مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة

أطباء قالوا إن رائحة الجثث والرصاص تفوح في كل المكان

مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة
TT

مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة

مستشفيات الخرطوم تحوّلت إلى مدافن مفتوحة

في 15 أبريل (نيسان)، أفاق السودانيون على أصوات اشتباكات عنيفة بين الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي». وخلال 10 أيام من الاشتباكات حوّلت هذه المعارك التي لم تفلح معها محاولات التهدئة، العاصمة الخرطوم ومدناً أخرى إلى ميادين حرب مفتوحة، وأعاقت تقديم الرعاية الصحية وعمل الأطباء، حتى تحول كثير من مستشفيات الخرطوم إلى ما يشبه مدافن مفتوحة، فضلاً عن وضع الكوادر الطبية تحت ضغوط إضافية في بلد عانى من النزاعات والعقوبات على مدى عقود.
في العاصمة التي يقطنها زهاء 8 ملايين نسمة، يروي أطباء ومرضى قصصاً مروّعة عن وضع مستشفيات باتت عاجزة عن إنجاز أحد أبسط المبادئ الإنسانية: إكرام الميت دفنه. فوجئ الشاب إبراهيم محمد عندما أدرك أن الشخص الذي يتلقى العلاج إلى جانبه في أحد مستشفيات الخرطوم، بات جثة هامدة، لكن ضراوة المعارك في العاصمة السودانية حالت لأيام دون نقل جثمانه.
كان محمد (25 عاماً) يتلقى العلاج من سرطان الدم في «مستشفى الخرطوم التعليمي»، وفق ما قال والده إبراهيم (62 عاماً) الذي كان يعوده باستمرار. وقال الوالد لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «بسبب القتال العنيف، لم يتم نقل الشخص المتوفى ليتم دفنه» بعد وفاته.
- رائحة الموت والرصاص
بقي محمد في الغرفة حيث تنبعث رائحة الموت شيئاً فشيئاً، في مدينة تُعرف بحرارة مناخها حتى في هذه الفترة من العام، وبعد ثلاثة أيام خرج الأب وابنه من المستشفى، والجثة في مكانها. وبحسب مصادر طبية، بات هذا المشهد مألوفاً في السودان منذ بدء المعارك. وقال أمين عام نقابة أطباء السودان عطية عبد الله، إن في مستشفيات عدة «تبقى الجثث المتحللة في العنابر»، كما قال أطباء إن رائحة الجثث والرصاص تفوح في كل المكان. وأشار عبد الله إلى أن المعارك تسبّبت في «انهيار كامل وشامل لنظام الرعاية الصحية» في البلاد، وأدت إلى امتلاء «المشارح والشوارع بالجثث».
وقبل مغادرة المستشفى، كان إبراهيم ونجله أمام خيارين أحلاهما مرّ، وقال الأب: «لقد ملأت الرائحة الكريهة الغرفة»، وفاقمها انقطاع التيار الكهربائي لثلاثة أيام وارتفاع حرارة الطقس، فكان الخيار «إما أن نبقى في غرفة ذات رائحة عفنة، أو نخرج ونواجه طلقات الرصاص». وأكد إبراهيم محمد أن «المستشفى كان يتعرض للقصف»، وتبادل الأعيرة النارية كان يحدث «خارج المستشفى مباشرة»، مشيراً إلى أن بعض المرضى الذين غادروا آنذاك أصيبوا بالرصاص.
- مستشفيات تحت القصف
من جانبها، أفادت منظمة الصحة العالمية بسقوط «ثمانية قتلى واثنين من الجرحى» من الأطقم الطبية المعالِجة. وبحسب نقابة الأطباء السودانية، تعرّض 13 مستشفى للقصف وتم إخلاء 19 منشأة طبية أخرى خلال أيام من القتال. بالنسبة إلى الطواقم الطبية، كان السماح لنزلاء المستشفيات بالمغادرة عوضاً عن البقاء للعلاج، خياراً صعباً للغاية، خصوصاً مع استمرار الاشتباكات. وقال عبد الله: «وجدنا أنفسنا مضطرين للسماح للمرضى بالمغادرة... إذا بقوا فسيُقتلون».
وإضافة إلى خطر الإصابة جراء المعارك، تضع مغادرة المستشفى المرضى أمام مخاطر صحية أخرى. وأوضح محمد أنه اضطر للسير هو ونجله خارج المستشفى، وتطلّب وصولهما إلى المنزل زهاء خمس ساعات، وأكد أن «صحة ابني تدهورت منذ ذلك الحين»، ولا سيما أنه لم يتمكن من نقله إلى مركز طبي آخر لاستكمال العلاج، قائلاً: «أريد فقط أن يتوقف كل هذا حتى أتمكن من معالجة ابني».
وأشار عبد الله إلى أن نحو ثلاثة أرباع المستشفيات أغلقت أبوابها، والمنشآت الطبية باتت تكتفي بتقديم خدمات الطوارئ وعلاج المصابين جراء المعارك.
- طواقم منهكة
وتسببت الاشتباكات بمقتل أكثر من 420 شخصاً وإصابة 3700 بجروح، ودفعت عشرات الآلاف للنزوح من مناطق الاشتباكات نحو ولايات أخرى، أو في اتجاه تشاد ومصر ودول أخرى، إلا أن التقديرات ترجّح أن يكون العدد الفعلي للقتلى أعلى بكثير، مع عدم تمكّن الأطباء والعاملين في المجال الإنساني من الوصول إلى المحتاجين. وحتى المنشآت التي أبقت أبوابها مفتوحة «معرّضة لخطر الإغلاق في أي لحظة» جراء الوضع، وفق ما قال عبد الله الذي يؤكد أنها تعاني أيضاً نقصاً حاداً في المستلزمات الطبية، لا سيما أكياس الدم والمعدات الجراحية الكافية، وكذلك الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية وحتى سيارات الإسعاف.
أما الطواقم، فباتت عرضة للإنهاك؛ لأن «الفريق الطبي نفسه يعمل في بعض المستشفيات» لمدة ثمانية أيام متواصلة، وفق عبد الله الذي يشير إلى أن «البعض لديه جرّاح واحد فقط، والجميع منهك للغاية». وجّه المسعفون نداءات يومية لوقف إطلاق النار للسماح بوصول المساعدات الإنسانية، ونقل الجرحى ودفن الموتى، ولكن أي هدنة فعلية وثابتة لم تتحقق بعد زهاء عشرة أيام من المعارك.
وفي حين يسعى سودانيون عبر منصات التواصل الاجتماعي لتوفير أدوية للذين يعانون من الأمراض المزمنة، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود يعرّضان مخزوناً من اللقاحات وجرعات «الأنسولين» بقيمة أكثر من 40 مليون دولار، لخطر التلف. ودفع الوضع الحالي نقابة الأطباء لتقديم نصائح للمدنيين حول كيفية التعامل مع الجثث المتحللة وطرق تكفينها ودفنها.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عودة هجمات البحر الأحمر تهدد تعافي قناة السويس

السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)
السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)
TT

عودة هجمات البحر الأحمر تهدد تعافي قناة السويس

السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)
السفينة الفرنسية «CMA CGM SEINE» العملاقة خلال مرورها من قناة السويس في يناير الماضي (هيئة قناة السويس)

تجددت مخاوف في مصر بشأن تأثر الملاحة في قناة السويس المصرية بالحرب الراهنة، بعد أشهر من تعافي إيراداتها، وربط خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» مدى تلك التأثيرات بـ«التطورات العسكرية خلال الفترة المقبلة».

وقال مسؤولان حوثيان لوكالة «أسوشييتد برس»، السبت، إن الجماعة اليمنية المدعومة من إيران «سوف تستأنف الهجمات على السفن التي تمر في البحر الأحمر».

وتأثرت حركة المرور بقناة السويس في وقت سابق نتيجة هجمات الحوثيين على سفن الشحن في البحر الأحمر، بسبب حرب إسرائيل على غزة في 2023. لكن مع توقيع «اتفاق غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، انخفضت تلك الهجمات بنسبة كبيرة.

وبلغت خسائر قناة السويس خلال عامَي 2024 و2025 نحو 12 مليار دولار، بسبب تداعيات «حرب غزة» وتغيير عديد من الخطوط الملاحية مسارها، وفق تصريحات رئيس «هيئة قناة السويس»، الفريق أسامة ربيع، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وحققت «القناة» في عام 2023 إيرادات بلغت 10 مليارات و200 مليون دولار.

ويرجح مستشار النقل البحري وخبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أن «يسود الترقب والحذر من قبل شركات الملاحة حتى نهاية شهر رمضان». ويدلل على ذلك بأن «الفترة الحالية هي من أهدأ الفترات التجارية في العالم؛ لأنها فترة الإجازات الصينية، وحجم التجارة في هذا التوقيت تقريباً أقل من 65 في المائة من طبيعته، وذلك من يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط) حتى منتصف مارس (آذار) من كل عام». لكنه يرى أنه «إذا لم تتوقف الحرب على إيران، فسوف تتأثر قناة السويس بما هو أسوأ من الربع الثاني خلال عام 2024».

