نقد المستعمَر... غياب النظريات المتماسكة

الكتابات العربية مليئة بالنقد الذاتي

راناجيت غوها    -   حميد دباشي
راناجيت غوها - حميد دباشي
TT

نقد المستعمَر... غياب النظريات المتماسكة

راناجيت غوها    -   حميد دباشي
راناجيت غوها - حميد دباشي

«غرب زاديغي» عنوان كتاب لباحث إيراني اسمه جلال الأحمد. العبارة تعني بالفارسية «الثمل بالغرب». يخبرنا عن ذلك الباحث الإيراني حامد دباشي في كتابه الصادر بالإنجليزية «أوروبا وظلالها»، فهو يترجم العبارة الفارسية إلى المفردة الإنجليزية المركبة «Westoxication» المشتقة من الجمع بين كلمتين، تعني الأولى «الغرب» والثانية «الثمل» أو السُكْر (Intoxication). أما جلال الأحمد فلم أسمع به قبل الاطلاع على كتاب دباشي الذي يعرّف بالكتاب ويناقش أهميته، والأرجح أن كثيراً من القراء العرب لم يسمعوا لا بالكتاب ولا بالمؤلف. ولا يلام القارئ العربي إن لم يعرف أياً منهما لأن الكتاب لم يترجم، كما يبدو، إلى لغة أوروبية فضلاً عن أن يترجم إلى العربية، وعدد من يعرف الفارسية بين المثقفين أو الباحثين العرب قليل جداً فيما أظن. إنها المشكلة التي تعيشها الشعوب والثقافات التي تركن في معارفها إلى ما يأتيها من الغرب: إن لم يترجم الكتاب إلى لغة غربية فحري به وبمؤلفه ألا يعرف عند غير أهله.
شد انتباهي عنوان كتاب جلال الأحمد، الذي صدر عام 1962 وما ذكره دباشي عنه لأنني تذكرت كتاباً حديثاً نسبياً لباحث هندي يتناغم معه في العنوان هو «إغراءات الغرب» صدر عام 2006، الباحث الهندي هو بانكاج مشرا الذي يختلف عن المؤلف الإيراني في أن كتابه مؤلف بالإنجليزية، الأمر الذي يزيد من احتمالات انتشاره، مع أن كون مؤلفه هندياً ليس مما يخدمه عند كثير من القراء غير الغربيين، فقد اعتدنا أن ننظر باحترام إلى ما يصدر عن أوروبا وأميركا أكثر مما يأتي من غيرهما من جهات العالم، أن نهتم بكتاب صادر في فرنسا أكثر من كتاب صادر في الصين أو أندونيسيا بغض النظر عما يمكن أن يحمله الكتاب أو يطرحه المؤلف.
تلك الفجوة هي ما يبدو أن الباحثين الإيراني والهندي معنيان بها، كما توحي بذلك العروض والمراجعات المتوفرة للكتابين، ففي العنوانين إشارة ضمنية إلى ما أشير إليه بـ«نقد المستعمَر» (بفتح الميم). أجل بفتح الميم لأننا اعتدنا أن نقرأ نقد المستعمِر بكسر الميم، والاعتياد ناجم عن كثرة النقد الموجه للدول الاستعمارية للكشف عن تاريخها المظلم والآثار المدمرة للاستعمار. النقد ما بعد الاستعماري معني بذلك النقد، كما هو معروف، فلا غرابة أن يتجه التفكير إلى القوى الاستعمارية بدلاً من المناطق التي وقع عليها الاستعمار. ومع ذلك فإن النقد ما بعد الاستعماري لم يتجاهل المجتمعات التي وقع عليها الاستعمار فهي موضع نقد أيضاً، وإن لم يكن بالكثافة التي انصبت على القوى الاستعمارية. على أن من الضروري فهم النقد هنا على أنه الكشف عن مواطن الخلل على اختلاف أشكاله في الخطاب الثقافي والسياسي، أي تقييم ذلك الخطاب وليس الاكتفاء بتحليله والكشف عن سماته أو تأريخه.
أحد النقود التي وجهت إلى كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد هي أنه لا يعرف الشرق الذي يدافع عنه في وجه التنميط الاستشراقي والتعسف أو العنف في التعامل معه. يقول بيرنارد لويس، المستشرق البريطاني - الأميركي، إن سعيد لا يعرف تاريخ المنطقة، ويخلط كثيراً من الأمور بشأن ما يسميه الشرق (ولويس، كما هو معروف، ممن اتهمهم سعيد بالتعاون مع القوى الغربية في سياساتها الإمبريالية). وما يقوله لويس في نقده ينطوي على مسائل وجيهة ويصعب إنكارها، منها اختصار سعيد الشرق كله في الشرق الأوسط، وعدم تحريه الدقة في بعض المعلومات التاريخية التي يوردها. ولويس، كما هو معروف، ومهما قيل في تحيزه يظل عالماً بتاريخ العالم الإسلامي وبعض الثقافات الشرقية ولغاتها على نحو لا يتوفر لباحث مثل سعيد أفنى جل عمره في دراسة الآداب والثقافات الغربية بوصفه متخصصاً فيها. ولكن بغض النظر عن أهمية نقد لويس وتأثيره على أطروحة سعيد بشأن الاستشراق، ما يبدو صحيحاً هو أن نقد الاستشراق نقد لخطاب غربي حول الشرق، وليس نقداً أو تحليلاً للبلاد التي تقع تحت ذلك المسمى، هو نقد للمستعمِر وليس للمستعمَر. ذلك أن سعيد عني بنقد ما عرف لاحقاً بالخطاب الاستعماري أكثر من عنايته بالثقافات أو المجتمعات التي وقع عليها الاستعمار، وهو ما انصب عليه اهتمام الحقل الذي تطور فيما بعد وعرف بنقد ما بعد الاستعمار، وهذا النقد جعل أوضاع البلاد المستعمرة ضمن اهتماماته وإن لم تكن في بؤرة تلك الاهتمامات.
