بدأ خبراء جزائريون وفرنسيون اجتماعات بهدف إيجاد مساحة مشتركة لتسوية خلافات تاريخية بين بلديهم مرتبطة بالاستعمار و«جراح الذاكرة». جاء ذلك بعدما اتفق الرئيسان عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون، في الصيف الماضي، على «النظر إلى المستقبل لبناء شراكة اقتصادية استراتيجية، من دون إهمال حقائق التاريخ بين الشعبين».
وباشر 5 مؤرخين جزائريين ونفس العدد من المؤرخين الفرنسيين، الأربعاء الماضي، اجتماعات جرت بالفيديو، لـ«جلاء الحقيقة» حول فترة الاستعمار الفرنسي بالجزائر (1830 – 1962)، وبخاصة مرحلة حرب التحرير (1954 – 1962)، وذلك بهدف صياغة اقتراحات، ستُرفع للرئيسين، تتضمن أفضل الحلول لتجاوز «عقدة التاريخ» التي تعوق إقامة علاقات ثنائية طبيعية.
ويقود العمل من الجانب الفرنسي الباحث الشهير في التاريخ بنجامان ستورا الذي وُلد في الجزائر، وعن الجانب الجزائري محمد القورصو، وهو من أشهر المتخصصين في قضايا الاستعمار وأحداثه وثورة الاستقلال. وصرّح ستورا للإعلام الفرنسي، بمناسبة انطلاق أول الاجتماعات، بأن «النقاشات (بين المؤرخين من الجانبين) جرت في جوٍ ودّي، ولم يكن هناك أي خلاف»، مبرزاً أن لقاءات سابقة تمت بين مؤرخين من البلدين تناولت نفس القضايا، و«لهذا لا شيء استثنائياً بهذا الخصوص، لكن ّالجديد هو كون المسعى يحظى بدعم الدولتين... هناك إرادة سياسية لتشجيع مبادرة قد تسمح بالذهاب نحو التاريخ من دون أن نكون حبيسي الذاكرة».
وتحدث نفس الباحث المتخصص في موجات المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا، في القرنين الـ19 والـ20، عن «عمل مشترك طويل المدى»، أراده الجزائريون أن يبدأ بدراسة أسباب غزو الجزائر، مؤكداً وجود «اتفاق على ضرورة إتاحة المجال للاطلاع على أرشيف الفترة الاستعمارية في القرن الـ19 بكل حرية»، في إشارة إلى مطالب قديمة برفع الطابع السرّي عن جزء من المستندات التي توجد في فرنسا، الخاصة بالاستعمار.
وأشار عضو من فريق ستورا، في تصريحات للصحافة، إلى أن فرنسا وألمانيا أطلقتا عملاً مشتركاً مشابهاً بعد الحرب العالمية الثانية، تناول الغزو النازي لفرنسا، وذلك لتفادي أحقاد في المستقبل.
ولما زار ماكرون الجزائر، نهاية أغسطس (آب) الماضي، صرّح بأنه يريد أن «ننظر معاً إلى هذه المرحلة التاريخية، وهي حاسمة بالنسبة إلينا، من بداية الاستعمار إلى حرب التحرير. إن عملاً كهذا يجب أن نؤديه من دون تابوهات وبحرّية تامة، ونفاد كامل لأرشيفنا». من جهته، كان تبون قد دعا، بهذا الخصوص، إلى «التعاطي مع ملف التاريخ والذاكرة بما يمليه التخصص في البحثِ التاريخي، والتمرس في التمحيص والدقة في التحرّي لجلاء الحقيقة».
والمعروف أن الجزائر تشترط، مقابل إقامة علاقات عادية مع باريس، تقديم اعتذار علني عن جرائم الاحتلال يكون متبوعاً بخطوات أخرى، مثل دفع تعويضات عن هذه الجرائم، والتكفل بتطهير المناطق التي أجرت فيها فرنسا تجاربها النووية، مطلع ستينات القرن الماضي، من التلوث وتعويض ضحاياها مادياً. غير أن ماكرون يُبدي تحفظاً عن «مسألة الاعتذار»، بذريعة أنه متحرر من هواجس الاستعمار الفرنسي بالجزائر، كونه وُلد بعد رحيله عنها بسنوات طويلة، وفق تصريحاته.
وأكّد ماكرون مطلع العام في مقابلة مع مجلة «لوبوان»، أن «أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن نقول: نحن نعتذر وكلّ منّا يذهب في سبيله». وشدد على أن «عمل الذاكرة والتاريخ ليس جردة حساب، إنه عكس ذلك تماماً». في مقابل هذا، فضّل ماكرون خطوات رمزية، مثل الاعتراف بتعذيب واغتيال المحامي والمناضل الجزائري علي بومنجل على أيدي البوليس الاستعماري عام 1957، وبجريمة خطف وقتل المناضل الشيوعي الفرنسي، صديق الثورة الجزائرية، موريس أودان، في نفس العام.
ومطلع 2021، أصدرت الرئاسة الفرنسية تقريراً أعده ستورا، بناءً على طلب ماكرون، يقترح حلولاً لـ«علاج قضية الذاكرة»، قابلته الجزائر بالرفض بحجة أنه «يطمس ممارسات الاستعمار كجريمة ضد الإنسانية». وقال قصر الإليزيه، يومها، إن «مسألة التوبة» عن جرائم الاستعمار مستبعدة تماماً، بعكس ما يتمناه الجزائريون.
10:17 دقيقه
الجزائر وفرنسا تبحثان مساحة مشتركة لطي «أوجاع الاستعمار»
https://aawsat.com/home/article/4287276/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D9%88%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%AA%D8%A8%D8%AD%D8%AB%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%84%D8%B7%D9%8A-%C2%AB%D8%A3%D9%88%D8%AC%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1%C2%BB
الجزائر وفرنسا تبحثان مساحة مشتركة لطي «أوجاع الاستعمار»
الرئيسان الجزائري والفرنسي بالجزائر العاصمة في 27 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الجزائر وفرنسا تبحثان مساحة مشتركة لطي «أوجاع الاستعمار»
الرئيسان الجزائري والفرنسي بالجزائر العاصمة في 27 أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
مواضيع
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








