سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي

في الذكرى الـ50 لاستقلالها

سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي
TT

سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي

سنغافورة أمام تحديات داخلية وخارجية لمواصلة النمو الاقتصادي

احتفلت سنغافورة في التاسع من أغسطس (آب) الحالي، بالذكرى الـ50 لاستقلالها، وذلك بعد أن تحولت من البلدة التي كانت تعرف باسم «قرية الصيد المتخلفة»، لتُصبح الآن واحدة من الدول صاحبة أعلى معدلات الناتج المحلي الإجمالي للفرد في العالم (نحو 56 ألف دولار). وتأتي سنغافورة في المرتبة الثالثة من حيث الدولة الأكثر تنافسية على مستوى العالم، خلفا للولايات المتحدة وهونغ كونغ.
وتعتبر سنغافورة واحدا من أفضل البلدان عالميا، وذلك بفضل انخفاض معدلات الجريمة، وتكاد تخلو من الفساد في القطاع العام. وتقع سنغافورة في مصب مضيق ملقا، حيث يمر من خلالها نحو 40 في المائة من التجارة العالمية، وهي ثاني أكبر ميناء للحاويات في العالم بعد شنغهاي. بل تعد أيضا مركزا للسفر الجوي الإقليمي والعالمي.
وارتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد في سنغافورة بمعدل نمو سنوي بلغ 10 في المائة خلال العقود الخمسة الماضية، في واحد من أفضل الاقتصادات أداء في العالم، بل يُعتبر الأكثر إثارة للإعجاب حينما نعرف أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد كان يُمثل ثُلث الناتج فقط في دول أخرى خلال عام 1965، عام الاستقلال، وفقا للخبراء الاقتصاديين في مصرف «مورغان ستانلي».
ولكن بصورة مُخيبة للآمال، تعثر اقتصاد سنغافورة في الربع الأخير، مسجلا أكبر انخفاض فصلي في النمو منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، متأثرا بتباطؤ نشاط التصنيع بشكل حاد بفعل انخفاض الطلب في الخارج، الأمر الذي دفع بعض الاقتصاديين إلى خفض توقعاتهم للنمو في سنغافورة للعام بأكمله.
وانكمش اقتصاد سنغافورة على أساس ربع سنوي بنحو 4.6 في المائة في الربع الثاني من العام الحالي عن الربع السابق. ويعتبر هذا هو الانكماش الأسوأ منذ الربع الثالث من عام 2012 بعد انكماش بنحو 4.2 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
وأظهرت البيانات الرسمية انكماشا سنويا في نشاط التصنيع بنحو 14 في المائة خلال الربع الثاني من العام الحالي، وكذلك انكمش النمو في قطاعي الخدمات والبناء بعد التوسع الذي شهده القطاعان في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
وقالت وزارة التجارة والصناعة في سنغافورة، في وقت سابق من يوليو (تموز) الماضي، إن انكماش التصنيع يأتي بشكل كبير بسبب هبوط الإنتاج في المجموعات الهندسة الطبية وقطاع النقل. وهذان اثنان من بين القطاعات الأكثر تقلُبا في قطاع الصناعات التحويلية في سنغافورة بسبب ارتفاع القيمة بهما.
وتشير تقديرات الناتج المحلي الإجمالي الصادرة عن وزارة التجارة والصناعة، إلى نمو الاقتصاد في الربع الثاني بنحو 1.7 في المائة، مقارنة مع نمو بنسبة 2.8 في المائة عنها في الربع الأول. وكان استطلاع سابق أجرته «بلومبيرغ» قد توقع نموا بنحو 2.6 في المائة في الربع الثاني.
ويتوقع معظم المحللين استمرار النمو خلال كامل عام 2015 ضمن التوقعات الرسمية بين 2 و4 في المائة، على الرغم من أن البعض يرى أن الانخفاض كان حادا بما يكفي لتضييق التقديرات إلى ما بين 2 و3 في المائة فقط بعد الأرقام الكئيبة في الربع الثاني.