النقد ما بعد الاستعماري تطور لدى باحثين عنوا بدراسة الجانبين معاً: ما يصدر في الغرب متضمناً رؤى ومواقف تجاه البلاد المستعمرة سابقاً ودراسة أوضاع تلك البلاد من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية في علاقة ذلك كله بالاستعمار. ومن أمثلة ذلك عناية المفكرة الهندية غاياتري سبيفاك، بدراسة خطاب التابع في الهند، أي الخطاب السياسي والاجتماعي المقاوم للاستعمار لدى فئة التابعين أو المهمشين. وكان ذلك الخطاب موضوع بحث وتحليل لعدد من المفكرين الهنود، لعل أشهرهم المؤرخ الهندي راناجيت غوها (Guha) الذي اشتهر بانتمائه إلى «مجموعة دراسات التابع» (سبالترن قروب) (وكلمة «سبالترن» subaltern اشتقت من استعمال الجيش البريطاني لها في الرتب العسكرية، فهي الرتبة الأقل من رتبة ضابط، التي تسمى في بعض الجيوش «ضابط صف»). تركزت تلك الدراسات على الطبقات الدنيا في المجتمع الهندي، لا سيما طبقة الفلاحين، الذين حفلت علاقتهم بالمستعمر البريطاني بالثورات الرافضة لوجوده. عبرت سبيفاك عن إعجابها بدراسات تلك المجموعة من الباحثين الهنود لكنها تحفظت على تجاهلهم للصوت النسائي، الصوت الذي قالت إنه محروم من القدرة على الكلام أو الاحتجاج. ذلك هو موضوع مقالة شهيرة لها بعنوان «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟».
الروائية والناقدة المصرية رضوى عاشور، توقفت عند مسألة متصلة بالعلاقة بين الذات الثقافية والمهيمن الكولونيالي في دراستها لرواية «الساق على الساق» للشدياق التي اعتبرتها الرواية العربية الأولى، ضمن كتاب لها بعنوان «الحداثة الممكنة» (2009). وجدت عاشور أن بعض النقاد العرب يرون أن تحقيق الحداثة الغربية يقتضي اعترافاً بالانحطاط والقطيعة مع التراث، وترى أن ذلك لون من ألوان الاستشراق الذاتي: «النظرة الاستشراقية للذات نظرة ترى في الاعتراف بانحطاط الأنا وتخلفها شرطاً أساسياً من شروط حداثة تعتبرها علاجاً روحياً وعقلياً، ثم المفارقة العجيبة في السعي إلى التحرر والنهوض عبر هذه الحداثة رغم كونها هي نفسها ركيزة من ركائز الهيمنة الكولونيالية». هذا النقد للذات هو نقد للتابع حين لا يرى تبعيته، التبعية التي سبق لعاشور أن تتبعتها في كتابها السابق «التابع ينهض»، وهي أيضاً التي بدت لي واضحة في كتابي «استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث» (2004).
يظل مالك بن نبي بطبيعة الحال رائداً لهذا اللون من النقد، وذلك من خلال مفهوم «القابلية للاستعمار». في كتابه «شروط النهضة» طرح بن نبي ذلك المفهوم شارحاً إياه بأنه لون من ألوان الخضوع للمستعمر يشعر فيه المستعمر الأفراد «المستَعمرين (الأهالي) بتفوقه عليهم وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم من دونه، ودونيتهم في كل شيء». المفارقة هنا هي أن المفكر الجزائري ألف كتابه، الذي يتألف من مجموعة من المقالات ذات الطابع الصحافي، بالفرنسية ليترجم لاحقاً بعد وفاته. وهي مفارقة لا تدل بالطبع على خضوع بن نبي نفسه للقابلية للاستعمار، لكنها تؤكد عمق الإشكالية التي يتحدث عنها. لكن الأهم من ذلك هو أن أطروحة بن نبي لم تتطور فكرياً في صورة نظريات ومفاهيم تختط تياراً يمكن الإشارة إليه في دراسة العلاقة بالاستعمار.
تبقى أهميته في أنه وجه نقده ليس إلى القوى الاستعمارية وإنما إلى من وقع عليه الاستعمار. وواضح أن بن نبي يرى ذلك النقد خطوة أساسية للنهوض، وواضح أيضاً أن الثقافة العربية منذ بن نبي بل وقبله مليئة بالنقد الذاتي، وأن ذلك يشغل حيزاً واسعاً من الكتابات العربية منذ بدايات العصر الحديث، سواء لدى طه حسين أو غيره، لكن ذلك النقد لم يتبلور، حسب علمي، في نظريات أو فلسفات متماسكة أو ذات معالم واضحة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
TT

