليات المرتقبة.

ويصنّف أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، هذا النشاط ضمن ما يُعرف بـ«رأسمال الاجتماعي والسياسي» أي بناء شبكات من العلاقات والثقة والتأثير داخل المجتمع، بما يهيئ الأرضية لجولات سياسية لاحقة، وفق ما صرّح به لـ«الشرق الأوسط».

وفي مشهد يتكرر من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، دفعت الأحزاب المصرية الثلاثة الكبرى (مستقبل وطن، والجبهة الوطنية، وحماة الوطن) بآلاف المتطوعين لتوزيع «كراتين رمضان» وتنظيم موائد إفطار جماعي، إلى جانب فعاليات رياضية وثقافية، في محاولة لتعزيز حضورها الشعبي خلال شهر يكتسب فيه العمل الخيري زخماً خاصاً.

وأطلق حزب «مستقبل وطن» ما سماه «مبادرة الخير»، متعهداً بتوزيع مليون كرتونة مواد غذائية في مختلف المحافظات، تحتوي على سلع أساسية مثل الأرز والسكر والمكرونة والزيت.

وفي محطة قطار الإسكندرية، المعروفة شعبياً بـ«محطة مصر»، نظمت أمانة «مستقبل وطن» حملة «إفطار مسافر»، حيث جرى توزيع مئات الوجبات الساخنة على الصائمين من المسافرين والمارة قبيل أذان المغرب.

فيما يوزع حزب «حُماة الوطن» آلاف الأطنان من المواد الغذائية على الأسر الأولى بالرعاية وذلك ضمن مبادرة «رمضان أصل الخير»، وذكر الحزب في بيان أن فرقه الميدانية انتشرت في القرى والمراكز والأحياء الشعبية لضمان وصول الدعم «بشكل مباشر ومنظم»، مشيراً إلى توسع المبادرة هذا العام من حيث الكميات وعدد المحافظات المستفيدة.

أما حزب «الجبهة الوطنية» فقد أطلق قافلة رمضانية كبرى لتوزيع مليون كرتونة غذائية، إلى جانب طرح كميات من اللحوم والدواجن بأسعار مخفضة. وقال رئيس الحزب، عاصم الجزار، إن المبادرة تستهدف القرى والنجوع والمناطق الأكثر احتياجاً في جميع أنحاء البلاد، في إطار ما وصفه بـ«الدور المجتمعي» للحزب.

حفل تكريم حفظة القرآن الذي نظمه حزب «حماة الوطن» الخميس في بني سويف (الصفحة الرسمية للحزب)

وامتدت الفعاليات إلى الملاعب والساحات العامة، حيث نظمت أمانات حزبية دورات كروية رمضانية، بينها دورة في محافظة الشرقية بمشاركة 33 فريقاً، وأخرى في طنطا، في محاولة لدمج الأنشطة الرياضية بالشهر الكريم وتعزيز التواصل مع الشباب.

كما أن حزب «حماة الوطن» نظم مسابقة لحفظ القرآن الكريم في بني سويف (جنوب القاهرة) وكرم الفائزين، بالإضافة إلى ندوات توعوية وموائد مستديرة تناقش قضايا مجتمعية خلال رمضان.

نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو هاشم ربيع، قال إن «المبادرات التي تطلقها بعض الأحزاب السياسية لتقديم خدمات اجتماعية وإنسانية للفئات الأكثر احتياجاً، تمثل من حيث المبدأ خطوة إيجابية تسهم في تخفيف الأعباء على محدودي الدخل».

ومع ذلك، فإنها تثير تساؤلات لدى ربيع تتعلق بمصادر تمويلها، ومدى خضوعها لأطر قانونية وتنظيمية واضحة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف القوى السياسية، وفق ما ذكر لـ«الشرق الأوسط».

والملاحظ غياب شبه تام لأحزاب المعارضة في المبادرات الرمضانية، وسط حضور طاغ للأحزاب ذات الأغلبية البرلمانية.