ويتوقع الشامي «عدم إعلان أي شركة من شركات الملاحة تغيير مسارها من العبور في قناة السويس، بل ستظل هذه الشركات في حالة ترقب لما هو قادم».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله أسامة ربيع (شمالاً) بحضور المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

وأنعش عبور سفينة حاويات فرنسية عملاقة في مجرى قناة السويس، نهاية يناير الماضي، الآمال المصرية بعودة حركة الملاحة في الممر الملاحي الحيوي إلى طبيعتها، في ظل تأكيدات رسمية متكررة على تعافي الإيرادات وحركة السفن المارة، في حين يرى مراقبون أن «عودة هجمات البحر الأحمر سوف تهدد التعافي الذي شهدته قناة السويس خلال الأشهر الماضية».

وكان رئيس هيئة القناة تحدث خلال اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الشهر الماضي، عن تحسن الإيرادات بصورة أكبر خلال النصف الثاني من عام 2026 مع عودة حركة بعض الخطوط الملاحية إلى مستوياتها الطبيعية بنهاية العام.

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير صلاح حليمة، قال: «بالتأكيد سوف يكون هناك تأثير على الملاحة في قناة السويس»، لكنه رهن هذا التأثير بـ«حجم الاستهداف الحوثي، وهل سيكون ضد إسرائيل مباشرة، أو سيكون ضد بعض السفن المارة فقط، سواء الإسرائيلية أو الأميركية أو أي سفن أخرى».

ويضيف أنه «مجرد وجود توتر بهذا الشكل في المنطقة يكون له تأثير سلبي على حركة الملاحة، وبالتالي سوف تتأثر إيرادات قناة السويس بعد أشهر من التعافي».

عبور الحوض العائم «Green Dock3» بقناة السويس في ديسمبر الماضي (هيئة قناة السويس)

ويشير حليمة إلى «التحركات المصرية الحالية لتجنب التصعيد في المنطقة، ومحاولة الوصول إلى تهدئة... وأعتقد أن هناك عدداً من الدول التي اتخذت نفس الموقف، وجميعها تصب في النهاية على توقف الحرب».

وأعلنت «هيئة قناة السويس» الشهر الماضي تسجيل نمو في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024-2025.

ويؤكد حليمة أن «التأثيرات المستقبلية على القناة سوف تتوقف على مدى قيام الحوثيين باستهداف السفن فعلاً؛ لأن ما حدث حتى الآن مجرد إعلان من جماعة الحوثي عن استهدافات محتملة». ويوضح: «قد يكون هناك بعض الحذر من جانب شركات في حركة السفن، وذلك لحين اتضاح الصورة أكثر».


اعتقالات في غرب ليبيا إثر احتجاجات على الغلاء وتدهور الخدمات

مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
TT

اعتقالات في غرب ليبيا إثر احتجاجات على الغلاء وتدهور الخدمات

مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
مظاهرة لمواطنين في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

ساد هدوء حذر في العاصمة الليبية طرابلس وعدد من مدن غرب البلاد، السبت، عقب ليلة من الاحتجاجات الشعبية الحاشدة على ارتفاع الدولار والغلاء وتدهور الخدمات، وسط حالة من الغموض حول الوضع الصحي لرئيس حكومة «الوحدة» (المؤقتة)، عبد الحميد الدبيبة.

تسود في ليبيا حالة من الغموض حول الوضع الصحي لرئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة (الوحدة)

هذه المظاهرات واجهتها مجموعات مسلحة، تابعة لحكومة «الوحدة»، بمحاولات فض بالقوة وعمليات توقيف، في حين يدرس حلفاء الدبيبة في «مجلس الدولة» آليات إدارة المرحلة الانتقالية في حال تدهور حالته الصحية مجدداً.

وشهدت العاصمة طرابلس ومدن أخرى ليل الجمعة وفجر السبت، موجة احتجاجات عارمة للتنديد بتدهور الأوضاع المعيشية وانهيار العملة المحلية. وتحدث شهود عيان وتقارير إعلامية عن وقوع إطلاق نار عشوائي، واستخدام كثيف لقنابل الغاز المسيل للدموع أمام مقر رئاسة حكومة «الوحدة» في «طريق السكة» بطرابلس، في محاولة لتفريق متظاهرين غاضبين حاولوا الوصول إلى مقر الحكومة للتعبير عن استيائهم من تردي الخدمات وغلاء الأسعار.