«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)

في خطوة تهدف إلى دمج الفن في الفضاءات العامة بمصر، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة لتقديم الفنون في الأماكن العامة، كان من أبرز فعالياتها عروض حية للسيرة الهلالية في مترو الأنفاق بالقاهرة، والتي شهدت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً وردود فعل كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

انطلقت العروض، يوم الثلاثاء، في محطة مترو جمال عبد الناصر (وسط القاهرة)، وأعادت أجواء السامر الشعبي إلى قلب العاصمة؛ حيث لاقت صورها ومقاطع الفيديو التي تُظهر مقاطع من السيرة الهلالية مصحوبة بعزف حي على الربابة تداولاً وتفاعلاً واسعاً.

وتداول عدد من رواد المنصات الرقمية مقاطع فيديو وصوراً من الفعالية، مشيدين بالفكرة، ومؤكدين أن مثل هذه المبادرات تقرّب التراث من الناس، وتتيح لهم فرصة التعرف على أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة.

وأكدت وزيرة الثقافة، جيهان زكي، أن هذه الفعاليات ضمن خطة يجري تنفيذها بالتعاون مع وزارة النقل وعدد من الجهات المعنية لنقل الفنون إلى مساحات الحياة اليومية، معربة عن سعادتها بالتفاعل الجماهيري مع الفعاليات، وموجهة الشكر لكل الداعمين للمبادرة، وعلى رأسهم وزارة النقل والهيئة القومية لمترو الأنفاق.

عروض السيرة الهلالية شهدت إقبالاً جماهيرياً في المترو (وزارة الثقافة)

وترى الدكتورة الشيماء الصعيدي، مدير «أطلس المأثورات الشعبية المصرية»، أن «عروض السيرة الهلالية في مترو الأنفاق خطوة مهمة لاستعادة فكرة الثقافة الجماهيرية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «مهمة الثقافة الحقيقية أن تذهب للجمهور في مكانه؛ في عمله أو في الشارع أو في وسائل المواصلات، وعروض المترو تحقق هذا الأمر».