وأشار ربيع إلى أن «الفوارق الكبيرة في الإمكانات المالية بين الأحزاب قد تؤدي إلى تكريس هيمنة أحزاب بعينها على المشهد العام، مستفيدة من ثقلها المالي في توسيع نطاق أنشطتها الخدمية، بما يمنحها أفضلية سياسية غير مباشرة». وشدد على «أهمية وضع ضوابط تضمن الشفافية في التمويل، وتكفل عدم تحول العمل الاجتماعي إلى أداة لتعميق اختلال التوازن بين الأحزاب، بما يحافظ على عدالة المنافسة السياسية ويعزز المسار الديمقراطي».


مشهد دهس بسيارة تحمل «علم إسرائيل» يصدم المصريين

وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)
TT

مشهد دهس بسيارة تحمل «علم إسرائيل» يصدم المصريين

وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية المصرية ضبطت المتهمين بسرعة (وزارة الداخلية)

صُدم مصريون، في الساعات الأولى من صباح الجمعة، بفيديو متداول على نطاق واسع يُظهر سيارة تحمل ملصقاً لعلم إسرائيل وهي تحاول الفرار من مواطنين سعوا إلى إيقافها، قبل أن تصدم عدداً منهم. ولاحقاً ظهر سائق السيارة غارقاً في دمائه، بينما بدأت تفاصيل الواقعة تتكشف عقب إلقاء القبض عليه.

وأثارت الحادثة جدلاً واسعاً، عده البعض تجسيداً لحالة الرفض الشعبي لفكرة «التطبيع» مع إسرائيل، في ظل توتر سياسي بين البلدين آخذ في التصاعد منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وكشفت وزارة الداخلية عن تفاصيل الحادث، فقالت في بيان: «خلال وجود قائد السيارة الملاكي الظاهرة بمقطع الفيديو والمقيم بدائرة مركز شرطة كرداسة بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة) حدثت مشادة كلامية بينه وبين مالك محل تجاري لاعتراض الأخير على توقفه بالسيارة أمام المحل الخاص به».

لقطة من فيديو الواقعة (متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي)

أضافت الوزارة: «ولدى مشاهدة المارة للمشاجرة والعلم المثبت على السيارة قاموا بالتعدي عليه بالضرب وعند محاولته الإفلات اصطدم بعدد من المواطنين والمركبات تصادف مرورهم بالمنطقة؛ ما أسفر عن إصابة 6 أشخاص بكسور وكدمات متفرقة، وتم نقلهم لعدد من المستشفيات لتلقى العلاج اللازم».

وتابعت: «تم ضبط السيارة الظاهرة بمقطع الفيديو وقائدها، وأفادت أسرته بأنه يعاني من مرض نفسي منذ عدة سنوات، ويتم علاجه لدى عدد من الأطباء النفسيين، وقدموا الأوراق والشهادات الطبية التي تفيد ذلك».

«وباستكمال تحريات أجهزة الأمن المصرية تبين أن السائق تردد على أحد محلات كماليات السيارات بذات المنطقة، وطلب من ابنة مالك المحل طباعة الملصق المشار إليه (العلم الإسرائيلي)، فقامت المذكورة بطباعة نسختين وتسليمهما له خوفاً منه لكونه معروف بمحيط المنطقة محل سكنه بعدم اتزانه النفسي، وتولت النيابة العامة التحقيق»، وفقاً لما جاء في بيان «الداخلية المصرية».

«الداخلية المصرية» تلقي القبض على سائق سيارة تحمل ملصقاً لعلم إسرائيل (الداخلية المصرية)

ونقلت وسائل إعلام محلية بعض تفاصيل تحقيقات النيابة مع السائق، مشيرة إلى أن «والده أقر في التحقيقات بأن نجله مضطرب نفسياً، ويخضع لعلاج طبي، وقدم مستندات تؤكد ذلك، بينما قررت سلطات التحقيق عرض الشاب المذكور على لجنة طبية لبيان مدى سلامته العقلية وإدراكه لأفعاله».