وقطع الاقتصاديون توقعاتهم الخاصة للنمو في عام 2015، وقال الاقتصادي «يونغ واي هو»، ببنك «باركليز»، إنه قد خفض توقعاته للنمو الاقتصادي للعام بأكمله من 3.4 في المائة إلى 2 في المائة فقط.
وخفض بنك التنمية الآسيوي توقعاته لنمو اقتصاد سنغافورة هذا العام إلى 2.8 في المائة عن تقديراته في شهر مارس (آذار) الماضي عند 3 في المائة.
لكن الاقتصاديين في «سي آي إم بي»، و«سيتي»، و«أو سي بي سي»، يعتقدون أن النمو هذا العام قد يأتي أقل حتى من 3.5 في المائة. فمجموعة «سي آي إم بي» المصرفية تتوقع نموا في حدود 2.5 في المائة إلى 3.5 في المائة (انخفاضا من 3.8 في المائة)، في حين يتوقع مصرفا «سيتي» و«أو سي بي سي» نموا بنحو 3.1 في المائة و3.3 في المائة على التوالي (انخفاضا من 3.5 في المائة على حد سواء).
ويقول بعض الاقتصاديين إن معدلات النمو الأبطأ من المتوقع تُرجح احتمالات قيام هيئة النقد في سنغافورة (MAS) بإبطاء رفع قيمة الدولار السنغافوري خلال استعراضها للسياسة النقدية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المُقبل.
وفقد الدولار السنغافوري نحو 10.5 في المائة من قيمته أمام الدولار الأميركي خلال عام، ليُسجل 1.3846 دولار سنغافوري أمام الدولار الأميركي، مُقابل 1.2523 دولار فقط في أغسطس من العام الماضي.
ويرى رئيس الوزراء السنغافوري لي هسين لونغ أن تعزيز الاقتصاد وشيخوخة السكان والحفاظ على الهوية الوطنية هي أكبر ثلاثة تحديات ستواجه سنغافورة على مدى نصف القرن المقبل.
وقال لونغ، في مقابلة نشرتها مجلة «تايم» الأميركية نهاية يوليو الماضي، إن التحدي الفوري على مدى العقد المقبل هو الانتقال بنمو الاقتصاد السنغافوري إلى المستوى الأعلى.
فخلال السنوات الخمس المُقبلة، من المتوقع أن يرتفع عدد المتقاعدين عن العمل عن الداخلين الجُدد إلى مجال العمل، وفقا لتقديرات الحكومة السنغافورية. وبحلول عام 2025، وكنتيجة لأن سنغافورة تعتبر واحدة من أبطأ الدول نموا في عدد المواليد، فإنه من المتوقع أن ينكمش عدد السكان. وبالمثل ستكون إجراءات العمل قاسية، وستتخارج الشركات الأجنبية من البلاد، ورُبما تُصبح المعجزة الاقتصادية في سنغافورة في دفاتر التاريخ فقط.
وقال فيكتور ميلز، المدير التنفيذي لغرفة التجارة الدولية بسنغافورة، في مقابلة مع وكالة «رويترز»، إن القيود المفروضة على العمالة الأجنبية، بسبب المخاوف من خروجها من سوق العمل، فاقمت من مخاطر نقص العمالة، خاصة في الصناعات التحويلية والخدمات وقطاعات البناء، في بلد معروف بانتهاج السياسات صديقة الأعمال المحلية والأجنبية على حد سواء.
ويعتبر الصعود الآسيوي، وتأثير التكنولوجيا الخارجية والحاجة للعمال ذوي المهارات الأعمق والأكثر قدرة على التكيف من بين التحديات الرئيسية التي تواجه سنغافورة في العقود المقبلة.
وقال الوزير الثاني للتجارة والصناعة في سنغافورة ايسواران، في حفل عشاء بداية أغسطس الحالي، إن الاقتصاد الصيني لا يزال صاعدا، على الرغم من المخاوف بشأن تباطؤ النمو، وصعود الصين يجعلها تتنافس على نحو متزايد مع سنغافورة في قطاعات تصنيع التكنولوجيا العالية، مثل صناعة أشباه الموصلات.
والهند، أيضا، أعلنت عن استراتيجيتين أساسيتين وهما «اصنع في الهند» و«المدن الذكية» على قمة أولوياتها، مما قد يخلق قاعدة تصنيع جديدة في آسيا.