ولفتت إلى أهمية الفعاليات الفنية المشابهة، موضحة أن «تقديم هذه الفنون المصرية الأصيلة في وسائل المواصلات والمترو والشارع من شأنه أن يزيد الوعي ويُحقق قيمة الثقافة بوصفها قوى ناعمة قادرة على تغيير عدد من الأنماط السلبية والارتقاء بذوق المجتمع».

وكانت منظمة «اليونيسكو» قد ضمنت السيرة الهلالية لقائمة التراث الإنساني غير المادي عام 2006، وتم إنشاء متحف للسيرة الهلالية تحت اسم «متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية»، بوصفه أول متحف متخصص في مصر لتوثيق التراث الشفاهي لملحمة السيرة الهلالية، أسسه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي عام 2015 في مسقط رأسه بقرية أبنود بمحافظة قنا. ويضم المتحف مقتنيات نادرة، من بينها أشرطة تسجيل لكبار الرواة.

وبينما يرحب الباحث في الفنون والأدب الشعبي بأكاديمية الفنون، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، بالفكرة، عادّاً إياها مهمة وتحمل جانباً إيجابياً يتمثل في «إيصال السيرة إلى الناس من خلال الذهاب إليهم بدل انتظار قدومهم، وهو أمر جوهري للحفاظ على السيرة الهلالية، التي تعد السيرة الوحيدة التي ما زال لها رواة شفاهيون أحياء»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لكنه أشار أيضاً إلى جانب آخر للعرض، بوصفه «يقدم السيرة في فضاء متقلب يبعدها عن بيئتها الطبيعية بوصفها تراثاً شفهياً له سياق اجتماعي كامل، يشمل الرواة والسمر والزمن الممتد، وجمهوراً يستمع».

ودعا الحجراوي إلى ضرورة «البناء على هذه المبادرة لتأسيس سياسات ثقافية مستدامة تحمي فن الرواية الشفاهية، وتدعم رواته مادياً ومؤسسياً، مثل تخصيص بيوت لرواة السيرة الهلالية مثلاً بحيث لا تكون مجرد حدث موسمي».

جانب من السيرة الهلالية في المجلس الأعلى للثقافة (وزارة الثقافة)

في هذا السياق، أقام المجلس الأعلى للثقافة في مصر أمسية فنية تراثية تحت عنوان «بعد المديح في المكمل»، امتدت يومي الثلاثاء والأربعاء من هذا الأسبوع، ضمن خطة المجلس لإحياء وصون التراث الشعبي المصري. وتهدف الأمسية إلى تسليط الضوء على أحد أعرق أشكال الإبداع الشفهي الذي ازدهر في الليالي الرمضانية، حين كانت المقاهي والساحات تمتلئ بأصوات الرواة ومنشدي السيرة الهلالية وهم يروون قصص البطولة والفروسية.

وتضمّن برنامج الأمسية عرضاً غنائياً تقليدياً بمصاحبة أنغام آلة الربابة، استحضر أجواء السيرة كما تناقلتها الأجيال؛ قدّمته فرقة الريس عزت السوهاجي، وصاحبه شرح وتعقيب للدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، الذي أشار إلى أن «السيرة الهلالية تمثل في جوهرها ملحمة الوجدان العربي كما صاغها الخيال الشعبي وتداولها الرواة عبر القرون، وقد وجدت في مصر بيئتها الأخصب؛ حيث أعاد المنشد المصري تشكيلها وفق حساسيته الثقافية، فجعل منها مرآة لقيم الشرف والبطولة والحكمة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


5 طرق بسيطة لتعزيز ذكاء طفلك

كلما زاد تعرض الطفل للكتب زادت فرص نمو مفرداته وفهمه (رويترز)
كلما زاد تعرض الطفل للكتب زادت فرص نمو مفرداته وفهمه (رويترز)
TT

5 طرق بسيطة لتعزيز ذكاء طفلك

كلما زاد تعرض الطفل للكتب زادت فرص نمو مفرداته وفهمه (رويترز)
كلما زاد تعرض الطفل للكتب زادت فرص نمو مفرداته وفهمه (رويترز)

يظن كثير من الآباء أن تنمية ذكاء أطفالهم تتطلب شراء ألعاب تعليمية متطورة أو تطبيقات باهظة الثمن.