ورصدت وسائل إعلام محلية إطلاق القوات الحكومية الرصاص الحي لقمع المتظاهرين أمام مقر الحكومة، بعدما تجمع المئات في «ميدان الشهداء» بقلب العاصمة، وسط هتافات طالبت بإسقاط كافة الأجسام السياسية القائمة في شرق البلاد وغربها دون استثناء.

ورفع المحتجون شعارات تنادي بإنهاء الفساد المستشري في المؤسسات العامة، وتشكيل حكومة موحدة تبسط سيطرتها على كامل التراب الليبي. كما هتفوا، بحسب وكالة الأنباء الليبية الرسمية، بوحدة البلاد، وطالبوا بالإسراع بالانتخابات، وبحكومة موحدة، رافضين كافة المسارات الأخرى التي تتجاهل مطالب الشعب وإرادته بإجراء انتخابات حرة، تفرز سلطات وقيادات شرعية تقود البلاد وتحفظ السيادة الليبية.

وتأتي هذه المظاهرات، التي امتدت إلى مدينتَي الزاوية وزليتن، على وقع أزمة اقتصادية خانقة؛ إذ سجل سعر صرف الدولار مستويات قياسية، متجاوزاً حاجز الـ10 دنانير ليبية، ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن.

وفي غياب تقارير مستقلة، رصدت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» وقوع حملة اعتقالات واسعة طالت بعض المشاركين في هذه المظاهرات السلمية، احتجاجاً على تدهور الظروف الاقتصادية والمعيشية في البلاد، مشيرة إلى رصدها تورط عناصر أمنية تابعة لجهاز الأمن الداخلي ووزارة الداخلية، وقوة التدخل والسيطرة التابعة لحكومة «الوحدة»، في تنفيذ عمليات احتجاز تعسفي ضد المتظاهرين الذين خرجوا ليلة السبت في شوارع العاصمة.

وأدانت المؤسسة ما وصفته بـ«الممارسات القمعية والاستبدادية»، التي تهدف إلى تكميم الأفواه ومصادرة الحق في التعبير السلمي، وطالبت الأجهزة الأمنية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة المعتقلين تعسفياً، والتوقف عن انتهاك القواعد الدستورية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري المؤقت، وقانون تنظيم التظاهر السلمي.

كما حمّلت حكومة «الوحدة» المسؤولية القانونية الكاملة عن سلامة وحياة المحتجزين، مذكّرة إياها بالتزامات ليبيا الدولية، بموجب «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».

إلى ذلك، التزمت «الوحدة» والمجلس الأعلى للدولة الصمت حيال تقارير إعلامية عن شروع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة في مناقشة خطوات إدارة المرحلة الانتقالية، بعد الحديث عن تدهور الحالة الصحية للدبيبة مجدداً.

وانتشرت مرة أخرى شائعات على وسائل إعلام وصفحات تواصل اجتماعي ليبية، تفيد بـ«عودة وعكة صحية» للدبيبة في مصراتة مساء الجمعة، ودخوله العناية المركزة للمرة الرابعة في أقل من شهرين، لكن حسابات إعلامية ليبية نفت أي وعكة جديدة، مؤكدة أن الدبيبة «بخير».

ولم يظهر الدبيبة علناً منذ عودته إلى البلاد، حيث هبطت طائرته في مطار مصراتة الدولي، ولم يصدر أي بيان رسمي يشير إلى تدهور صحي لاحق، علماً بأنه خضع لفحوصات طبية إضافية الأسبوع الماضي في مدينة ميلانو الإيطالية.

واستمر الدبيبة البالغ من العمر 65 عاماً في أداء مهامه، رغم تعرضه لوعكة صحية سابقة الشهر الماضي، حيث خضع لما وصفه بتدخل طفيف لم يحدده في مستشفى القلب والأوعية الدموية بمدينة مصراتة، في حين رجحت مصادر طبية وإعلامية خضوعه لعملية قسطرة قلبية ناجحة.

المظاهرات خرجت للتنديد بموجة الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية وانهيار العملة المحلية (أ.ف.ب)

في المقابل، كشفت بعثة الأمم المتحدة عن إحراز ما وصفته بتقدم ملموس في «الحوار المهيكل»، الرامي لمعالجة الجذور العميقة للأزمة التي طالما جرى ترحيلها من مرحلة إلى أخرى؛ إذ أكد المتحدث باسم البعثة، محمد الأسعدي، أن جولات الحوار في طرابلس أنجزت 40 يوم عمل، ركزت على قضايا ملحّة تعكس تطلعات الشارع الليبي.