وتباينت رؤى المواطنين الذين أعادوا نشر فيديو الواقعة بين من عبَّر عن صدمته من رؤية سيارة تحمل العلم الإسرائيلي في شوارع إحدى القرى المصرية، وعدوها لافتة وبين من وصف الحادث بأنه «أغرب من الخيال»، بينما رأى آخرون أن «الحادث ليس مجرد لقطة عابرة أو تصرف عشوائي، لكنه يتعلق برمز سياسي يرتبط في وجدان المصريين بالدم وبصراع مفتوح حتى الآن».

خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، رأى أن «ما فعله الأهالي مع الشخص الذي وضع علم إسرائيل على سيارته، هو رسالة رمزية مهمة وصريحة وقوية على الرفض الشعبي المصري لأي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، وعدم التهاون أو التغاضي عن أي فعل في هذا السياق مهما بدا صغيراً».

وقال عبد الواحد لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث دليل قوي على عدم نجاح المحاولات والحملات التي قادها البعض على مدى سنوات طويلة لجعل المصريين يتعاملون مع إسرائيل بوصفها دولة عادية»، مشيراً إلى أن «ما زاد حدة الغضب الشعبي أفعال إسرائيل الأخيرة في حرب غزة، وقتل الأطفال والكبار دون هوادة».

المارة قاموا بتحطيم السيارة (متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي)

ومنذ «اتفاق السلام» بين مصر وإسرائيل في عام 1979، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثلما حدث منذ اندلاع حرب غزة، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ومحاولاتها المستمرة لتهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، وتصاعدت المناوشات الإعلامية بين الطرفين من حين لآخر خلال المدة الماضية.

ولم تعتمد القاهرة أوراق سفير جديد لإسرائيل منذ انتهاء مدة السفيرة الإسرائيلية السابقة في الربع الأول من عام 2024؛ كما استدعت مصر سفيرها من إسرائيل قبل عدة أشهر، ولم يعد إلى هناك حتى الآن.

الصحافي المتخصص في الشؤون الفلسطينية الإسرائيلية، أشرف العشري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما فعله المصريون مع سائق السيارة أمر متوقع وطبيعي في العرف الثقافي والشعبي المصري، حيث إن هناك كراهية متأصلة في نظرة المصريين ضد إسرائيل منذ عام 1948، وتسارعت مع حروب يونيو (حزيران) عام 1967 وأكتوبر عام 1973 بسبب وجود ضحايا مصريين في هذه الحروب قامت إسرائيل بقتلهم».

لكن في المقابل، فإن المحلل السياسي المتخصص في الشؤون العربية والإقليمية، محمد أبو الفضل فقال إنه «مهما كانت هوية أو أفكار سائق السيارة الذي فعل ذلك فهناك جريمة مزدوجة وقعت، وهي تعريض حياة مواطنين مصريين للخطر، واستفزاز مشاعر المواطنين، وكلتاهما تستحق العقوبة، وإذا كانت الأولى منطقية بحكم وقوع العديد من حوادث السير يومياً، فإن الثانية مثيرة للانتباه من حيث جرأتها وتوقيتها».

أضاف أبو الفضل لـ«الشرق الأوسط» أنه «ربما تكون هذه المرة الأولى التي يجرؤ فيها مواطن مصري على السير بسيارة تضع علم إسرائيل، بخلاف ما نراه مع علم فلسطين الذي يضعه كثيرون على ظهر سياراتهم في مصر. وتابع أنه «يصعب تقبل هذا التصرف على المستوى الشعبي في وقت يتم فيه عرض مسلسل (صحاب الأرض) الذي يوجه إلى إسرائيل انتقادات لاذعة لما قامت به من جرائم في قطاع غزة، واعترضت عليه وسائل إعلام إسرائيلية، وعدته دليلاً عن أن السلام مع القاهرة ما زال بارداً».