لكن خبيرة محو الأمية المبكرة ميليسا مكول تؤكد أن الأمر أبسط بكثير، مشيرة إلى أن التفاعل اليومي الدافئ هو الأساس الحقيقي لبناء الذكاء.

وأوضحت مكول، الحاصلة على درجة الماجستير في التربية والتربية الخاصة، لمجلة «نيوزويك» الأميركية، أن الدماغ في سنواته الأولى يتشكل عبر العلاقات القوية والتواصل المتكرر، مشددة على أن «التحدث والغناء والقراءة واللعب منذ اليوم الأول لولادة الطفل» هي أهم مفاتيح التطور المعرفي.

ولفتت إلى أن هناك 5 طرق بسيطة مدعومة بالأبحاث يمكن للوالدين من خلالها دعم النمو المعرفي لأطفالهم في المنزل - دون الحاجة إلى أي معدات خاصة.

وهذه الطرق هي:

القراءة المبكرة يومياً وفي أي وقت أو مكان

لا ينبغي حصر القراءة في وقت النوم فقط، بل يمكن إدماجها خلال اليوم، سواء في السيارة أو أثناء استحمام الطفل أو حتى وقت تناوله الوجبات الخفيفة. فكلما زاد تعرُّض الطفل للكتب، زادت فرص نمو مفرداته وفهمه.

عدم إهمال الكتب غير الخيالية

بينما تُعدّ القصص والكتب الخيالية قيِّمة، تقول مكول إن الكتب غير الخيالية تلعب أيضاً دوراً رئيسياً في نمو الدماغ.

فالكتب التي تقدم معلومات عن العالم من حول الطفل تعزز فضوله وتوسع حصيلته اللغوية، كما تساعده على ربط ما يتعلمه بحياته اليومية، ما يسرِّع عملية التعلم.

الغناء مع الطفل

قد يبدو الغناء وكأنه لعب، ولكنه يدعم مهارات القراءة المبكرة.

تقول مكول: «تُعزز الأغاني التكرار وتُقوّي الوعي الصوتي، وهو أمر بالغ الأهمية لنجاح القراءة في المستقبل».

وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة «فرونتيرز إن سايكولوجي»، فحص الباحثون العلاقة بين التجارب الموسيقية للأطفال - وخاصة الغناء والأنشطة الإيقاعية - وتنمية الوعي الصوتي.

ووجدت الدراسة أن الأطفال الذين شاركوا بانتظام في الغناء والأنشطة الموسيقية الإيقاعية أظهروا مهارات وعي صوتي أقوى، بما في ذلك القدرة على تمييز القوافي، وتحليل الكلمات إلى أصوات، ومعالجة هذه الأصوات ذهنياً.

وتُعتبر هذه المهارات على نطاق واسع من أهم العوامل التمهيدية للقراءة وفهم اللغة في مراحل الطفولة اللاحقة.

الحوار المتبادل والاستماع الجيد

أكدت مكول أن الحوار قد يكون من أقوى الأدوات التي يمتلكها الآباء. وأشارت إلى دراسة محكمة نُشرت في مجلة علم نفس الطفل التجريبي، تُظهر أن تبادل الحديث باستمرار بين الآباء والأطفال يرتبط بنمو مناطق لغوية أكبر وأكثر نشاطاً في الدماغ.

تخصيص وقت للعب

اللعب يعزز الفضول ويحفز التعلم الطبيعي. وتنصح مكول بالاعتماد على ألعاب لا تعتمد على الشاشات، مع مشاركة الأهل الفعلية دون انشغال بالهواتف.


لبنان يسجّل رقماً قياسياً في «غينيس» بأكبر مائدة إفطار جماعية

استغرق التحضير للمائدة نحو 4 أشهر (الشرق الأوسط)
استغرق التحضير للمائدة نحو 4 أشهر (الشرق الأوسط)
TT

لبنان يسجّل رقماً قياسياً في «غينيس» بأكبر مائدة إفطار جماعية

استغرق التحضير للمائدة نحو 4 أشهر (الشرق الأوسط)
استغرق التحضير للمائدة نحو 4 أشهر (الشرق الأوسط)

سجّل لبنان رقماً قياسياً جديداً في موسوعة «غينيس» عبر إقامة أكبر مائدة إفطار في العالم بلغ طولها 3255.8 متر. ونظّمت جمعية «أجيالنا» الحدث، بعدما كانت قد حطّمت رقماً قياسياً مماثلاً قبل نحو 10 أعوام.