وقال الأسعدي لـ«الشرق الأوسط» إن مجموعات العمل ستواصل لقاءاتها الفنية «عبر الإنترنت» خلال شهر رمضان، لضمان استمرارية الجهد الدولي في توحيد المؤسسات، واصفاً «الحوار المهيكل» بأنه «عملية شاملة تستهدف بناء رؤية مشتركة لمستقبل البلاد، ودعم توحيد المؤسسات، وتهيئة البيئة المناسبة للوصول إلى الاستقرار الدائم عبر صناديق الاقتراع، استناداً إلى مبادئ الشمول والتنوع»، على حد قوله.

ويُعد «الحوار المهيكل»، الذي انطلق في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد مسارات «الخريطة الأممية»، التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي لمعالجة الانقسام بين حكومتَي طرابلس والشرق، ويركز على أربعة ملفات رئيسية هي: الحوكمة، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، والأمن.


مخاوف في مصر من «تداعيات سلبية» للحرب الأميركية - الإيرانية

اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)
اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)
TT

مخاوف في مصر من «تداعيات سلبية» للحرب الأميركية - الإيرانية

اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)
اجتماع سابق لرئيس الوزراء مع عدد من الوزراء لمتابعة الأسعار في السوق المصرية (وزارة التموين المصرية)

فعَّلت مصر «غرفة الأزمات» في مجلس الوزراء، مع بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، استعداداً لمواجهة تداعيات سلبية متوقعة على الاقتصاد المصري الذي يحاول أن يتجاوز المراحل الصعبة، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة.

ورغم تأكيدات حكومية على أن السلع الاستراتيجية متوفرة لشهور، وإمدادات الغاز مؤمَّنة مع وجود خطط احتياطية لعدم تأثر الكهرباء، فإن تسارع الأحداث واحتمالات تفاقمها في المنطقة، يثيران قلق مواطنين وخبراء اقتصاد، من موجات جديدة لارتفاع الأسعار، ومستويات جديدة من التضخم.

وقالت «الخارجية المصرية»، في بيان، السبت، إنها تتابع أوضاع الجاليات المصرية في المنطقة، «وحالة البعثتين المصريتين في طهران وتل أبيب، على خلفية التطورات المتسارعة والتصعيد العسكري »، مشيرة إلى عدم وقوع أي إصابات بين أبناء الجاليات المصرية حتى صدور البيان.

وداخلياً، عقد رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، لقاءات مع الوزراء المعنيين بملفات مرتبطة بالسلع الغذائية والمواد البترولية. وأكد وزير التموين المصري شريف فاروق لمدبولي «توافر مخزون آمن من مختلف السلع الأساسية، بأرصدة تكفي عدة شهور، مع استمرار الجهود الخاصة بضخ السلع في الأسواق، ومتابعة الأسعار، لتحقيق الضبط اللازم لصالح المواطنين».

وطمأن وزير البترول المصري كريم بدوي، رئيس الوزراء، على «استقرار الاحتياطيات من المواد البترولية عند مستويات آمنة، مع انتظام تأمين الإمدادات بتنوع منتجاتها لمختلف الاستخدامات، خصوصاً القطاعات الإنتاجية»، مشيراً إلى أن المرحلة الماضية شهدت تنفيذ إجراءات لتعزيز الجاهزية لأي سيناريوهات، ووُضعت خطط متكاملة تدعم سرعة الاستجابة في مواجهة أي متغيرات طارئة في هذا القطاع، حسب بيان رسمي.

وبالمثل، أكد وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، استقرار العمل بالشبكة القومية للكهرباء في مختلف قطاعاتها، مع انتظام تأمين إمدادات المحطات من الغاز الطبيعي، ووجود خطط لاستمرار العمل لضمان استقرار الشبكة واستمرارية التيار الكهربائي لمختلف الاستخدامات.

ولم تقلل تأكيدات الوزراء لاستعداد مصر المسبق لسيناريو الحرب، من مخاوف الشارع المصري من تداعياتها السلبية، خصوصاً أن تصريحات حكومية سابقة وعدت بأن يشهد عام 2026 تحسناً في الأوضاع؛ ما لم تحدث تغيرات إقليمية كبيرة.

رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي يتابع تداعيات التصعيد في المنطقة (مجلس الوزراء المصري)

وحدّد الباحث الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، الآثار المتوقعة على الاقتصاد المصري، في ارتفاع معدلات التضخم، وتدهور سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فضلاً عن التأثيرات المتوقعة والسريعة على سوق المال.

وأوضح عبد النبي لـ«الشرق الأوسط» «أن التداعي الأول كأثر فوري للأحداث ستشهده سوق المال (البورصة) عند افتتاح معاملاتها الصباحية الأحد، متأثراً بالتراجع المتوقع لأسواق المال الخليجية.

«ويوم الاثنين، حين يبدأ التداول في سوق النفط بالبورصات العالمية، سنجد ارتفاعاً كبيراً إثر الضربات التي استهدفت دول نفطية، ما سيهدد عملية الإمدادات، وينعكس على أسعار النفط عالمياً، ومن ثم زيادة فاتورة استيراده على الدولة المصرية، وتراجع سعر الجنيه أمام الدولار»، حسب عبد النبي.

وسبق أن تعهد رئيس الوزراء المصري بعدم رفع أسعار المحروقات في مصر بعد آخر تحريك لها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ما لم تقع أحداث إقليمية تؤثر في سوق النفط العالمية.

ورأى الباحث الاقتصادي أن كل ذلك سينعكس على ارتفاع معدلات التضخم، التي لن تكون فقط متأثرة بالقوة الشرائية للمواطنين، بل بأحداث خارجية؛ ما سيؤدي إلى موجات تضخمية أعمق قد تمتد إلى النصف الأول من عام 2026.

وارتفع معدل التضخم على أساس شهري في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى 1.2 في المائة، بعدما كان الارتفاع طفيفاً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بنسبة 0.2 في المائة.

وبدوره، قال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي، إن «أي تصعيد عسكري تقوده إيران في منطقة الخليج، خصوصاً إذا وصل إلى حد إغلاق مضيق هرمز، سيمثل صدمة اقتصادية عالمية تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري؛ فالمضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وأي تعطّل لحركته يعني قفزة حادة في أسعار الطاقة، وعودة موجات التضخم المستورد، وارتفاع درجة عدم اليقين في الأسواق الدولية».

وأضاف الإدريسي، في بوست عبر «فيسبوك»، أن «السيناريو الأخطر يتمثل في قفز أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 110 أو 120 دولاراً للبرميل. في هذه الحالة، سترتفع فاتورة الواردات البترولية لمصر؛ ما يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ويزيد الحاجة إلى تدبير عملة أجنبية إضافية. ومع كون الطاقة عنصراً أساسياً في تكلفة النقل والإنتاج، فإن الزيادة ستنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصاً الغذاء والمنتجات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة».

يأتي ذلك في وقت تعاني فيه الأسواق المصرية من ارتفاعات موسمية للأسعار مرتبطة بشهر رمضان.

«سوق العتبة» وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدي مستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية»، اللواء محمد الغباري، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قلقه من عودة استهداف الحوثيين للسفن في البحر الأحمر؛ ما سيعني تدهور حركة الملاحة مجدداً في قناة السويس، بعدما بدأت تشهد تحسناً ملحوظاً مع وقف الحرب في غزة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقُدرت خسائر قناة السويس المصرية إثر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، على مدار عامين، إلى ما يناهز 9 مليارات دولار (الجنيه نحو 47 دولاراً).

ودفع تفاقم القلق عضو مجلس النواب (البرلمان) مصطفى بكري إلى المطالبة بعقد جلسة طارئة لمجلس النواب؛ لبحث تداعيات التصعيد الإقليمي، محذراً من انعكاساته المباشرة على الأمن القومي المصري، واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وفق وسائل إعلام محلية.

لكن الغباري ما زال يرى أن «الضربات العسكرية حتى الآن، محدودة، في إطار سياسة ليِّ الذراع لدفع إيران إلى القبول بشروط المفاوضين، وهو أمر يُستخدم أحياناً عند تعثر مفاوضات قائمة، ولا يعني انسداد المفاوضات، أو الانتقال إلى حالة الحرب الواسعة».

وتستمر «لجنة الأزمات» في مجلس الوزراء في متابعة الأوضاع والمستجدات «على مدار الساعة»؛ «لعرضها على رئيس مجلس الوزراء، للاطلاع على مجريات الموقف، وتطورات الأحداث، وسيناريوهات الأزمة، والوقوف على تأثيراتها في دول المنطقة، والداخل المصري»، وفق بيان رسمي.