وأضاف ايسواران، قائلا: «سنغافورة مُحاطة بعدد من الاقتصاديات الإقليمية الناشئة التي لديها الكثير من الإمكانات غير المستغلة. وهذا يعني أنه يجب أن نواصل البناء من أجل تعزيز قوتنا بأننا (الجسر الذي يربط بين آسيا وبقية العالم)».
ويرى الخبير شاهيدول إسلام، الاقتصادي بجامعة سنغافورة الوطنية، أن نجاح اقتصاد سنغافورة يرتبط بنمو قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات الراقية. ولكن في السنوات القليلة الماضية بدأت الإنتاجية في الانخفاض، مما جعل الحكومة تتبنى سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية التي بدأت في عام 2010 لحث الشركات على الإنتاج بوتيرة أعلى مع عدد أقل من العمال.
وتعول سنغافورة في الأعوام الـ50 المُقبلة على عمليات التصنيع المتقدمة، ومجالات الطيران والخدمات اللوجيستية، والعلوم التطبيقية والصحة، ونمو المدن الذكية والخدمات المالية.
ويقول شاهيدول، في مقالته بعنوان «سنغافورة في الـ50: من العالم الثالث إلى الأول» بجريدة «الديلي ستار» ومقرها بنغلاديش: «رغم نجاح سنغافورة المثير للإعجاب، فهي تُعاني عددا من التحديات المُتنامية داخليا وخارجا».
وتابع شاهيدول قائلا: «داخليا تُعتبر سنغافورة واحدة من أغلى المدن المعيشية في العالم، وفقا لوحدة الاستخبارات الاقتصادية في سنغافورة. فالدولة لديها واحد من أغنى المليارديرات في العالم، لكن في الوقت نفسه يرتفع عدم المساواة في مستوى الدخول بها. وسكان سنغافورة يشيخون بسرعة ومعدلات الخصوبة تنخفض سريعا، مما اضطر الدولة إلى الاعتماد على المهاجرين. فالدولة عدد سكانها يبلغ 5.5 مليون نسمة، وأكثر من النصف ولدوا خارج سنغافورة».
وخارجيا، ستتزايد أهمية النمو في الصين وبقية الدول الصاعدة في آسيا في العقود المقبلة. فالصين تنفق مليارات الدولارات على تطوير الموانئ والبنية التحتية البحرية الأخرى لربط مدنها الساحلية مع المحيط الهندي والمحيط الهادي، فضلا عن آسيا الوسطى وأوروبا من خلال طريق الحرير البري.
وهناك عمليات تطوير مُحتملة لقناة «برزخ كرا» التي تربط خليج تايلاند مع بحر اندامان يمكن أن توفر للسفن نحو 1200 كيلومتر من المسافة الإجمالية التي تقطعها. ويرى شاهيدول أن تلك القناة إذا تم تطويرها فيمكن أن يقوض ذلك من أهمية مضيق ملقا وسنغافورة.
وعن اقتصاد سنغافورة، قال صندوق النقد الدولي إنه يتوقع ارتفاع الإنتاجية في الصناعات التحويلية في ظل إعادة الهيكلة الاقتصادية الجارية في سنغافورة التي رُبما تُمكن الحكومة من الانتقال إلى التكاليف المُنخفضة في الأجل القصير.
وأشار تقرير صندوق النقد الدولي، في تقريره الأخير عن سنغافورة، إلى أن النهج المرن والعملي لإعادة الهيكلة، بما في ذلك التعديلات المحتملة لسياسات العامل الأجنبي وحوافز الاستثمار، ستجعل هناك ميزة لسنغافورة عن غيرها من الاقتصاديات المُجاورة بما يُمكنها من المنافسة بقوة.
وعلى النحو ذاته يتوقع الصندوق نمو الاقتصاد في سنغافورة بنسبة 3 في المائة هذا العام، بنفس الوتيرة كما في العام الماضي. وقال صندوق النقد الدولي: «سيتم دعم النمو من خلال هيكلة سياسات الاقتصاد الكلي، وخفض تكاليف الطاقة والانتعاش التدريجي في الطلب الخارجي، وبقاء معدل البطالة أقل من 2 في المائة، فضلا عن بقاء التضخم تحت السيطرة».



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.