واستضاف مركز «بيال» للمعارض في وسط بيروت النشاط، حيث اجتمع نحو 5800 شخص حول مائدة واحدة لتناول وجبة إفطار موحّدة تألفت من الحساء والسلطات وطبق الأرز مع الدجاج.

جمعت المائدة 5800 شخص من يتامى ومحتاجين (الشرق الأوسط)

وقالت رولا عبود من جمعية «أجيالنا»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن هدف النشاط لم يقتصر على تسجيل رقم قياسي، بل تضمّن أيضاً توجيه رسالة اجتماعية تعبّر عن روح التضامن في لبنان. لذا ضمت المائدة أشخاصاً محتاجين وعدداً من دور الأيتام في بيروت والبقاع والجنوب والشمال.

واضطر المنظمون إلى توثيق مراحل التحضير خطوة بخطوة، نظراً لعدم تمكّن ممثل موسوعة «غينيس» من الحضور إلى لبنان للإشراف على المسابقة شخصياً. وأوضحت رولا عبود أن شروط الموسوعة تفرض تصوير جميع مراحل التنظيم مباشرة ومن دون أي عمليات مونتاج، بما يتيح للحكّام مراجعة التفاصيل واتخاذ القرار على أساس واضح.

وأشارت إلى مشاركة نحو 700 متطوع من طلاب وتلامذة، إضافة إلى أعضاء الجمعية ومتطوعين من مؤسسات وشركات داعمة.

وعند موعد الإفطار، وُزّعت الأطباق على المائدة وشارك الحاضرون في تناول الطعام، بينهم رئيس الحكومة نواف سلام، راعي هذه المبادرة، وعدد من الشخصيات السياسية والاجتماعية.

الرئيس نواف سلام راعي المبادرة كان بين الحضور (الشرق الأوسط)

تشير رولا عبود إلى أن مساهمة عدة شركات غذائية ومؤسسات ساعدت بشكل كبير في تنفيذ هذا النشاط الرمضاني. وتعلّق: «خُصّصت ميزانية ضخمة لإقامة الحدث، شملت تكاليف الإضاءة، والديكورات، واستئجار المكان، وتوفير الحماية من خلال رجال الأمن، بالإضافة إلى تحضير 5800 طبق طعام تطلبت أطناناً من المكونات الغذائية. ومع الدعم الذي تلقيناه من هذه المؤسسات، تمكنا من تجاوز التحديات التي واجهتنا».

واستغرق التحضير للنشاط نحو 4 أشهر، نظراً للحاجة إلى تأمين مكان مناسب وتجهيزات بشرية وفنية. ولفتت رولا عبود إلى أن العثور على مكان مسقوف يستوعب هذا العدد شكّل تحدياً، خصوصاً مع الظروف الجوية الممطرة، خلافاً للتجربة السابقة التي أُقيمت في الهواء الطلق.

يُذكر أن جمعية «أجيالنا» تأسست قبل نحو 30 عاماً على يد الدكتورة لينا الزعيم الدادا، وتركّز نشاطاتها على تمكين النساء ودعم المحتاجين والأطفال الأيتام.

وفي ختام حديثها، أشارت رولا عبود إلى أن الجمعية تنظم خلال شهر رمضان موائد سحور وإفطار يشارك في إعدادها متطوعات تابعات للجمعية، حيث يقمن بتحضير الأطباق في مطبخ الجمعية. وأضافت: «كما نسهم في إقامة ورش عمل للحرف اليدوية لتمكين النساء من تأمين لقمة العيش بأناملهن. وحالياً نعمل على ترميم منزل تراثي قديم في منطقة فردان يحمل عنوان (بيت أجيالنا)، نضعه في تصرف الجمعية ليُسهم في تنظيم نشاطات تدعم تمكين المرأة».